السبت - الموافق 03 ديسمبر 2022م

(6) جذور الفجوة الحضارية.. “عصر النهضة الأوروبية 2-3” بقلم الكاتب محمد السنى

 

تميز عصر النهضة الأوروبية بتغييرات كبرى في الفلسفة،والفنون، والآداب،والأخلاق، والموسيقى، والسياسة، والعلوم، والدين، إضافة إلى جوانب التساؤلات الفكرية، والتي كانت انعكاسًا لتوجه اقتصادي عام للتخلي عن النظام الإقطاعي الذي انتهى دوره تاريخيًا، والاتجاه للرأسمالية التي وُلدت من رحم النظام الإقطاعي، وذلك بعد ظهور الاكتشافات الجغرافية، والتطورات التكنولوجية، ورواج التجارة، وانتشار الجامعات، وظهور المدن على تخوم الإقطاعيات، وتكون طبقة اجتماعية جديدة، هي الطبقة الوسطى، والتي تملك فكرًا جديدًا يعبر عن الطبقات الوليدة التي أوجدتها الرأسمالية منذ مراحلها الأولى، وتمتلك وقت فراغ كافي من أجل الفنون والتفكر، وتنازع الأرسطقراطية الإقطاعية (الرجعية) على السيادة على المجتمع الرأسمالي الجديد. ولذا برز في عصر النهضة الأوروبية العديد من الرواد المشاهير في كافة المجالات، ممن أحدثوا تغيرًا جذريًا في نشأة النهضة الأوروبية،وبناء الدولة.

تُعتبر (الحركة الإنسانية) من أهم خصائص عصر النهضة، وتعني باللاتينية (الإنسان)، وتُعَّرف:بالحركة التي جعلت الإنسان مركز الكون، بالإضافة لتحقيق المثال الأعلى للكمال الإنساني في كافة مجالات الحياة، حيث أنها حركة متفائلة بالإنسان وبقدراته على العطاء والإبداع المتواصل إلى أقصى حدود الكمال. وهي بذلك تعني دراسة الإنسان لذاته سعيًا منه لتحقيق سعادته في الحياة، وتحقيق تطلعاته الدنيويةالخاصة أي (التحقق). وإبان عصر النهضة نُظر إلى الحركة الإنسانية على أنها:الحركة المعنية باسترجاع وتفسير واستيعاب لغة وأدب الحضارتين الإغريقية والرومانية وقيمها الإنسانية وعلمها الدنيوي.ولقد ساهمت دراسة النصوص الكلاسيكية القديمة بإحداث تغيير على التفكير، والانسلاخ عن عقلية القرون الوسطى، فاستُخدمت المعرفة واهتم المجتمع بالثقافة.

اشتهر الباحث والشاعر فرانشيسكو بترارك(1304 – 1374م) بأبي النزعة الإنسانية في إيطاليا؛بسبب تفانيه وولائه للمخطوطات اليونانية والرومانية القديمة، ومن رواد الحركة الإنسانية أيضًا المؤلف والشاعر الألماني جيوفاني بوكاتشيو (1313 – 1375م)، والمفكر والسياسي الإيطالي والناشط الثقافي كولوتشيوسالوتاتي (1331 – 1406م)، والمحامي والبلاغي الإيطالي لورنزوفاللا (1407 – 1457م)الذي قدم عدة أبحاث تاريخية أثبتت حق البابوية في السلطة الزمنية. وعمل الكثيرون من رواد عصر النهضة من أجل الكنيسية الكاثوليكية، وكانوا في رتب كهنوتية مثل بترارك، بينما كان آخرون محامين ومستشارين للمدن الإيطالية، وتمكنوا من الوصول إلى معامل نسخ الكتب، وفي إيطاليا نال البرنامج التعليمي الإيطالي قبولًا سريعًا.

وبذلك كانت الإنسانية أسلوبًا ثقافيًا منتشرًا وليست فلسفة أو برنامجًا مخصصًا لعدد قليل من نخبة الناس، فهو أسلوب لإحياء الإرث الثقافي والأدبي والفلسفة الأخلاقية من العصور القديمة الكلاسيكية،بالإضافة إلى دراسة اللغات اللاتينية واليونانية التقليدية، حيث بدأ مؤلفو عصر النهضة باستخدام اللغات العامية. وهذا التحول بالإضافة إلى بداية انتشار الطباعة ساعد على انتشار القراءة بين الناس.وعلى النقيض لما كان عليه (مذهب المدرسة) في العصور الوسطى والذي ركز على حل التناقضات بين الكتاب، فالإنسانيون يدرسون النصوص القديمة من أصولها، ويقيمون نتائجها عن طريق مزيج من المنطق والبراهين التجريبية في مجالات (العلوم الإنسانية)، والذي يشمل دراسة خمسة علوم إنسانية وهي الشعر، والنحو، والتاريخ، والفلسفة الأخلاقية، وفن الخطابة.

أكد علماء المذهب الإنساني على عبقرية الإنسان وقدرة العقل البشري الفريدة والإنسانية، وقاموا بإعادة تشكيل المنظور الفكري حتى وقتنا المعاصر، كما فعل فلاسفة سياسيون أمثال توماس مور (1478- 1535م)، وهو من أنصار المذهب الإنساني، وكان كاتبًا وسياسيًا وقانونيًا إنجليزيًا، عارض الملك (هنري الثامن) مما تسبب في إعدامه واُعتبر لذلك قديس وشهيد، ومن أشهر أعماله (يوتوبيا) التي انتشرت باللاتيني عام 1516م، وتُرجمت للإنجليزية للمرة الأولى عام 1551م، وفي كتابه وصف عالم مثالي يتسم بالعدالة الاجتماعية والخلق والعلم والتسامح الديني، كما اتصفت كتاباته بالدعوة للإصلاح الديني.

وكتب فيلسوف عصر النهضة الإيطالي بيكو ديلا ميراندولا (1463 – 1494م) ما يُعتبر غالبًا أنه بيان عصر النهضة، وهو الاستمرار والنشاط في الدفاع عن حرية التفكير، وخطاب في الكرامة الإنسانية. وقام بيكو بدراسة وتلخيص أفكار أهم المدارس الفلسفية المعروفة في زمانه، خصوصا الأفلاطونية الحديثة، ومدرسة المشائين، والفلسفة المدرسية،والكابال المسيحية. واشتهر بمحاولتةالمصالحة بين فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو، ليقينه أن الفيلسوفين يقولان نفس الخطاب بكلمات مختلفة، لذلك كان أصدقاؤه يسمونه (أمير الاتفاق). وبالرغم من أنه درس ككل معاصريه إنسانيات النهضة، التي تركز على الآداب اليونانية واللاتينية، كان يحاول أن تكون له نظرة ثقافية شاملة، لذادافع في رسالة شهيرة كتبها سنة 1485معن وجوب دراسة كتابات ابن رشد وابن سينا.

واشتهر ماتيوبالمييري(1406 – 1475م) وهو إنساني آخر من إيطاليا بأحد أهم أعماله وهو كتاب (في الحياة المدنية) والذي كان يناصر من خلاله فكرة المدنية الإنسانية، وقد خدمه في انتشار هذا الكتاب موهبته في صقل كتابه باللغة اللاتينية، واعتمد بالمييري فيما كتبه على المنظرين والفلاسفة الرومان القدماء وخاصة ماركوس كينتليان (35 – 100م) الإسباني الأصل، وماركوس شيشرون (106 – 63 ق.م) الروماني، وهما شبيهان جدًا ببالمييري الذي عاش حياة نشطة كمواطن ومسؤول فضلًا عن أنه منظر وفيلسوف، وشرح بالمييري في كتابه صفات المواطنين بشكل أخلاقي، وكيفية ضمان الدولة والمواطنين لوجود النزاهة في المناصب الحكومية والعامة، ومناظرة هامة حول الفرق بين ماهو مفيد عمليًا وبين ما هو صالح أخلاقيًا، كما اُعتبربالمييري من أهم حماة (الفردية).

وإبان عصر النهضة كان هناك عدد من المراكز الإنسانية المهمة مثل فلورنسا ونابولي، وروما، والبندقة،وجنوة. وقامت أسرة آل مديتشي بإنشاء مكتبة تُدعى سان جورجو مادجوري للآداب والعلوم والفنون في مدينة البندقية، كما قام (جستن بليتون) بإنشاء أكاديمية الدارسات الأفلاطونية في مدينة فلورنسا في عام 1438م.

لعبت النزعة الإنسانية وعصر النهضة دورًا مباشرًا في ظهور (الإصلاح الديني). فعلى الرغم من أن المُثُل العليا الجديدة للمذهب الإنساني وخاصة في المدن الشمالية، كانت علمانية في بعض جوانبها، خاصة في عصر النهضة الشمالي؛ إلا أن الكثير من الفن الجديد كان مفوضًا بواسطة الكنيسة، أو مكرسًا لأجلها. وبالرغم من ذلك، فإن عصر النهضة قد أثر بعمق على علم اللاهوت المعاصر، وبالتحديد على الطريقة التي ينظر لها الناس في علاقة الإنسان مع الإله. فالعديد من اللاهوتيين الأوائل في تلك الفترة كانوا متبعون للمذهب الإنساني،واقترحوا بعض الإصلاحات في الكنيسة، والتي تعتمد على نقد نصي إنساني للعهد الجديد، بما في ذلك الراهب والقس الألماني ومطلق عصر النهضة في أوروبا مارتن لوثر (1483 – 1546م)،والفيلسوف الهولنديدسيدريوسإراسموس (1466 – 1536م)، والزعيم الإصلاحي السويسريهولدريخزوينكلي (1484 – 1531م)،وعالم اللاهوت والقس الفرنسي جون كالفن (1509 – 1564م).والقائد السياسي والمؤلف والعالم الإنجليزي توماس مور (1478 – 1535م) الذي ألف كتاب (الإبجرامات أو المقطوعة اللاذعة) عام 1505م، وكتاب (تاريخ الملك ريتشارد الثالث) عام 1518م، وكتاب (اليوتوبيا) عام1516م، وكتاب (حوار متعلق بالبدع) عام 1529م.

وقد بدأ عصر النهضة في أوقات الاضطراب الديني، حيث شهدت أواخر العصور الوسطى فترة من المكائد السياسية المحيطة بمنصب البابوية، وبلغت ذروتها في الانشقاق الغربي، حين ادعى كل من ثلاثة رجال في وقت واحد أنه الأسقف الحقيقي لروما. في حين تم حل الانقسام من قبل مجلس كونستانس 1414م، شهد القرن الخامس عشر نتاج حركة الإصلاح الديني، والتي سعت للحد من سلطة البابا. ورغم أن البابوية خرجت بمكاسب قوية في القضايا الكنسية التي نوقشت في مجمع لاتيران الكنسي الخامس في 1511م، إلا أنها قوبلت بسيل من الاتهامات بالفساد، وبالذات ضد البابا إسكندر السادس الذي اتُهم بشراء المناصب الكهنوتية، والمحسوبية، وإنجاب أربعة أطفال غير شرعيين وهو على كرسي البابوية، وتزويجهم بغرض كسب المزيد من السلطة.وعلى خُطى الأحداث في ألمانيا بدأت حركة في سويسرا واتفقت هاتان الحركتان بسرعة على معظم القضايا لكن بعض الاختلافات المُتنازع عليها أبقيتهما منفصلتين. وقد قام عدد من علماء اللاهوت في الإمبراطورية الرومانية المقدسة بالتبشير بالأفكار الإصلاحية وذلك عام 1510م قبل مارتن لوثر بفترة وجيزة.

نشر مارتن لوثر في عام 1517م رسالته الشهيرة المُؤلفة من خمس وتسعين نقطة قادت لإصلاح ديني عميق،وتتعلق أغلب بنود رسالته بلاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من (العقاب الزمني للخطيئة)، وتحدى لوثر في رسالته السلطات الباباوية وانتقد تعاملها مع الفساد، خاصة قضية بيع صكوك الغفران،ورفض الرضوخ لطلب البابا ليون العاشر عام 1520م بالتراجع عن تلك النقاط، مما أدى إلى نفيه وإدانته مع كتاباته بوصفها مهرطقة كنسيًا وخارجة عن القوانين المرعية في الإمبراطورية. وتُعتبر أبرز مقومات فكر لوثر اللاهوتي هي: أولًا؛ أن الحصول على الخلاص أو غفران الخطايا هو هدية مجانية ونعمة الله من خلال الإيمان بيسوع المسيح مخلصًا، وبالتالي ليس من شروط نيل الغفران القيام بأي عمل تكفيري أو صالح، وثانيًا؛ رفض (السلطة التعليمية) في الكنيسة الكاثوليكية والتي تنيط بالبابا القول الفصل فيما يتعلق بتفسير الكتاب المقدس معتبرًا أن لكل إمرئ الحق في التفسير، وثالثًا؛ أن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للمعرفة المختصة بأمور الإيمان، ورابغًا؛ معارضة سلطة الكهنوت الخاص، باعتبار أن جميع المسيحيين يتمتعون بدرجة الكهنوت المقدسة، وخامسًا؛السماح للقسس بالزواج. كما قدم لوثر أيضًا ترجمة خاصة به للكتاب المقدس بلغته المحلية بدلًا من اللغة اللاتينية التي كانت اللغة الوحيدة التي سمحت الكنيسة الرومانية باستخدامها لقراءة الكتاب المقدس، ما أثر بشكل كبير على الكنيسة وعلى الثقافة الألمانية عمومًا، وأثرت ترجمته لاحقًا على ترجمة الملك جيمس باللغة الإنجليزية للكتاب المقدس.

عمدت الثورة الدينية إلى إفساح المجال وفتح الطريق أمام ظهور مفهوم جديد للعقيدة وأصبحت تعني حرية الضمير أو الوجدان، وأصبح الدين ملكًا للمؤمن به وخاصًا به، أي أنه أمر فردي يعني كل فرد دون سواه، الأمر الذي أدى إلى تهميش مفهوم الجماعة أو الطائفة التي تعتنق دينًا معينًا وتسير على مبدأ الجماعة. وتُعد الثورة الأخلاقية تابعًا للثورة الدينية، حيث إن الثورة الدينية أدت إلى تغيير كبير في القواعد الأخلاقية التي يسير عليها الأفراد في المجتمع، كما ظهر العديد من المصلحين الذي عمدوا إلى تبديل وتحويل قواعد الأخلاق كما يحلو لهم، ومنهم لوثر الذي ساوى بين الإيمان والفضيلة، كما ظهر بفكرتين جديدتين في الأخلاق في القرن السادس عشر الميلادي، أما الفكرة الأولى التي نادى بها فهي وحدة الجنس البشري، فقد كانت أوروبا بشكل عام تعتقد أن البشرية تنطوي على قمسين أساسيين هما المسيحية، والوثنية، إلا أن الانفتاح على العالم الجديد أدى إلى التعرف على أقسام بشرية أخرى كانت أوروبا تجهلها، الأمر الذي أدى إلى مناداة لوثر بضرورة وحدة الجنس البشري وعدم انقسامه.وبالتطرق إلى الفكرة الأخرى التي نادى بها لوثر يمكن القول إنها تنادي بالتقدم نحو المستقبل والثورة على المعارف القديمة، وكان من أبرز ما دعا إليه نداء التقدم هو الاكتشافات الحديثة، والتقدم العلمي، واكتشاف الاختلاف بين المعرفة القديمة والمعرفة الحديثة التي تم التوصل إليها.

كان لظهور النهضة مبكرًا في إيطاليا وهولندا إحداث عدة تغييرات في النظام السياسي للدول الأوروبية؛ من أبرزها تبلور الفكر السياسي والعلاقات الاقتصادية الرأسمالية. حيث بدأت الدول بتشجيع التصنيع والتصدير، ومن ثم النظر لضرورة إيجاد مستعمرات للحصول على ثرواتها واستغلالها في الصناعة. وعرف عصر النهضة تحول السلطة السياسية، فرغم أن الملك احتفظ بحكم مطلق، لكن نشأت مجالس تضم رجال دولة على معرفة بالقانون، كمجلس الميزانية، والقضاء، ومجالس عامة. ونُظم مشروع للضرائب، وآخر للتصويت، وكان كل ذلك دافعًا لتكون (الدولة القومية) كمقدمة ضرورية لنشأة الدولة الحديثة لاحقًا.كما ساهم ظهور عصر النهضة في تعدد المعاهدات الدبلوماسية بين الدول.

وُجدت في عصر النهضة ثلاثة أنظمة حكم أساسية، هي الجمهورية، والإمارة، والمَلَكية، والجمهورية التي تمثل حكم الأقلية (الأوليغارشية).ففي نظامالجمهوريات؛فكانت أصغر الوحدات السياسية، وتتمثل بدول المدن المكونة من بلدة رئيسة أو مدينة، إلى جانب الأراضي المحيطة بها من المزارع والقرى. أما الإمارة؛فكان يتولى الحكم أمير ما، وكان يحظى بلقب دوق أو كونت أو مركيز أو لورد، وكان يُدعم عادة من عائلته.وبخصوص المَلَكية؛فكانت تتمثل بدول المدن المكونة من بلدة رئيسة أو مدينة، إلى جانب الأراضي المحيطة بها من المزارع والقرى أما الملكية؛ فتتميز بامتدادها التاريخي ومؤسساتها القوية، وكانت تُنال غالبًا بالوراثة، وهي أكبر من الإمارة سلطةً، وتحكم مناطق تتحدث لغات ولهجات متعددة،وقد حظيت الأنظمة الملكية خلال أواخر العصور الوسطى وفي عصر النهضة بمزيد من القوة والنفوذ، وعملت الممالك بين الأعوام 1350-1500 على توسيع أراضيها وثرواتها، واستطاعت تمويل جيوشها بشكل أفضل وتوسيع حدودها. ولطالما ارتبطت هُوية الملوك بالحرب؛ حيث كان وجود الممالك الأوروبية في الأساس نتيجة الغزوات الجرمانية في نهاية العهد الروماني، وكانت العائلات الأوروبية النبيلة تفتخر بانتمائها إلى أمراء الحرب القدامى، وكانت الولاءات السياسية تُقدم للملك وليس للأرض، وكانت الأراضي تُكتسب عن طريق الزواج أو الحروب.

كان السياسي والفيلسوف والمفكر الإيطالينيكولو دي برناردو دي مكيافيلي (1469 – 1527م) من أهم رواد عصر النهضة، وأصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسة والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي، وأشهر كتبه على الإطلاق كتاب (الأمير)، ونُشر الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ماهو مفيد فهو ضروري، وكانت أفكاره صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية، ويتطور المجتمع عند مكيافيلي بأسباب طبيعية، فالقوى المحركة للتاريخ هي (المصلحة المادية) و(السلطة)، وقد لاحظ صراع المصالح بين (جماهير الشعب) و(الطبقات الحاكمة)، وطالب مكيافيلي بخلق دولة وطنية حرة من الصراعات الإقطاعية القاتلة، وقادرة على قمع الاضطرابات الشعبية، وأجاز مكيافيلياستخدام كل الوسائل في الصراع السياسي، فهو القائل: “الغاية تبرر الوسيلة”،وبرر القسوة والوحشية في صراع الحكام على السلطة. وكانت أهمية مكيافيلي التاريخية أنه كان واحدًا من أوائل من رؤوا الدولة بعين واقعية وإنسانية واستنبطوا قوانينها من العقل والخبرة وليس من اللاهوت.ولقد ألف مكيافيلي العديد من (المطارحات) حول الحياة السياسية في الجمهورية الرومانية، وفلورنسا، وعدة ولايات، والتي من خلالها برع في شرح وجهات نظر أخرى، ورغم أن الكثيرين يصفون التصرف الأناني الذي تهدف له الجماعات الربحية بالمكيافيلية، إلا أن آخرين يعتبرونه الشخصية المثالية لرجل عصر النهضة، وأنه يتستحوذ على صفات الذكاء المكيافيلي.

وبينماركز العلماء اللاتينيون بشكل كامل تقريبًا إبان العصور الوسطى العليا على دراسة الأعمال العربية واليونانية في العلوم الطبيعية والفلسفة والرياضيات، نجد أن علماء عصر النهضة اهتموا أكثر باستعادة ودراسة النصوص الأدبية والتاريخية والخطابية اللاتينية اليونانية والرومانية، وبشكل عام بدأ هذا في القرن الرابع عشر بمرحلة لاتينية عندما قام علماء عصر النهضة مثل فرانشيسكو بترارك (أشرنا إليه سابقًا)،ونيكولو دي نيكولي (1363 – 1437م) بتنقيب المكتبات في أوروبا بحثًا عن أعمال لمؤلفين لاتينيين مثل لوكريتيوسسينيكا (ت 65م). وفي بداية القرن الخامس عشر تم استرداد معظم ما تبقى من الأدب اللاتيني. وهيمن الشعر المسرحي على الأعمال الأدبية خلال عصر النهضة،ومن أهم المؤلفات خلال تلك الفترة: هاملت (وليام شكسبير)، اليوتوبيا (توماس مور)، الفردوس المفقود (جون ملتون)، الكوميديا الإلهية (دانتي أليغييري)، دون كيخوتي (ميغيل دي ثيربانتسسابيدرا).

إبان عصر النهضة؛ تحررت الفنون من القيود الدينيهالتي فرضتها مفاهيم فترة العصور الوسطى،وأصبحت المواضيع الدينيه تُرسم وتُنحت بحريةكما كان الحال في عصور الحضارة القديمة(الإغريقية والرومانية).وتبدل الموقف من الفنان المبدع، فتبوأ مركزًا اجتماعيًا مرموقًا، وأحاطت تجارب بعضهم بميادين إبداعية متنوعة كشفت عن عبقرية فذة. وتمثل الفن في عصر النهضة بعدة أشكال، مثل الرسم، والنحت، والعمارة، والموسيقى، وتميزت الفنون بتركيزها على الطبيعة، ومحاكاة العصور الكلاسيكية.وتمثلت أهم السمات التي قامت عليها المواضيع الفنية في عصر النهضة في(الفردانية)أي التصوير الفردي للإنسان بدلاً من التركيز على المجموعات، و(الدنيوية)أي التقليل من تصوير الكنائس في اللوحات، و(الكلاسيكية)أي التأثر بالأعمال الرومانية واليونانية القديمة، و(الواقعية)أي التمثيل الفني الذي يهدف إلى تحقيق الدقة البصرية.

لذا اجتمعت مظاهر الحياة وتنوعها الثري مع (المذهب الطبيعي العلمي)الذي سـارع في تطور الدراسة التحليلية للواقع الموضوعي، ورسخ أسسًا نظرية شكلت نظامًا فنيًا متكاملًا، فصور العالم على نحو واقعي حيث ينعم الإنسان بسلمه الداخلي ودفء تواصله مع الجماعة وعلاقته الحميمة مع الطبيعة. فكان لابد من أن تستند الدراسة العلمية إلى قوانين المنظور الخطي والهوائي، وإلى نظرية النسب وقانون النسبة الذهبية المثالية والتشــريح وطرق التجسيم بوساطة الظل والنور. فبعد عودة الفنون إلى الكلاسيكية بفترة طويلة كما في أعمال النحات نيكولا بيسانو (1220 – 1278م)؛ تمتطوير للمنظور الخطي الواقعي للغاية،ويُنسب إلى جوتو دي بوندوني (1267-1337) الفضل كأول من تعامل مع اللوحة كنافذة إلى الفضاء، ولكن ذلك لم يكن مكتملًا إلا بعد الكتابات الخاصة ليون باتيستاألبيرتي (1404-1472) اللاحقة، وهذا المنظور اُعتبر رسميًا كتقنية فنية،وسعى رسامو فلورنسا بقيادة مازاتشو (1401 – 1428م) إلى إظهار شكل الإنسان بطريقة واقعية، وتحقيقًا لهذه الغاية، طور الرسامون أيضًا تقنيات أخرى مثل دراسة الضوء والظل، وأيضًا علم التشريح البشري.

هذا التغيير الذي طرأ على المنهج الفني جدد الرغبة في تصوير جمال الطبيعة، وكشف بديهيات علم الجمال،وتلقفت روما إشعاعات النهضة، واحتضنتها بتوفير الرعاية الكاملة للمبدعين، مثل الموسوعي الإيطاليليوناردو دافنشي (1452 – 1519م)؛ الذي ولد في فلورنسا،وهو فنان ومخترع للكثير من المعارف، حيث كان رسامًا ونحاتًا وموسيقيًا، وعالم في الفلك والرياضيات والفيزياء والجيولوجيا والنبات والخرائط، ويُعد أب الهندسة المعمارية، وأعظم رسام في التاريخ، وكان دافنشي رجل النهضة المطلق، وتوضح لوحة الرجل الفيتروفيلدافنشي تأثير مؤلفي العصور القديمة على مفكري عصر النهضة،فاللوحة مبنية على المواصفات المذكورة في سلسلة كتب دي أركيتيتورا للروماني فيتروفيو (القرن الأول قبل الميلاد)، حاول دافنشي رسم إنسان بأطراف وأبعاد متناسبة.وعلى الرغم من أن دافنشي كان معروفًا في عصره كفنان عظيم إلا أن أبحاثه المستمرة في علم التشريح، وطبيعة الطيران، وهيكل الحياة النباتية والحيوانية، لم تترك له سوى وقتًا قليلًا للرسم. ورغم ذلك بقيت أعماله شاهدة على إبداعه مثل(الموناليزا) الموجود في متحف اللوفر، ولوحة (عذراء الصخور)، ولوحة (العشاء الأخير) التي تم رسمها على الجدار.

وكان لإنجازاتالرسام والنحات والشاعر والمهندس الإيطاليميكيلانجيلوبوناروتي(1475 – 1564م)، أثر عظيم على محور الفنون ضمن عصره وخلال المراحل الفنية الأوروبية اللاحقة، وأطلقميكيلانجيلو القوة الإبداعية، وكانت منحوتاته المبكرة مثل (بياتا) و(ديفيد) تكشف عن تقنية مثيرة متناغمة، وعلى الرغم من أن ميكيلانجيلوكان ينظر إلى نفسه كنحات؛ إلا أن أشهر أعماله كانت لوحة (سقف معبد سيستين)، دامجًا فيها اللاهوت المسيحي التقليدي مع الفكر الأفلاطوني الحديث.

كما حظيت أعمال الرسام والمهندس المعماري رفائيلو سازيو (1483 – 1520م)بالإعجاب لما يتمتع به من وضوح في الشكل وسهولة في التكوين وإنجاز مرئي للأفلاطونية الحديثة التي تمثل عظمة الإنسان، وخلق رافائيلو أعمالًا تعبر عن الروح الكلاسيكية المتناغمة،ومن أعظم أعماله لوحة (مدرسة أثينا) التي تم رسمها في الفاتيكان، وقام رافائيلو بوضع مجموعة من الفلاسفة والفانين في لوحته يتحدثون بهدوء في محكمة كبيرة.وقد ساهم الثلاثة (دافنشي، وميكيلانجيلو، ورفائيلو)في دفع عجلة التطور إلى مستويات راقية،وقد جسد كل واحد منهم جانبًا مهمًا من هذه الفترة، وتمثل أعمالهم ذروة هذا التغيير والذي سيقتدي به العديد من الفنانين في المستقبل.

كما برزت مراكز إيطالية مهمة مثل (البندقية) التي قدمت معلمين عظامًا، أمثال الرسام جورجوني (1477 – 1510م)، والرسام تنتورتو (1518 – 1594م)،والرسام تتسيانوفيتشيليو (1488 – 1576م)، وكذا مدرسة (بارما) التي أعطت الرسام الإيطالي أنطونيوكوريجيو(1489 – 1534م)، الذي يعتبر بأسلوبه الفني واضع بذور فن الروكوكو الذي ظهر في القرن الثامن عشر. وأيضا من الفنانين الجديرين بالذكر ساندروبوتيتشيلي (1445 – 1510م) الذي عمل كرسام للميديشي في مدينة(فلورنسا)، و النحات دوناتيلو (1386 – 1466م) هو الآخر فنان من مدينة فلورنسا، ومن مدينة البندقية يأتي الفنان تيتسيانوفيتشيليو(1488 – 1576م)، والكثير غيرهم. فقد تميزت إبداعاتهم بالسعي نحو خلق صورة معممة عن العالم والنفحة الشاعرية التأملية ومثالية النماذج البشرية وروعة التصوير المعتمد على هالة لونية رقيقة ورشاقة الإيقاعات في التكوين والميل نحو السرد القصصي.

وفي نفس الوقت، وبالتحديد في (هولندا) كان هناك نشاط وتطور ثقافي فني ملحوظ، وكانت أعمال الفنانين الهولنديين هوغو فان دير جوس، ويان فان آيك، لها تأثير واضح في تطور الرسم في إيطاليا، وكلا المدرستين الإيطالية والهولندية استخدمت نفس التقنية والأدوات الفنية كالطلاء الزيتي والقماش، وأيضا كان لهما نفس الأسلوب والذي يقوم على تصوير الطبيعة. في وقت لاحق؛ ألهم عمل الرسام الهولندي بيتر بروغل الأكبر (1525 – 1569م) الفنانين على تصوير موضوعات الحياة اليومية.

وفي مجال (فن العمارة)برزتالشروحات الخاصة بالمهندس المعماري والرسام والنحات الإيطاليفيليبوبرونليسكي (1377-1446)، الذي درس المباني الإغريقية القديمة، وأعاد اكتشاف معلومات تعود للكاتب والمهندس الإغريقي فيتروفيو الذي عاش في القرن الأول الميلادي، وصنع فيليبو طفرة في مجال الرياضيات، وشكل نموذج المباني الذي اشتهر بها عصر النهضة والتي حاكى فيها النموذج الإغريقي. وأهم الخطى التي خطاها فيليبو في مجال الهندسة المعمارية هو تصميمه وبنائه للقبة الكاتدرائية في مدينة فلورنسا. وكان العمل المعماري الاستثنائي في عصر النهضة هو إعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس التي تم البدء في نباءها عام 1506 واستمر العمل حتى عام 1626م، حيث تم الجمع بين مهارات المهندس المعماري الإيطالي دوناتوبرامانتي، وميكيلانجيلو، ورفائيلو، وسنقالو،وماديرنو. وقد اعتمدت العمارة في عصر النهضة على سمات العمارة الرومانية الكلاسيكية، وعملت على دمج تقنياتها مع جماليات عصر النهضة في تصميم الواجهات والأعمدة والأقواس والقباب والنوافذ والجدران؛ حيث تميزت مباني عصر النهضة بشكلها المربع أو المستطيل، وكانت واجهاتها متناسقة الشكل، وكانت الأعمدة ذات طراز روماني، بينما تميزت الأسقف بشكلها المسطح. ومن الأمثلة على المباني التي تعود إلى عصر النهضة وتمتاز بسماتها المعمارية إلى جانب كاتدرائية القديس بطرس البابوية، كنيسة سيستينا، وقصر بيتي، وقصر فارنيزي، ومجمع مباني الإسكوريال.وبلغت العمارة في هذه الحقبة أعلى مراتب الانسجام، فاتسمت المجمعات الفخمة بالكمال والتناسق وثراء الحلول في التكوين. كما فتحت أفكار المنظرين الإنسانيين مثل الإيطاليان ليون باتيستاألبرتي (1404 – 1472م)،وفرانشيسكو دي جورجيومارتيني (1439 – 1501م)آفاقاً جديدة على صعيد تخطيط المدن، ولاسيما تحقيق الرغبة الطوباوية الدفينة حول موضوع المدينة المثالية (المدينة الفاضلة)،مثل أعمال المصور والمعماري الإيطاليبرامانته (1444 – 1514م).

كانت الاستكشافات الجغرافية أحد إنجازات عصر النهضة، وقد فتحت أمام التجارة الأوروبية أراض وثقافات جديدة، وفي الوقت الذي وظف فيه الكثير من الفنانين والمفكرين مواهبهم للتعبير عن الأفكار الجديدة للنهضة، انطلق بعض الأوروبيين إلى البحار لاستكشاف العالم من حولهم، واكتشفوا طرقًا تجارية جديدة إلى الأمريكتين والهند والشرق الأقصى. كما شهدت هذه الفترة اكتشاف بلدان وشعوب جديدة، بفضل مجموعة كبيرة من الرحالة والمستكشفين، بينهم الأمير البرتغالي هنري الملاح (1394 – 1460م)، والرحالة الإيطالي كريستوف كولومبوس (1451 – 1506م)، والملاح البرتغالي فاسكو دي كغاما(1469 – 1524م).

مثل (المنهج العلمي)أحد أهم التطورات إبان عصر النهضة،فهو لميكن اكتشافًا علميًا، لكن كان تطورًا في عملية الاكتشاف. ويقوم المنهج العلمي على المبدأ التجريبي وأهمية الرياضيات، بالإضافة إلى تجاوز العلم الأرسطي. ولقد أنتجت القدرة على التشكيك في الحقائق السابقة والبحث عن إجابات جديدة، فترة من التقدم العلمي الكبير. البعض اعتبر هذا بأنه ثورة علمية، مبشرًا ببداية العصر الحديث. وهناك اتفاق عام على أن عصر النهضة أحدث تغييرات هامة في طريقة النظر للكون والمناهج التي تُستخدم في تفسير الظواهر الطبيعية.وتم إحياء طرق التعلم والثقافة الكلاسيكية بعد أن عانت فترة طويلة من الركود. وكان مؤيدو هذه الأفكار المؤثرين أمثال كوبرنيكوس وجاليليو وفرانسيس بيكون.كما أدى المنهج العلمي الجديد إلى إنجازات عظيمة في مجالات الفيزياء، والأحياء،والكيمياء، والرياضيات، وعلم التشريح،والجغرافيا، وعلم الفلك، والهندسة، حيث تسارع التعليم بعد إعادة اكتشاف النصوص العلمية القديمة بعد سقوط القسطنطينية.

قادت علوم عصر النهضة إلى ثورة تكنولوجية استثنائية، وكانت تكنولوجيا عصر النهضة مجموعة من الاختراعاتوالأدوات والابتكارات التي انتشرت خلال عصر النهضة الأوروبية،مثل طباعة والورق الذي طور من التجارة، والرسم المنظوري، وهيكل القبة المزدوجة، والتعدين وعلم المعادن، وفرن الصهر الذي مكن من إنتاج الحديد بكميات كبيرة، ومطحنة التقطيع الآلية لإنتاج قضبان الحديد للمسامير والمطاحن التي تعمل بالطاقة المائية والتي تُستخدم لصهر الرصاص والمعادن الأخرى، واختراع البارود، والبوصلة التي استخدمها البحارة.هذه كانت بعض التقنيات المهمة في عصر النهضة والتي شملت ابتكارات وتحسينات على التقنيات الموجودة،كما مكن قانون براءة الاختراع المخرعين من جني ثمار ابتكاراتهم العلمية. ويعتبرالإنجليزي روجر بيكون (1220 – 1292م)أهم من ساهم في النهضة العلمية، وهو رائد مدرسة البحث العلمي والطريقة التجريبية والعلمية التي مهدت إلى إحياء العلوم، أما الألماني يوحنا غوفنيرغ (1398 – 1468م) فقد اخترع عملية الطباعة بالحروف المتحركة.

كانا العلم والفن متداخلان بشكل كبير في عصر النهضة المبكر؛ مع فنانين مثقفين مثل ليوناردو دا فينشي حيث رسم رسومات مشهودة للتشريح والطبيعة، لقد أجرى تجارب محكمة في انسياب الماء، والتشريح الطبي، ودراسة منهجية للديناميكية الهوائية، لقد صمم مبادئ أساليب البحث، والتي أدت إلى تصنيفه بأنه أب العلم الحديث. كما ورث علماء الطب في عصر النهضة فهمًا لجسم الإنسان وأسلوبًا للشفاء مستندين على ما قدمه الفيلسوف والعالم الإغريقي أرسطو (384 – 322 ق.م)،والطبيب الإغريقي القديم جالينوس (129 – 219م)، وعلماء الطب العرب في العصور الوسطى. ولكنهمطوروا تلك المعرفة الطبية بقيادة نيكولوليونيسينو (1521م) الذي درَّس في جامعة باديوا وجامعة فيرارا، وطبقوا النقد الأيدولوجي على النصوص الطبية القديمة ونصوص العصور الوسطى، وشرعوا إلى دراسة جسم الإنسان من جديد، ونتيجةً لذلك ومن خلال دراسات التشريح من قبل الطبيب وعالم التشريحأندرياسفيساليوس (1514 1564م)،الذي ألف أول كتاب في علم التشريح معنون بـ (طريقة عمل جسم الإنسان) عام 1543م. ودراسة الدورة الدموية من قبل وليام هارفي (1578 – 1757م) وغيرهم من العلماء، أحدثوا ثورة في البحوث الطبية والتعليم، وقد أعطى العديد من علماء الطب في عصر النهضة أسماءهم إلى أجزاء من الجسم مثل تسمية قناة أوستاكيوس بين الأذن والأنف نسبةً إلى عالم التشريح والطبيببارتولوميوأوستاكي (1510 – 1574م)، وتسمية قناة فالوب نسبة إلى عالم التشريح العظيم جابرييل فالوبيا (1523 – 1562م).

وفي علم الفلك ورث علماء عصر النهضة تصور الكون الذي نشأ عندكلوديوسبطليموس (100 -170م) في العالم القديم وهو أن الشمس تدور حول الأرض، ولكن جادل نيكولاس كوبرنيكوس (1473 – 1543م) من خلال كتابه (دوران الأجرام السماوية) عكس ذلك، وهو أن الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس، ورغم المعارضات العنيفة من قبل السلطات الدينية الكاثوليكية والبروتستانتية فقد انتشرت آراؤه لدى معظم علماء الفلك في بداية القرن السابع عشر.كما ساهم جاليليو(1564 – 1642م)وهو عالم فلك إيطالي، ساهم في وضع أفكار علمية مستقلة وأهتم بالبندولات، وصمم على أثر ذلك أول ساعة بندول، وأخترع تلسكوبًا عام 1608م، وكان أول من رأى الحفر على القمر، ووضع قانونًا للأجسام الساقطة، وقد تشرب جاليليو العلوم الأرسطية ثم رفضها مفضلًا التحليل المرتكز رياضيًا على الواقع الفيزيائي وعلم الميكانيكا]الآليات[ الحديث، مُقدمًا أدلة بأن وجهة نظر كوبرنيكوس الجريئة لم تكن مجرد فرضية رياضية بل حقيقة فيزيائية.ومن الإنجازات الرياضية الأخرى في تاريخ عصر النهضة والتي أثرت على أوروبا وبقية العالم في القرون المقبلة هي إصلاح التقويم، فقد ورثت أوروبا في عصر النهضة التقويم اليولياني والذي كان متأخرًا عشرة أيام في القرن السادس عشر، وعين البابا جريجوري الثالث عشر فريقًا من العلماء لإعداد تقويم جديد، وفي عام 1582م نُشر التقويم الجريجوري والذي لا زال يستخدم حتى اليوم.

وهكذا؛ في حين كانت مظاهر النهضة الأوروبية المادية تتجذر في المدن الإيطالية في كافة المجالات، وتتعمق آثارها الإنسانية والأخلاقية ومثلها العليا في أعماق شعوبها، وتتسرب في روية واقتدار إلىباقي إمارات وجمهوريات وممالك أوروبا الغربية(وهو ما سنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل). كانت مصر تواجه كارثةتاريخية كبرى، وذلك بالسطو عليها من قوة غاشمة،ورجعية،وظلامية،وضد حركة التاريخ كما أوضحنًا سابقًا، عزلت مصر عن مواكبة تلك النقلة النوعية في كافة المجالات، وتبعاتها الحضارية الهائلةوالمتلاحقة.

ولأن أبناء الشعب المصرى كانوا محرومين من حقهم في حمل السلاح للدفاع عن بلادهم منذ احتل الرومان مصر، باستثناء لحظات نادرة مثل مواجهة حملة لويس التاسع على المنصورة، وغارات القراصنة على الإسكندرية، فلم يكن الشعب مستعدًا للمواجهة مع جيوش الاحتلال العثمانى بالقدر الكافي. ومع ذلك بمجرد تولي السلطان الأشرف طومان باي لعرش السلطنة سنة 1516م، عقب وصول الخبر بسقوط عمه السلطان الغوري قتيلًا في مرج دابق، دعا المصريين إلى حمل السلاح للدفاع عن وطنهم، وقد شاركوا بالفعل في موقعة الريدانية، لكن قوة المدفعية والأسلحة النارية العثمانية كانت أكبر من قدرة الجيش المملوكي والمقاتلين المنضمين إليه من المصريين، فانتصر العثمانيون ودخلوا إلى القاهرة واستولوا عليها، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة فسرعان ما جمع طومان باي فلول الجيش المملوكي وتجمع حوله الكثير من المصريين ليهاجموا قوات الاحتلال العثماني ويستردوا القاهرة من أيديهم مره أخرى، لكن لأيام معدودة عادت بعدها سيطرة العثمانيين.

وفي شأن مقاومة المصريين للاحتلال العثماني يقول المؤرخ المصري الكبير (محمد بن أحمد بن إياس) الذي عاصر تلك الفترة وتوفي عام 1523م، وقد شاهد كل هذا ورواه في ذروة جبروت العثمانيين، ما يجعل شهادته الأقرب إلى الحقيقة، يقول ابن إياسفي كتابه المعروف باسم (بدائع الزهور في وقائع الدهور): “فلما كان ليلة الأربعاء خامس الشهر، بعد صلاة العشاء، لم يشعر ابن عثمان إلا وقد هجم عليه الأشرف طومان باي بالوطاق واحتاط به، فاضطربت أحوال ابن عثمان إلى الغاية، وظن أنه مأخوذ لا محالة.. واجتمع هناك الجم الغفير من الذعر وعياق بولاق من النواتية وغيرهم وصاروا يرجمون بالمقاليع وفيها الحجارة، واستمروا على ذلك إلى أن طلع النهار، فلاقاهم الأمير علان الداودار الكبير من الناصرية عند الميدان الكبير، فكان بين عسكر ابن عثمان وعسكر مصر هناك وقعة تشيب منها النواحى، واستمر السلطان طومان باي يتقع مع عسكر بن عثمان ويقتل منهم في كل يوم مالا يُحصى عددهم، من يوم الأربعاء إلى يوم السبت طلوع الشمس ثامن المحرم…”.

وهذا ما يؤكده نص مقتطع من رسالة بعث بها السلطان العثماني سليم الأول إلى نائبه في الشام يبشره فيها بنجاحه في الاستيلاء على القاهرة والقضاء على المقاومة فيها، فقال سليم في رسالته بعد أن روى انتصاره في الريدانية على جيوش طومان باي:”وكان قد فضل بقية من العساكر المصرية، فهربوا واجتمعوا هم والسلطان طومان باي وجمعوا العربان، والتموا نحو العشرة آلاف، ليلًا من نهار الثلاثاء خامس شهر المحرم الحرام سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة خفية، ودخلوا البيوت الحصينة، وحفروا حولها الخنادق، وستروا التساتير، واجتمعوا في الحارات، وأظهروا الفساد، وأبرزوا العناد، فعلمت عساكرنا المنصورة بهم، فربطوا الخيالة لهم الطرقات، لئلا ينهزم أحد، وصاحت عليهم مماليكنا الإنكشارية والتفكجية، وحملت عليهم حملة رجل واحد، ودخلوا عليهم إلى البيوت التي تحصنوا فيها، ونقبوا عليهم البيوت يمينًا وشمالًا، وطلعوا على أسطحة تلك البيوت التي تحصنوا فيها ورموا عليهم بالبنادق والكفيات، واستمر الحرب بين عساكرنا المنصورة وبينهم ثلاثة أيام.. وفي هذه الثلاثة أيام يستمر القتال من الصبح إلى العشاء، وبعون الله تعالى قتلنا جميع الجراكسة، ومن انضم إليهم من العربان المصريين، وجعلنا دماءهم مسفوحة، وأبدانهم مطروحة، ونهب عساكرنا قماشهم وأثاثهم وديارهم وأموالهم، ثم صارت أبدانهم للهوام، أما طومان باي سلطانهم فما عرفنا هل هو مات أم بالحياة”.

وبذلك تبدل الحال تمامًا مع دخول العثمانيين، لقد كانت سنتا 1516 و1517 سنتين من السنوات العصيبة في التاريخ المصري، سنتان شهدتا سقوط دولة المماليك الجراكسة وفقدان مصر لكيانها المستقل، ليبدأ عصر جديد من عصور التبعية لقوة خارجية صاعدة في سماء المنطقة، فأصبحت مصر ولاية في دولة كبرى مركزها إسطنبول على مضيق البسفور. وبعد أن استمرت القاهرة لعدة قرون المركز الحضاري والسياسي الأول في المشرق العربي والإسلامي، ذوت لتصبح مجرد عاصمة لولاية يديرها باشا مبعوث من قبل السلطان العثماني. سنتان كانتا مليئتين بالحوادث والوقائع، سقط فيهما آلاف من القتلى من أبناء الشعب المصري، وتم تجريف المجتمع المصري بترحيل عدد هائل من أمهر صناعها وحرفييها ومبدعيها إلى الأستانة، علاوة على عدد من شيوخها وفقهائها ومفكريها، ليبدأ عصر ظلام وجمود طويل في تاريخ مصر.

لقد كان وقع الكارثة فادحًا على وجدان المصريين،فبعد دخول العثمانيين للقاهرة استباحوها بشكل كبير وفعل بها الجنود الإنكشارية ما يفعلوه مع بلاد الكفار المفتوحة بل وأعظم، وروى ابن إياس الأهوال التي تُذهل لها العقول، والتي وصلت لاقتحام الأزهر الشريف ومسجد ابن طولون وجامع الحاكم، وإحراق جامع شيخو، كما أنهم خربوا ضريح السيدة نفسية وداسوا على قبرها، ونهبوا كل ما أمامهم من محال وأسواق ودخلوا على البيوت فسرقوا ما بها من نفائس ومجوهرات، وطردوا الكثير من بيوتهم وأخذوها لهم، ووصل بهم الأمر إلى خلع ألواح الرخام والخشب المزخرف من على واجهات البيوت لبيعها.ووصف ابن إياس الغزو العثمانى لمصر شعرًا فقال: “الله أكبر إنها لمصيبة وقعت بمصر ومالها مثل يُرى.. ولقد وقفت على تواريخ مضت لم يذكروا فيها بإعجاب ما جرى”، وفي موضع آخر يقول ابن إياس: “من العجائب أن مصر صارت نيابة بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين في سائر البلاد قاطبة.. ولكن ابن عثمان انتهك حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها وأظهر أهوالها، وأُشيع أن ابن عثمان خرج من مصر وبصحبته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة، هذا خارجًا عما غنمه من التحف والسلاح والصيني والنحاس المكفت والخيول والبغال والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر، وأخذ منها من كل شيء أحسنه، ما لا فرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدًا…”.كما أطلق ابن عثمان يد جنوده خصوصًا الإنكشارية في السلب والنهب، حيث يعتبر مؤرخون أن الغزو التركي لمصر أفظع الغزوات والاحتلالات الأجنبية التي تعرضت لها مصر عبر تاريخها، وعبر ابن إياس عن الفجيعة التي وقعت بمصر بعد غزو العثمانيين الأتراك لها في رثاء شعري: “نوحوا على مصر لأمر قد جرى … من حادث عمت مصيبته الورى”.

كما تحدث ابن إياس عن مفاتن ومباهج مصر التي كانت تزهو بها على سائر الامم وزالت على أيدي الغزاة العثمانيين، فبعد الغزو اتخذ العثمانيين من (خاير بك)الجركسيواليًا على مصر، فسام المصريين سوء العذاب، وأعدم الكثيرين ظلمًا، واستولى على أراضي كثيرين بحجة أنهم أخذوها قسرًا من أصحابها، وغير النظام القضائي في مصر وألغى قضاة المذاهب الأربعة واكتفي بقاض حنفي، وكذلك غُيرت نظم الموازين وأصبحت مثل النظام التركي، وأمر بإعدام كل من يعيد استخدام الموازين المصرية، وفُرضت ضريبة على الزواج والطلاق فامتنع الناس عن الزواج أو الطلاق بسبب ذلك، ووُصفت مصر جملة أنها دخلت في عصر مظلم حيث عُزلت عن العالم وأصبحت سلة الغذاء والمال للدولة العثمانية، فغدت إتاوة مصر وحدها ما يقارب من ثلث إيراد الخزينة العثمانية.

ويقول ابن اياس: “أنه لم يقاس أهل مصر شدة مثل هذه” ووصل الأمر لوصفه أنه وقع فيها مثل ما وقع من جند هولاكو في بغداد، وفى موضع آخر من الكتاب أنه: “وقع في القاهرة المصيبة العظمى التي لم يُسمع بمثلها فيما تقدم”، وقوله: “من حين فتح عمرو بن العاص مصر لم يقع لأهلها شدة أعظم من هذه الشدة قط”، وحسبما يورد في كتابه: “من العجائب أن مصر صارت بعد ذلك نيابة بعد أن كان سلطان مصر من أعظم السلاطين في سائر البلاد قاطبة لأنه خادم الحرمين الشريفين وحامي مُلك مصر الذي افتخر به فرعون”. ويقص ابن إياس في الجزء الخامس من كتابه الذي يشبه اليوميات، أن سليم خان، الامبراطور التركماني، الذي اقتحم القاهرة، كان رجلًا سيئ الخلق سفاكًا للدماء شديد الغضب، ورُويّ عنه أنه قال: “إذا دخلت مصر أحرق بيوتها قاطبة وألعب في أهلها بالسيف”.

وأجمع المؤرخون على أن الدولة العثمانية فرضت عزلة عالمية على مستعمراتها في الشرق الأدنى وفي مقدمتممصر، بحجة حمايتهم من الاستعمار الأوروبى الصليبي!!. وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي:“بعد ظهور البرتغاليين فى جنوب البحر الأحمر فى إطار حركة الكشوف الجغرافية، منع العثمانيون مرور المراكب الأوروبية فى البحر الأحمر خشية أن تكون محملة بالعساكر على أن يتم تفريغ حمولتها فى ميناء المخا، وتنقل البضائع على مراكب محلية إلى السويس ومنها برًا إلى الإسكندرية ثم إلى أوروبا، ورغم حسن النية وراء هذا الإجراء فإنه أدى إلى عزلة المصريين عما يدور فى العالم الذى كانوا يتعرفون عليه من خلال التجار الذين كانوا يقيمون فى البلاد مع تجارتهم فى رحلة القدوم والذهاب، ولم يكتشف المصريون خطورة هذه العزلة الكارثية إلا مع مدافع الحملة الفرنسية”….. ونستكمل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك