الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

(8) جذور الفجوة الحضارية.. “عصر التنوير الأوروبي [2-5]” بقلم الكاتب محمد السنى

كان (الإنسان الجديد) منذ عصر النهضة قد بدأ يشعر بأن اكتشافات الفلاسفة والعلماء، تشكل ثورة في النظرة إلى الكون، لأنها استبدلت بالنور الخارق؛ نور العقل الذي سيسمح لاحقًا بولادة عالم مختلف، يعزز التسامح، ويؤمن بالعلم، وبالتطور البشري.

وفي إنجلترا استمر النظام الملكي قائمًا ومستقرًا؛ رغم حدوث بعض الثورات، من أهمها الثورة الأولى (1642-1646م)، والثورة العظيمة (1647-1651م) [ويشير البعض إليهما بثورة واحدة]. وشهد القرن الثامن تطورًا ملحوظًا في الفكر النقدي البريطاني، الذي يدين بالكثير للفيلسوف الفرنسي ديكارت (1569-1650م)، ومنهجه الذي يبرز قيمة العقل. وقد عرف البريطانيون الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري آروويه المشهور باسم فولتير (1694-1778)، والفيلسوف الفرنسي شارل لوي دي سيكوندا المشهور باسم مونتسكيو (1689-1755م)، كمبشريين للفلسفة الإنجليزية التي تقوم على (العقل التجريبي)، والمعرفة العلمية،وللأبحاث العلمية التي تطورت في إنجلترا منذ عام 1685م، وكرست (التجربة) أساسًا ومعيارًا.

ووفقًا لجامعة لويولا في نيو أورليانز، ترتبط (الفلسفة التجريبية) بفلاسفة التنوير البريطانيين، بما في ذلك العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن (1642-1727م)، والفيلسوف التجريبي الإنجليزي جون لوك (1632-1704م)، والفيلسوف الأيرلندي جورج بيركلي (1685-1753م)، والفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711-1776م).

وبينما كان العقلانيون الأوائل يقولون إن الحواس غير جديرة بالثقة، وإن المعرفة جاءت من (العقل)، من خلال تصور الأفكار أو الحدس بها؛جادل التجريبيون البريطانيون بأن كل المعرفة البشرية تأتي من خلال (الحواس) والخبرات الحسية.

وهناك من يعتبر أن عصر التنوير الأوروبي بدأ مع الثورة المجيدة في بريطانيا عام 1688م، أو مع نشر نيوتن لمؤلفه العظيم (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) والذي ظهر أول مرة عام 1687م.

في عام 1706م، كتب الفيلسوف الإنجليزي أنتوني آشلي كوبر، إيرل شافتسبري الثالث (1671-1713)، الذي تلقى تعليمه على يد جون لوك: “هناك نور عظيم ينتشر في جميع أنحاء العالم خاصة في هاتين الدولتين الحرتين، إنجلترا وهولندا؛ اللتان تتحول إليهما شؤون أوروبا الآن”.

ورغم أن التنوير نشأ في بريطانيا كما أوضحنا؛ إلا أن التطور الحقيقي كان في (فرنسا)، حيث ظل عصر التنوير الأوروبي يغلب عليه (الطابع الفرنسي).ويُعتبر الفضاء الثقافي (الفرنسي) أكثر الفضاءات الأوروبية نشاطًا وحيوية إبان عصر التنوير الأوروبي، ويرجع ذلك للظروف التاريخية الخاصة في فرنسا في القرن الثامن عشر.مما جعل المجتمع الفرنسي يصل إلى احتضان مقولات الفكر التنويري، التي انبثقت من فكرة الإصلاح الديني، وإنجازات عصر النهضة، وذلك قبل المجتمعات الأخرى، مخترقة تلك الفضاءات المعرفية للثقافة الأوروبية. حيث ظل تطور الطبقة البرجوازية الفرنسية خلال عهد الملك لويس الرابع عشر (1638-1715م)، الذي أعطى حرية العمل وحرية الفكر، ولكن بما لا يتعارض مع السلطة ومصالح الطبقات الاجتماعية السائدة، وفي مقدمتها الطبقة الإقطاعية آنذاك.

كانالفلاسفة الفرنسيون؛مونتسكو (1755-1689م)، وفولتير(1778-1694م)، وجان جاك روسو (1778-1712م)، ودينيس ديدرو (1713-1784م)، السباقين إلى تلقف أفكار عصر التنوير، بل كانت مهمتهم الأسمى تتمثل في تغيير النظرة إلى الإنسان، والمجتمع، والحرية، انطلاقًا من أسس (عقلانية مادية)، تمجد العقل، وتطرح فكرة الازدهار والتطور والتقدم، في ظل (النزعة الفردانية) التي تعترف بالحرية المطلقة للفرد في ممارسة حياته الشخصية وتنظيم علاقاته الاجتماعية[وسوف نتطرف لمنجزاتهم (وآخرين) لاحقًا بشيء من التفصيل].

كان لتطور (العلوم) دوره الأساسي في تغيير ملامح الفكر الفرنسي في تلك الفترة، فقد عرض فولتير (1694-1778م) في مؤلفه الصادر عام 1734م بعنوان (الرسائل الفلسفية) أو (الرسائل الإنجليزية) أهم ما جاء في مؤلفنيوتن (الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية) السابق الإشارة إليه. وهكذا وجدت فرنسا في عالم نيوتن منحى أكثر تطورًا من ما أسس له الفيلسوف والعالم رينيه ديكارت.

في البداية زار الكثير من هؤلاء الفلاسفة إنجلترا التي كانت تتمتع بحرية أكبر في ذلك الوقت من فرنسا. وهناك سحرت ألبابهم الاكتشافات الحديثة في العلوم الطبيعية وعلى وجه التحديد قوانين الفيزياء العامة التي وضعها إسحاق نيوتن (1642-1727م). كما استلهموا فلسفة جون لوك (1632-1704م) السياسية (الحكومة المدنية)، وعندما عادوا إلى فرنسا بدأ التمرد على السلطة القائمة وعلى جميع الحقائق الموروثة، وصل هذا التمرد إلى سلطة الكنيسة ذاتها كما وجهوا النقد للملك والنبلاء. وفي ذلك الوقت بدأ شيوع الأفكار الثورية التي حملوها معهم،فتشكلت حركة فروندا البرجوازية، وحركة هوغونوتيون، وانضم لها رابطة الممولين الجديدة، ودائني الدولة ولكن دون سلطة سياسية، وعبروا عن معارضتهم في جمعيات سرية متعددة، وقد أدى الكبت والاستبداد السياسي الذي تعرضوا له إلى تعمق الأفكار التنويرية الفرنسية.

وفي منتصف القرن الثامن عشر؛ أصبحت باريس مركز النشاط الفلسفي والعلمي، الذي يتحدى العقائد التقليدية والدوغمات. وقاد تلك الحركة الفلسفية فولتير، وجان جاك روسو، اللذان حاججا من أجل مجتمع يقوم على العقل، مثلما كان المجتمع في اليونان القديمة، بدلًا من الإيمان والعقيدة الكاثوليكية، ومن أجل نظام مدني جديد يقوم على القانون، ومن أجل العلم الذي يقوم على التجربة والملاحظة. وقدم الفيلسوف السياسي مونتسكيو فكرة فصل السلطات في الحكومة، وهو مفهوم تبناه كُتَّاب دستور الولايات المتحدة بحماس. وتضمنت المبادئ الأساسية لفلاسفة التنوير في فرنسا الحرية الفردية والتسامح الديني، مقابل الملكية المطلقة والعقائد الثابتة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

ورغم أن فلاسفة التنوير الفرنسي وخاصة ديدرو، وروسو، وفولتير، وجون لوك، لم يكونوا ثوريين وكانوا من طبقة النبلاء؛ لعبت أفكارهم دورًا هامًا في تقويض شرعية النظام القديم،وشكلت أساسًا وإطارًا للثورة الفرنسية عام 1789م،ومن ثم للثورة الأمريكية الكبرى بين عامي 1775-1783م، وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية التي بدأت في هايتي عام 1791م، واتفاقية الكومونولث (البولندي-ليتواني) بين عامي1569-1795م.

كان إيمان فلاسفة التنوير بالقدرة الفطرية للعقل هو أساس فلسفة التنوير الفرنسية، وكانوا يؤمنون إيمانًا عظيمًا بعقل الإنسان، وهي سمة بارزة في عصر التنوير لدرجة إطلاق البعض اسم عصر العقل على عصر التنوير الفرنسي. بينما ساهمت العلوم الطبيعية ومكتشفاتها في فكرة إخضاع جميع الظواهر إلى حكم العقل، ومن هنا رأى الفلاسفة أن دورهم هو إرساء أسس الأخلاق والدين وفقًا لعقل الإنسان. ومنذ تلك اللحظة شرعوا في تثقيف الجماهير وأولوا اهتمامًا كبيرًا لتعليم الأطفال والشعب.

كان العمل المرجعي الأعظم شهرة إبان عصر التنوير هو (الموسوعة الفرنسية)، التي حررها الفيلسوف(ديدرو) والتي أُكملت بين عامي 1751-1780م، وكانت الموسوعة أداة حرب فلسفية وعقلانية، فقد حاولت أن تضع لوحة عامة عن جهود الفكر البشري وتطوره عبر العصور، في كل العلوم والفنون، فكانت بذلك وراء تشكل العلوم الإنسانية بشكلها الحديث. فقد وُلد علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من الاهتمام الذي أولاه الموسوعيون وعلى الأخص الفيلسوف (جان جاك روسو) لملاحظة (البدائيين) الذين يمثلون الإنسان في حالته الطبيعية الأولى. وتطورت التربية ضمن الاهتمام الملحوظ بالطفل الذي سيصير رجل المستقبل.

 كان التقدم في الشؤون الإنسانية يبدو مؤكدًا بالنسبة لفلاسفة عصر التنوير. فالمسألة [كما كانوا يؤمنون] مسألة وقت فقط، ليتعلم الناس أن يعملوا العقل، لا أن يسلموا زمامهم للجهل، أو العواطف، أو الخرافة، وعندما يفعل الناس ذلك، فإنهم سيكونون سعداءً. وقد عبَّر الفيلسوف الفرنسي (كوندرسيه) عن ذلك (التفاؤل) في كتابه (رسم تقريبي للصورة التاريخية لتقدم الذهن البشري) المُؤلَّف بين عامي 1793-179. وبذلك أصبحت فرنسا الممثلة للتنوير بشكل عام.

وفي ألمانيا التي كانت تعاني التجزئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ بدأت حركة التنوير خلال الفترة1720-1785م، متأخرة بذلك عن جارتها فرنسا. علمًا بأن الفيلسوف (لايبنيتز) أحد مؤسسي حركة التنوير في أوربا كان ألمانيًا،كما كان الألماني إيمانويل كانط فيلسوف التنوير الأهم، والتي انعكست أفكاره وأهدافه التنويرية على سوق الكتاب فازدادت الكتب المطبوعة بالألمانية على حساب تلك المطبوعة باللاتينية، وازدادت كذلك أهمية المعاجم والصحف، فظهر بين 1732-1754 (المعجم الشامل لكل العلوم والفنون)، وكذلك ظهر كثير من المجلات والصحف الأسبوعية التربوية وفق النموذج الإنجليزي، إضافة إلى المجلات الأدبية والفلسفية والدينية والسياسية التي تناولت قضايا العصر، مما أعطى الطبقة البرجوازية الألمانية الفرصة لتكوين آرائها ومواقفها الخاصة.ومن أبرز المساهمين في هذه الأنشطة الألمانية ماتيسون، وبروكس، والسويسريان بودمر، وبرايتنكر، وفيلاند الذي ترجم عن اليونانية واللاتينية والإنجليزية فعرّف الألمان بشيكسبير، وكذلك نيكولاي، ومندلسون،ولسينغ.

وعلى صعيد الرواية أسهم الأدب التنويري الألماني في تطوير ما عُرف بـ (الرواية التربوية)، إذ تتبلور شخصية الفرد من خلال الأحداث حتى يتحقق الانسجام بين الشخصية والإرادة، فالرواية تصور الـ (أنا) من خلال صراعها مع العالم، تحت تأثير البيئة والبشر. وقد كان لرواية (قصة أغاتون) عام 1767م لـفيلاند دور الريادة في هذا المجال. أما على صعيد الأجناس الأدبية الأخرى في هذه المرحلة كالشعر والقصة والحكاية فإنها لم تبتعد عن الأهداف التربوية، وقدم الأديب كلرت في عام 1754م مجموعته اللافتة للنظر (قصائد تعليمية وقصص) التي اشتملت أيضًا على بعض الحكايات الخرافية المنطوية على حكمة تعليمية.

ربط العديد من الشخصيات السياسية والفكرية الرئيسة في (الثورة الأمريكية)أنفسهم بشكل وثيق مع التنوير، فقد تابع توماس جيفرسون (1743-1826م) وهو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، تابع الأفكار الأوروبية عن كثب وأدمج فيما بعض مُثُل التنوير في إعلان الاستقلال عام 1776م، فيما ضم جيمس ماديسون (1751-1836م) هذه المثل العليا إلى دستور الولايات المتحدة أثناء صياغته في عام 1787م. ولاحقًا زار بنيامين فرانكلين (1844-1917م) أوروبا مرارًا وتكرارًا، وشارك بنشاط في المناقشات العلمية والسياسية فيها، وعاد بأحدث الأفكار السياسية والفكرية وأصبح شخصية بارزة في عصر التنوير الأمريكي.

ولاستحالة حصر رواد التنوير الأوروبي، فإننا مضطرون إلى إلقاء الضوء على ما نعتقد أنهميمثلون أغلب الاتجاهات العلمية والفكرية والفلسفية والأدبية إبان عصر التنوير الأوروبي،دون الوقوع في التكرار، وذلك قدر الإمكان. ولأنهم جميعًا من العظمة التي يستحيل معها ترتيبهم من حيث الأهمية والتأثير، فسوف نتطرق إليهمحسب التتابع الزمني لمنجزاتهم.

أحدثت الآراء المبكرة للفيلسوف الفرنسيرينيه ديكارت (1596-1650م) أول ثورة في الفلسفة الحديثة؛ في تطويره (المنهج العلمي) الجديد، وتصديه للكون بوصفه آلة محكومة بقوانين الطبيعة الميكانيكية، والتي أبعدته تمامًا عن الأسطورية والرمزية والغائية، وكانت غايتها أن تبحث عن الكمال في النظام الرياضي للطبيعة، حيث عزل ديكارت العلم الفيزيائي عن العلل الغائية وأرجعها إلى الأسباب الكامنة وراء الأحداث الفيزيائية، كما اعتبر ديكارت أن الطبيعة هي نظام مُنسّق من القوانين القابلة لسيطرة الإنسان.

وقد نتج عن آراء ديكارت الفلسفية تياران هامان؛ التيار العقلي كما ظهر عند (سبينوزا) و(لايبتنز)، والتيار التجريبي كما ظهرعند (جون لوك)و(باركلي) و(هيوم). وقد شكل التيار العقلي منذ ذلك الوقت اتجاهًا تفاؤليًا، كان نقطة البداية للاتجاه النقدي. وقد اُعتبر ديكارت مؤسس الحداثة الفلسفية، بوضعه مبدأ الذاتية أو (الفردية) الذي يقول: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، وبهذا جعل ديكارت (الإنسان) مركز الكون وأساس الحقيقة واليقين. لذا عَبَّدت فلسفة رينيه ديكارت العقلانية الطريق للتفكير التنويري.

من وجهة نظر ديكارت، معرفة الحقائق الخالدة، بما فيها الحقائق الرياضية والأسس المعرفية والميتافيزيقية للعلوم، يمكن الحصول عليها من العقل وحده. أما المعارف الأخرى، كالمعرفة الفيزيائية، تحتاج إلى التجربة مع العالم بالاعتماد على المنهج العلمي.وجادل ديكارت بأن: بينما الأحلام تبدو كأنها حقيقية نابعة من حواسنا، إلا أنها لا يمكن أن تعطي المرء المعرفة. أيضًا، بما أن حواسنا من الممكن أن تخدعنا وتوهمنا، الحواس نفسها قابلة للشك. لذلك، السعي العقلاني للحقيقة يجب أن يشكك في كل الأفكار المسبقة عن الواقع.

ويقول ديكارت في كتابه (مقال عن المنهج): “فإنني لأعلم مبلغ الخطأ الذي نحن عرضة له فيما يمسنا من الامور، ومبلغ الحذر الذي يجب ان تكون أحكام أصحابنا موضعًا له، عندما تكون في مصلحتنا”.وفي كتابه هذا وضع منهج للحصول على الحقائق، ويتكون من أربع قواعد، ويُعرِف المنهج كالآتي: “قواعد وثيقة سهلة تمنع مراعاتها الدقيقة من أن يُؤخَّذ الباطن على أنه حق، وتبلغ بالنفس إلى المعرفة الصحيحة بكل الأشياء التي تستطيع إدراكها، دون أن تضيع في جهود غير نافعة، بل وهي تزيد في ما للنفس من علم بالتدريج”.

أما القواعد الأربع لديكارت هم؛ قاعدة اليقين،والتحليل، والتأليف، والاستقراء التام، ويعرفهم في كتابه كما يلي: “لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لديَّ أي مجال لوضعه موضع الشك.إذا بدأنا من الإدراك البديهي لأبسط الاشياء كلها فإننا نجتهد أن نرقى بنفس الدرجات إلى معرفة سائر الأشياء… أن أسيّر أفكاري بنظام، بادئًا بأبسط الأمور وأسهلها معرفة كي أتدرج قليلًا حتى أصل إلى معرفة أكثرها تركيبًا. أن أعمل في كل الأحوال من الإحصائات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أني لم أغفل شيئًا”.ويمكننا أن نلخص الأربع قواعد كالآتي: إخضاع الأفكار المسبقة لمحاكمة العقل والتخلي عن تلك التي لا يتوافر فيها الوضوح والتمايز.تقسيم المشكلة الكبيرة إلى أجزاء صغيرة. نبدأ بالمشاكل الأسهل أولًا. نراجع بشكل دوري، للتأكد من أننا لم نهمل نقطة ما، أو أخطأنا في التفكير.

وبذلك يكون منهج الشك عند ديكارت عملية عقلية، تُستَّخدم لاكتشاف أي من المسائل يمكن أن نحصل على المعرفة عنها بكل يقين. وفرق بين المعرفة، والاعتقادات والآراء. لأن المعرفة تعني اليقين، بينما الاعتقاد والرأي يتحملون بعض درجات من الشك. لأن أي ادعاء يحتمل الشك، فمن غير الممكن أن يعبر عن معرفة، وإنما من الممكن أن يعبر عن اعتقاد أو رأي. إذا لم نستطع الشك بأي طريقة في ادعاء ما، فيصبح معرفة.

لذا، أحدثت مناهج ديكارت تحولًا تاريخيًا نوعيًا في نظرية المعرفة والتساؤل عن ما يمكن معرفته. ويبقى كما رأى ديكارت، أن العقل وحده يمكنه الحصول على المعرفة بشكل مستقل عن حواسنا.

أرسى المفكر الهولندي هوغو جروتيوس (1583-1645) الأساس للقانون الدولي على أساس مفهوم القانون الطبيعي. وكان واحدًا من الرواد في طرح فكرة مجتمع الدول الذي يحكم بالقوانين والاتفاق المتبادل لإنفاذ تلك القوانين وليس بالقوة والحرب. كما تبنى أيضًا فكرة التسامح الديني.ودافع عن مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين). وأوجز القانون البحري في مؤلفه (حرية البحار) عام 1604م؛ دافع فيه عن حرية البحار من أجل جميع البلاد. كما ناضل إلى جانب (مذهب التحرر) الذي نادى به الإصلاحي الهولندي جاكوبأرمنيوس (1560-1609م).

وفي كتابه (قانون الحرب والسلام) عام 1625م؛يسلم جروتيوس بأنه يجوز إعفاء الحكومات من (القانون الوضعي) الذي سنه الإنسان، ولكنه يرى أنها ملتزمة بطاعة القانون الطبيعي. ويُعرِف جروتيوس هذا القانون (الحق الطبيعي) بأنه: “ما يمليه ويفرضه العقل الرشيد”، ليكشف عن الفساد الخلقي أو الضرورة الخلقية لعمل من الأعمال، باتفاق هذا العمل أو تنافره مع الطبيعة العقلانية. وبذلك يكون القانون الطبيعي هو نظام الحقوق والواجبات الذي ينبع من الطبيعة الأساسية للإنسان بوصفه كائنًا عقلانيًا يعيش في مجتمع، فكل ما هو ضروري لوجوده وإسهامه في المجتمع (حق طبيعي) له؛ فهو ناشئ عن طبيعته وملائم لها، ويجب أن تلتزم الدول في تصرفاتها بمراعاة هذه الحقوق.وعلى هذين الأساسين: القانون الطبيعي، وقوانين الشعوب؛ يبني جروشيوس الهيكل النظري، وهو أول صياغة حديثة لقانون دولي.

اعتنق المفكر التشيكي جان آموس كومينيوس (1592-1670م) التعليم العام والتدريس التطبيقي. وكان له دور فعال في تقديم الكتب المدرسية المصورة المكتوبة باللغة العامية للطالب بدلًا من اللاتينية. ودعا للتعلم مدى الحياة وتطوير التفكير المنطقي بدلًا من الحفظ عن ظهر قلب. أراد تقديم التعليم للنساء والأطفال الفقراء. ألف كومنيوس العديد من الكتب، ولعل أهمها على الإطلاق كتابه (باب اللغات المفتوح)، والذي سهل تدريس اللغات عمومًا واللاتينية خصوصًا بشكل هائل، والمكون من ألوف الجمل والمصطلحات اللاتينية المرتبة، والمرتبطة بصورة معينة، والموضوعة في صورة مقالات باللغة اللاتينية، بحيث يصير الكتاب موسوعة رائعة في مختلف العلوم، ومفتاح لدراسة اللاتينية، وكل صفحة من الكتاب مقسمة إلى عمودين، أحدهما باللغة اللاتينية والآخر ترجمة له باللغة المتداولة.

طور الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632-1677م) في القرن السابع عشر فلسفة منهجية، منطقية، وعقلانية. حيث اعتقد سبينوزا أنه لا توجد إلا عقلانية واحدة شاملة للإنسان والطبيعة، ولذا سعى إلى تطبيق المنهج الهندسي كما في كتاب (إقليدس العناصر) في قضايا فلسفية مختلفة منها الألوهية والاخلاق، حتى إننا نجده يعَرّف الله في أول (التعريف السادس) في كتابه (الأخلاق) ويثبته بشكل رياضياتي بعدها من بضعة مسلمات. واتخاذه لمنهج الهندسة كان لعدة أسباب؛أن في ذلك الوقت، الرياضيات كانت مثالًا للعلم التام واليقيني وغير قابلة للاختلاف.واعتقاده أن بالإمكان الوصول إلى الحقيقة (في الفلسفة)، على غرار ما فعله إقليدس في الرياضيات من منهجية، ودقة، ووضوح. وأيضًا للحد من الاختلافات التي تتسم بها الفلسفية، بتطبيق المنهج الرياضي، باعتماده على البراهين التي تكون صحيحة أو غير صحيحة، ولكن غير قابلة للاختلاف.

كما نَقَّح سبينوزا ما اعتبره ازدواجية (ديكارت)، فلم يكن سبينوزا يهدأ لوحدة المادة من خلال كتابيه (رسالة في اللاهوت والسياسة) و(أخلاقيات)، حيث رسم الكتابين خطين منفصلين للفكر التنويري؛ الأول التنوع المعتدل، ويتبع رينيه ديكارت، وجون لوك، وكريستيان وولف، وسعى هذا الخط للمواءمة بين الإصلاح والأنظمة التقليدية للسلطة والدين،وقد مال التنوع المعتدل ليكون ربوبيًا. والخط الثاني التنوير الراديكالي، الذي استلهم طريقه من فلسفة سبينوزا، ويناصر الديمقراطية، والحرية الفردية، وحرية التعبير، وتقويض السلطة الدينية، وفصل الميل الراديكالي كليًا بين الأخلاق واللاهوت.

أما الفيلسوف الإنجليزيتوماس هوبز (1588-1679م)، فقد وضع بعض النظريات السياسية الحديثة، من أبرزها نظرية (الحق الطبيعي)، وتعني (الحرية) التي يمتلكها كل شخص وتمكنه من استعمال سلطته كما يريد، والحرية هنا بمعنى غياب العوائق الخارجية التي تنزع من الإنسان جزءًا من سلطته، و(القانون الطبيعي) بمعنى القانون المُستَّنتج من طبيعة الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، والذي يستهدف المحافظة على حياة الإنسان، ولكنه دافع عن الحكم المطلق والمَلَّكية المُطلَّقة.وذكرهوبز أن المجتمعات السياسية ينبغي أن تستند إلى (عقد اجتماعي)، والذي يعني أن الأفراد يوافقون، إما صراحة أو ضمنًا، على تسليم بعض حرياتهم، ويخضعون لسلطة الحاكم (أو لقرار الأغلبية)، في مقابل حماية حقوقهم المتبقية.

أما جون لوك (1632-1704م)، فهو من أهم فلاسفة عصر الأنوار بإنجلترا خلال القرن السابع عشر، ومن أشهر مؤلفاته بحث في (الحكومة المدنية)، وقد طرح فيه بعض المبادئ من أبرزها الحرية الطبيعية للإنسان، وعدم الاعتراف بأي سلطة غير السلطة التشريعية (البرلمان)، وعدم اتخاذ أي قاعدة سوى القانون الطبيعي، وعَرَّف القانون الوضعي بأنه القانون الذي وضعته الدولة وخاصة السلطة التشريعية، وشدد على مقاومة الاستبداد، الذي هو تجاوز الحاكم للسلطة التي منحها إياه القانون، وعلى الحقوق الطبيعية للأفراد، كحق السيادة على شخصه، وحق الملكية والحق في الحياة، كما أعطى أهمية كبرى للسلطة التشريعية، باعتبارها أعلى سلطة في الدولة، لكونها تُمَّارس من طرف أشخاص مُنتَّخبين من طرف الشعب، مع ضرورة الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

كتب جون لوك بأن العقل شمعة الله التي نصبها بنفسه في أذهان البشر، وبأن العقل يجب أن يكون آخر حَكَم ومُرْشد لنا في كل شيء. وآمن لوك بأن العقل يعلمنا وجوب توحُّد الناس وتكوينهم لدولة تحمي حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم. وأشار إلى أنه بالرغم من حتمية تخلي الناس عن بعض الحقوق عند تكوين الدولة؛ فإنهم يكسبون من الحماية أكثر مما يفقدون. وآمن لوك بأن في استطاعة أي شخص استخدام العقل، شريطة السماح لتلك القدرة بالتطور. ولذلك شدَّد على أهمية التعليم، وأصر على حق حرية التعبير، وعلى التسامح مع الأفكار المُتنازعة.

يُعرّف جون لوك حالة الطبيعة بأنها حالة يكون فيها البشر عقلانيين ويتبعون القانون الطبيعي، الذي يُولد بموجبه جميع البشر متساوون ولهم الحق في الحياة والحرية والملكية، واعتقد بأن الحق الطبيعي في الملكية مُشتّق من العمل. لكن، عندما يخالف أحد المواطنين قانون الطبيعة، يدخل كل من المعتدي والضحية في حالة حرب، يكاد يكون من المستحيل التحرر منها. لذلك، قال لوك إن الأفراد يدخلون إلى المجتمع المدني لحماية حقوقهم الطبيعية من خلال (قاض غير متحيز) أو من خلال هيئة مشتركة، مثل المحاكم، للاستئناف أمامها. وبالنسبة إلى لوك، فإن قانون الطبيعة يرتكز على الأمن المُتبّادل، أو فكرة أنه لا يمكن لأحد أن ينتهك الحقوق الطبيعية للآخر، لأن جميع البشر متساوون ويملكون نفس الحقوق الراسخة. وتشمل هذه الحقوق الطبيعية المساواة الكاملة، والحرية، وكذلك الحق في الحفاظ على الحياة، والملكية.

جادل جون لوك أيضًا ضد العبودية، على أساس أن استعباد النفس يتعارض مع قانون الطبيعة، لأنه لا يمكن لأحد أن يتنازل عن حقوقه: “حرية الفرد مطلقة ولا يمكن لأحد أن يأخذها منه”. بالإضافة إلى ذلك، جادل لوك بأنه لا يمكن لأحدهم أن يستعبد شخصًا آخر، لأنه أمر مُستّهجن أخلاقيًا، إلا أنه نوّه بالقول إن استعباد الأسير الشرعي في وقت الحرب لا يتعارض مع الحقوق الطبيعية للفرد.

أثرت نظرية جون لوك في الحقوق الطبيعية على العديد من الوثائق السياسية، بما في ذلك إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776م، وإعلان الجمعية التأسيسية الوطنية الفرنسية لحقوق الإنسان والمواطن عام 1789م.

كتب الفيلسوف الفرنسي بيير بيل (1647-1706م) (أفكار حول المذنَّب) عام 1682م، وهو النجم المذنَّب الذي كان قد عبر السماء في ديسمبر 1680م، وتولى الفزع أوروبا بأسرها لهذا النجم الذي بدا أن النار في ذنَّبه تنذر بإحراق العالم. بينما أسس بيل بحثه على الدراسات الحديثة التي أجراها الفلكيون، ومن ثم أكد لقرائه أن النجوم المذنَّبة تتحرك في السموات طبقًا لقوانين ثابتة، وليس لها أي علاقة بشقاء البشر أو سعادتهم.

 وألف بيير بيل (القاموس التاريخي والنقدي) عام1697م،ولم يكن معجم مفردات، بل دراسة نقدية للأشخاص، والأماكن، والآراء، وفي التاريخ، والجغرافيا، وعلم الأساطير، واللاهوت، والأخلاق، والأدب، والفلسفة، إذ بيَّن فيه بعرضه لصراع الأفكار؛ ضرورة (الشك) في النظم اللاهوتية والميتافيزيقة، وأهمية تطبيق الفكر التحليلي الحر والنقدي على الأفكار المسبقة، والتقاليد الأخلاقية، والخرافات، حتى الشعائر الدينية، وكان مدافعًا بارزًا عن التسامح الديني،وكان لفلسفته المتشككة أثر كبير على النمو والتطور اللاحقين لعصر التنوير الأوروبي.

افتتح بيير بيل واحدة من أكبر الدوريات في ذلك العصر، وهي (أنباء جمهورية الأدب) في أمستردام في مارس 1684م،وزودت المجلة قراءها بكل التطورات الهامة في الأدب، والعلوم، والفلسفة، والبحوث، والكشوف، والتاريخ الرسمي.

أما الفيلسوف والعالم الألماني كوتفريد لايبنتز (16461716م)؛ فقد قال بمبدأ التناقض؛ وهو أن نقول أن إدعاء كاذب إذا احتوي على تناقض، وأنه صحيح في حال العكس. ومبدأ العلة الكافية؛ وهو أن لا يمكن لواقعة أن تحدث، ولا أي إدعاء يكون صحيح، إلا إذا وُجد سبب كافي لذلك لا شيئًا آخر. والحقائق بالنسبة الى لايبنتز نوعين، حقائق العقل، وحقائق الواقع.

وحقائق العقلكما يرى لايبنتز، هي الحقائق اللازمة والأبدية،ويحكمها مبدأ التناقض، ومنها يمكن الحصول على العلوم، والتفسيرات العقلية، ووجود الأشياء، والبشر، والله، والوعي على وجودنا.ولكن مبدأ التناقض وحده لم يكن كافي لحل المشكلات الميتافيزيقية لتبرير وجود الموجودات، لأن مبدأ التناقض لا يثبت شيئًا سوى أن هذا الشيء ممكن الوجود.وبما أن حقائق العقل تخضع للتحليل المنطقي؛ حلم لايبنتز بتطوير حاسوب يمكنه معرفة صحة الأفكار كما هو الحال في حساب الأرقام، ولكن بالرغم من عدم تحقيق حلمه؛ إلا أنه كان أول من اخترع الحاسوب.

أماحقائق الواقع عند لايبنتز؛فهي الحقائق الجائزة، التي يحكمها مبدأ العلة الكافية. ونلاحظ ان لايبنتز لم يفرق بين الدليل الكافي على وجود الشيء؛ والدليل الكافي على صحة معرفتنا به.ولعل من أبرز الاختلاف بينه وبين سبينوزا؛ أن لايبنتز يرى أن من الممكن أن بعض الأشياء أو الأحداث تتحقق بسبب ليس ضروري، ولكن بسبب كافي (مبدأ العلة الكافية)، مثال إذا قلنا ان: “عمرو ليس متزوجًا” فهذا ليس ضروري، من الممكن أن يكون العكس، أي متزوجًا، هنا السبب الكافي ليس من قبيل الصدفة، وإنما [كما يري] الأفضل من كل الاحتمالات الأخري. ولا ينفي لايبنتز إمكانية أن يكون مصدر المعرفة من التجربة، ولا ينفي أيضًا أن حواسنا يمكن أن تلعب دورًا في اكتشافنا للحقائق الأبدية والضرورية، بل من الممكن أن معرفتنا بحقائق الرياضيات والمنطق اُكتسبت عبر حواسنا، ولكن تلك الحقائق تبقى مستقلة عن التجربة.

أما عالم الفيزياء الإنجليزي إسحاق نيوتن (1643 – 1727م)؛فقد قال بأن العالم يسير حسب مجموعة من القواعد الطبيعية تحكمها قوى عوامل الجاذبية، وباستطاعة الإنسان إذا اعتمد على نور العقل تفسير الظواهر الطبيعية وإدراك دوره في العالم المجهول. ويبدو أن الإيمان بالعقل، جنبًا إلى جنب مع النموذج التجريبي للعلوم النيوتونية، تجعل من الممكن اكتشاف قوانين ليس فقط للعالم الطبيعي، بل أيضًا ومجالات العلوم الإنسانية. ويعتبر البعض كتاب (الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية) الذي ألفه نيوتن عام 1687م، أول الأعمال التنويرية الرئيسة لعصر التنوير. ووفقًا لمعهد إسحاق نيوتن للعلوم الرياضية: إسحاق نيوتن وضع الأسس للميكانيكا الكلاسيكية، وحساب التفاضل والتكامل،وطور قوانين الحركة والجاذبية الكونية، مما أدى إلى تحسينات في فهم الكون.

أما الفيلسوف الأخلاقيوالاقتصادي فرانسيس هاتشسون (1694-1746م)، وهو أحد الآباء الأوائل للتنوير الإسكتلندي، فقد وصف النفعية والمبدأ العواقبي بأنها الفضيلة “أعظم سعادة لأكبر عدد”. وخلال حياته في دبلن، نشر هاتشسون أربع مقالات اشتهر بها؛ تحقيق بخصوص الجمال والنظام والتناسق والتصميم، وتحقيق بخصوص الشر والفضيلة عام 1725، ومقال عن طبيعة وسلوك العواطف والعطف والرسوم التوضيحية على الحس الأخلاقي عام 1728م. أيضًا خلال فترة إقامته في دبلن نشر (أفكار حول الضحك) عام1725م، منتقدًا فيه أفكار توماس هوبز، وملاحظات حول أسطورة النحل، كانوا بمجموعهم ست رسائل ساهمت في تشكيل ما دُعي بـ (رسائل هيبرنيكوس)، وهي دورية ظهرت في دبلن بين عامي1725-1727م. وفي نفس الفترة الزمنية، حصل جدال في صحيفة لندن مع جيلبرت بيرنت، حول (الأساس الحقيقي للفضيلة أو الخير الأخلاقي). جُمعت كل تلك الرسائل ضمن مجلد واحد تحت اسم (غلاسكو) عام 1772م.

تبعًا لهاتشسون، يمتلك الفرد مجموعة من الحواس، داخلية وخارجية، تنعكس كيفما اتجهنا، التعريف العام لحاسة ما هو: “أي رغبة لدى عقولنا باستقبالها أفكارًا باستقلالية تحت رغبتنا، وامتلاك تصورات حول المتعة والألم” (مقال عن طبيعة وسلوك العواطف، المقطع الأول). ولا يقصد هاتشسون هنا إعطاء تعداد شامل لهذه الحواس، إنما يخصص في أجزاء متعددة من أعماله، إلى جانب الحواس الخارجية الخمس التي نعرفها، حواسًا أخرى مثل حاسة الوعي؛ وهو الذي يوضح التصور الذي يمتلكه كل شخص حول نفسه وكل ما يدور في باله. وحاسة الجمال؛ وأحيانًا ما تُلقب بـ (الإحساس الداخلي). وحاسة الفطرة السليمة؛ أي الرغبة في الاستمتاع بسعادة الآخرين والشعور بتعاستهم. والحس الأخلاقي؛ أو الحس الأخلاقي للجمال في الفعل والعاطفة، والتي نتصور من خلالها الفضيلة، والعكس صحيح، ضمن أنفسنا أو الآخرين. وحس الشرف؛ أو الثناء واللوم، “وهو ما يجعل الاستحسان والامتنان غرضًا رئيسًا للشعور بالمتعة، وعلى النقيض من ذلك، على الإدانة والاستياء الذي يتولد بداخلنا أن يشعرنا بالعار”. وحس الشعور بالسّخف.وواضح، كما يقول الكاتب، يمكن أن يكون هناك: “حواس أخرى، تتميز عن كل هذه الفئات”.ومن بين هذه الحواس، يلعب الحس الأخلاقي الدور الأهم ضمن النظام الأخلاقي لهاتشسون. إذ إنه يلقي برأيه مباشرة حول الأفعال والعواطف، فإما يتقبل الفضيلة منها، أو يرفض الفاسد.

كما وضع هاتشسون الأسس لأغلب ما اشتُقَّ في المنهج العلمي (طبيعة المعرفة، والدليل، والتجربة، والسببية) وبعض الأساليب الحديثة نحو العلاقة بين الدين والعلم، والتي طُورّت من قبل طلابه ديفيد هيوم وآدم سميث. حيث أصبح تلميذه(ديفيد هيوم) شخصية هامة في التراث الفلسفي الشكوكي والتجريبي.

أسهم الشاعروالكاتب الفرنسي برنار لو بوفييه ده فونتنل (1657-1757م) بحكم موقعه في أكاديمية العلوم، أسهم في بث العلوم والمعارف الجديدة، وتبسيطها ووضعها في متناول القراء المثقفين، إضافة إلى وقوفه بجانب الحداثيين (وخاصة ديكارت) مقابل القدماء، لثقته المطلقة في تطور الإنسانية.

وما يميز فونتنيل بحق هو أعماله الفكرية؛ ففي فترة شبابه كتب رواية طوباوية تحمل عنوان (جمهورية الفلاسفة)، تخيل فيها نظامًا ديمقراطيًا يقوم على الانتخاب، ويديره فلاسفة ماديون. ومن أعماله المتميزة أيضًا مقال ساخر عن الصراع بين المذهَبَين الكاثوليكي والبروتستانتي. في هذين المؤلَّفَين يبدو فونتنيل حالة استثنائية في عصره، الذي كان يمجد الحكم الملكي المطلق للويس الرابع عشر، ويعيش صراعًا دمويًا بين المذاهب الدينية. من المواقف المهمة لفونتنيل أيضًا دعمه لنظرية التطور الفكري في مؤلفه (استطراد حول القدماء والمحدثين) عام 1688م.أما في كتابه (محادثات حول تعددية العوالم) عام 1686م فقد حاول تبسيط العلوم ووضعها في متناول الجميع، تمامًا كما فعل حين حاول تبسيط اللاهوت في كتاب (تاريخ الكهنة العرافين) عام 1687م، الذي سخر فيه من الذين يعتقدون بالنبوءات، التي ليست في رأيه سوى اختراع من الكهنة المشعوذين.

وكان فونتنيل أول من تحدث عن العلاقة الوثيقة بين العلوم، وعن ثبات قوانين الطبيعة، وعن ضرورة انفتاح الإنسان على فروع العلم المتنوعة؛ لا بل إنه في آخر حياته كتب مؤلفًا بعنوان (شذرات)،طرح فيه أفكارًا متعددة تناولت إحداها تنظيم العقل البشري، وكيفية تشكل اللغة والصور فيه. كما كتب فونتينيل على نطاق واسع عن طبيعة الفضاء الكوني: “أنظر إلى كون هائل لدرجة أنني أشعر وكأني ضائع فيه. لم أعد أعرف أين أنا. أنا فقط لا شيء على الإطلاق. عالمنا مرعب في أهميته.”

أما الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778م)، فلم يكن ضد الاستبداد لكنه كان يفضل(الاستبداد المستنير)، أي أن البورجوازية هي التي يجب أن تتولى الحكم، وكان ضد نظام الحكم البرلماني، ونادى فولتير بنقل  الحكم من الإقطاعية إلى البرجوازية مع الحفاظ على الفوارق الاجتماعية، وآمن بالتراتبية مع المحافظة على حقوق الإنسان، لذلك كان موقفه من الحكم موقفًا محافظًا. واستخدم فولتير الهجاء والنقد للتحريض على التغيير الاجتماعي والسياسي. وقد شن هجمات على الكنيسة الكاثوليكية وكشف المظالم. كما روج لمفاهيم حرية العقيدة وحرية التعبير وفصل الكنيسة والدولة. وكانت كتاباته شعبية ووصلت إلى العديد من القراء. وقد كان كتاب فولتير (قاموس فولتير الفلسفي) الذي نُشر في عام 1764م واحدًا من أشهر المنشورات في عصر التنوير، إضافة إلى كتابه (رسائل عن الأمة الإنجليزية) الذي نُشر عام 1733م. فقد حارب فولتير التعصب واللاتسامح، اللذين سادا أوروبا، طيلة عقود طويلة، وقد وجَّه نقده[خاصة إلى الكنيسة الكاثوليكية] مناديًا بحرية الاعتقاد، والإيمان.

في حين ميز الفيلسوف الفرنسيمونتسكيو (1689-1755م) بين الحكم الجمهوري والملكي والمستبد، مبرزًا القمع الذي يتسبب به هذا الأخير.وفي كتابه الذي حمل عنوان (روح القوانين) والذي نُشر عام 1748م، حدد مفهوم الحرية في حق القيام بما تسمح به القوانين، وعارض الاستبداد، ودعا إلى قيام نظام ملكي معتدل يكون فيه للنبلاء امتيازات، وجاء بنظرية الفصل بين السلطات، وطالب مونتسكيو بفصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لتحقيق الحرية، ولكنه عارض المساواة السياسية، وآمن بنظرية (النسبية في الحكم)، حيث لا يوجد نظام واحد صالح لكل الشعوب. وتم تبني فكرته لاحقًا في وضع دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1686م.

اشتهر الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711-1776) ككاتب مقالات مرموق، وقد كان أحد التجريبيين ذوي النفوذ الكبير، الذي جادل بأن البشر كانوا مجموعة من الأحاسيس الخالية من الأنفس الحقيقة [وتُسمَّى هذه نظرية الحزمة]، وأن الأخلاق كانت قائمة على العاطفة بدلًا من المبادئ الأخلاقية. وتأثر هيوم بافكار جون لوك السياسية والفلسفية التجريبية. وهو أول فيلسوف في عصر التنوير يتحدث عن (فلسفة طبيعية شاملة)، ورفض الفكرة المسيطرة بأن العقول البشرية نسخ مصغرة من العقل الإلهي، وبدل من ذلك رأى أن أفضل ما يمكن القيام به تطبيق أقوى المبادئ التجريبية والمفسرة الموجودة من أجل دراسة ظاهرة العقل البشري.

كانت المشكلة الأساسية بالنسبة لهيوم هي مشكلة المعرفة(طبيعتها ووجودها). وقد استفاد هيوم من جون لوك في حله لهذه المشكلة، ذلك لأنه استعار من لوك (المنهج التجريبي في الاستدلال أو البرهان)، واعترف بأن لوك قد سبقه في البدء بدراسة الفهم البشري كنقطة أولى لدراسة المعرفة. إلا أن استخدام هيوم للمنهج التجريبي تميز عن استخدام لوك له في الدقة والصرامة المنهجية، بل والشجاعة التي أدت بهيوم إلى السير مع الفلسفة التجريبية حتى نهايتها المنطقية، والتي تمثلت عنده في نزعة شكية أو نسبية، إذ ذهب هيوم إلى أن كل معارفنا نسبية، ودرجة الاحتمال فيها عالية، وأننا لا نستطيع أن نعرف بدقة الطبيعة الحقيقية لموضوعات الميتافيزيقا، مثل النفس والألوهية، والحرية، والغائية،وكل ما نعرفه معرفة يقينية هو أشياء العالم الحسي التجريبي الخاضع للإدراك الحسي والخبرة التجريبية، فهذا هو الحد النهائي للمعرفة البشرية الذي لا تستطيع تجاوزه.

ذهب هيوم إلى أن كل معرفة هي معرفة بشرية، أي ظاهرة إنسانية، وكي نعرف طبيعة المعرفة البشرية، ونوضح النسق العام الذي يضم كل العلوم التي يمكن أن تنتجها المعرفة البشرية، فيجب البدء بالبحث في الطبيعة البشرية. ولهذا السبب يضع هيوم عنوان أحد أهم مؤلفاته تحت اسم (بحث في الطبيعة البشرية)، والطبيعة البشرية عنده تبدأ بالإحساس وبملكة الإدراك الحسي، ثم ملكة الفهم التي تستقبل من الحواس انطباعات، تعاملها كأفكار، وتشتغل عليها، وتقيم بينها علاقات. إن الطبيعة البشرية التي يقصدها هيوم هي طبيعة سيكولوجية، ولذلك فإن نظريته في المعرفة لكونها تعطي الأولوية للإدراك الحسي؛ فهي تُعد نظرية سيكولوجية. وقد ذهب هيوم إلى أن العلم الحقيقي للطبيعة البشرية هو علم النفس، وإلى أن الفلسفة الحقة يجب أن تكون سيكولوجيا للمعرفة، الفلسفة الحقة عنده هي علم النفس. وقد كان هذا الإعلان من قبل هيوم ثوريًا في عصره، إذ لم يسبق لأحد من المفكرين أن قطع بأهمية علم النفس في الفلسفة.

بينما انتقد الكاتب والفيلسوف السويسري جان جاك روسو (1712 – 1778م) الاستبداد بجميع أشكاله، ونادى بالديمقراطية والمساواة والحرية، وشرح نظريته في الحكم في كتابيه (بحث في منشأ وأسس عدم المساواة) و(العقد الاجتماعي)،وعرّف العلاقة بين الحكام والمحكومين بأنها تعاقد يقيمه أفراد المجتمع فيما بينهم، وأن السلطة التشريعية هي صاحبة السيادة ولا يمكن أن تنفرد داخلها أي هيئة بامتيازات، والسلطة التنفيذية هي هيئة منفذة للقوانين ومحافظة على الأمن والحريات، والأعضاء خدام الشعب وليسوا أسيادًا، وأن غاية القوانين تحقيق الحرية والمساواة عن طريق نظام ديمقراطي يستمد سلطته من الشعب، ودعا إلى الفصل بين السلطات، وبذلك أحدث قطيعة مع النظريات السياسية السائدة في عصره، ورفع من شأن الفرد. ودافع روسو عن شكل من أشكال الحكم القائم على ديمقراطية صغيرة ومباشرة، وهو ما يدل صراحة على إرادة الشعب.

أماعالم الرياضيات السويسري ليونهارت أويلر (1707-1783)، فقد وضع اكتشافات مهمة ومؤثرة في معظم فروع الرياضيات، كالحساب المتناهي الصغر، ونظرية المخططات، ونظرية البيان، والجبر، والهندسة، وفي الرياضيات التطبيقية، كما أنه أسهم في عدة فروع أخرى مثل الطوبولوجيا، ونظرية الأعداد التحليلية، ويعود له الفضل في إدخال كثير من المصطلحات والترميزات الرياضية، ولا سيما في مجال التحليل الرياضي كمفهوم الدالة الرياضية مثلًا. وهو مشهور أيضًا بأعماله في الميكانيكا وديناميكا الموائع والبصريات وعلم الفلك ونظرية الموسيقى. ويُعد أويلر أعظم رياضياتي في القرن الثامن عشر، وأحد أكبر الرياضياتيين في التاريخ، وهو أغزر الرياضياتيين إنتاجا على الإطلاق، لأنه ألف ما يتراوح بين الستين والثمانين مجلدًا تفوق بها على أي شخص آخر في المجال.

أما الفيلسوف والكاتب الموسوعي الفرنسيدينيس ديدرو (17131784م)،فلم يكن مهتمًا بالتحريض على الثورة، ولكنه أراد جمع المعرفة التنويرية ونشرها. وشرع في مشروع ضخم لإنشاء (موسوعة إنسيكلوبيدي)، أو قاموس منهجي للعلوم، والفنون، والحرف، وساهم العديد من الكتاب في هذا المشروع المُؤلّف من خمسة وثلاثين مجلدًا، وقد صدروا بواسطة دينيس ديدرو، ولورن دالمبير. استندت سمعة ديدرو الأدبية بشكل أساسي على مسرحياته ومساهماته في الموسوعة، إذ نُشرّت العديد من أعماله بعد وفاته فقط، ومن ضمنها جاك القدري، وابن شقيق رامو، ومفارقة حول الممثل، وحلم دالمبير.

كتب ديدرو العديد من الأعمال الأدبية الأكثر شهرة في أربعينيات القرن الثامن عشر في مجالي الخيال الروائي والواقعي، ومن ضمنها رواية الحلي الظاهرة.كما اشتملت أعمال ديدرو المبكرة على ترجمة كتاب تاريخ اليونان لتيمبل ستانيان (1743م)، مع زميليه، فرانسوا فينسينت توسان، ومارك أنتوان إيدوس. وأنتج ترجمة لكتاب روبرت جيمس المعجم الطبي (1746- 1748م). وفي عام 1745م نشر ترجمة كتاب تحقيق بشأن الفضيلة والجدارة لأنتوني كوبر، والتي أضاف عليها التصورات الخاصة به.

وفي عام 1746م، كتب ديدرو أول أعماله الأصلية وهو كتاب (أفكار فلسفية)، يجادل ديدرو في هذا الكتاب عن توفيق العقل والشعور لخلق الانسجام. وفقًا لديدرو؛ فإن غياب الشعور يولد آثارًا ضارة بالفضيلة، وعدم القدرة على خلق عمل رفيع القدر، ومع ذلك، بما أن الشعور دون انضباط قد يكون مدمرًا، فإن العقل ضروري للتحكم بالمشاعر.وفي عام 1747م، كتب ديدرو كتابه (مسير المشككين)، والذي تحدث عن حوار بين ربوبي، وملحد، وتوحيدي، حول طبيعة الألوهية. يعطي الربوبي الحجة من التصميم، ويقول الملحد بأن تفسير الكون يكون أفضل بالفيزياء والكيمياء والمادة والحركة، ويقول التوحيدي بأن الوحدة الكونية للعقل والمادة، واللذان يتشاركان بشكل أبدي ويضمان الكون، وهو الله.وفي عام 1748م كتب ديدرو روايته الحلي الزائفة، ويحتوي الكتاب على العديد من الانغماس في الفلسفة والموسيقى والآداب.

ومن أعمال ديدرو العلمية ذكريات عن مواضيع مختلفة في الرياضيات عام 1748م، ويحتوي هذا العمل على أفكار أصلية حول علم الصوت، والجهد، ومقاومة الهواء، و(مشروع لعضو جسد جديد) والذي قد يمتلكه الجميع.وكتب ديدرو حول وحدة الطبيعة(دون فكرة الوحدة، فإن الفلسفة لم تعد موجودة)، وفيه كتبديدرو: “يتغير كل شيء؛ يمر كل شيء؛ لا يبقى شيء سوى الوحدة.”. كما كتب عن الطبيعة المؤقتة للجزيئات، ورفض الإتيمولوجيا، وهي فكرة أن الكائنات المجهرية مُشكلة في ارتداد لا نهائي من الجراثيم غير المتغيرة. ونظر إلى المعادن والفصائل كجزء من مجموعة. وكان منبهرًا بثنائية الجنس. كانت المرونة الكونية إجابته حول التجاذب الكوني في نماذج الانتشار الفيزيائي، وكانت وجهة نظره المتعلقة بمرونة الطبيعة منبئة باكتشاف التطور، ولكنها ليست داروينية بدقيق العبارة. كما كتب ديدرو كتابه (رسالة حول العُمْي من أجل أن يستعملها المبصرون) في عام 1749م، وكان موضوع هذه الرسالة نقاش حول العلاقة بين الفكر والمعرفة، التي يتحصل عليها من خلال الإدراك (الحواس الخمسة).

يُعتَّبر الفيلسوف والاقتصادي الإسكتلندي آدم سميث(17231790م) مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي ومن رواد الاقتصاد السياسي. بنظريته عن (اليد الخفية للسوق). وضع سميث كتابه (ثروة الأمم) الذي نُشر في عام 1779م،والذي يُعدّ الأساس لاقتصاديات السوق الحرة، وأول عمل يتناول الاقتصاد الحديث، ودعا فيه إلى تعزيز المبادرة الفردية، والمنافسة، وحرية التجارة، بوصفها الوسيلة الفضلى لتحقيق أكبر قدر من الثروة والسعادة. إضافة إلى كتابه (نظرية المشاعر الأخلاقية) الذي نشره عام 1759م، حيث يعتقد سميث في سلامة وكفاءة النظام الطبيبعي، وأفضلية هذا النظام على أي نظام صناعي آخر، فعنده أن السلوك الإنساني يخضع لستة بواعث: حب الذات، التعاطف، الرغبة في الحرية، الإحساس بالملكية، عادة العمل، والميل للمبادلة. واستخلص سميث من ذلك أن الفرد هو أفضل حَكَم على تقرير مصلحته الخاصة، ويجب بالتالي تركه حرًا في سلوكه. وقد أدى اعتقاد سميث في وجود نظام طبيعي؛ إلى القول بأن هذا النظام من شأنه أن يحقق التوافق والانسجام، بين المصالح الخاصة للأفراد مبينة وفقًا للبواعث المتقدمة، وبين المصلحة العامة. وهذه هي فكرة (اليد الخفية) التي تعني أن الأفراد في سعيهم لتحقيق صالحهم الخاص؛ يحققون (بدون أن يشعروا) المصلحة العامة.

وبدلك فإن الأساس النظري لفكر آدم سميث هو دور المصلحة الخاصة والدافع الشخصي، فقد كان يرى أن الدافع الشخصي هو أكبر ضمان للصالح العام، فالدافع الشخصي في رأيه هو مجرد وسيلة أو أداة، والصالح العام هو دائمًا الغاية والهدف. وهناك عبارتان مشهورتان لآدم سميث في هذا الصدد. يقول في الأولى: “ليس بفضل وكرم الجزار أو صانع الجعة أو الخباز ما يسمح لنا بتوفير الطعام لعيشنا، بقدر ما يرجع ذلك إلى نظرتهم إلى مصالحهم الخاصة. وعندما نطلب خدماتهم، فإننا لا نتوسل إلى إنسانيتهم بقدر ما نستحث مصالحهم الشخصية؛ فلا أحد سوى الشحاذ الذي يمكن أن يعتمد في حياته على أفضال الآخرين”. أما العبارة الأخرى الشهيرة؛ فإنه يقول فيها عن الفرد وهو يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية بأنه: “بسعيه لتحقيق مصالحه الخاصة فهو غالبًا ما يحقق مصالح الجماعة بشكل أكثر فاعلية مما يمكن تحقيقه عندما يعمل باسم المصلحة العامة؛ فأنا (سميث) لم أصادف خيرًا من وراء هؤلاء الذين يعلنون العمل من أجل المصلحة العامة”.

تأثر توماس جيفرسون (1743-1826م)،أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، بشدة بفلسفة التنوير الأوروبي، وقضى عدة سنوات في فرنسا. وكان متحدثًا باسم الديمقراطية، ونادى بمبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان،وكتب إعلان الاستقلال عام 1776م، الذي شدد على أفكار التنوير مثل الحرية، وحقوق الإنسان الأساسية، والمساواة (وإن لم يكن للعبيد).وكرائد في عصر التنوير، كان جيفرسون متعدد الثقافات، ويتحدث خمس لغات، وكان شديد الاهتمام بالعلوم، والاختراع، والعمارة، والأديان والفلسفة، وكان رئيسًا للجمعية الفلسفية الأمريكية. هذه الاهتمامات أدت به لتأسيس جامعة فرجينيا بعد انتهاء رئاسته.وفي الوقت الذي لم يكن فيه خطيبًا بارزًا، كان جيفرسون كاتبًا موهوبًا وراسل الكثير من الشخصيات النافذة في أمريكا وأوروبا في حياته.

أما الفيلسوف والكاتب المسرحي الألمانيإفرايم ليسينغ (1729-1781م)؛ فقد كان لكتاباته ومسرحياته الكوميدية والتراجيدية دورًا هامًا في تطور المسرح النقدي في ألمانيا، وبخاصة مسرحية (ناتان الحكيم) عام 1779م، التي دعت إلى الحوار والتسامح بين الأديان، والتحذير من الأحكام المسبقة، وعدم التسليم الأعمى للعقائد.عارض ليسينغ الكاتب والمنظر والمصلح المسرحي (كوتشيد)، الذي كان يدعو للاقتداء بالنموذج الاتباعي الفرنسي، ممثلًا بمأساة راسين وكورني، التي تروج لأخلاقيات وجماليات المثال الأرستقراطي في نموذج حكم الملكية المطلق.

فدعا ليسينغ للالتفات نحو النموذج الإليزابثي المسرحي، ممثلًا بشكسبير ومعاصريه، فكتب الملهاة والمأساة البرجوازية الألمانية، وأسس المسرح القومي في هامبورج بالتعاون مع برجوازية المدينة، وأعاد النظر في قوانين أرسطو المسرحية، فكتب في عام 1759م يقول: “إن الإنجليزي يصل إلى هدفه من المسرحية التراجيدية حتى وإن اختار طرقًا غير مألوفة، أما الفرنسي فإنه لا يصل إلى هدفه أبدًا، مع أنه يمشي دائمًا على نهج القدماء نفسه”. وقد كان لترجمات الأخوين شليكل أثر بارز في دعم توجه ليسينغ الذي اهتم أيضًا بكتابات معاصره الفرنسي ديدرو ولاسيما على صعيد نظرية فن التمثيل.

وأيد ليسينغ تعريفات أرسطو للدراما (الصراع) في كتابه فن الشعر. وكان مؤمنًا بأن الأكاديمية الفرنسية أبخست استخدامات الدراما حقها، من خلال قواعدها النيوكلاسيكية (التقليدية الجديدة) الشكلية والمتعلقة بفصل الأنواع. أثر ترداده لآرائه بهذا الشأن على ممارسي المسرح، الذين بدأوا حركة لرفض قواعد المسرح، عُرفت باسم (الإعصار والإجهاد). كان أيضًا من مناصري التلقي الجاد لأعمال شيكسبير. وعمل مع الجديد من المجموعات المسرحية مثل (دي نويبرين).

وفي كتاباته الدينية والفلسفية جادل ليسينغ ضد الاعتقاد بالوحي، وضد التمسك بالتفسير الحرفي للإنجيل كما تدعو التعاليم الأرثوذكسية السائدة، في مسألة دُعيّت لاحقًا باسم خندق ليسينغ. حدد ليسينغ المفهوم الديني (لإثبات القوة): كيف يمكن للمعجزات أن تظل مُستَّخدمة كأساس للمسيحية؛ ونحن لا نمتلك أدلة على المعجزات؟ الحقائق التاريخية محط الشك لا يمكن أن تُستَّخدم لإثبات الحقائق الميتافيزيقية (كوجود الإله). كما يقول ليسينغ: “هذا إذن هو الخندق العظيم القبيح الذي لا يمكنني عبوره، مهما حاولت وكيفما حاولت أن أقفز تلك القفزة بكل إصراري”.

وفي الفترة الأخيرة من حياته، أكب ليسينغ على تقييم مكثف للدين وعلم اللاهوت. وأجرى العديد من دراساته عن طريق قراءة مخطوطات وجدها أثناء عمله كأمين مكتبة. اعتمد ليسينغ على مهاراته في الكتابة المسرحية ليكتب ما يُعدّ دون شك أكثر مسرحياته تأثيرًا (ناثان الحكيم)؛ في المسرحية، يظهر ليسينغ توترًا بين اليهودية والإسلام والمسيحية، عن طريق جعل إحدى الشخصيات تسأل ناثان عن الدين الأكثر أصالة. يتجنب ناثان السؤال عن طريق سرد حكاية رمزية عن الحلقات الثلاث، ما يلمح لفكرة عدم وجود دين محدد هو “الدين الصحيح”.وتُعتبر مسرحية ناثان الحكيم أول مثال على (أدب الإنسانية) الألماني. تمثلت أفكار التنوير التي اعتنقها ليسينغ بشدة في “مثال الإنسانية” الذي اقترحه، وينص على أن الدين نسبي لقدرة الفرد على التفكير المنطقي.

وكابن للتنوير، آمن ليسينغ “بمسيحية المنطق العقلاني”، والتي توجه نفسها بروح الدين. وآمن أن المنطق الإنساني (المنطلق من النقد والاعتراض) سيتطور، حتى دون الوحي المقدس. ويبين موقفه بتوسع ووضوح في كتابه (تعليم البشرية). وظلت فكرة الحرية (حرية المسرح ضد سيطرة النموذج الفرنسي، وحرية الدين من الدوغماتية الكنسية) هي موضوعه المحوري في مجمل حياته. لذلك وقف أيضًا مع تحرير الطبقتين الوسطى والثرية من تقرير النبلاء مصائرهم عنهم.

كانت الفيلسوفة ماري وولستونكرافت (1759-1797م) إحدى أوائل الفيلسوفات النسويات في إنجلترا. حاججت من أجل مجتمع يقوم على العقل وأن النساء إضافة للرجال يجب معاملتهم ككائنات عقلانية. وأشهر أعمالها هو (دفاعًا عن حقوق المرأة). لقد اعتقدت ماري أن أخطاء النساء راجعة كلها [تقريبًا] إلى إنكار حق المرأة في تعليم مساوٍ لتعليم الرجل، وإلى نجاح الرجل في إقناع المرأة بأنها لُعبة جنسية قبل الزواج، وحِلية للزينة، وخادمة مطيعة، وآلة للإنجاب بعد الزواج. ولكي نعطي الجنسين فرصًا متساوية لتنمية عقولهم وأجسادهم لا بد أن يتعلم الأولاد والبنات معًا (حتى مرحلة الإعداد للوظيفة أو المهنة) وأن يتلقوا المناهج الدراسية نفسها، بل وأن يشتركوا في الألعاب الرياضية نفسها، في حالة إمكانية ذلك. ولابد أن تجعل كل امرأة من نفسها إنسانة قوية البدن، وذات كفاءة عقلية، لتتمكن من كسب عيشها بنفسها عند الضرورة. إن قيام المرأة بدورها كأم مفيد لصحتها، وقد يؤدي ما ذكرنا آنفًا إلى أن تصبح الأسر أقل عددًا، وأقوى صحة. إن تحرير المرأة بشكل مثالي يعني اتحادًا [على قدم المساواة] بين أم متعلمة، وزوج متعلم.

ختمالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804م)عصر التنوير، وجسده خير تجسيد، بتوازنه الصارم، وحسه الأخلاقي العالي المستوى.حيث كان كانط فيلسوفًا رئيسًا في عصر التنوير،وجمع بين العقلانية والتجريبية، من خلال نظرياته حول الاستقلالية البشرية، وتمهيد الساحة للحركات الفلسفية اللاحقة. وترتبت عن هذه الأفكار قيام مجموعة من الثورات الاجتماعية، هدفت إلى القضاء على النظام الملكي المطلق، وعلى المسرح الفكري، وتطويره للفلسفة النقدية، بحيث أصبح النقد عنده سيرورة معرفية، وفعالية فكرية، ثم تحول إلى منهج نقدي يرتبط بالنشاط المتميز للعقل، والجدل العقلي، كما أصبح النقد محورًا للفكر الفلسفي، والاجتماعي، خضعت له جميع ظواهر الحياة من دون استثناء، الدين، والمجتمع، والقوانين، وبخاصة بعد صدور كتابه (نقد العقل الخالص) عام 1781م. كما حاول كانط موافقة العقلانية مع الإيمان الديني، والحرية الفردية مع السلطة السياسية، إضافة لرسمه رؤية حول المناخ العام من خلال المنطق العام والخاص. وقد أكمل عمل كانط تشكيل الفكر الألماني، وفي الواقع كل الفلسفة الأوروبية، حتى القرن العشرين.

في مقابل هذا الكم الهائل من العظماء، المبدعين والمبتكرين والنابغين، رجال ونساء، في كافة مجالات الحياة،من العلماء، والفلاسفة، والمفكرين، والأدباء، والكتاب،والقادة السياسيين، والناشطين الاجتماعيين،إبان عصر التنوير الأوروبي؛ كانت الأمة المصرية قد أصيبت (بالجدب)تحت براثن الاستعمار العثماني الكارثي. ولم تعد تنجب إلا الجهل والتخلف واللامبالاة. حتى إن الإنسان ليُصّاب بالذهول عندما يبحث ويدقق ولا يجد أثرًا لعالِم، أو مفكر، أو فيلسوف، أو أديب، أو مبدع مصري واحد طيلة حقبة الاستعمار العثماني، حتى ولو بمقاييس ومفاهيم العصور الوسطى البالية.وكأن الأمة المصرية أصيبت بغيبوبة تامة، ودُفنَّت حية كأهل الكهف.

فمنذغزا الاستعمار العثماني مصر؛ قام السلطان سليم الأول بترحيل العلماء والمفكرين والفقهاء والأطباء والمهندسين والنابغين في كافة المجالات كما أوضحنا سابقًا، مما أحدث تجريفًا شاملًا للأمة المصرية. ثم أظلم الاستعمار العثماني العقول بالتجهيل المتعمد والمنهجي، وأمات الآمال والتطلعات لدى المصريين بقصوة المعيشة، وبؤس الحياة، وقهر الاستبداد الأعم؛ فانعدمت الهمم، وغابت العقول، وفُقد التذوق للآداب والفنون. ولم يعد من المتوقع، أو المأمول، أن تتفتح زهور مصرية، لتصبح شموسًا للعلم والمعرفة، أو شموعًا للآداب والفنون، أوقادة وطليعة للأمة المصرية.

فقد نهب المستعمرونالعثمانيون منذ اليوم الأول للغزو آثار مصر، وسرقوا الكتب من المدارس والمساجد، مثل مؤلفات السخاوي والمقريزي، والكثير غيرها، ونقلوا حقول المعرفة العامة من القاهرة إلى القسطنطينية عاصمة الاستعمار العثماني، حيث تم نقل خزائن الكتب والمكتبات،فحُرمت مصر من كنز كبير من كنوز المعرفة، التي حظيت بها على مدار قرون عديدة.

وكان الأزهر والكتاتيب النافذة التعليمية الوحيدة، والتي اقتصر دورها على العلوم النقلية دون العلوم العقلية، التي تذكي روح الإبداع والابتكار. وانحطت اللغة العربية نتيجة استخدام اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد.

وقد درج العثمانيون منذ سنة 1447م، على تجريم التكنولوجيا الغربية، حيث أُثير الأمر فى بلاط السلطان العثماني بايزيد الثاني، ثامن سلاطين بني عثمان، والذي حكم خلال الفترة 1481-1512م، بغرض استيراد (الطباعة) من أوروبا، إلا أن فقهاء الدولة العثمانية وقفوا للفكرة بالمرصاد، واعتبروها من كبائر الذنوب، بل أصدروا فتوى بتكفير من يقوم باستخدامها، والحكم بالإعدام على من يستخدم ذلك الاختراع الشيطاني، وكانت حجتهم فى ذلك أنهم خافوا من تحريف القرآن!!!.

ولكن في أواخر حقبة الاستعمار العثماني الفعلي لمصر، وبالتحديد في النصف الثاني من القرن الثامن عشر،ظهر المؤرخ الأوحد والوحيد منذ قرابة الثلاثمائة عام،عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي (1753-1825).حيث وُلد الجبرتي بالقاهرة سنة 1756م، وقد جاءت أسرته من قرية جبرت قرب ميناء زيلع على البحر الأحمر، وفي نهاية القرن السادس عشر الميلادي هاجر جده السابع ليصبح شيخًا لرواق الجبرتية بالأزهر الشريف. وقد عاصر عبد الرحمن الجبرتي فترة اضمحلالامبراطورية الظلام العثمانية، وكذلك عاصر مجيء الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت سنة 1798م، كما عاصر تولي محمد علي حُكم مصر عام 1805م.وكذا ظهر بعض الكتاب التقليديين مثل عبد القادر البغدادي صاحب كتاب (خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب)، وهو من كتب القواعد النحوية. وشهاب الدين الخفاجي صاحب كتاب (شفاء الغليل بما في كلام العرب من الدخيل)، حيث بَيَّن ما دخل على العربية من ألفاظ تركية وأعجمية. وكان اشتغالهم جميعًا قاصرًا على مدارس قواعد العلوم اللسانية والشرعية والرياضة النظرية….. ونستكمل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك