الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

(8) جذور الفجوة الحضارية.. “عصر التنوير الأوروبي [1-5]” بقلم الكاتب محمد السنى

 

أوضحنا سابقًا كيف حافظت مصر منذ قبل التاريخ، وطيلة العصور القديمة، على ريادتها للحضارة الإنسانية، وقدرتها على مواكبة العصور المتلاحقة بإبداعات علمية وأدبية، وقيم أخلاقية، ومثل عليا، وضعتها في مقدمة الأمم تقدمًا وتحضرًا وازدهارًا متواصلًا ومتجددًا.

كما كانت مصر طيلة العصور الوسطى المصرية، التي شهدت مولد الدول الخمس المستقلة المتعاقبة (الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية، والأيوبية، والمملوكية) أكثر تقدمًا وتطورًا ورقيًا من نظيراتها الأوروبية، التي كانت ترزح تحت ويلات وظلامات مستنقعات العصور الوسطى الأوروبية. وتحققت لمصر إبان تلك الحقبة الندية الكاملة لنظيراتها حول العالم آنذاك (الآسيوي والأوروبي)، بل وتفوقت عليهم في كثير من النواحي الحضارية كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل.

وتطرقناإلىنشاة البدايات الأولى للرأسمالية الأوروبية، وما نتج عنها من رواج التجارة،ونشأة وتطوير المدن، وتكون الطبقة البرجوازية الصاعدة داخل تلك المدن، وتشيكلأيدلوجيتها البرجوازية على أنقاض الأيديولوجيةالأرسطقراطية البالية التي انتهى دورها التاريخي بانتهاء الدور التاريخي للإقطاع. مما أفضى إلى إحداث نقلة نوعية على كافة المستويات الفكرية والاجتماعية والفلسفية والسياسية والثقافية والفنية والتكنولوجية، وذلك بما سُميّ(عصر النهضة الأوروبية) خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، والذي نشأ في إيطاليا ثم انتقل إلى باقي دول أوروبا.

ونود أن ننوه إلى أن بعض المؤرخين والباحثين يذهبون إلى فكرة تقسيم (عصر النهضة الأوروبية) إلى عصرين متتاليين؛ يطلقون على الأول عصر النهضة، والثاني عصر العقل. ولكننا نرى أن ما يسمونه عصر العقل لا يمكن فصله عن عصر النهضة بل هو أحد نتائجه، وأهم خصائصة وملامحه، لذا اعتبرناه عصرًا واحدًا هو (عصر النهضة الأوروبية). حيث تمثل كافة التطورات الاقتصادية (الأساس المادي) لعصر النهضة، بينما تمثل الجوانب العقلية والفكرية والفنية والأدبية (الأساس الثقافي) لعصر النهضة، كما أوضحنا ذلك سابقًا بشيء من التفصيل.

كما أوضحنا سابقًا كيف تزامن ذلك كله مع الاحتلال التركماني العثماني الكارثي لمصر عام 1517م، وإدخالها تحت براثن حكم الإمبراطورية العثمانية الظلامية، وفرض العزلة التامة عليها، مما أضاع عليها فرصة مواكبة تلك التغيرات التاريخية الهائلة، وأحدث بذور الفجوة الحضارية بيننا وبين المجتمعات الغربية، تلك الفجوة التي أخذت تتسع لاحقًا مع عصر (التنوير) الأوروبي،ثم عصر (الحداثة) الأوروبيوما بعده.

عصر (التنوير الأوروبي)، مصطلح يعبر عن حركة سياسية تقدمية وثورية، وأفكار اجتماعية نقدية، وثقافة جماهيرية، وتيارات فلسفية عارمة، تطورت بشكل ملحوظ في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا. وإذا اعتبرنا أن عصر التنوير عصر قصير، عندها يجب أن نعتبره مسبوقًا بعصر (النهضة) والإصلاح.حيث بدأ المفكرون الأوروبيون منذ عصر النهضة كما أسلفنا يستعيدون أفكار وآراء الفلاسفة الإغريق، وبخاصة أفلاطون وأرسطو والفلاسفة السفسطائيين والأبيقوريين، ويطورونها ويضعون اللبنات الأولى للفكر الفلسفي الحديث، الذي ارتكزوا عليه في مواجهة وتقويض أيديولوجية العصور الوسطى الغيبية والظلامية، وأعانهم في مناصرة الدولة القومية الناشئة في صراعها مع سلطة الكنيسة وهيمنة أمراء الإقطاع، وساعد على تطوير مذاهب فكرية وفلسفية واقتصادية جديدة كان من أهمها المذهب التجاري.

حيث واكب عصر التنوير مرحلة (الرأسمالية التجارية)، التي استمرت من منتصف القرن السابع عشر وحتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وسيطر فيها رأس المال التجاري الأوروبي عن طريق الشركات العملاقة على أسواق العالم، والتكدس الهائل لفائض رأس المال (التراكم البدائي لرأس المال).

و(المذهب التجاري) تسمية تعود إلى القرن الثامن عشر، أطلقها الاقتصاديون الليبراليون (أنصار الحرية الاقتصادية)، وعلى رأسهم الاقتصادي الإسكتلندي آدم سميث (1723-1790م)، مؤسس النظرية الاقتصادية التقليدية (الكلاسيكية).ويشتمل المذهب التجاري على مجموعة الآراء والإجراءات الاقتصادية التي طبقها أنصار الدولة القومية في معظم البلدان الأوروبية، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بهدف توفير فائض في الميزان التجاري للدولة، وهذا الفائض هو الوسيلة الوحيدة في نظرهم لجذب المعادن الثمينة اللازمة لتقدم الأمة وتقوية الدولة ولا سيما الدولة المحرومة من مناجم الذهب والفضة.

وكان التجاريون يرون ضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وفرض الحماية الجمركية من أجل تشجيع الصادرات وتخفيض الواردات، ذلك أن مجمل أفكارهم والإجراءات التي اتخذوها كانت تتعارض مع نظرة الاقتصاديين أنصار الحرية الاقتصادية الكاملة. ورغم الانتقادات العنيفة التي وُجهت لهذا المذهب إلا أنهمثل في حينه تنظيمًا شاملًا للصناعة والزراعة والتجارة، يهدف إلى تنشيط الاقتصاد الوطني وضمان قوة الدولة اقتصاديًا وعسكريًا.

وبذلك يمكن تعريف التجارية أو (المذهب التجاري) بأنه مجموعة السياسات والتدابير الاقتصادية التي كان يدعو إليها بعض الاقتصاديين، وطبقها رجالات الدولة والمسؤولون في معظم البلدان الأوربية في مختلف مجالات الاقتصاد الوطنيالصناعية والزراعية ولاسيما في مجال تنظيم التجارة الخارجية والنقل البحري بهدف تحقيق ميزان تجاري رابح ومنع خروج المعادن الثمينة من البلاد، ومحاولة تجميع أكبر كمية ممكنة من الذهب والفضة داخل حدود الدولة، بوصفهما يمثلان الثروة التي يجب أن يكون الحصول عليها هدفًا أعلى للدولة.

ساعد شيوع المذهب التجاري إلى تعظيم قوة الدولة القومية، وزيادة نفوذ الملوك آنذاك، مما انعكس ايجابًا على انتشار أفكار التنوير، وذلك لأن الملوك ورجالات الدولة القومية كانوا أكبر الداعمين للأفكار التنويرية، والراعين للعلماء والتطور والتقدم العلمي والتكنولوجي، والمناصرية للمفكرين والفلاسقة والكتاب والأدباء الإنسانيين. والمناهضين لسلطة الكنيسة والإقطاعيين باعتبارهم منافسين موضوعيين للموك وللدولة القومية الوريث التاريخي لهم.

تميز عصر التنوير بالتركيز على المنهج العلمي فضلًا عن التشكيك المتزايد في الأفكار الغيبية، وهو الموقف الذي سلط عليه الضوء الفيلسوف الألماني إيمانويلكانط (1724-1804م) في مقالته الشهيرة (تجرأ على المعرفة).كما شهد القرن الثامن عشر أيضًا صعود نجم الأفكار الفلسفية التجريبية، وتطبيقها على الاقتصاد السياسي والعلوم والحكومات كما كانت تطبق في الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء. حيث قامت الحركة التنويرية بالدفاع عن (العقلانية) ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة (بدلا من التفكير الغيبي). واشتمل التنوير على مجموعة من الأفكار التي تركز على سيادة العقل والأدلة على الحواس بوصفها مصدرًا أساسيًا للمعرفة.

اعتبر رواد الحركة التنويريةأن مهمتهم قيادة العالم إلى التطور والتحديث وترك التقاليد الغيبية والثقافية القديمة والأفكار اللاعقلانية ضمن فترة (العصور المظلمة). وقد سمحت حركة التنوير للفرد بتطوير قدرة (التفكير النقدي)، والتي تعني القدرة على استخدام العقل، دون توجيه من شخص آخر. وبدءًا من عصر التنوير، شرع الجميع يفكرون بأنفسهم، ويستخدمون عقولهم في تحليل وتفسير بيئتهم دون مساعدة الآخرين. لذلك كان (العلم) و(العقل) هما أهم أبطال عصر التنوير، مما سمح بتحقيق تقدم متكامل للفرد والمجتمع بشكل عام.

انتقد (فلاسفة الأنوار) جمود الفكر السياسي والديني، وتبيعة الثقافة السائدة في المجتمع، وفضحوا فكرة (الحق الإلهي) في الحكم الذي يستند عليه النبلاء والإكليروس لتبرير استبدادهم، ودعوا إلى تأسيس علاقات جديدة بين الحكام في إطار مجتمع علماني يُفصَّل فيه الدين عن الدولة، وهي الأفكار التي تبنتها طبقة البورجوازية الصاعدة،وقد صاغ مفكرو عصر العقل مثاليات عن الكرامة والجدارة الإنسانيتين. كما تحدث فلاسفة الأنوار عن قيم جديدة هي الحرية، والتقدم، والتسامح، والأخوة، والسعادة، والطبيعة، وسيادة الشعب، والحكومة الدستورية، والفصل بين الكنيسة والدولة؛ فانتقدوا الرقابة والقمع في مجال الأفكار والرأي والاقتصاد والسياسة رافعين شعار: “دعه يعمل، دعه يمر”.

جلب التنوير تغييرات هائلة وأصبح العلم والعقل المصادر المشروعة للمعرفة.وشهدت أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر نهضة فلسفية وعلمية تحدت المذاهب التقليدية، وقد قاد الحركة الفلسفية آنذاك كل من فولتير (1694-1778م)، وجان جاك روسو (1712-1778م)، ودافعوا عن الحق في قيام مجتمع يقوم على العقل والعلم بدلًامن الإيمان والعقيدة الكاثوليكية.

نشر إسحاق نيوتن (1642-1727م) كتاب مبادئ الرياضيات،ونشر جون لوك (1632-1704م) عملهُ بعنوان مقال خاص بالفهم البشري في العام 1689م، وقد قدم هذان العملان مجموعةً من الأدوات العلمية والرياضية والفلسفية التي أسهمت في التطور الكبير الذي شهدهُ عصر التنوير.

قدم العديد من النساء مساهمات في مجال العلوم خلال القرن الثامن عشر، وكان من أبرزهن الفيزيائية الإيطالية لورا باسي، وحصلت على الدكتوراة من جامعة بولونيا وأصبحت مدرسة فيها في العام 1732م، والأميرة الروسية كاترين داشكوفا التي تولتمنصب مديرة الأكاديمية الإمبراطورية الروسية للعلوم في سان بطرسبرج في العام 1783م.

كثرت، وتنوعت، وتواصلت الابتكارات والاختراعات في عصر التنوير،ومن الأمثلة على ذلك؛ حُجرة الغوص (لإدموند هالي)، مقياس الحرارة الزئبقي (لدانيال غابرييل فهرنهايت)، ومانع الصواعق (لبنيامين فرانكلين)، ودولاب الغزل (لجيمس هارجريفز)، والمياه الغازية (لجوزيف بريستلي)، والبطارية (لألساندرو فولتا) والكثير غيرها.

تأثر فلاسفة عصر العقل إلى حد كبير بالاكتشافات في العلوم الطبيعية. مثل قانون الأجسام الساقطة الذي اكتشفه جاليليو في إيطاليا، وقانون الجاذبية والحركة اللذين صاغهما السير إسحق نيوتُن في إنجلترا. فقد اكتشف وليام هارفيالدورة الدموية واتقن غاليليو غاليلي عمل التلسكوب، كما عزز نظرية مركزية الشمس التي أصدرها نيكولاس كوبرنيكوس ويوهانس كيبلر في القرن السابق، أما إسحاق نيوتن فقد صاغ نظرية قانون الجذب العام، في حين قام إيفانجيلستاتورشيللي باختراع البارومتر. وقام فرانسيس بيكون بتأليف كتابه (نوفوماورجانوم)؛ ونشر فيه ملاحظاته وتفسيراته للطبيعة مستندًا على المنهج التجريبي كأساس للبحث العلمي، واضعًا أسسها، وتوالت الاكتشافات والاختراعات العلمية، مما أفضى إلى ظهور الثورة الصناعية.

وقد أدت التغيرات الجذرية التي صاحبت (الثورة الصناعية) إلى رسوخ وتعمق الرأسمالية في أوروبا الغربية، التي أطاحت بطبقات المجتمع القديم التقليدية، وأحلّت مكانها طبقتي (البرجوازية) الصاعدة بشكل متواصل، و(البروليتاريا) بصفتها وقود التغيير المجتمعي. حيث قام على كاهلهما معًا التحديث السياسي والفكري.

وتعمق التنوير بشكل مطرد مع تعمق ورسوخ (النظام الرأسمالي الوليد)، والتبدلات التي رافقتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبخاصة في فرنسا وإنجلترا وألمانيا. وبعد تزايد النفوذ الاقتصادي والاجتماعي للبورجوازية الأوروبية، وخاصة البرجوازية الإنجليزية والفرنسية والألمانية، اضطرت فلول الطبقة الإقطاعية إلى تطوير أساليب الإنتاج وقبول الإصلاحات الجديدة وذلك لمواكبة متطلبات العصر.

ساعد هذا العصر الأشخاص على الإيمان بأن التاريخ يمكنه التطور والتقدم في المجال الاقتصادي (الرأسمالية التجارية)، ورغم تزايد قوة الدولة القومية؛ ناصرت فلسفة الأنوار حرية الإنتاج، والتبادل التجاري، ورفضت القيود الجمركية، التي كانت تحد من تدفق السلع، موجهة لومها إلى الدولة، وأجهزتها الرقابية، التي تحد من حرية التجارة والمبادرة.

أفضىت تلك التطورات ألي نشأة (الدولة القومية) في أوروبا الغربية.وارتكز قيام هذه الدولة على وجود بيروقراطية، وقيام جيش كمؤسسة قوية ومتمتعة باستقلال نسبي، وسيادة جو من العقلنة في التنظيم، وقد سادت في هذه الدولة أنظمة سياسية بديلة عن أنظمة القرون الوسطى، بحيث قامت هذه الأنظمة بانتزاع الصفة الإلهية عن سلطة الملوك فاصلة الدين عن الدولة، وأفضت إلى الإعلان عن لائحة حقوق الإنسان، وترسيخ قيم الطبقة الوسطى فكرًا وسلوكًا وسياسةً، والانتقال إلى (عصر الحداثة).

ويعود ظهور الدولة القومية بملامحها الأولى تاريخيًا إلى القرن الرابع عشر الميلادي حيث تمكن ملوك فرنسا وإسبانيا من إخضاع الكنيسة والأسياد الإقطاعيين إلى سيطرتهم، وقد أدى الملوك دورًا أساسيًا في بروز الدولة القومية، أي أنهم كانوا الطرف الأهم في معادلتها. ومع ظهور الدولة القومية مُنح الأفراد صفة (المواطنة) لدولة محددة بالإضافة إلى كونهم رعايا لملوكهم.

تجذر مفهوم (الدولة القومية) وسيادتها في أوروبا بعد معاهدة ويستفاليا عام 1648م، التي رسخت أول اعتراف رسمي بالدولة القومية الحديثة أو (الدولة الأم)، واعترفت بحدود الدول القومية، وأقرت وشرعنت الاحترام المتبادل لسيادة هذه الدول على أراضيها ومواطنيها، وأنهت الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا؛ حرب الثلاثون عامًا (1618-1648م) التي اندلعت في البداية كصراع ديني بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت كصراع سياسي من أجل السيطرة على الدول الأخرى،وحرب المائة عام(1337-1453م) بين إنجلترا وفرنسا.

وكانت (الدولة الأمة) تعني أن يتخذ كل مجموعة من الأعراق وأصحاب التاريخ الواحد واللغات المتشابهة أرضا ويعينوا لها حدودًا وتصبح بذلك دولتهم التي لا يُغير عليها أحد ولا يشاركهم فيها أحد. كما أنها قننت أسس التعامل بين الدول الأوروبية التي كانت تتكون منها الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فضلًا عن كونها أرست معالم نظام دولي جديد قوامه (الدولة القومية). وهكذا، فقد ظهرت (الدولة القومية الحديثة) في بعض دول أوروبا كمحصلة لمسيرة التطور الاجتماعي، والاقتصادي، والأحداث السياسية، ومن ثم انتشر هذا النمط من أنماط التنظيم السياسي إلى بقية أرجاء القارة.

وفي واقع الأمر، لم يأت ظهور الدولة القومية من فراغ، بل إنه كان مصاحبًا لعملية تحولات عميقة عُدّت بمثابة انتقال من عصر إلى آخر، من المجتمع الزراعي التقليدي (الإقطاعي)، إلى المجتمع الصناعي الحديث (الرأسمالي) وهو مجتمع أطلق تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية ديناميكية. فلقد استطاعت الأمم والشعوب التي تطور فيها أسلوب الإنتاج الرأسمالي أن تسبق غيرها من الشعوب والأمم في بناء دولتها الحديثة، بعد أن استكملت وحدتها القومية، وإقامة المؤسسات التمثيلية والتنفيذية والبيروقراطية التي شكلت دعائم وأسس هذه الدولة. ومن ثم فإن حياتها السياسية قد تطورت بالتوازي مع اتساع الدائرة المدنية، وانفصل لديها ما هو سياسي عن ما هو ديني، من خلال إضعاف السطوة الشمولية للكنيسة، وتحقيق نوع من الاستقلال النسبي للأصعدة المتراكمة السياسية، والثقافية، والاقتصادية. في حين اعترف (المجتمع المدني) الذي تشكل كنقيض للدولة الإقطاعية وعلى أنقاضها، بهذا الكيان وخضع له، على إنه نتاج طبيعي وممثل عضوي لأهدافه.

وبذلك جاءت الدولة الحديثة نتيجة مسار اقتصادي واجتماعي وفكري وسياسي متعدد المشارب والتجارب، فمن الصراعات التي قامت بين العديد من المَلَكيات وبين السلطة البابوية في العصور الوسطى، إلى الإصلاح الديني البروتستانتي إلى الثورات الأوروبية الحديثة، تشكلت ملامح الدولة وتغلغلت فكرتها داخل الفكر كما في الممارسة. وبهذا المعنى، فإن الدولة القومية الحديثة انبثقت من صميم إرادة الجماهير وخرجت من صلب المجتمعات التي تشكلت فيها. ومن ثم فإن ولادتها جاءت متسقة مع ثقافة تلك المجتمعات ومستوى تطورها السياسي ولم تكن مفروضة عليها من الخارج. ومن هنا شكل ظهور الدولة القومية عنصرًا هامًا وحيويًا من عناصر ولادة عصر التنوير.

كما ساعدت عوامل عديدة أخرى على نشأة وانتشار أفكار التنوير، مثل فقدان المصداقية في رجال الدين وخاصةً الدين المسيحي. وضعف المعتقدات الثقافية المتجذرة في المجتمع. وتعمق النزعة الإنسانية التي تعتبر الإنسان مركز كل ما هو موجود. وسمو القدرة العقلية للإنسان.

أدت فلسفة رينيه ديكارت (1596-1650م) إلى ما يُعرف بالعقلانية من خلال مقولته الشهيرة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. وأدرك الفلاسفة بأن الوصول إلى تلك الاكتشافات العظيمة تم عن طريق استخدام الرياضيات، ومن ثم اعتقدوا أن الرياضيات تنتج خلاصات مؤكدة تأكيدًا مطلقًا، لأن العملية الرياضية بدأت بحقائق بدهية بسيطة، وانتقلت من خطوة بدهية إلى أخرى، وباستخدام هذه الطريقة اكتشف العلماء قوانين الطبيعة التي كانت ستظل مجهولة لولا ذلك. ونتيجة لذلك، آمن فلاسفة عصر التنوير بأن الرياضيات هي الأنموذج الذي ينبغي على كافة العلوم الأخرى احتذاؤه. صفوة ما يمكن أن يستنتج مما سلف أن هذه القيم عملت على تسريع الحداثة في المجتمع الغربي، فأثّر ذلك في طبيعة حياة الأوروبي، التي سادت في القرنين السابع عشروالثامن عشر.

كان مصطلح (التنوير) في البداية متداولاً في الحقل الديني، أي أنه كان ديني المنشأ قبل أن يتعلمن على يد الفلاسفة في عصر العقل، وقد كان يعني في النصوص التوراتية ونصوص الإنجيل المتداولة ما هو عكس (الظلمات).لقد كان مصطلح التنوير طيلة العصور الوسطى في كتابات اللاهوتيين المسيحيين والصوفيين وأصحاب التقى والورع، وهو يدل على الوحي المنير أو الإشراقي الذي يضيء للإنسان طبيعته، ثم راح هذا المصطلح ينزع عنه عباءته الدينية تدريجيًا؛ لينتظم ضمن حركية جديدة بأفق معرفي جديد، هو أفق الفلسفة العقلية مع ديكارت وبعده يُذكر الفيلسوف لايبينتز (1646-1716م).هذا ما يرجح الاعتقاد أن فكر حركة الاستنارة لم يكن بتاتًا فكرًا مستقلًا بذاته ينم عن جوهر معرفي محايد ومخصوص به بنيويًا، إنما كان مكملًا لجوهر عصر النهضة وملتحمًا به واستمرارًا لفكره. فالأفكار الكبرى للأنوار لا تعود حصريًا إلى القرنين السابع والثامن عشر، وهي وإن لم تنحدر من العصر القديم تحمل على الأقل آثار أواخر العصر الوسيط وعصر النهضة والعصر الكلاسيكي.

جاء أول تعريف لمفهوم التنوير في كتاب (الوصية) للأب (ميسلي) وذلك في عام 1725م، حيث ذكر: “إن نور العقل الطبيعي هو وحده الكفيل بأن يقود الناس إلى الحكمة والكمال العقليي”.وبعد نصف قرن تقريبًا أجاب اثنان من الفلاسفة في مجلة برلين عام 1784م عن سؤال عن ماهية التنوير، فكتب موسى مندلسون (1729-1786) يقول: “إن كلًا من المعرفة والثقافة والتنوير تعديل للحياة الاجتماعية… ويندرج تحت المعرفة كل من الثقافة والتنوير. وتهتم الثقافة بالجانب العلمي… بينما يهتم التنوير أكثر بالجانب النظري. أي يهتم بالمعرفة العقلانية والموضوعية وقدرة الذات على التفكير في الأشياء الموجودة في الحياة الإنسانية تبعًا لأهميتها وتأثيرها في تحقيق حياة الإنسان”.

وبعد شهرين نشر إمانويلكانط في مجلة برلين عدد ديسمبر عام 1784م مقالته الشهيرة (ما هو التنوير؟) بقوله: “إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد.” وكثيرًا ما يُفسّر عدم النضج بقلة الخبرة، كما عَرّف كانط القصور العقلي على أنه: “التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار بدون استشارة الشخص الوصي علينا.”، ومن هذا المنظور جاءت صرخته التنويرية لتقول: “اعملوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب، تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر، فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها”، وشدد على أن: “حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان” لدحض مَن فهم التنوير على أنه نقيض للإيمان أو الاعتقاد الديني، كما حذر من الطاعة العمياء للقادة أو لرجال الدين، إن مبدأ التنوير عند كانط هو: “كن شجاعًا واستخدم عقلك بنفسك!”.

نخلص من هذا النص التنويري أن الإنسان مسؤول عن قصوره إذا لم يكن سببه نقصًا في عقله، وإنما نقصًا في شجاعته وجرأته على اتخاذ القرار بمفرده، وأن هناك مصلحة في إبقاء الناس على قصورهم وعجزهم، وهم مسؤولون عن ذلك، ويرتبط تطوع الآخرين في فرض وصاياهم عليهم بمصلحة تحقيق السيطرة على القاصرين منهم، لأن الأوصياء يجدون صعوبة في تحقيق سيطرتهم إذا لم يكن هناك أفراد يعجزون عن استخدام عقولهم ويتركون للآخرين اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية نيابة عنهم، وأن للإنسان عقل يميزه عن باقي الكائنات الحية ويوجهه نحو المعرفة الصحيحة والعمل المفيد والقرار الصائب إذا استطاع استخدامه بشكل صحيح وبدون توجيه من إنسان آخر، وأنه ليس هناك شيء يتطلبه التنوير بقدر ما يتطلب (الحرية)، ويعني ذلك حرية الاستخدام العلني للعقل وفي كل الأمور. إذن؛فالمقصود بالتنوير هو الانتقال المجتمعي في القارة الأوربية في القرن الثامن عشر من حال ظلمات التفكير القديم والتقليدي، والذي كان أسير التفكير الديني المسيحي، وغيبياته، وتجاوز مقولات الكتاب المقدس وسلطة النص الديني، إلى تفكير جديد يسوده التفكير العقلي المستقل.

لذلك كان التنوير مشروعًا يمثل مجموعة من الوقائع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، نظام حقيقة وشكل من أشكال التفلسف، ونمط من أنماط المعرفة، ومشروع لعقلنة هذه المعرفة والممارسة على السواء،واختيار معين لاستخدام العقل في التفكير والقول والفعل، وتعزيز القدرة على الحرية والاستقلالية. إلا أن هذا كله لن يتم بمعزل عن علاقات السلطة المتضمنة في تكنولوجيات معينة، وحقول معرفية، سواء كانت فردية أو جماعية، وعمليات من الاستنظام التي كانت تُمارس باسم سلطة الدولة، وحاجيات مجتمع أو مناطق سكنية. وبوصفه موقعًا للذات يعد التنوير موقفًا معرفيًا وسياسيًا وأخلاقيًا.

وفي مقابل عصر (التنوير) الأوروبي، حري بنا أن نتحدث عن (الجمود) المصري، الذي أحدثه(التجريف) الشامل الذي أصاب الأمة المصرية طيلة حقبة الاستعمار العثماني الكارثي، وأفضى إلى (الإضمحلال) الحضاري الأعظم والأخطر في تاريخ الأمة المصرية.

فقد ظلت مصر إبان عصر النهضة الأوروبية، وعصر العقل الأوروبي، وعصر التنوير الأوروبي، تعاني اقتصاديًا تحت حكم الاستعمار العثماني بسبب تدهور الزراعة، حيث أُهملت مشروعات الري، وتحولت الأراضي إلى صحراوات، وكذا لعدم استقرار الأمن، واشتداد النزاع بين فرق الحامية العسكرية، فضلًا عن عدم ثبات قيمة العملة المتبادلة، واختلاف المكاييل والموازين من مكان إلى مكان، وتدهور الصناعات، واضمحلال التجارة الخارجية والداخلية، علاوة على الضرائب المتعددة والباهظة والتعسفية والغير محددة القيمة.

فمن الناحية الزراعية؛ كانت الأرض ملكًا للإمبراطورية العثمانية ممثلة في السلطان، وتُزرع عن طريق تكليف الفلاحين بذلك فيما عُرف (بحق الانتفاع) نظير دفع (الخراج). وأهمل المستعمرون العثمانيون مشروعات تنظيم الري أو إقامة الجسور والسدود والقناطر وطرق المواصلات البرية والنهرية وحفر الترع، بل أن الترع الموجودة أُهملت وغمرها الطمي بسبب عدم تطهيرها، فتناقصت المساحة المزروعة وقل الإنتاج الزراعي وتحولت الأراضي إلى صحراوات. مما أدى إلى انتشار المجاعات والأوبئة وانخفاض ناتج المحاصيل الزراعية، فحال كل ذلكدون تحقيق تنمية زراعية حقيقية،وتدهور أحوال المجتمع الريفي بوجه عام.

ومن أجل جلب الضرائب أُنشأ (نظام الالتزام) الذي اعتمد في المقام الأول على تجميع الضرائب وإرهاق كاهل الفلاح، وكانت حقوق هؤلاء الملتزمون (المتعهدون بجلب الضرائب) ومناصبهم وراثية، وكان لكل جهة متعهد يلتزم بجمع الضريبة وتُعفى أرض هذا المتعهد من الضريبة ويزرعها له الفلاحون. بل زادت بشاعة الاستعمار العثماني بفرض ضريبة سنوية تُرسل للسلطان على أملاك المصريين وتُسمى تلك الضريبة (المال الأميري)، علاوة على ضريبة كان يأخذها المتعهد من الفلاحين لنفسه، بالإضافة إلى الضريبة التي كان يفرضها البكوات (المماليك) لأنفسهم على محصول الأراضي وتُسمّى تلك الضريبة (الكشوفية).وكثيرًا ما كان الوالي يفرض على السكان ضرائب أخرى إضافية كلما احتاج إلى المال لمحاربة نظرائه من المماليك أو مكافحة الباشا أو السلطان، أو لإرضاء الأستانة فتبقيه في مصر ولاية أخرى.وكان السلطان سليم قد أنشأ بالقاهرة قلمًا عُرِفَ (بقلم الأفندية) لتقرير الضرائب ومراقبة جمعها وتسلُّمها من الملتزمين، وجعل فيه دفاتر لحصر حساب الحكومة وأخرى لتدوين انتقال الملكية. ويُعلم مما تقدم أن كاهل الفلاح كان مُثْقَلًا بالضرائب وأعمال السخرة.

ومن الناحية الصناعية ظلت وسائل الإنتاج متخلفة كما هي طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر كما كانت طيلة القرن السادس عشر، ولم يحدث أي تطور تكنولوجي، أو اختراعات، أو اكتشافات علمية، في أي مجال من مجالات الحياة. وأدى التدهور الزراعي إلى انقراض واضمحلال العديد من أنواع الصناعات مثل صناعات بناء السفن، والحرير والكتان التي كانت لمصر فيها شهرة فائقة من قبل، وساءت صناعة المنسوجات الفاخرة، وصناعة الزجاج. واقتصرت الصناعة على بعض الصناعات اليدوية البسيطة الضرورية للاستهلاك المحلى مثل صناعة الغزل والنسيج والفخار والحصير ومواد البناء والسكر وكانت جميعها رديئة.

ساعد على التجريف الحضاري الشامل؛ إرسال العثمانيين منذ السلطان سليم الأول (الصناع المهرة) وأصحاب الحرف والموهوبين والنابغين في كل المجالات إلى القسطنطينية عاصمة الدولة العثمانية لخدمة الباب العالي، كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل.وكانت تلك الظاهرة من سنن العصور الوسطى تتبعها الدول الغازية المنتصرة ضد الدول المُستولى عليها، فكانت سياسة منهجية اتبعها العثمانيون مع كل الأقاليم التي غزوها واستولوا عليها، ومنها بالطبع مصر، واستمرت طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر، مما أفضى إلى التجريف الشامل للأمة المصرية.

وتدهورت التجارة الداخلية بسبب تدهور الزراعة والصناعة وافتقاد الأمن وعدم الاهتمام بطرق التجارة البرية، لذلك لم تنمو التجارة الداخلية وعاش كثير من المناطق في عزلة وشبه اكتفاء ذاتي، وكانت التجارة بين الوجهين البحري والقبلي تتم عن طريق نهر النيل كما انخفضت القدرة الشرائية لدى المجتمع المصري.

أما التجارة الخارجية فقد تدهورت بسبب الاكتشافات الجغرافية الأوروبية وتحطيم الأسطول المصري منذ عام 1509م كما أوضحنا سابقًا، ونتيجة للتقدم التكنولوجي، وتطور صناعة السفن وعلوم الملاحة، ونمو الاكتشافات الجغرافية في معظم دول أوروبا؛ كثر التلصُّص في البحر الأبيض المتوسط، فقضى على البقية الباقية من التجارة التي كانت تمر من هذا البحر. واقتصرت صلات مصر التجارية على حوض البحر المتوسط الجنوبي، والسودان وبلاد الحبشة والحجاز واليمن.

وتفيد أغلب المصادر التاريخية المعتبرة أن سكان مصر تناقص خلال حقبة الاستعمار العثماني، وفي حين تشير كل التقديرات إلى أن سكان مصر عام 1500م، أي قبل الاحتلال العثماني، كانت تقدر بحوالي ثلاثة ملايين نسمة.فإن الإحصاءات الهامة التي قامت بها الحملة الفرنسية قدرت سكان مصر في أواخر القرن الثامن عشر بنحو 2.076.00 نسمة تقريبًا.

لم يحدث أي تطور في أساليب الحكم في كل ولايات الإمبراطورية العثمانية، ومنهم بالطبع مصر. ومثّل (العنصر العثماني)طبقة الحكام في مصر، وهو العنصر الذي دخل البلاد لأول مرة عقب الغزو العثماني لمصر على يد السلطان سليم الأول كما أوضحنا، واستقر في القاهرة والمدن الكبرى، واحتفظ هؤلاء بزيهم العثماني، وقد تعاملوا مع المصريين بالتكبر وعدم الاختلاط بهم؛ على اعتبار أنهم سادة البلاد. ومثّل هذا العنصر في مصر كلًا من جنود الأوجاقات العثمانية، وكذلك أصحاب الوظائف في الدواوين، واشتغلت قلة قليلة منهم بالتجارة والصناعة، كما قاموا بامتلاك الأراضي. واستمرت تلك الأوضاع ثابتة ومكررة طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر.

وقد اهتم الجبرتي (بالمماليك) في كتاباته اهتمامًا خاصًا؛ لأنه كان صديقًا لكبارهم ورؤسائهم، كما كان والده صديقًا لكثير منهم، لذا فقد أرّخ لأيامهم منذ هزيمتهم أمام السلطان سليم الأول، فبدأ حديثه عنهم بظهور فرقتي الفقارية والقاسمية والصراع الذي دار بينهما، وقد رثى كثيرًا لحال المصريين؛ بسبب ما عاشوه من مساوئ تحت حكم الأمراء المماليك. وصوّر ما اتسم به بعض هؤلاء الأمراء من البذخ والترف الشيء الكثير، مثال على ذلك عبد الرحمن كتخدا، فذكر الجبرتي أنّ المساجد التي أنشأها وجددها، وأُقيمت فيها الخطبة والجمعة بلغت ثمانية عشر مسجدًا، وذلك بخلاف الزوايا والأسبلة والسقايات والأحواض والقناطر، وله من هذه العمائر الكثير في الريف والحجاز.

ونأتي إلى الرعية التي استحوذ الحديث عنها في كتابات الجبرتي شيئًا كثيرًا، فهو وإن كان من سُكان المدن إلا أنه ورث عن أبيه أرضًا بقرية أبيار [التابعة لمدينة كفر الزيات – محافظة الغربية]، وهذا ساعده على الإلمام بأحوال الريف. وحسب الجبرتي؛ قُسمت الفئات التي قطنت الريف إلى الفلاحين (المسلمين والأقباط)، والقبائل العربية (المستقرة أو المتجولة) داخل الريف، إضافةً إلى فئة قليلة من المماليك والتركمان الذين اقتضت ظروفهم الإدارية والزراعية التواجد في الريف. وكانت القرية المصرية وحدة إنتاجية مُكتفية ذاتيًا، يُحدد طبيعة الحياة فيها مجموعة من التقاليد، ولم تتأثر بكثير من الأحداث التي تقع خارج حدودها، اللهم فيما يتصل بسكان القاهرة بشكل مباشر، واقتصرت علاقة القرية بالسلطة على سداد الضرائب المقررة على الأرض، وما ارتبط بها من ضرائب إضافية.

وبذلك وصل الفقر بأهل مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي إلى درجة لم يسبق لها مثيل، وتدهورت حالة الفلاح حتى صار رثاءً في ملبسه ومسكنه ومأكله، لا يكاد يفيق من دفع ضريبة حتى يُطّالب بدفع ضريبة أخرى، وإذا امتنع عن الدفع (فقرًا أو ادعاءً) ضُرب وعُذب حتى يدفع، وربما قُتل من أجل ذلك.فاستمت عيشته بالتعاسة والبؤس والسلبية، مما جذر الجمود والتخلف، وغذى الاضمحلال الحضاري للأمة المصرية.

وهكذا؛ فبينما كانت دول أوروبا الغربية، جيراننا على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط، تنتقل من عصر النهضة العظيم إلى عصر التنوير الأكثر عظمة،والأقوى تأثيرًا في طريق بناء حضارة العصر الحديث؛ كانت مصر تئن تحت براثن الاستعمار العثمانيالكارثي، في أبشعفترةاضمحلال وجمود في تاريخها على الإطلاق، حيث تعرضت لأكبر عملية نهب منظم لثرواتها ومواردها، وأوسع تجريف شامل في كل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافة والفنية والدينية، فكأن الزمن توقفبالأمة المصرية.

ولأن حركة التاريخ لا تتوقف؛ فكانت الحركة ارتدادية صوب الاضمحلال الحضاري باتجاه التخلف والرجعية والسلبية والجهل والظلامية بشكل مضطرد. ولأن الاضمحلال حالة نسبية؛ فقد ضاعف من مداه اتساع الفجوة الحضارية بيننا وبين دول أوروبا الغربية، واستمر اتساع تلك الفجوة مع كل تقدم وتطور أوروبي….. ونستكمل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك