الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

(7) جذور الفجوة الحضارية.. “عصر النهضة الأوروبية 3-3” بقلم الكاتب محمد السنى

انتشرت تغييرات(عصر النهضة الأوروبية) بسرعة كبيرة من مكان نشأتها في فلورنسا الإيطالية؛إلى بقية المدن الإيطالية، ثم إلىجمهوريات وإمارات وممالك أوروبا الشمالية. حيث تطورت أغلب المدن الأوروبية، وأُنشأت مدن جديدة حديثة،وتبلورت معها الطبقة الوسطى الجديدة(التجارية والصناعية والمهنية).
كما أتاح اختراع المطبعة المتنقلة (المُكتشفة في ألمانيا) الانتقال السريع لتلكالتغييرات. وعلى الرغم من توفر الورق واختراع حروف المونوتيب التي ساهمت في سرعة انتشار أفكار وفنون وعلوم عصر النهضةأواخر القرن الخامس عشر، حيث أصبحت البندقية مركزًا عالميًا للطباعة؛ إلا أن تغييرات عصر النهضة لم تنتشر بشكل موحد في جميع أنحاء أوروبا. ومع انتشارها؛تنوعتخصائصالنهضات لتتكيف مع الثقافات المحلية لتلك المدن والبلدات.
وفي القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، كانت الخلافات محتدمة في أوروبا الشمالية بين العلماء، والزعماء الدينيين؛ على ما إذا كانت البلاد يجب أن تكون حرة، أم إقطاعية مع هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. وتطورت هذه الخلافات إلى حركات إصلاحية شعبية (تنقية الإيمان) ضد الإقطاع، وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية. كما شهدت أوروبا الشمالية صعود الفكر الإنساني،واستعادة التراث الأدبي والفني لليونان وروما القديمتين،وازدياد الإبداع والاكتشاف،ونمو المؤسسات التجارية، وازدهار الصناعات، وارتفاع الطبقة البرجوازية.
وفي مثل هذه الظروف التاريخية، تبلور (عصر النهضة الشمالية) في النصف الثاني من القرن السادس عشر. ويُقصد بهذه التسمية البلدان الواقعة شمال إيطاليا، وتشكلت بذلك ما يُعرف بـ (مدرسة الأراضي الواطئة).
وكما كان عصر النهضة الإيطالية؛مَثّل عصر النهضة الشمالية مرحلة جديدة في تطور الثقافة الأوروبية، أعلى مما كانت عليه في العصور الوسطى،حيث يتم اكتشاف العالم والإنسان في الفنون والآداب والأفكار،وأصبح الإنسان أعلى قيمة في تلك الفنون والآداب والأفكار.
وبينما بدأ عصر النهضة في إيطاليا بإحياء المُثل القديمة ورفض وجهات نظر العصور الوسطى؛ فإن ثقافة القرنين الخامس عشر والسادس عشر في الشمال كانت لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعصور الوسطي.فعلى عكس الفن الإيطالي الذي سعى ليكون مثاليًا، فإن الفن الشمالي كان أقرب إلى الحياة الواقعية. الفن الإيطالي كان احتفاليًا، في حين أن فن عصر النهضة الشمالية أكثر قسوة وضبطًا. في إيطاليا؛ وصل فن عصر النهضة إلى مستوى عال من الازدهار بجميع أشكاله في العمارة والنحت والرسم، وفي الشمال، ظهرت مناظر جديدة للفن فقط في تقنيات الرسم والرسومات.ففي البداية، بقي فنانو عصر النهضة الشماليين مركزين على الموضوعات الدينية، كالاضطرابات الدينية المعاصرة في تلك الحقبة، بعدها اتجهوا لرسم مشاهد من الحياة اليومية بدلًا من المواضيع الدينية أو الكلاسيكية، بينما ظلت العمارة والنحت إلى حد كبير على الطراز القوطي المتأخر تحديدًا، حيث لا يزال الدين يحتل المكانة الرئيسة في حياة المجتمع.
جاءت (المجر) كأول بلد أوروبي تنتقل إليه النهضة الإيطالية. وذلك بفضل التطوير المبكر للعلاقات المجرية الإيطالية، ليس فقط في العلاقات بين السلالات الحاكمة؛ ولكن في العلاقات الثقافية والإنسانية والتجارية المتزايدة منذ القرن الرابع عشر. واستمر قبول أدب عصر النهضة بقدوم أصحاب المذهب الإنساني إلى المجر. وقد اقترب كثير من الشباب المجري الذي يدرس في الجامعات الإيطالية من مركز فلورنسا الإنساني، مما طور اتصال مباشر مع فلورنسا. وقد ساعد نمو أعداد التجار الإيطاليين القادمين إلى المجر، وبالتحديد إلى بودا المجرية، في العملية النهضوية.
تم تنفيذ الأفكار الجديدة من قبل الأساقفة الإنسانيين المجريين، من بينهم فيتيزيانوس (1408-1472م)، رئيس أساقفة ازترغوم، وأحد مؤسسي الإنسانية الهنغارية. وكانت العلاقة بين الأسلوبين المجري والقوطي الإيطالي هي السبب الثاني، من حيث تجنب الاختراق المبالغ فيه للجدارن، وتفضيل البنايات النظيفة والمضاءة. وقدمت مخططات البناء واسعة النطاق عملًا وافرًا على المدى الطويل للفنانين، أمثال مبنى قلعة فريس في بودا، وقلاع فيسيغارد، وتاتا،وفاربالاتو. وقد امتزج الاتجاه الإيطالي الجديد بالعادات والتقاليد المجرية آنذاك، مما أنتج عنه أدب نهضة مجري محلي.
وفي العهد الطويل للإمبراطور سيغيسموندفون لوكسمبورغ (1368-1437م)، أصبحت قلعة بودا الملكية (غرب المجر) على الأرجح أكبر القصور القوطية في أواخر العصور الوسطى. وبعد الزواج عام 1476 بين الملك ماتياسكورفينوس (1458-1490م)وبياتريس من نابولي (1457-1508م)، أصبحت بودا واحدة من المراكز الفنية الأكثر أهمية في شمال النهضة من جبال الألب.
أنشأ اندراس هيس مطبعة في بودا عام 1472م. وكانت مكتبة ماتياس كورفينوس تُعتبر أعظم مجموعات الكتب العلمانية في أوروبا، من حيث السجلات التاريخية والأعمال الفلسفية والعلمية في القرن الخامس عشر. مكتبته تلك كانت الثانية في الحجم إلى مكتبة الفاتيكان، (لكن مكتبة الفاتيكان، كانت تضم في الأغلب أناجيل ومواد دينية). كتب بارتولوميو ديلا فونتي من فلورنسا في 1489م أن: “لورينزو دي ميدشي أنشأ مكتبته اليونانية-اللاتينية متبعًا في ذلك ما فعله الملك المجري”. مكتبة كورفينوس هي جزء من منظمة اليونسكو للتراث العالمي.
ومن الشخصيات الهامة في النهضة المجرية، المؤرخ أنطونيوبونفيني (1434-1503م) وهو من أهم الإنسانيين المجريين، والشاعر المجري الشهير يانوسبانونويس، والشاعر بالينت بلاسي، والشاعر سباستينتينوديلانتوس، والملحن وعازف البَرْبَبالينتباكفارك.
وفي عام 1526م؛ وضع الغزو الهمجي العثماني للمجر نهاية مفاجئة لعصر النهضة المجري قصير العمر، وتلاشى البلاط الملكي، ولكن أُسر مُلاك الأراضي المجريين في المجر الملكية، بنت الكثير من القلاع بأسلوب عصر النهضة الإقليمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
في (هولندا)؛التي تألفت من سبع مقاطعات، مَثّلت مقاطعات هولندا الشمالية، شهدت صراع شرس من أجل التحرر من الحكم الإسباني، وتمكنت من أن تنال استقلالها من إسبانيا في الفترة ما بين 1568-1609م، ونمت قوتها تدريجيًا عقب اتحاد (أوترخت) عام 1579 والذي كان من أهدافه الأساسية تحسين المقدرة العسكرية لتلك المقاطعات الثورية. هناك ساعدت الأرباح والخبرة،وتسامحها النسبي مع الاختلاف الديني والفكري (حرية الفكر)،ساعدت في رعاية النهضة الهولندية.وكانت المجر من أشهر دول العالم تجاريًا وعلميًا وعسكريًا وفنيًا في معظم القرن السابع عشر، لذا تُسمى تلك الفترة في تاريخها (العصر الذهبي الهولندي).
منذ وصول مجتمع الأثرياء المثقفين من اليهود الذين طُردوا من البرتغال عام 1480م،ابتكرت هولندا تعاملًا مميزًا مع التقاليد الروحية لثقافة العصور الوسطى، ويتجلى هذا الأمر في لوحات مذابح الكنائس، والصور الشخصية، والمنمنمات التي أبدعها الهولندي روبرت كامبين (1375-1444م). والهولندي روجير فان در فايدن (1399-1464م). وأسس الفنان الهولندي المشهورجان فان إيك (1390-1441م) الرسم على الحامل في الفن الشمالي،وكان أول من يرسم بالطلاء الزيتي،واشتهر كرسام بورتريه، في البداية عمل مع شقيقه الأكبر هوبرت، وأشهر عمل ابتكره جان فان إيك مع شقيقه هو (مذبح غينت الكبير)،وبعد وفاةشقيقه انتهى بمفرده. وتصور لوحة الهولندي بيتر بروغل (1525-1569م) المسماة (انتصار الموت)عام 1562م حالة الذعر والهيجان التي سببها الطاعون الذي ضرب أوروبا في العصور الوسطى.
كانت موسيقى المدرسة البروغاندية في القرن الخامس عشر بداية النهضة في الفن والتأليف الموسيقي عند الهولنديين، ومع انتقالها مع الموسيقيين أنفسهم إلى إيطاليا، أسست جوهر أول أسلوب عالمي حقيقي في الموسيقى منذ توحيد الأنشودة الجورجية في القرن التاسع ميلادي. وكانت ذروة المدرسة الهولندية في موسيقى الملحن الإيطالي جيوفانيباليسترينا (1525-1594م)، الذي تُعتبر أعماله تتويجًا لتعدد الأصوات في عصر النهضة، وألف الكثير من الموسيقى الكنسية من النوع المتأخر في القرون الوسطى التي يمكن الاستماع إليها اليوم في كنائس إيطاليا. وفي نهاية القرن السادس عشر عادت إيطاليا لتكون مركزًا للإبداع الموسيقي، مع تطور الغناء الجوقي التابع لمدرسة البندقية، والذي انتشر حتى ألمانيا شمالًا، ووصولًا لهولندا.
وعلى الرغم من أن عصر النهضة الإيطالي كان له تأثير متواضع على الفنون (البرتغالية)، إلا أن البرتغال كانت مؤثرة في توسيع النظرة الأوروبية للعالم، وذلك بإثارة النزعة الإنسانية للاستكشاف. وقد وصلت النهضة للبرتغال عبر التأثير الذي خلفه التجار الأثرياء الإيطاليين والفلامنكيينالذين قاموا باستثمارات رابحة في ما وراء البحار. وكسائر المقرات الرائدة في الاستكشاف الأوروبي، ازدهرت لشبونة عاصمة البرتغال في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، حيث جذبت الخبراء الذين حققوا اكتشافات عديدة في الرياضيات.وبعد انضمام البرازيل إلى الاستكشافات البرتغالية في 1500م، صاغ أمريكوفسبوتشي مصطلح العالم الجديد في رسائله إلى حاكم فلورنسا لورينزو دي بييرفرانشيسكو دي ميديشي (1449-1492م).
ومن أشهر أعمال البرتغاليين في هذا العصر لوحة (البابا القديس بطرس) عام 1530مواستمر العمل بها خمس سنولت، والتي رسمها فاسكو فرناندز (1475-1642م)، وهو عمل مميز من الفترة التي تأثرت بها النهضة البرتغالية بالعوامل الخارجية.
وفي العمارة البرتغالية، مولت الأرباح الهائلة في تجارة التوابل نمط من البناء الفخم في العقود الأولى من القرن السادس عشر يُسمى (المانويلية)، مُدمجًا العديد من العناصر البحرية. وأنتج التبادل الدولي المكثف عدة علماء إنسانيين عالميين، مثل فرانسيسكو دي هولاند، وأندريه دي ريزندي، وودامياو دي قواس، وهو صديق إراسموس الذي كتب باستقلالية نادرة عن عهد الملك البرتغالي مانويل الأول.وديوغو وأندريه دي جوفيا، الذي حقق إصلاحات ذات الصلة بالتدريس عبر فرنسا. وجذبت الأنباء الأجنبية والمنتجات في المصنع البرتغالي في أنتويرب اهتمام كلًا من توماس مور،وآلبرختدورر، إلى العالم الأوسع.
وفي (الفلمنك)؛ كان الفنان الرائعهوغو فان دير غوس (1440-1482م)احد أهم الرسامين الفلمنكيين الأصليين في أواخر القرن الخامس عشر، حيث رسم لوحات مميزة للمذابح، وأخرى شخصية، وأدخل ابتكارات هامة في عالم الرسم من خلال أسلوبه البارز، واستخدامه مجموعة من الألوان، وطريقته الخاصة في رسم اللوحات الشخصية، ولعبت تحفته الفنية (بورتيناريتريبتيتش) في فلورنسا دورًا مهمًا في تطوير الواقعية وطريقة استخدام الألوان في فن عصر النهضة الإيطالي ابتداءً من عام 1483م.كما قدم الرسامونالفلمنكيون، نونو غونسالفيس (1452-1492م)، وغريغوريو لوبيز (1513-1550م)، وفاسكو فيرنانديز (1475-1542م)، قدموا أعمالًا فنية خالدة إبان عصر النهضة الشمالي.
شملت المدرسة الموسيقية الفلمنكية،أغلب المؤلفين المهمين في عصر النهضة الأوروبي، حيث سافر الكثير من المؤلفين الفلمنكيين وعملوا في كل أنحاء أوروبا. وكان يوهانس اوكغم(1410-1497)أول المؤلفين العظماء في المدرسة،وقد اشتهر بموسيقاه الكنسية، خاصة القداس والموتيت، ويُعتبر أستاذًا في فن الطِباق الموسيقي (هي تقنية موسيقية كانت تقوم على مطابقة عدة خطوط لحنية). ومن ضمن معاصريه أنطوان بوسنوا (1430-1492م)، الذي اشتهر بالأغاني والموسيقى الدنيوية، وصاحب النظريات الموسيقية يوهانس تينكتوريس (1435-1511م)، الذي كتب أبحاث تشمل أول قاموس مطبوع للموسيقى (تعريف المصطلحات الموسيقية).
وشمل الجيل التالي للموسيقيين الفلمنكيين، جاكوب أوبريخت (1457-1505م)،وهاينريشإيزاك (1450-1517م)، إضافة إلى المؤلف العظيم الخالد جوسكان دو بري (1450-1521م). والإنجاز الحقيقي لهذين الجيلين كان تطور الموسيقى البوليفونية، حيث تحمل كل أجزاء الصوت الغنائي نفس الأهمية بدلًا من جزء واحد.وكان هناك بيدرو دي اسكوبار (1465-1535م)، ودوارتي لوبو (1565-1646م).ورغم كتابة موسيقى رفعية للآلات، خاصة للعود والآلات ذات لوحة المفاتيح؛ ظلت الموسيقى الغنائية أهم.
ولعبت الموسيقى الإنجليزية دورًا في تشكيل أسلوب المدرسة الفلمنكية، ولكن المدرسة الفلمنكية هيمنت على الزوق الأوروبي الغربي، وحتى إيطاليا التي كانت معادية للفن القوطي، انضمت إلى أوروبا الغربية في الاعتراف بتفوق الموسيقى الفلمنكية وسموها، وقال كافللو البندقي: “إن المدرسة الفلمنكية منبع الموسيقى في الأراضي المنخفضة”. وبهذه السيطرة الفلمنكية اجتازت الموسيقى الاحترافية الحدود الضيقة التي وضعتها القومية في ذاك العصر.
وفي الأدبالفلمنكي، قدم الشاعر والكاتبسا دي ميراندا (1491-1550م) الأساليب الإيطالية للشعر، كما طور بيرنارديرمريبيرو الرعوية الرومانسية. كما انصهرت معزوفات جيل فيسينتي مع الثقافة الشعبية، حيث أبرزت تغيرات العصور، كما سجل لويس دي كامويس (1524-1580م) المفاخر البرتغالية في الخارج في القصيدة الملحمية (أوس لوسيادس). وأزدهر أدب الرحلات خصوصًا، وقد قام كل من جواوو دي بارو، وكاستنهيداأنتطونيوقالفو، وقاسبر كوريا، ودوارتي باربوسا، وفرناومندشبنتو وآخرين، بوصف الأراضي الجديدة التي زاروها. وتمت ترجمة أعمالهم وطباعتها مع تقنية الطباعة الجديدة.
انتشرت التكنولوجيا البحرية على يد علماء الفلمنك بما فيهم بيدرونونس،وجواو دي كاسترو، وإبراهام زاكاتو، ومارتن بيهايم. وقدم رسامو الخرائط مثلبيدرورينال، ولوبوهوميم، واستبيان قوميز،ودييفوريبيرو، قدموا مساعدة مهمة في تخطيط الأرض. وقام العديد من الأطباءوالصيادلة مثل تومي بيرس،وغارسيا دي أورتا،وكريستوبال أكوستا، بجمع ونشر العديد من الأعمال عن النباتات والأدوية، والتي ترجمها لاحقًا عالم النبات الفلمنكي الرائد كارلوس سلوسيوس.
وصل عصر النهضة الشمالية إلى(إسبانيا) عن طريق شبه الجزيرة الأيبيرية من خلال البحر الأبيض المتوسط عبر المناطق التي يسيطر عليها تاج أراغون ومدينة فالنسيا. حيث أتى العديد من الكتاب في بداية عصر النهضة الإسبانية من مملكة أراغون، بما في ذلك أوسياس مارش (1397-1459م)،وجوانوتمارتوريل (1413-1468م). أما في مملكة قشتالة تأثر عصر النهضة في بدايته بالنزعة الإنسانية الإيطالية، بدءًا بالكُتاب والشعراء، وفي مطلعهم الشاعر والسياسي ماركيز سانتيانا (1398-1458م)، الذي عرّف الشعر الإيطالي الجديد إلى إسبانيا في أوائل القرن الخامس عشر، وكتاب آخرون، مثل خورخي مانريكي (1440-1479م)، وفرناندو دي روخاس (1470-1541م)، وخوان ديل انسينا (1448-1529م)، وغارسيلاسو دي لا فيغا (1498-1536م)، وقد أبقوا على تشابه قريب للنمط الإيطالي.
وتُعد رواية (دون كيشوت) وهي تحفة الروائي الإسباني ميغيل دي سرفانتس (1547-1616م) أول رواية غربية،وتُعتبر واحدة من الروائع العالمية في الأدب الروائي الساخر، والمحور الأساسي في هذه الرواية هو التضارب أو التعارض بين أعمال الوسط الاجتماعي النبيل وأحواله من طرف، وفكرة أن يصبح المرء فارسًا نبيلًا جوالًا من طرف آخر حيث تكون مهمته حماية المستضعفين. وفي (دون كيشوت) نفسه ملامح من أبطال القصص العربي أمثال (سيف بن ذي يزن) و(عنترة بن شداد) و(الظاهر بيرس)، وهذا ما يؤكد على أثر واضح للثقافة العربية في الأندلس حيث كانت نشأة وحياة المؤلف. كما شهد عصر النهضة في إسبانيا بروز فنانين عظام من أمثال إل غريكو (1541-1614م)، ومؤلفين موسيقيين كبار كتوماس لويس دي فيكتوريا (1548-1611م).
ساعد عجز الكنيسة عن تقديم المساعدة ضد الموت الأسود (1347-1352م)، في انتشار النزعة الإنسانية في (فرنسا). وتعود الولادات الجديدة لعصر النهضة (الفرنسية)، إلى منطقة (بورغونية) التي كانت مركزًا للنهضة القوطية المتأخرة، كما كانت مركزًا مبكرًا من ولادات (مدرسة الأراضي الواطئة)، وذلك عند حدود القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، فإلى هذه الفترة تعود نتاجات المصورين الفرنسيين؛ جيانمالويل (1370-1415م)، وهنري بيلشوز (1415-1445م)، والهولنديين الأصل؛ الرسام بروديرلام (1355-1410م)، والنحات كلاوس سلوتير (1350-1406م)، وتفصح أعمالهم عن مساع إلى تجسيد لوحة متكاملة عن الوجود والاهتمام بجمال الوسط المحيط بالإنسان وتنوع صوره وفرادة النماذج البشرية وتحميل أفكار العصور الوسطى البائدة مضامين حياتية جديدة.كما تفاعلت في فرنسا التقاليد المحلية مع مستجدات هذا العصر، فتميزت نتاجات القرن الخامس عشر بشاعريتها الرقيقة والغنائية الوادعة، أمثال أعمال الرسام الفرنسي جان فوكيه (1420-1481م).
وبعد عزو إيطاليا من قبل ملك فرنسا تشارلز الثامن عام 1495م، تسربت النهضة الإيطالية إلى فرنسا، واستورد ابنه الملك فرانسيس الأول (حكم 1515-1547م) الفن والفنانين الإيطاليين، بما في ذلك ليوناردو دا فينشي، وبنى قصور مزخرفة بتكاليف باهظة.وظهر العديد من الكتاب أمثال فرانسوا رابليه (1483-1553م)، وبيير دي رونسارد(1524-1585م)، ويواكيم دو بيلي (1522-1560م)، وميشيل دي مونتانير (1533-1592م)، والرسامين أمثال جان كلويت (1480-1541م)، والموسيقيين أمثال جان ماوتن، استعاروا أيضًا من روح عصر النهضة الإيطالية.
وبلغت الفنون الفرنسية في القرن السادس عشر أوج ازدهارها إبان حكمالملوك الأقوياء، فتعـاظم الاهتمـام بالإنسان وشخصيته بمقاربات مثالية، ومن ممثلي تلك الحقبة النحات والرسام والمعماري الفرنسي جانغوجون (1510-1572م).وفي عام 1533م قامت الإيطالية كاترينا دي ميديتشي (1519-1589) البالغة من العمر آنذاك أربعة عشر عامًا،والمولودةللورنزو الثاني دي ميتشي ومادلين دو لا تور دي أوفيرني، قامت بالزواج من الأمير هنري الثاني، الابن الثاني لملك فرنسا فرانسيس الأول والملكة كلود،وقدمت إسهامًا مباشرًا في جلب الفنون والعلوم والموسيقى [بما في ذلك أصول الباليه]من مسقط رأسها في فلورنسا، إلى فرنسا.
وفي (ألمانيا)؛ تأثر عصر النهضة بالأفكار الإصلاحية،والحرب الفلاحية (1524-1526)، مما طبعه بمنحى اجتماعي، تجلى في أعمال المصورين الألمانيين، آلبرختدورر(1471-1528م)، ولوكاسكراناخالأكبر (1472-1553م). كما أدىتطور الطباعةفي انتشار روح هذا العصر لتصل ألمانيا، وكان ذلك حوالي 1450م حيث سبق تأثير الفنانين الألمان إيطاليا في عصر النهضة في وقت مبكر، هؤلاء الفنانين كالرسامين أمثالهيرونيموس بوش (1450-1516) والملحنين أمثال يوهانس اوكيغم (1410-1497) وجاكوب اوبريتش (1457-1505) وجوسكن ديس بيريز (1455-1521).
وأصبحت النزعة الإنسانية في المناطق البروتستانتية في ألمانيا (منذ وقت مبكر) مرتبطة بشكل وثيق باضطرابات الإصلاح البروتستانتي، وقد عكست الفنون والكتابة في عصر النهضة الألمانية هذا النزاع كثيرًا. ومع ذلك، ظل الطراز القوطي والفلسفة المدرسية في العصور الوسطى حصرية حتى مطلع القرن السادس عشر. وكان الإمبراطور ماكسيميليان الأول من هابسبورغ (حكم 1493-1519) العاهل الأول والحقيقي لنهضة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي عُرفت فيما بعد باسم (الامبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية) حمية كولونيا 1512م.
ترجع جذور النهضة (الإنجليزية) بحسب الكثير من المؤرخين إلى (توسكاني) في القرن الرابع عشر.وبعد تفسخ النظام الإقطاعي؛ كان النبلاء الجدد البريطانيون الذين نشأوا في عهد أسرة تيودور (1485-1603م)، وورثة البارونات الإقطاعيين القدامى، كانوا ذوي تطلعات برجوازية أكثر منها إقطاعية. وتأثرت أعمال هذه الفترة أيضًا بإعلان الملك هنري الثامن الاستقلالية عن الكنيسة الكاثوليكية. وشجعت (الأرستقراطية) الإنجليزية منذ عهد هنري الثامن تطوير الصناعة، وحاولت الاستفادة منها، مما أدى إلى نمو البرجوازية الإنجليزية، التي احتاجت إلى قوة مَلَكية قوية لحماية مصالحها الاقتصادية، وكذلك خوفًا من تكرار الصراع الأهلي الإقطاعي.
دعت حركة الإصلاح البروتستانتي الإنجليزية إلى السماح للأشخاص بتفسير الكتاب المقدس بأنفسهم بدلًا من التسليم بتفسير الكنيسة الكاثوليكية. وأصبحت المناقشات عن كيفية ترجمة الكتاب المقدس بطريقة تمكن العلمانيين من فهمه. وقد أنتج شعراء عظماء مثل أدموند سبنسر (1552-1599م)، وجون ميلتون (1608-1674) أعمالًا أظهرت اهتمامًا متزايدًا في تفسير المعتقدات الإنجليزية المسيحية، مثل التمثيل المجازى لسلالة تيودور في ملكة الجن لأدموند، وحكاية (هبوط البشر من الجنة) في الفردوس المفقود لسبنسر. وقد أدى الإصلاح إلى ظهور مؤلفات لاهوتية واسعة النطاق، تعكس الصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية. ولكن القليل منها فقط كان لآثارها ميزة أدبية مثل كتاب (قوانين النظام الكنسي) 1593م بقلم ريتشارد هوكر (1554-1600)،و(كتاب الشهداء) 1563م للدكتور جون فوكس (1516-1587)، الذي يحكي عن الشهداء المسيحيين العظام من جميع الأعمار، ولكن بشكل خاص عن اضطهادهم البروتستانت خلال فترة رد الفعل الكاثوليكي في عهد ماري تيودور (1516-1558م)التي أُطلق عليها لقب (ماري الدموية)، وتم إطلاق هذا اللقب عليها لأن عهدها قد أُعدم فيه أكثر من ثلاثمائة شخص حرقًا في إنجلترا بتهمة الهرطقة.
وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر في إنجلترا؛ تظهر عشر ترجمات للكتاب المقدس، مصقولة من ترجمة ويليام تيندال (1525-1535)، وأدى انتشار الكتاب المقدس إلى تأثير كبير من لغته على الكلام والأدب اليومي. هذه الحقبة في التاريخ الثقافي الإنجليزى يشار إليها أحيانا (بعصر شكسبير) أو (العصر الإليزابيثي)، وهي الفترة الأولى في التاريخ الإنجليزي والبريطاني التي سميت باسم الملك الحاكم. وأسهم هانز هولباين الأصغر 1497-1543م، الألماني الأصل، وابن الرسام الألماني هانز هوليان الأكبر، أسهم في نقل أفكار عصر النهضة إلى إنجلترا إبان إقامته فيها. ويعد روجر أشام مناصرًا آخرًا باكرًا لأدب اللغة المحكية، وكان الأستاذ الخاص للأميرة إليزابيث خلال فترة مراهقتها، غالبًا ما يُسمى الآن بـ (مؤسس نثر اللغة الإنجليزية). وكانت إليزابيث بحد ذاتها نتاج النهضة الإنسانية درّبها روجر أشام، وكتبت قصائد مناسباتية مثل (عند رحيل السيد) في لحظات حرجة من حياتها.
وقد ألف الكتاب المسرحيون من أمثال كريستوفر مارلو (1564-1593م) ووليم شكسبير (1564-1616م)، العروض المسرحية التي تظهر المفهوم الإنجليزي عن الحياة، والموت، والتاريخ. وكان المسرح الإنجليزي الأكثر ازداحمًا في أوروبا، وقدم عروضه لكل من بلاط الملك والنبلاء في عروض خاصة، وللعامة على نطاق واسع في المسارح.
وقد نشر فلاسفة بريطانيونأمثال سير توماس مور (1478-1535م)، وسير فرانسيس بيكون (1561-1626م) أفكارهما الخاصة عن البشرية ونواحى المجتمع المثالي قرابة نهاية عهد أسرة تيودور، مما أدى لدفع حدود المعرفة قي ذلك الوقت.
وقد اقتربت إنجلترا من الوصول للعلم الحديث مع أسلوب بكنين،وهي الطريقة الرائدة للمنهج العلمي.وكذلك مع أعمال فنانين ومعماريين عظماء مثل اينيجو جونز (1573-1652م) الذي قدم العمارة الإيطالي إلى إنجلترا، والملحنين مثل توماس تالليس (1505-1585م)، وجون تافيرنر ويليام بيرد (1540-1623م). والتطورات التقنية في الإبحار ورسم الخرائط.
عرفت الدولة (البولندية) ذات التنوع العرقي فترة طويلة من النمو بفضل قرن من الزمن خال من أي حرب ذات أهمية تُذكر، باستثناء صراعات المنطقة الشرقية ذات الكثافة السكانية المنخفضة والمناطق الحدودية الجنوبية. وانتشر الإصلاح بسلام في أنحاء البلاد، مما أدى إلى نمو الانصهار المجتمعي البولندي، حيث تحسنت الظروف المعيشية، ونمت المدن، وساهمت الصادرات من المنتجات الزراعية في إثراء السكان خصوصًا طبقة النبلاء التي تحقق لها السيطرة في النظام السياسي الجديد للحرية الذهبية.
وقد انتقلت النهضة الإيطالية إلى بولندا في منتصف القرن الخامس عشر، حيث جاء العديد من الفنانين الإيطاليين إلى بولندا مع بونا سفورزا (1494-1557م)من ميلانو الإيطالية، عندما تزوجت عام 1518م من الملك البولندي زغمونت الأول (1467-1548م). كان هذا الاتجاه الحديث مؤيدًا بشكل مؤقت من الأنظمة الملكية القوية في كلا المنطقتين، كما كان مؤيدًا من الجامعات التي أُنشئت حديثًا. واستمرت النهضة البولندية إلى أواخر القرن السادس عشر، وكانت تُعتبر على نطاق واسع أنها العصر الذهبي للثقافة البولندية. كما شارك تاج مملكة بولندا (الذي كان جزءًا من الكومنولث البولندي الليتواني عام 1569م)، محكومًا من قبل سلالة ياغيلون الملكية، بنشاط كبير في النهضة الأوروبية الشمالية.
وتنقسم عمارة عصر النهضة البولندية إلى ثلاث فترات رئيسة؛ الفترة الأولى (1500-1550م) التي غالبًا ما تُسمى (الإيطالية)، نظرًا إلى أن معظم مباني عصر النهضة البولندية في هذا الوقت قد بناها المهندسون المعماريون الإيطاليون بدعوة من النبلاء البولنديين، من فلورنسا بشكل رئيس، وكانت معظم الكنائس لا تزال تُبنى على الطراز القوطي، وبُنيت فقط الكنائس الجديدة المحيطة بالكنائس القديمة بأسلوب جديد في بعض الأحيان، وكانت أبرزها كنيسة (زيجيزموند) في كاتدرائية فافيل، وقد بناها بارتولوميوبيريكي من عام 1519 إلى 1533م.
خلال الفترة الثانية (1550-1600م)، أصبح أسلوب عصر النهضة البولندي شائعًا، وتضمن التأثيرات من النسخة الهولندية من النهضة، بالإضافة إلى بدايات أسلوب التكلفية. بُنيت قلاع جديدة في جميع أنحاء بولندا، تحمل الشكل رباعي الجوانب الجديد الذي يحيط بفناء، مع أربعة أبراج في الزوايا. من الأمثلة البارزة؛ القلعة في بلاكوفيزا (القرن السادس عشر)، والقلعة في بزرج، والقلعة في نيبولومايس، والقلعة في بارانوفساندوميرسكي (بناها سانتي غوتشي فيالفترة بين 1591-1606م). ومن الأمثلة البوميرانية لعصر النهضة التي تطورت تحت تأثير شمال أوروبا بدلًا من إيطاليا؛ البوابة الخضراء في دانزيغ (التي بناها هانز كرامر فيالفترة بين 1564-1568م)، وفي دانزيغ أيضًا بوابة أبلاند (أنهاها فيليم فان دن بلوك في عام 1588م)، والترسانة الكبيرة (بناها أنتون فان أوبرغين في الفترة بين 1602-1606م)، ومجلس المدينة القديم (الذي بُني في الفترة بين 1587-1595م، على الأرجح بواسطة أنتون فان أوبرغين أيضًا).
في الفترة الثالثة (1600-1650م)، أصبحت التكلفية شعبية، وظهرت أول الأمثلة البارزة على الباروكية.وضع الحريق في فافيل ونقل العاصمة إلى وارسو في عام 1596م حدًا لتطور النهضة في كراكوف وأيضًا في دانزيغ، وأعطت القوة الصاعدة لليسوعيين والإصلاح المضاد قوة دافعة لتطوير الهندسة المعمارية للتكلفية وأيضًا الأسلوب الجديد؛ الباروكية. أهم مثال على الهندسة المعمارية الصاعدة للتكلفية في بولندا هو مجمع من المنازل في كازيميزدولنيوزاموشتش.
أثرت تيارات عصر النهضة من إيطاليا وأوروبا الوسطى في (روسيا) في نواح عديدة، على الرغم من محدودية هذا التأثير نظرًا للمسافة البعيدة بين روسيا والمراكز الثقافية الرئيسة في أوروبا من جهة، وبسبب الإخلاص القوي للروسيين لتقاليدهم الأرثوذكسية والتراث البيزنطي، من الجهة الأخرى. وقد أدخل الأمير إيفان الثالث (حكم 1462-1505م) عمارة عصر النهضة إلى روسيا بدعوته لعدد من المهندسين المعماريين الإيطاليين، الذين جلبوا معهم تقنيات البناء الجديدة وعناصر طراز عصر النهضة، لكنهم حافظوا في التصاميم على الذوق المعماري التقليدي الروسي.
في سنة 1475م جاء المهندس المعماري البولوني أريستوتيليفيورافانتي (1415 – 1486م) لإعادة بناء كاتدرائية الرّقاد بالكرملين في موسكو، التي تضررت جراء زلزال. جعل فيورافانتي من كاتدرائية فلاديمير، التي تعود للقرن الثاني عشر، كنموذج، بإنتاجه تصميم يجمع بين الذوق الروسي التقليدي واللمسة النهضوية برَحْب الأرجاء وتناظرها. وفي سنة 1485م قام القيصر إيفان الثالثبتكليف بناء قصر تيريم الملكي داخل الكرملين، وكان المعماري الإيطالي ميلانو الويسيودا كونها (1450-1494م) مهندس الطوابق الثلاثة الأولى. وكذلك المهندسين المعماريين الإيطاليين الآخرين، ساهموا إلى حد كبير أيضًا في بناء الجدران والأبراج الكرملينية. وفي عام 1505م، وصل مشهور إيطالي في روسيا يعرف بأليفز نوفي أو أليفز فرايزينإلى موسكو. وبنى نحات البندقية، الفيسيولامبيرتيدا مونتاني اثنتي عشرة كنيسة لإيفان الثالث، بما في ذلك كاتدرائية رئيس الملائكة، وهو مبنى رائع وملحوظ لمزجه الناجح لكل من التقاليد الروسية، والمتطلبات الأرثوذكسية وطراز عصر النهضة. ومن المعتقد أن كاتدرائية ميتروبوليتان بيتر في دير يسوكوبيتروفسكي، وهي عمل آخر من أعمال ألفيس نوفي، عملت كمصدر إلهام للتموذج المعماري المُسمّى بـ مثمن الأضلاع على رباعي الزوايا في موسكو في أواخر القرن السابع عشر.
ومع ذلك، فقد طُورت بين أوائل القرن السادس عشر وأواخر القرن السابع عشر تقاليد أصلية لبناء حجر سقف الخيام في روسيا. لقد كان مختلفًا ومتميزًا عن عمارة عصر النهضة الحديث المنتشر في باقي أوروبا، وبالرغم من ذلك فقد أُطلق عليه بعض الباحثين اسم الطراز القوطي الروسي وقارنوه بالطراز القوطي الأوروبي الذي كان موجودًا في السابق. الإيطاليون، مع التكنولوجيا المتقدمة عندهم، قد يكونوا أثروا على اختراع سقف الخيام الحجري (الخيام كانت معروفة خشبية في روسيا وأوروبا قبل فترة طويلة). وفقًالاحدى الفرضيات، المهندس المعماري الإيطالي بيتروك مالي قد يكون هو مبتدع كنيسة الصعود في كولومينسكوي، واحدة من أقدم وأبرز الكنائس ذا سقوف الخيام.
وبحلول القرن السابع عشر، أدى تأثير رسومات عصر النهضة إلى أن تصبح الرموز الروسية نوعًا ما أكثر واقعية، بينما ماتزال تتبع أغلب القواعد القديمة لرسم الرموز، كما شوهدت في أعمال بوقدانسالتانوف (1630-1703م)، وسيمون اوشاكوف (1626-1686م)، وكارب زولوتاريوف (1672-1698م)وفنانين روس آخرين من تلك الحقبة. وظهر نوع جديد من رسم البورتريه العلماني، سُمي (بالبارسونا) والتي تعني الشخص، والذي كان نمطًا تقليديًا بين الرسومات الأيقونية المجردة وبين الرسوم الواقعي.
في منتصف القرن السادس عشر اعتمد الروس الطباعة من وسط أوروبا، مع إيفانفيودروف كونها أول طابعة روسية معروفة أصبحت الطباعة منتشرة في القرن السابع عشر، وأصبح تقطيع الخشب منتشر كذلك. أدى ذلك إلى تطوير شكل خاص من أشكال الفنون الشعبية المعروفة باسم (الطباعة) وهي نوع خاص من الألواح يتم طبع الصور عليه، وقد استمرت في روسيا لفترة طويلة وحتى القرن التاسع عشر؛ عدد من تقنيات عصر النهضة كانت معتمدة من قبل الروس في وقت مبكر بدلًا من أوروبا، وأكتملت لاحقًا لتصبح جزءًا من التقاليد المحلية القوية. أغلب هذه التقنيات كانت عسكرية، مثل المدافع التي تم اعتمادها في القرن الخامس عشر على الأقل،ويعتبر مدفع (القيصر)أكبر مدفع في العالم من حيث العيار، صُمم في روسيا، وهو تحفة روسية الصنع، قام بصناعته آندريهتشوكوف في 1586م، واشتهر بزخارفة الغنية البارزة.
هكذا ساعد (الانفتاح) الفكري والسياسي والاجتماعية الذي صاحب نشأة النهضة الأوروبية، ساعد في انتشار أفكار وعلوم وآداب عصر النهضة من مركز نشأتها الأولى في فلورنسا الإيطالية إلى جميع المدن الإيطالية، ثم إلى باقي الجمهوريات والإمارات والمَلَكيات الأوروبية. بينما أدت العزلة أي (الانغلاق) الفكري والسياسي والاجتماعي التام في ثناياالإمبراطورية العثمانية [التي أشرنا إليها سابقًا بشيء من التفصيل]أدت إلى عدم تلقي مصر والعديد من الدول التي كانت قابعة تحت نير الاحتلال العثماني،لتلك النقلة النوعية الحضارية الهائلة، وهذا التحول التاريخي في تطور المجتمعات والدول. وذلك رغم قربهم الشديد من مراكز الحضارة الأوروبية الأولى في إيطاليا، وخاصة مصر وبلاد المشرق العربي التي كانت على بعد أميال من المدن الإيطالية، وذلك مقارنة مع دول كانت بعيدة عنها مثل بريطانياوروسيا وغيرها من الدول التي انتقلت إليهم ثمار النهضة الأوروبية بعد سنوات قليلة من نشأتها.
فرغم اتساع رقعة السلطنة العثمانية، وتنوع عرقياتهم وأجناسم، ظل نظام(القبيلة المتنقلة) هو السائد من الناحية الإدارية. وهذا لم يكن بالأمر الجديد، بل هو امتداد لما كان سائدًا في نظم العصور الوسطى كافة باستثناء حالات نادرة كما كان في مصر [إبان عصور الدول المستقلة الخمس]وبعض المدن الحضارية الأخرى في الشام والعراق وغيرها آنذاك.
وتمثلت ركائز الإمبراطورية العثمانية في ثلاث ركائز رئيسة؛الركيزة الأولى كانتالميليشيات العثمانية، حيث أسس العثمانيون منذ أوائل دولتهم ميليشياتمن المرتزقة، ارتبطت قوتها وأهميتها(بالغزوات) و(الغارات)، وكانت تقوم في البداية على ميليشيات الفرسان (السباهي) التي اعتمدت في تشكيلها على نظام (الإقطاع العسكري)، حيث كانت البلاد التي يتم الاستيلاء عليها تُقَسّم إلى إقطاعات تُسَلَّم إلى الجنود أو كبار القادة أو الأمراء مقابل الخدمة العسكرية وتأمين عدد معين من الفرسان زمن الحرب [هذا في الوقت الذي تخاصمت فيه دول أوروبا مع كافة أشكال الإقطاع]، ثم أُنشيء بعد ذلك ميليشيات المشاة التي دُعيّت باسم العساكر الإنكشارية [سيئةالصيت]، وأصبحت الأداة الرئيسة للغزوات. فالسلطان يأخذ من بعض بلاد الكفار أولادهم!!! وتأتي من ذلك آلاف مؤلفة، يضم السلطان لداره ولديار وزرائه وجنده ما يختارونه من ذلك، يربونهم على قيود صارمةويعلمونهم الكتابة والقراءة،وبعدما يشكلونهم يختارون من يرون فيه أهلية لخدمة السلطان، فيثبتونهم في ديوان الجند، فمنهم يكون جند السلطان كله.
تمثلت الركيزة الثانية في (الإدارة العثمانية)؛ حيث كان السلطان العثماني المتمتع بسلطة دينية ومدنية وعسكرية مطلقة،ويعتمد لفرض هذه السلطة على إدارة مركزية يتميز أعضاؤها بالولاء المطلق للسلطان، وقد تحددت السلطات في هذه الإدارة بواسطة سجل بدائي استبدادي أُطلق عليه (قانون نامة 1488م) الذي أصدره السلطان محمد الثاني(1432-1481م)، وأجرى عليه السلطان سليمان القانوني (1494-1566م) بعض التعديلات. وتضمن هذا السجل التنظيمات العامة للسلطنة العثمانية:”ليُعْلَم أولًا أن الصدر الأعظم وهو رئيس الوزراء أنه أعظمهم جميعًا، وصاحب الصلاحية المطلقة في إدارة شؤون الدولة، أما القيم على أملاكه فهو الدفتردار، غير أن الصدر الأعظم هو رئيسه…”. وكان يساعد الصدر الأعظم مجلس عام يُسَمّى بالديوان يضم الوزراء وكبار قادة الجيش والوجهاء، وكان السلطان يعتمد أيضًا في ممارسة سلطته على نفوذ وتأثير رجال الدين وعلى رأسهم مفتي الآستانة (إستانبول) بصفته شيخ الإسلام!!.
تمثلت الركيزة الثالثة للسلطنة العثمانية في (الموارد الاقتصادية) لدى العثمانيين؛ فكانت الغزوات والغارات من الجرائم الإنسانية البشعة التي استمروا في ارتكابها، وكانت توفر للسلطنة العثمانية موارد مهمة، كانت تتزايد مع التوسع في الغزوات والغارات وضم البلدات المُستولى عليها ونهب ثرواتها. كما اخترعت السلطنة العثمانية موردًا عجيبًا من الموارد المالية تمثل في تعيين عقوبات مالية تعزيرية في حال عدم توافر شروط تنفيذ العقوبات الشرعية!!(الباب الثالث من سجلنامه) وسُمي هذا التصرف (بالتعزير المالي) حسب تلك الوثيقة. وتضمن الفصل الرابع من سجل نامه الذي يتكون من المواد (من 28 إلى 34)، يتضمن خراج الأرض، بحيث ينظم (أقجة الزرع) وتوابعها، وهو ما يفرضه السلطان على الأرض بالنسبة إلى مساحتها، ونوع ما زُرع فيها. والمواد من 35 إلى 41 تنظم العشر الذي يعني (خراج المقاسمة)، وهو أن يُفرض على الناتج مقدارًا محددًا، مثل الخُمس أو السُدس، والمواد من 42 إلى 50 خُصصت لضرائب عرفية، والمادة 51 تناولت القوانين المتعلقة بواجبات الرُحَّل -يوروك – (وهم عشائر متنقلة كانت تعيش في السلطنة العثمانية)، والمواد من 52 إلى 68 تنظم جزى، وضرائب خراجية،وضرائب عرفية، عائدة لغير المسلمين، هذا علاوة على ضرائب الجمرك.بالاضافة إلى ذلك، أصبحت الدولة العثمانية منذ أوائل القرن السادس عشر، تسيطر على أهم معابر التجارة العالمية التقليدية، مما كان يوفر لها موارد مالية مهمة بواسطة الأرباح ورسوم العبور، ذلك فضلًا عن الضرائب المتعددة التي كانت تستخلصها من سكان امبراطوريتها الشاسعة.
وفي حين أحدثت (النهضة الأوروبية) القطيعة الكاملة لجمهوريات وإمارات وممالك أوربا مع (الغزوات الإفرنجية)، على أغلب جدود أوروبا، وخاصة الشرقية والجنوبية منها،والتي كانت أهم سمات العصور الوسطى الأوروبية؛ نجد أن الغزوات والغارات شغلت كل سلاطين العثمانيين، بل كانت إحدى ركائز السلطنة العثمانية.
فقد شعلت الغزوات في الشرق السلطانسليم طوال أيام حكمه، وبعد أن توفي في الثاني والعشرين من سبتمبر سنة 1520م، ارتقى العرش من بعده ابنه سليمان (سليمان القانوني)، فكان طبيعيًا أن ينصرف السلطان سليمان إلى ناحية الغرب ليتم الغزوات التي كان أسلافه قد بدؤوها من قبل؛ فاحتل سليمان مدينة بلغراد في عام 1521م، وعقد العزم على ما كان أبوه السلطان سليم قد شرع يستعد له قبل وفاته؛ وهو الاستيلاء على جزيرة رودس اليونانية، فتمكن من ذلك في سنة 1523م، ثم ضم إلى الأملاك العثمانية القسم الجنوبي والأوسط من مملكة المجرسنة 1526م.وفي عام 1532م حاصر سليمانفيينا وعقد مع فرديناند صلحًا احتفظ بموجبه بجميع ما استولى عليه من الأراضي المجرية. ثم التفتسليمان صوب الشرق، فانقض على بلاد فارس، واحتل تبريز عاصمة الفرس، ثم استولى على بغداد.
حقق العثمانيون أيام السلطان سليمان عدة غزوات بحرية كبيرة، وعين السلطان سليمان البحار اليوناني خير الدين أميرًا للبحر عام 1533م، وكان هذا البحار قد ضم الجزائر من قبل للسلطنة العثمانية، أيام السلطان سليم.فتمكن من احتلال تونس وإخضاعها للسلطة العثمانية، ولكن لفترة قصيرة من الزمن. ومن الغزوات المهمة التي حققها الأسطول العثماني في عهد السلطان سليمان، احتلال طرابلس الغرب على يد القبطان (درغوث بك). توفي السلطان سليمان في الخامس من سبتمبر سنة 1566م، وكانت الدولة العثمانية آنذاك قد بلغت أعلى درجات توسعها، ووصل عدد سكانها إلى خمسة عشر مليون نسمة.
بعد وفاة السلطان سليمان القانوني، خلفه ابنه السلطان سليم الثاني، وكان حاكمًا منحلًا، وكان ماجنًا سكيرًا. فأصبح من يتقلد وظيفة (الصدر الأعظم) الحاكم الفعلي وقائد الجيوش؛ فكانت السلطة الفعلية في أيدي الصدر الأعظم محمد باشا صقلي، الذي أرسل جيشًا كبيرًا إلى اليمن، سنة 1569م، بقيادة عثمان باشا، يسانده سنان باشا والي مصر، لقمع ثورة الأهالي ضد العثمانيين، ودخل مدينة صنعاء بعد أن غزا جميع القلاع، وتمكنت الميليشيات العثمانية من إخماد الثورة، وارتكاب العديد من المجازر البشعة في حق اليمنيين. ومن أعمال الصدر الأعظم أيضًا غزو جزيرة قبرص، وانتزاعها من أيدي البنادقة. وقد شنت السلطنة العثمانية في عام 1569م غزوةفاشلة على مدينة أسترخان، الواقعة على مصب نهر الفولغا في بحر قزوين. كما تعذر ضرب الحصار على المدينة لأن الروس بنوا قلعة قوية إلى الجنوب منها، على الطريق المؤدية إليها حالت دون تقدم الجيش العثماني.
بعد ازدياد الخطر العثماني في البحر المتوسط على أوروبا، وخاصة بعد غزو قبرص، وبعض المواقع على البحر الأدرياتيكي، تحالف فيليب الثاني ملك إسبانيا مع جمهورية البندقية ومساندة بعض ملوك أوروبا لوقف التقدم العثماني باتجاه إيطاليا من جهة، واسترداد جميع المواقع التي احتلوها على حساب أوروبا، من جهة أخرى؛ فجمعوا مائتين وثلاثين سفينة وثلاثين ألف جندي، وسلموا لواء القيادة إلى الدون يوحنا النمساوي، الذي أبحر إلى خليج باتراس، أحد فروع البحر الأيوني، وهناك اشتبك الأسطولان العثماني والأوروبي في معركة بحرية طاحنة، هي إحدى أكبر المعارك في التاريخ الحديث، أسفرت عن انتصار الأوروبيين وانهزام العثمانيين هزيمة منكرة. ووقعت البندقة مع الدولة العثمانية معاهدة سنة 1573م.
توفي السلطان سليم الثاني في الثاني عشر من ديسمبر سنة 1574م، وتولى بعده ابنه مراد الثالث. وأهم ما حصل في عهد السلطان مراد الثالث فهو التوسع العثماني في الشرق، على حساب الدولة الصفوية؛ فبعد وفاة الشاه طهماسب الأول من غير أن يسمي من سيخلفه، تنازع أبناؤه على السلطة، فأرسل الصدر الأعظم محمد باشا صقلي حملة عسكرية إلى بلاد فارس لغزو ما تيسر من مدنها، فضموا إليهم من أملاكها بلاد الكرج، ثم أذربيجان الشمالية، ثم بلاد داغستان.
تعرضت السلطنة العثمانية بعد هذه الغزوات لانتكاسة سياسية عنيفة، عندما تقلص نفوذ الصدر الأعظم محمد باشا صقلي، ومن ثم قُتل في سنة 1579م، فعمت الفوضى بعد موته بفعل ضعف حلفائه وتمرد الإنكشارية، وراح الولاة يتنافسون فيما بينهم على منصب الصدارة العظمى.
وفي عام 1590م أبرم العثمانيون صلحًا مع الصفويين، اعترفوا فيه بما تم ضمه إلى السلطنة العثمانية، إضافةً إلى جنوب أذربيجان بما فيها العاصمة تبريز. وفي عهد مراد الثانيثار الإنكشارية في القسطنطينية وفي الولايات، نظرًا لهبوط قيمة أجورهم، الأمر الذي دفع الصدر الأعظم الجديد، سنان باشا، أن يشغلهم بالحروب مع النمسا في المجر، ونظرًا لما وصل إليه الإنكشارية من فوضى توالت عليهم الهزائم، وفقدوا بعض القلاع، وعلى الرغم من أن سنان باشا استطاع أن يستردها لاحقًا، استغل أمراء الأفلاقوالبغدانوترانسلڤانيا الموقف وانتصروا على الجيوش العثمانية في بضع معارك، واستردوا منهم بعض المدن. وتوفي السلطان مراد الثالث في التاسع عشر من يناير سنة 1595م.
تولى عرش آل عثمان بعد مراد الثاني ابنه محمد الثالث، الذي خرج عن القاعدة التي استفحلت منذ أيام جده سليم الثاني، وهي تولي الصدر الأعظم قيادة الجيش؛ فقاد الجيوش بنفسه، وخرج لقتال المجر، والنمسا، وانتصر عليهم في موقعة كرزت سنة 1596م. وفي بداية القرن السابع عشر حصل في الأناضول ثورة داخلية ضد العثمانيين، أخمدها العثمانيون بسياسة (الأرض المحروقة) والإعدامات على الهُوية، ودمروا كل مقومات الحياة هناك.بينما كانو يضرمون نار الغزواتعلى حدود المجر، والنمسا. وأعقبت هذه الثورة الكبيرة ثورة أخرى في القسطنطينية ضد الحكم العثماني؛ فاستعانت السلطنة عليهم بجنود الإنكشارية الذين ارتكبوا أفظع الجرائم ضد الثوار، وأدخلوهم في طاعة السلطنة مجددًا.
وفي مصر [الغنيمة الكبرى]لم يمس العثمانيون نظم الحكم القائمة إلا من حيث إيجاد هيئات تشترك معًا في شؤون الحكم،وعلى رأسها (الوالي) أو الباشا، وهو نائب وممثل السلطان العثماني في مصر، ورئيس السلطة التنفيذية بها، وكان مقره القلعة، وكانت مدة حكم الوالي بين سنة وثلاث سنوات، وتمثلت مهامه في إرسال الجزية المقررة إلى السلطان، وقيادة الجند في الحروب ولكنه لم يكن مطلق التصرف في المسائل المهمة بل كان عليه أن يحيلها على (ديوان القاهرة).
ويتكون (الديوان) من كبار ضباط الحامية العثمانية والموظفين والعلماء والأعيان، وله سلطة مراقبة الوالي، ولا يستطيع الوالى أن يبت في أمر إلا بموافقة أعضاء الديوان.
وتألفت (الحامية العثمانية) من عدة فرق عسكرية من مرتزقة، موزعة بين القاهرة والمدن الكبرى، وكانت تقوم بحفظ النظام والدفاع عن الولاية. وتسبب النزاع الدائم بين هؤلاء المرتزقة في عدم الاستقرار، وغياب الأمن.
أوكل العثمانيون إلى المماليك؛ مهمة إدارة الأقاليم، وحفظ التوازن بين الوالي ورؤساء الميليشيا العثمانية، وذلك لخبرتهم الطويلة في تنظيم شؤون البلاد، فكان منهم السناجق والكشافة، ويشرفون على الأمن العام، وكان زعيم المماليك يقيم في القلعة، ويُسمى (شيخ البلد). ولأن المماليك كانوا معزولين اجتماعيًا عن باقي المصريين، فقد زادت عزلتهم بعد الاحتلال العثماني،وذلك منذ أن أصبحوا خدمًا للمحتل العثماني الجديد.وبعد أن كانوا هم السلاطين والأمراء،ويتحلون بقيم النبل والفروسية، نجح المحتل العثماني في تدجينهم، وحصرهم في أدوار الاتباع والبصاصين. كما ساعد في هذا التدجين للماليك؛ الجذور الاجتماعية والمشاعر المشتركة بين مماليك العثمانيين ومماليك مصر، كما أوضحنا سابقًا، مما أوهم مماليك مصر أنهممع العثمانيين في بوتقة اجتماعية واحدة ضمن صفوة المجتمع. وكان انتحال العثنانيين لصفة (الخلافة الإسلامية) دور هام في تضليل كافة مكونات المجتمع المصري آنذاك بما فيهم المماليك الذين ارتموا في أحضان العثمانيين، وعرضوا عليهم خدماتهم الغير مشروطة منذ أن تمت السيطرة للعثمانيين، وهو الدور القديم للماليك مع سائر الدول المصرية المتعاقبة منذ الخلافة العباسية، وحتى نهاية الدولة الأيوبية.
وبذلك تحول دور المماليك من عنصر وطني نهضوي،يتفاني في خدمة الوطن، ورفعة شأنه، والدفاع البطولي عن سلامة ووحدة أرضه؛ تحول إلى عائق للتطور والتقدم في مصر،فكثرت المنازعات بين الأمراء المماليك بعضهم مع بعض، وبينهم وبين فرق الحامية العسكرية والوالي العثماني، وهي منازعات لم تخمد في أي فترة من الفترات، وكانت أوضح ما تكون في القاهرة التي غلب عليها الفقر وكساد تجارتها، لأنها كانت مقر الوالي وأعضاء الديوان وجنود الحامية العسكرية والبكوات المماليك، فلا تلبث الشوارع أن تتحول إلى ساحات قتال، ويكثر سلب ونهب المتاجر وتكسد التجارة.
كما أمر الوالي العثماني خاير بك في مصر القضاة الأربعة بتقليل عدد نوابهم، وكان ذلك بداية تغيير مهم في طريق (عثمنة مصر)، واستحدث ما سُميّ بـ (المُحضر)، وهو موظف تركي كان يجلس على دكة على باب المدرسة الصالحية بين جماعة من الإنكشارية، وكانت مهمة هذا المُحضر هيالإطلاع على كل القضايا قبل عرضها على القضاة، ولو أصدر هو حكم فليس للقضاة حق الاعتراض عليه، وكان يأخذ نظير هذه المهمة أتعاب من الشاكي والمشتكي، وكان يتحدث عن طريق مترجم تركي. كما فرض العثمانيون ضرائب على القضايا التي تُرفع في نواحى مصر، وعن تلك المظاهر نقل ابن إياس قول شاعر “يارب زاد الظلم واستحوذوا… والفعل منهم ليس يخفى عليك”.
تدهورت الحالة الاقتصادية في البلاد، بسبب عدم ثبات قيمة العملة المتبادلة، واختلاف المكاييل والموازين من مكان إلى مكان، بل زادت بشاعة النظام العثماني بفرض ضريبة سنوية تُرسل للسلطان على أملاك المصريين، وتُسمى تلك الضريبة (المال الأميري)، وكان لكل جهة متعهد يلتزم بجمع الضريبة، وتُعفى أرض هذا المتعهد من الضريبة و يزرعها له الفلاحون بالمجان، علاوة على ضريبة كان يأخذها المتعهد من الفلاحين لنفسه، وكانت حقوق هؤلاء المتعهدون ومناصبهم وراثية، بالإضافة إلى الضريبة التي كان يفرضها البكوات (المماليك) على محصول الأراضي، وتُسمى تلك الضريبة (الكشوفية)، وكثيرًا ما كان يفرض الوالي على السكان ضرائب أخرى إضافية كلما احتاج إلى المال لإرضاء الأستانة، فتبقيه في مصر ولاية أخرى.
ووصل الفقر بأهل مصر إلى درجة لم يسبق لها مثيل، فصار أهل البلاد هم العبيد الحقيقيين، و(البكوات) هم السادة إذ استولوا على جميع الأملاك، وتدهورت حالة الفلاح حتى صار رثاءً في ملبسه، ومسكنه، ومأكله، لا يكاد يفيق من دفع ضريبة حتى يُطالب بدفع ضريبة أخرى، وإذا امتنع عن الدفع (فقرًا أو إدعاءً)؛ ضُرب وعُذب حتى يدفع، وربما قُتل من أجل ذلك.
وفي الزراعة كانت الأرض ملكًا للدولة ممثلة في السلطان، وتُزرع عن طريق تكليف الفلاحين بذلك فيما عُرف بحق الانتفاع، كما أُثقل الفلاح بالضرائب المفروضة على الأراضي، وعانى من التلاعب بالموازيين والمكاييل، وشدة تعسف وظلم الملتزمين في جمعهم للضرائب المفروضة على الأراضي الزراعية، وبذلك تدهورت الزراعة، بسبب عدم اهتمام الطبقة الحاكمة بتنظيم الري، أو إقامة السدود وحفر الترع، مما أدى إلى انتشار المجاعات والأوبئة، وانخفاض ناتج المحاصيل الزراعية، وتدهور أحوال المجتمع الريفي بوجه عام.
وتدهورت الصناعة بسبب التدهور الزراعي، الذي أدى إلى انقراض واضمحلال العديد من أنواع الصناعات، مثل صناعات بناء السفن والمنسوجات الفاخرة، كما اقتصرت الصناعة على بعض الصناعات اليدوية البسيطة الضرورية للاستهلاك المحلى، مثل صناعة الغزل والنسيج والفخار والحصير ومواد البناء والسكر، وكانت جميعها رديئة، وساعد على زيادة التخلف إرسال السلطان سليم الأول الصناع المهرة إلى عاصمة الدولة العثمانية مع بداية الغزو العثماني لمصر.
وتراجعت التجارة الداخلية، بسبب تدهور الزراعة والصناعة، وافتقاد الأمن، وعدم الاهتمام بطرق التجارة البرية، لذلك لم تنمو التجارة الداخلية، وعاش كثير من المناطق في عزلة وشبه اكتفاء ذاتي، وكانت التجارة بين الوجهين البحري والقبلي تتم عن طريق نهر النيل، كما انخفضت القدرة الشرائية لدى المجتمع المصري، أما التجارة الخارجية؛ فقد تدهورت بسبب الاكتشافات الجغرافية وتحطيم الأسطول المصري عام 1509م. كما أدى تحول الطريق التجاري المؤدي إلى الهند إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بدلًا من الطريق الذي يمر بمصر من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر، أدى إلى انهيار اقتصادي، وبذلك فقدت مصر موردًا اقتصاديًا هامًا، واقتصرت صلاتها التجارية بحوض البحر المتوسط والسودان وبلاد الحبشة والحجاز واليمن.
وفي الحالة الاجتماعية؛ كان المجتمع المصري إبان الحكم العثماني ينقسم إلى طبقتين؛ طبقة الحكام، ولها كافة السلطات، وتركزت في أيدي قلة أرستقراطية من الأتراك والمماليك، وتمثل مكان الصدارة في الإدارة والجيش وشؤون الحكم، وينصب اهتمامهم في جمع الثروة من حصيلة أملاكهم، منشغلين بالسياسة وصراع السلطة. وطبقة المحكومين، وكانت تنقسم إلى طبقة وسطى محدودة للغاية، من المشايخ والعلماء وكبار التجار والحرفيين، وظلت تبعيتهم للسلطة بشكل تام، ولم تشهد تطورًا ملحوظًا طيلة الحكم العثماني، وكان ذلك سببًا رئيسًا في انعدام الحراك الاجتماعي، ومن ثم البطء الشديد في التطور والتقدم. وطبقة دنيا، وهم الأكثرية من الفلاحين وصغار الحرفيين وعامة الناس، وقد عانت هذه الطبقة الفقر والظلم وانتشار المجاعات وتفشي الأوبئة والأمراض والبطالة والتشرد.
وكانت طبقة العبيد تشكل جزءًا مهمًا لا غنى عنه في المجتمع العثماني، وكانت هذه الطبقة تتألف من الصبية والبنات الأوروبيين، الذين يخطفهم القراصنة أو يتم سبيهم خلال الغزوات والغارات، ومن الأفارقة، الذين كان يخطفهم تجار الرقيق من قراهم جنوب الصحراء الكبرى، ورغم أن السلطان محمود الثاني ألغى تجارة الرقيق الأبيض في أوائل القرن التاسع عشر، إلا أن تجارة الرقيق الأسود استمرت قائمة حتى أواخر عهد الدولة العثمانية.
ولم يُسمع صوتًا للمرأة طيلة الخلافة العثمانية، واقتصر دور المرأة داخل أسوار القصور على الخلف والعلف، ونشأ مصطلح الحريم العثماني، الذي كان يعني الجواري والسراري التابعات للسلطان العثماني، وبلغت المرأة في الخلافة العثمانية أدنى وأحط درجات الإنسانية والعلم والعمل.
استخدم العثمانيون أبشع الطرق للعقاب، ومنها استخدام (الخازوق) للإعدام، فنقل الأتراك الخازوق من العراق، وأجروا العديد من الدراسات حول استخدامه. وكانت الدولة العثمانية تدفع المكافآت للجلاد الماهر، الذي يستطيع أن يطيل عمر الضحية على الخازوق لأطول فترة ممكنة، تصل إلى يوم كامل. وكان يتم إدخال الخازوق من فتحة الشرج، ليخرج من أعلى الكتف الأيمن، دون أن يمس الأجزاء الحيوية من جسم الإنسان كالقلب والرئتين بأذى، قد يودي بحياة المخوزق سريعًا، أما إذا مات المخوزق أثناء عملية الخوزقة، فيحاكم الجلاد بتهمة الإهمال الجسيم، ويتعرض لتنفيذ نفس العقوبة عقابًا له على إهماله. وتعتبر أشهر حالة خوزقة في تاريخنا الحديث هي حالة (سليمان الحلبي)، الذي قتل القائد الفرنسي (كليبر). وكان للعثمانيين باع طويل في استخدام تلك الوسيلة البشعة للعقاب، فقد استخدموها أثناء حصار القسطنطينية عام 1453م، وتوسعوا في استخدامها بعد توسع الإمبراطورية العثمانية، وخاصة خلال عمليات القمع الوحشية للحركات القومية، أو الأعمال الانتقامية التالية للتمرد في اليونان، وغيرها من بلدان أوروبا، وفي كل الانتفاضات والثورات التي اندلعت ضدهم في البلاد العربية وغيرها.
المراجع:
1- كتاب (تاريخ مصر الإسلامية) – د. جمال الدين الشيال – دار المعارف – القاهرة 1966م.
2- كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور)- ابن إياس – تحقيق محمد مصطفى – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1982م.
3- كتاب (تاريخ عصر النهضة الأوروبية) – نور الدين حاطوم – دار الفكر المعاصر 1968.
4-كتاب (ما هي النهضة) – سلامة موسى – مؤسسة هنداوي 2011م.
5- كتاب (مدخل إلى التنوير الأوروبي) – هاشم صالح – دار الطليعة للطباعة والنشر 2005م.
6- كتاب (حضارة عصر النهضة في إيطاليا) – تأليف ياكوببوركهات – ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد – بستان الكتب 2005.
7- كتاب (ليل الخلافة العثمانية الطويل .. سيرة القتل المنسية)- للكاتب محسن عبد العزيز – الهيئة العامة للكتاب 2021م.
8- كتاب (مصر في العصر العثماني 1517-1798م) – للكاتب كمال حامد مغيث – مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان 1997م.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك