الخميس - الموافق 20 يونيو 2019م

(25) اجتياح الفكر الوهابي للأمة المصرية 1-5.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

استمر تسلل الفكر الوهابي طيلة الحقبة الناصرية عن طريق الأزهر الذي تم اختراقه بالفكر الوهابي منذ (رشيد رضا)الذي خلف الأمام المجدد (محمد عبده) في مشيخة الأزهر،وخاصة بعد أن تعاظم حجم ودور الأزهر بشكل غير مسبوق بثوبه الوهابي، وكانت هجرة المصريين إلى السعودية للعمل قد اخذت بعدًا جديدًا أخذ يتصاعد تأثيره بانبهار الطبقة الوسطى بالثراء الخليجي وربطه (بتقوى) سكان الجزيرة العربية كما صوره مشايخ الوهابية.واقتصرت مواجهة الدولة المصريةعلى الجناح المسلح للوهابية ممثلًا في تنظيم الإخوان المسلمين آنذاك، حيث ظلت الجمعيات الدينية الوهابية ذات الطابع الدعويوالاجتماعي تمارس أنشطتها بدون أي عوائق. وظل للإسلام السياسي المُدجن حضور مؤثر في المشروع الناصري، وإن جاء استحضاره في سياق دعم وشرعنة مشروع تحديثي جذري يمس بنية المجتمع المصري،في إطار البحث عن اجتهاد ديني يتواءم ومشروع عبد الناصر، كما يبدو من النقاشات التي كانت تدور حول قضايا المرأة والتأميم وحجم الملكيات المسموح بها، وهي تظهر حرصًا بالغًا على تقديم اجتهاد ديني يدعم هذا التوجه الجديد.وفي سياسته، وخاصةً الخارجية، نجد حضورًا مهمًا للإسلام السياسي في كثير من القضايا والملفات خلال الحقبة الناصرية، فناصر هو الذي أطلق يد الأزهر خارج البلاد، وخاصة في إفريقيا التي عرفت أكبر حضور للأزهر في عهده، متوسعًا في إرسال البعثات الأزهرية إلى دول القارة السمراء. بل أكثر من ذلك،استوعب ناصر قطاعات من الإسلاميين وإدماجها ضمن مشروعه، بل وتوظيفها ضمن هذا المشروع، ويمكن أن نتكلم عن رموز إسلامية كبيرة شاركت في بناء ما يمكن أن نسميه الرؤية الدينية للمشروع الناصري، نذكر منهم أحمد حسن الباقوري (تولى وزارة الأوقاف) والبهي الخولي ومحمد البهي (تولى كل منهما مسؤوليات كبرى في إدارة الدعوة والإرشاد بالأزهر الشريف) وعبد العزيز كامل (تولى منصب نائب رئيس الوزراء) والشيخ سيد سابق والشيخ محمد الغزالي وعدد من الشيوخ الأزهريين الذين خرجوا من جماعة الإخوان إبان الانقسام الذي نجم عن خلافها مع الثورة وكانوا رموز الدعوة الإسلامية الوهابية في العهد الناصري، وهو الأمر الذي لم يضيف شيئًا لعبد الناصر لأن إنجازاته الهائلة، وسجله الوطني ناصع البياض، وما حققه من خطوات كبيرة وجادة في طريق العدالة الاجتماعية، هي من حققت له شعبيته الجارفة وذلك كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. وهو الأمر الذي يدحض التفسير السائد بأن النكسة كانت المسؤولة عن ظاهرة العودة إلى الإسلام السياسي أو المد الإسلامي الوهابي، وأنها كانت الجدار الذي انكسر فأخرج لنا المارد الإسلامي الوهابي من القمقم، فضلًا عما تستند إليه من قراءة خاطئة للحقبة التي سبقت النكسة ووضع الإسلام فيها. فلم يكن الإسلام الوهابي غائبًا في هذه الحقبة بالشكل الذي تصوره الكتابات الشائعة، بل كان له حضور حتى في المجال العام، وهو حضور قد لا يلبي الحد المطلوب من أوهام الإسلام الوهابي، كما لم يكن بالمستوى الذي عرفناه لاحقًا.كما أن هناك علاقة عضوية وثيقة بين أسلوب الحكم الذي سارت عليه ثورة 23 يوليو وبين انتشار التطرف والعنف الديني، ذلك لأن أسلوب الحكم هذا كان يتجه بطبيعته إلى أن يطبق على الشعب كله نفس القيم السلوكية المطبقة في الجيش ويميل إلى جعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم أشبه بالعلاقة بين القائد وجنوده لا بين مواطنين أكفاء عقلاء متساويين، وهكذا كان المواطن الذي اتجه عهد الثورة إلى تشكيله هو المواطن المطيع الذي يمتنع قدر الإمكان عن التحليل والمناقشة والتفكير المستقل والذي يفكر له الزعماء والقواد وما عليه سوى التنفيذ. فهناك عنف بنائي أو تكويني يجمع بين تلك الرؤية الشمولية التسلطية وأساليب الجماعات الوهابية المتطرفة ويشكل أساسًا قويًا للجمع بينهما.
كان الساداتهو الوحيد بين قادة ثورة 23 يوليو 1952، الذي له صحيفة سوابق سياسية يعرفها الناس، حيث اُتهم بالتجسس لحساب الألمان خلال الحرب العالميه الثانيه واُلقي القبض عليه فعلًا في قضيه ابلر، أي (حسين جعفر ابلر)، الذي وُلد من أب وأم ألمانيين وكانت الأم تعمل في بورسعيد وتزوجها محامي مصري وتبنى ابنها وأطلق عليه اسم حسين جعفر، وأثناء تواجد ابلربالنمسا جندته المخابرات الألمانية (لإجادته اللغة العربية) وأوكلت إليه مهمة تجنيد الراقصة المصرية(حكمت فهمي) أثناء تواجدها بأحد الملاهي بالنمسا، وعند عودتها إلى مصر أوصلته بصديقها السادات ضابط الإشارةلمساعدته في ضبط وتشغيل أجهزة اللاسلكي والتنصت، وكانت حكت فهمي على علم بتعاطف السادات مع الألمان إبان الحرب العالمية الثانية،ومن هنا تم إلقاء القبض على إبلر وزميلهمونكاستروحكمت فهميوالسادات،واُعتقل السادات وعُوقب بفصله من القوات المسلحة وهو برتبة النقيب، وبعد عامين من السجن تمكن من الهرب من المعتقل هو وزميله الطيار حسن عزت، ليشتركا في العمل (باسمين مستعارين) بالمقاولات، ثم يتصل بتنظيم مدني كان يقوم بعمليات اغتيال لجنود الاحتلال البريطاني، فيغير اتجاهه للقيام بعمليات اغتيال للساسة المصريين الذين يتعاملون مع الاحتلال، ويشارك في تنفيذ عملية اغتيال أحدهم وهو أمين عثمانوزير مالية حكومة الوفد في الخامس من يناير 1946، ويظل رهن المحاكمة ثلاث سنوات، ويغادر السجن ليعمل في شركة للنقل البحري، قبل أن يعود إلى الجيش وتتم مساواته بزملائه، فيحصل على رتبة العقيد، ويكون واحدًا من أواخر الذين انضموا إلى قيادة تنظيم الضباط الأحرار.كما كان السادات عضوًا بالحرس الحديدي الذي انشأه الملك ليتجسس على رجال الجيش للحفاظ على سلامته ولاغتيال معارضيه وقد قام الحرس الحديدى بعدد من عمليات الاغتيال والتجسس لعل أبرزها اغتيال الشهيد عبدالقادر طه أحد الضباط الأحرار المناوئين للملك، وقد حوكم بعد الثوره عضو الحرس الذيأطلق عليه الرصاص وهذا العضو نفسه الذي قدم بلاغ يتسائل فيه عن السبب في محاكمته وابعاد الحرس الحديدي عن الجيش بينما أصبح زميلهم أنورالسادات عضوًا بمجلس قيادة الثوره، وحُول البلاغ إلى نيابه جنوب القاهره التى حققته. ومن الثابت أن السادات كانت له علاقة وثيقة بالقصر الملكى عن طريق يوسف رشاد طبيب الملك ورئيس جهاز المعلومات وقائد الحرس الحديدي بعد ذلك، وهو الذي دفع نفقات الدفاع عن السادات في قضية اغتيالأمين عثمان،وقد حول السادات بعد أن أصبح رئيسًا قضيه أمين عثمان إلى أهم قضيه في مصر وذهب إلى قاعة المحكمة التى حُوكم فيها واحتفل بعيد براءته من الاتهام وكرم رئيس المحكمة الذي اصدر حكم البراءة والعاملين وأطلق اسمه على قاعة المحكمة وحولها إلى أهم قضية للنضال الوطني،والغريب أنه أنكر ارتكاب الجريمة والغريب ايضًا بعد أن أصبح رئيسًا اختفى نهائيًا ملف القضية الذي يحمل الحقيقة. ومن الثابت أيضا أن يوسف رشاد والقصر الملكي هومن أرجع السادات إلى الجيش. ويقول رفيق عمره الطيار(حسن عزت) عن عمالة السادات المزدوجة في مذكراته بالنص: “كان اليوزباشي السيد جاد يعرف الكثير عن الضباط الأحرار ونشاطهم ورغم أنه كان عضوًا بالحرس الحديديإلا أنه لم يبلغ عن نشاط هذه المجموعة بأي شكل من الأشكال وفي صباح ذات يوم جاء السيد جاد أحد أعضاء الضباط الأحرار قائلًاأنت تعرف أنني عضو بالحرس الحديدي وأنا أعلم الكثير عن حركة الضباط الأحرار ولكنني لن أبوح بشئ عن هذه الحركه وإنما أطلب: “اذا وقعت تشيلوني وإذا وقعتم أشيلكم، ومرت بضعه شهور ثم جاء السيد جاد ليبلغ عضو الضباط الأحرار الآتى: صدرت تعليمات من القصر إلى البوليس السياسي لمراقبة بعض ضباط الجيش ذوي الميول اليسارية وكذا المتعاونين مع الإخوان المسلمين وأخشى أن تؤدي هذه المراقبة ولو بنوع الخطأ إلى أن يضع البوليس السياسي يده على بعض أعضاء الضباط الأحرار وتتعرض الحركة إلى نكسة خطيرة وقد اُبلغ هذا الخبر لجمال عبد الناصر في منزله بكوبري القبة ودعى عبدالناصر إلى اجتماع عاجل لأعضاء خليته وحضر سميةرنا الاجتماع خالد محيي الدين وعبدالحكيم عامر وكمال الدين حسين وزكريا محيي الدين والسادات، وأبلغ عبد الناصر هذا الخبر إلى زملاءه وطلب وقف نشاط واجتماعات الخلايا إلى حين صدور تعليمات أخرى،ولم تمر فترة يومين حتى جاء السيد جاد وهو في ذعر شديد وسأل عضو الضباط الأحرار كيف تسرب هذا الخبر وعاد ثانية إلى القصر الملكي واضاف بان يوسف رشاد استدعى أعضاء الحرس الحديدي وتحدث معهم في حالة غضب شديدوتساءل عن كيفيه وصول هذا الخبر إلى بعض الضباط ثم تساءل السيد جاد من الذي نقل إلى يوسف رشاد الخبر بأن ضباط الجيش قد أخذوا علمًا بمراقبتهم من قبل القصر وأنهم اجتمعوا وأوقفوا الاجتماعات. وإذا استعرضنا أسماء المجتمعين مع عبد الناصر في تلك الليله لمعرفه من الذي أفشى بهذه المعلومات إلى القصر فإننا نستبعد معظم الحاضرين وتضيق الدائرة وتظهر علامات الاستفهام حول أنور السادات الذي كان وثيق الصله بيوسف رشاد رئيس الحرس الحديدي وهو نفسه عضوًا بالحرس وكان عليه أن يؤدي خدمات إلى القصر نظير ما يتقاضاه من مرتبات شهرية مكافاة. هكذا كان السادات عميلًا مزدوجًا وكان عينًا للضباط الاحرار على القصر وكان عينًا للقصر على الضباط الأحرار،وهكذا كانت حركه الضباط الاحرار ستتعرض إلى ضربه قاضيه لولا موقف اليوزباشي السيد جاد من الحركه وابلاغه لقادتها عن القصر ومراقبة البوليس السياسي لهم.ويزداد الأمر استغرابًا أكثر بعد نجاح الثوره نجد اسم اليوزباشي السيد جاد على رأس قائمه ضباط الحرس الحديدي المطرودين من الجيش”.وحسب تقرير قُدم لمجلس قيادة الثورة بمهام الحرس الحديدي:قامت بعمليات اغتيال بإذن الملك مثل إطلاق النار على رفيق الطرزي في مصرالجديده لمنافسته الملك على إحدى الراقصات،والاعتداء بالقنابل والرشاشات على منزل النحاس باشا،وأعمال خاصة بمراقبة الملكة فريدة،وكان كل ضابط في المجموعة يتقاضى شهريًا مبلغ ثمانين جنيهًا من يوسف رشاد وكان لكل منهم سيارة يتنقل بها.وعندما خرج السادات من المعتقل في قضيةأمين عثمان تلفقه يوسف رشاد وهو يعلم بأنه مفلس وضمه إلى الحرس الحديدي وأصبح له نفس المزايا وذاد على ذلك أن أعطاه مبلغ 1000 جنيه لترتيب أموره. وروى حسن عزت أن أحد ضباط الجيش التقى بناصر وحكى له علاقة السادات بالحرس الحديدي وبعد أن انتهى من روايته قال عبدالناصر نحن نعلم ذلك عن السادات وكان الشك يخالجنا احيانًا ولكن لم نكن نعلم تلك التفاصيل وتنهد عبدالناصر قائلًا “انا مش عارف ابن ….دة جنس ملته ايه …على أي حال أنا وراه والزمن طويل”. وهذهشهادة اليوزباشيالسيد جاد عن أعضاء الحرس الحديدي:قائمقام يوسف رشاد رئيس الحرس الحديدي طبيب فاروق الخاص،اليوزباشيأنور السادات،اليوزباشي حسن التهامي (ساعد السادات اليمنى بعد ذلك اتهامات حول اغتيال ناصر بالسم)،اليوزباشي حسن فهمي عبدالمجيد (سفير مصر السابق في الجزائر)،اليوزباشي مصطفى كمال صدقي(نسبت اليه قضية قذف خادمة السيدة ناهد رشاد وصيفة القصر الملكي من بلكونة منزلها ولقت مصرعها)،اليوزباشي عبدالله صادق (قائد المطافي بالحرس الملكي )،اليوزباشي عبدالرؤف نور الدين،اليوزباشي السيد جاد،اليوزباشي عبدالله صالح،اليوزباشي خالد فوزي،بالاضافه إلى بعض المدنيين مثل المهندس علي حسنين وزملائه الذين قدموا للمحاكمه في مقتل اليوزباشي مهندس عبدالقادر طه عام 1951.وحين فكر قائد الأسراب حسن عزت في أن يسترد عمله في القوات المسلحة، شجعه السادات على ذلك مثنيًا على المزايا التي يتمتع بها صاحبه وعلى دوره الوطني، وبعد شهور من عودته، طلب حسن عزت من عبد الناصر أن يعينه قائدًا لسلاح الطيران، وحين عُرض الأمر على أعضاء مجلس قيادة الثورة، لم يمانعوا باستثناء أنور السادات الذي كشف للمجلس عن السلبيات الكثيرة في شخصية حسن عزت التي تجعله غير أهل للثقة، فعدل المجلس عن اختياره لهذا المنصب، وعندما علم حسن عزت أن السادات هو الذي اعترض على ترشيحه. ذهب إليه ليسأله ثائرًا: ألم تقل لي إنني كفءوصاحب تاريخ نضالي ووطني.. وإن الثورة لا تستغني عن أمثالي؟ فقال السادات بهدوء: أيوة قلت، فعاد يسأله: طيب ليه قلت عكس كدة قدام مجلس قيادة الثورة؟! فرد عليه بالهدوء نفسه: إنت عارف يا أبو علي يا حبيبي إن الحياة تمثيل.. في تمثيل!.
في كتاب السادات (صفحات مجهولة) الذي كتبه في بداية الثورة وأثنى عليه عبد الناصر وكتب مقدمته،ونُشر في جريدة الدستور الأصلي في الثالث من سبتمبر 2010م، يتحدث السادات عن قصته مع الإخوان المسلمين قائلًا: “…القصة بدأت ليلة الاحتفال بمولد الرسول – صلالله عليه وسلم – من عام 1940، كنت آنذاك ضابطًا برتبة ملازم في هذا السلاح… هذه الليلة كما مرتبها دائما ولكنها لم تمر بي كذلك فقد كانت من حيث لا أدري ليلة البدء لأحداث كثيرة متتابعة سمع المصريون أطرافًا منها بعضها خافت كالهمس وبعضها مدو.. كالقنابل والمتفجرات. كنا جلوسًا في إحدي غرف السلاح نتناول العشاء ونتكلم وكان جنود هذا السلاح وأغلبهم بطبيعة عملهم في سلاح الإشارة فنيين متطوعين قد اعتادوا مني كثيرًا أن أحاضرهم واعتادوا مني دائما أن أتناول طعامي معهم، وأثناء استراحتنا وطعامنا دخل علينا جندي من جنود السلاح الفنيين وقدم إلينا صديقًا له يلتحف بعباءة حمراء لا تكاد تظهر منه شيئًا كثيرًا، لم أعرف عن الضيف شيئًا إلا بشاشة وجهه ورقة في حديثه وتواضعًا في مظهره. ولكني عرفت بعد ذلك عنه شيئًا كثيرًا. كان في سمات هذا الرجل كثيرًا مما يتسم به رجال الدين: عباءتهولحيته وتناوله شيئًا من الدين بالحديث، فليس حديثه وعظ المتدينين، ليس الكلام المرتب والعبارات المنمقة ولا الحشو الكثير ولا الاستشهاد المطروق ولا التزمت في الفكرة ولا ادعاء العمق ولا ضحالة الهدف ولا إحالة إلى التواريخ والسير والأخبار. كان حديثه شيئًا جديدًا، كان حديث رجل يدخل إلى موضوعه من زوايا بسيطة ويتجه إلى هدفه من طريق واضح ويصل إليه بسهولة أخاذة، وكان هذا الرجل هو المرحوم الشيخ (حسن البنا) مرشد الإخوان المسلمين، وانتحى الرجل بي ناحية وتجاذب معي حديثًا قصيرًا أنهاه بدعوتي إلى زيارته في دار جمعية الإخوان المسلمين قبل حديث الثلاثاء. وذهبت يوم الثلاثاء، ولم أكد أضع قدمي في مدخل الدار حتى شعرت بكثير من الرهبة، وجلست مع الرجل وتحدثنا كثيرًا لكنه لم يخرج عن دائرة الدين أبدًا رغم كل المحاولات التي بذلتها معه فقد فشلت، ورغم كل ما تطرق إليه الحديث عن شؤون الجيش فقد ظل الرجل ملتزمًا ناحية الدين، وتركته وتكررت زياراتي بعد ذلك كثيرًا وبدأنا نتحدث في الشئون العامة وبدأت أوقن أن الرجل يطوي صدره على مشاريع كبيرة لا يريد الإفصاح عنها كما أيقن الرجل أني لا أنتوي الانضمام إلى جمعيته ولم يعرض علي الانضمام إلي جمعيته. ويستكمل السادات في سرد الأحداث قائلا: في يوم تقابلت معه وكنت ثائرًا تملأني المرارة والألم، فقد صدرت الأوامر في ذلك اليوم بإعطاء الفريق عزيز المصري إجازة إجبارية من رئاسة أركان حرب الجيش وكان معلومًا لنا أن وراء هذه الفعلة أيدي الإنجليز، وكنت أتمنى أن أقابله، وطال الحديث- مع البنا – في تلك الليلة عن عزيز المصري إلي أن قدم إلي المرحوم حسن البنا وريقة فعرفت أن المقابلة قد أذنت علي الانتهاء، فأخذت الوريقة أقرؤها بشغف شديد بينما قال لي حسن البنا والابتسامة علي شفتيه: وأقطع تذكرة عند الدخول كما يفعل الداخلون!. وخرجت من دار الإخوان المسلمين واتجهت في اليوم التالي إلى العنوان الذي كتبه حسن البنا ونظرت إلى فوق، فقرأت اللافتة الموضوعة على عيادة الطبيب (الدكتور إبراهيم حسن) وصعدت السلم بخطى ثابتة ثم تذكرت أنني مريض! أو لابد أن أكون مريضًا فربما كان البيت مراقبًا بل المؤكد أنه مراقب إذا كانت المخابرات البريطانية قد علمت بوجود عزيز المصري بداخله! ولأول مرة قمت بمشهد تمثيلي صغير باعتباري مريضًا ودخلت لمقابلة عزيز المصري الرجل الذي آمنت بوطنيته وكنت أريد أن أكسب ثقته وعرفته بنفسي وتحدثنا طويلًا. وفي اليوم التالي التقيت المرحوم حسن البنا وسألني عن أثر زيارتي وأثرها علي نفسي وكأنه كان يعلم ما دار فيها.. ولاحظت أنه يريد أن يزداد علما بالمجموعة التي شعر أنني واحد من أفرادها. فقد سألني حينئذ: هل لديك زملاء في الجيش يشتركون معك في هدف معين؟.. ولم أخف عنه الحقيقة، ولكني لم أبح بأسماء إخواني، وبدأ المرحوم حسن البنا يتحدث عن تشكيلات الإخوان المسلمين وأهدافه منها وكان واضحًا في حديثه أنه كان يريد أن يعرض علي الانضمام إلي جماعة الإخوان المسلمين أنا والضباط في تشكيلنا حتي تتوحد جهودنا العسكرية والشعبية في هذه المعركة وكنت مستعدًا للإجابة علي هذا الطلب إذا وجهه إلي بطريق مباشرة فما أكتفي بالتلميح أوضحت له من جانبي أنه ليس من وسائلنا أبدا أن ندخل كجماعة ولا أفراد في أي تشكيل خارج نطاق الجيش فقال وعلى وجهه ابتسامة تغطي تفكيرًا عميقًا: من الخير لنا أن نتشاور وأن نتكلم معًا في أي شيء كما أننا علي استعداد لكي نعاونكم عندما تطلبون منا ذلك. وعرفت أن حسن البنا وحده يعد العدة لحركة الإخوان ويرسم سياستها ثم يحتفظ بها لنفسه حتي أنه كان يجمع السلاح ويشتريه ويجزئه وقد أدركت هذا في يوم من الأيام كنت جالسًا معه عندما جاء إلينا الجندي المتطوع يحمل في يديه صندوقين مغلقين ورآني الجندي جالسًا، فأجفل، ولكن حسن البنا قال له افتح الصناديق ولا تخف ونظر الجندي إلي بابتسامة الأخ في الجهاد ثم فتح صندوقيه وكل ما فيهما عينات من أنواع المسدسات وتأكدت في ذلك اليوم أنه يشتري السلاح ويخفيه حتي عن كبار الإخوان.. ففرحت في نفسي وقلت سيأتي اليوم الذي نضرب فيه ضربتنا كرجال عسكريين وسيكون أهم ما نستعين به أن نجد قوة شعبية تقف في الصف الثاني مسلحة مدربة. كنت حلقة الاتصال الوحيدة بين تشكيل الضباط وبين الإخوان المسلمين، وكان اتصالي بحسن البنا فلم تكن لي صلة عملية بغيره وقلت له احرص علي أن يظل ما بيننا سرًا خافيًا علي الجميع حتي علي كبار الإخوان أنفسهم، فعندما بدأت الاتصال بالمرحوم حسن البنا للقيام بالعمل الفعلي ذهبت إليه في دار الإخوان وطلبت مقابلته لأمر مهم وكان الأستاذ السكري وكيل الإخوان موجودًا معه، فإذا به يشير إلي أن أدخل إلي غرفة في مدخل الدار وأغلق البنا غرفته وأوصد الشبابيك ثم مال علي برأسه لكي يسمع ما أردت أن أنهيه معه، وفي تلك الليلة بسطت للمرحوم البنا كل التفاصيل وتوسعت معه في شرح دقائق الخطة العسكرية الموضوعة وأفهمته حقيقة الدور الذي نريد أن يقوم به الإخوان وحدود هذا الدور. وصمت طويلا وهو يستمع لي وعندما تكلم أجهش بالبكاء!. كنت أنا كالمسحور، قال كلامًا كثيرًا، كلامًا مثيرًا امتزج بالإيمان الشديد وكان واضحًا جدًا من كلامه أنه يؤثر مصلحة البلاد ولكني عندما خرجت سألت نفسي: هل وعد الرجل بشيء؟،هل احتضن الرجل خطتنا؟، هل هو سيقوم بتنفيذ نصيب الإخوان منها؟،وحرت في الإجابة على كل سؤال، فالواقع أن الرجل تكلم كثيرًا وأثر في نفسي كثيرًا وبكي من أجل مصر كثيرًا ولكنه لم يعد بشيء ولا احتضن خطتنا، ولا أفهمني أنه مقبل علي تنفيذ نصيب الإخوان من الخطة، لكن تأثيره الشديد علي أبعد عن ذهني كل شك بل إنه أقنعني بأنه أعد جماعته للكفاح وأن لديه قوة كبيرة ولكني لم أعرف شيئا عنها. وكان هذا آخر اتصال لي بحسن البنا قبل اعتقالي.. ولكن اتصالات جديدة بدأت عقب ذلك”. وينتقل السادات إلي حلقة أخري في علاقتة بحسن البنا بقوله: “عاودت الاتصال بالبنا وأنا هارب من المعتقل وتبسط معي بصورة لم تسبق له من قبل، فرغم كل الصلات التي قامت بيني وبينه كنت أشعر دائمًا أنه يقول شيئا ويخفي في نفسه أشياء ولكنه في تلك المرة تبسط كثيرًا وشرح كثيرًا وأفاض كثيرًا ثم كلفني بأمر!. شرح لي حسن البنا متاعبه التي تأتيه من ناحيتين: ناحية الملك.. وناحية الأجانب. وأراد أن أكون وسيطًا له لكي يقابل الملك عن طريق صديقي يوسف رشاد وبالفعل حاولت لكني لم أستطع، وللتاريخ أذكر أن الملك في يوم من الأيام قد دعا إليه يوسف رشاد وطلب منه أن يتصل بحسن البنا وأن يستمع إلى ما كان يريد البنا أن يقوله للملك، والتقي يوسف رشاد بحسن البنا وتحدث معه ثلاث ساعات وقال لي يوسف إنه خرج من هذه المقابلة مقتنعًا تمامًا بخصوص نية حسن البنا نحو الملك وذهب للملك فنقل له كل شيء وإذ به يفاجأ بالملك يقول له: حسن البنا ضحك عليك!، وحاول يوسف رشاد أن يدافع عن نفسه ويقنع الملك أنه ليس الساذج الذي يضحك عليه الناس ولكن الملك ضحك ضحكته المشهورة وأعاد جملته: حسن البنا ضحك عليك”. ونلاحظ هنا أمرين: الأمر الأول أن حسن البنا حسم أمره تمامًا بعدم تجنيد السادات في تنظيم الإخوان المسلمين رغم تكرار زياراته له وحديثه المطول معه كل مرة، وهذا على عكس مافعله حس البنا مع الكثير من الضباط الأحرار وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر وكذا مع خالد محيي الدين عندما قابلهم وحاول تجنيدهم منذ اللحظة الأولى، بل اتبع معهم طقوس التجنيد الشهيرة لديهم، وذلك باعتراف ناصر في حديثه الذي أشرنا إليه سابقًا وكذا حسب رواية خالد محيي الدين في مذكراته (الآن أتكلم). الامر الثاني أن حسن البناطلب منالسادات مباشرة التوسط له عند يوسف رشاد قائد الحرس الحديدي لمقابلة الملك وهو طلب ينم عن معرفة كبيرة من جانب حسن البنا بالسادات وميوله وانتماءاته، وكيفية الاستفادة الحقيقية من السادات.
كان عبد الناصر هو الوحيد الذي وافق على انضمام السادات لحركة الضباط الأحرار رغم اعتراض جميع أعضاء التنظيم،ورغم ذلك كان السجل السياسي للسادات هو السبب في اختيار زملائه له لكي يلقي بصوته من الإذاعة بيان الثورة الأول، باعتباره الأكثر شهرة ومعرفة لدى الرأي العام، كما كان أول أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين ظهرت صورهم في الصحف مع اللواء محمد نجيب الزعيم الواجهة للثورة. كما أصر ناصر على بقائه بعد 1952 بعد أنتجددت شكوك الضباط حوله، وخاصة بعد شيوع واقعة السينما، حيث توجه السادات بصحبة زوجته يوم 22 يوليو 1952 إلى سينما الروضة التي تغير اسمها إلى سينما المنيل بالاس واستمر بالسينما حتى منتصف الليل، وافتعل هو وزوجتهمشاجرة مع رواد السينما وأصر السادات على عمل محضر في قسم الشرطة بالواقعة،وبعد عودته إلى البيت وجد ورقة متروكة مع البواب من عبد الناصر، وأخبره البواب أن صاحبه (ناصر) جاء إلى البيت مرتين ليسأل عنه، حيث كان السادات مكلف ضمن الخطة بمهمة قطع خطوط الاتصال الرئيسية عن بعض الشخصيات المحددة من قبل عبد الناصر، ولكن وقتها كانت الأمور قد حُسمت بسبب الموقف البطولي الأسطوري ليوسف صديق بالتحرك المبكر واقتحام مبنى قيادة الجيش واعتقال قيادة الجيش بالكامل، الأمر الذي حسم نجاح حركة الضباط الأحرار قبل أن يتحركوا ضمن الخطة الموضوعة، ثم بدأت الخطة في التنفيذ لاستكمال السيطرة على السلطة، ثم ذهب السادات لينضم لرفاقه وسط سخط الضباط الأحرار من هذا التخاذل. وقد جددت تلك الأحداث شكوك الضباط الأحرار بالسادات، ولكن أصر عبد الناصر أن يحميه،وعندما استولى السادات على قصر من ضابط سابق فإن عبد الناصر بعد أن غضب من السادات، كافأه بقصر على النيل (كتاب هيكل: خريف الغضب).ويعترف هيكل بنفس المرجع أن السادات شخصية (خانعة) أمام من هو أقوى منه،ولذلك ظل السادات الأقل حظًا بين زملائه حين تحولت الثورة إلى سلطة واستقرت الأمور لقادتها، ففي حين تولى جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة، مواقع مؤثرة في السلطة التنفيذية، ظل هو بعيدًا عن تولي حقائب الوزراء باستثناء فترة قصيرة عُين خلالها وزيرًا للدولة وهي وزارة مؤقتة لا اختصاصات لمن يتولاها، وأخذ يتنقل بين عضوية محكمة الثورة التي حاكمت رموز العهد السابق على الثورة، ومحكمة الشعب التي حاكمت الإخوان المسلمين بعد محاولتهم اغتيال عبد الناصر عام 1954، وبين إدارة دار التحرير وهي الدار الصحفية التي أنشأتها الثورة لكي تعبر عنها، والمؤتمر الإسلامي. وفي عام 1957 فاتحه عبد الناصر في تولي رئاسة أول مجلس نيابي يتشكل بعد الثورة، وهو مجلس الأمة، إلا أنه اعتذر له بعد قليل، لأن زميله عبد اللطيف البغدادي أبدى رغبته في تولي المنصب وقد لاحظ السادات تذمر من جانب أغلب أعضاء مجلس الثورة، وقبل السادات أن يكون وكيلًا للمجلس تحت رئاسة البغدادي، ولم يتول رئاسة مجلس الأمة إلا في الفترة ما بين عامي 1964 و1969. وقد استطاع السادات أن يشيع الانطباع لدى الجميع، أنه لا يريد أن يصدع رأسه بتولي المناصب التنفيذية، وأنه لا جلد له على العمل، ولا يعفيه من السلطة، إلا ما تضفيه على شاغلها من مكانة اجتماعية وحياة لذيذة ومريحة.. وهو انطباع روجه السادات عن نفسه في فترة مبكرة، بعد أن حسم عبد الناصر الصراع على السلطة داخل مجلس الثورة لصالحه، وسيطر بمعونة صديقه الأثير (عبد الحكيم عامر) على كل مفاصل القوة في البلاد، واستعان بالصف الثاني من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار في تأكيد سلطته.. وتظاهر السادات بضيقه من الصراعات داخل مجلس قيادة الثورة، واقترح أن يتنازل أعضاء المجلس عن سلطتهم لرئيسه، على أن يستشير من يختارهم منهم في الموضوعات التي يرى استشارتهم فيها.. وحين لم يساند أحد اقتراحه، أعلن أنه يتنازل عن صوته لعبد الناصر، وامتنع عن حضور جلسات المجلس. وهكذا عاش أنور السادات على خريطة سلطة 23 يوليو، دون أن يضعه أحد من بين المنافسين على السلطة في حسابه، وكان الوحيد من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي لم يعين نائبًا لرئيس الجمهورية، أو رئيسًا للوزراء، وبينما تولى آخرون من أعضاء الصف الثاني والثالث مناصب رفيعة في الحكم، ظل هو يتولى مواقع هامشية وغير مؤثرة، ويضطر للالتجاء إليهم لكي يحلوا له مشاكل بسيطة. روى محمد عبد السلام الزيات، الساسي البارز، وكان وقتها أحد معاوني السادات المقربين منذ كان الأول أمينًا عامًا لمجلس الأمة وكان الثاني وكيلًا للمجلس، أنه كلفه يومًا بأن يتوسط لدى علي صبري – وكان آنذاك أمينًا عامًا للاتحاد الاشتراكي، لكي يستخدم نفوذه في إلحاق والد السادات، الذي كان قد أحيل إلى المعاش من عمله بوزارة الصحة، بوظيفة في أحد المستشفيات الخاصة، وأنه وجد صعوبة في إقناع علي صبري بأداء هذه الخدمة البسيطة ثم قبل في النهاية لكن باعتبارها خدمة يؤديها للزيات وليس للسادات.
يروي محمد عبد السلام الزيات في كتابه (السادات.. القناع والحقيقة)عدة علامات استفهام عن علاقة السادات بالولايات المتحدة بالستينيات، فقد اصحبه الزيات في زيارة لأمريكا في 1966 وكانت الرحله التى نظمها الزيات لوفد خاص من مجلس الأمه برئاسة أنور السادات بدعوة من المستشار العمالي لسفارة الولايات المتحدة والامريكيين السود الذين لا تعجبهم سياسات أمريكا في الشرق الأوسط وأول علامات الاستفهام طلب السادات إضافة اسم أحد النواب إلى الوفد بعد تشكيله بحجةأن له ابنة تدرس في الولايات المتحدة إلى هذا الأمر عادي ولكن اذا عرفنا اسم النائب يكون الامر غريبًا جدًا، النائب هو (طناشي راند بلو) والذيأُلقي القبض عليه عام 1971 بتهمة التجسس لحساب الولايات المتحدة الامريكية في منطقة جناكليس ومعه سكرتير القائم بالأعمال الأمريكيالذي تم ترحيله وقد انتحر طناشي راندبلو في ظروف غامضة وأمر السادات نفسه بإغلاق ملف التجسس الخاص به،ويقول الزيات: “ربما لم أفكر في الامر إلا بعد ذلك بفترة على وجه التحديد بعد القبض عليه بتهمة التجسس على المطارات المصرية وعلى الخبراء السوفيت في تلك المنطقة لحساب المخابرات الامريكية”. يروي الزيات أن السفير المصري بأمريكا لم يكن سعيدًا به وبتدخله في كل الامور وفيما بعد امتدح السادات السفير أمامه قائلًا انه مقرب جدًا من الرئيس الامريكي جونسون الذي قال للسادات إنه أحد السفراء القلائل الذين يمكنهم الاتصال التليفوني به مباشرة وأعد برنامج الوفد ليقوم بزيارات مثيرة خارج واشنطن وبقي السادات في واشنطن في انتظار تحديد موعد لمقابلة الرئيس الأمريكي، علامة الاستفهام الثانية هيأن الزيات فوجئ بأن المرافق للرئيس لم يكن باركر رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية الأمريكيه ولكن حل مكانه مايكل ستيرز الذي سبق أن عمل في السلك الدبلوماسي المصري في بداية الستينيات لعده أعوام والذي لعب أدوارًا فيما بعد بين السادات والولايات المتحدة والاتصالات مع سيسكو وروجرز،علامة الاستفهام الثالثة التقى السادات والسفير المصري بالرئيس الامريكي فقط في اجتماع مغلق وبقي الزيات في انتظار انتهاء الاجتماع بعد ذلك لاحظ الزيات انه لأول مرة لا يسجل السادات محضرًا عن هذا الاجتماع السري بينه وبين جونسون، علامة استفهام أخرى عاد الوفد المصري وعاد الزيات إلى القاهرة بعدها بيومين أما السادات وزوجته فقد سافرا إلى بلجيكا وعندما عاد بعد أربعةأيام لم يكن السادات قد وصل إلى القاهرة وهنا علامة استفهام اخرى لم استطع أن أجد لها إجابة هي قصة الشيك “اتصل جمال عبد الناصر بالزيات تلفونيًا وكان يبدوا غاضبًا يسأله عن حكاية العشرةآلاف دولار الذي كتبه عبد الله الصباح للسادات على أحد بنوك بلجيكا وصرفه أثناء عودته عبر بلجيكا ورغم تعمده أن يذهب إلى البنك وحيدًا بعيدًا عن السفارة المصرية امتنع السادات عن الذهاب إلى مجلس الأمة بحجة المرض حتى تمت تسوية قضية الشيك. وقدنشرت جريده الواشنطن بوست أكبر الصحف الأمريكيه في عام 1977مأن أنور السادات كان عميلًا للمخابرات الأمريكيه التي جندته في بدايه الستينيات وأنه كان يتقاضى مرتبًا شهريًا”، ولم يعترض أحد وقتها.
استطاع فيصل بعد أن خلف أخيه (الملك سعود) أن يساوم جمال عبد الناصر في قضية اليمن نظير تعيينه للسادات نائبًا.وتبدو العلاقات بين السادات والملك فيصل غامضة، فالسادات في مذكراته يشير إلى صداقته بالملك فيصل منذ كان الأخير وليًا لعهد المملكة السعودية وكان السادات يعمل سكرتير للمؤتمر الإسلامي، ويقول السادات أنه ظل صديقًا للملك فيصل برغم حرب اليمن التي كانت مصر والسعودية خلالها في معسكرين متصارعين، وكان السادات هو المسئول السياسي من الجانب المصري عن الثورة اليمنية!!، كما ربطت صداقة وثيقة بين السادات وكمال أدهم المشرف على المخابرات السعودية،وتوثقت هذه الصداقات خلال حرب اليمن!. وهو أمر يثير الشكوك خاصة بعد أن نشرت جريدة (الواشنطن بوست) في عددها الصادر في 24 فبراير 1977 وعلى صدر صفحتها الأولى خبر يقول:”أن كمال أدهم كان طوال الستينيات يمد السادات بدخل ثابت”، ولم يصدر عن السادات أي تكذيب لهذا الخبر. عقب زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز الذي حضر إلى القاهرة زائرًا لجمال عبد الناصر في بيته بمنشية البكري،وأثناء هذه الزيارة تساءل الملك فيصل بالحرف الواحد يقول: “لم أر الأخ أنور السادات بجانبكم هذه المرة يا سيادة الرئيس، هل في الخواطر شيء؟”، فأمر الرئيس جمال عبد الناصر سائقه بالذهاب لإحضار أنور السادات في سيارة جمال. وأثناء ذهاب السائق قال فيصل: “لي طلب آخر يا فخامة الرئيس” قال عبد الناصر: “حاضر”.. فقال فيصل: “إنني لا أريد أن أتدخل بينك وبين أنور السادات فأنت وأنور أقرب لبعضكما مني لكن كل ما أريد أن أبديه ما هو إلا من باب النصح الأخوي، الذي نص عليه الدين! لأقول: إن السادات الشخص الوحيد الذي بقي معك في طريقك حتى الآن من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وهو أقرب لك من أي قريب. ولا أخفيك، ولعلك تعرف هذا أنه يعزك كثيرًا وكل ما نرجوه يا سيادة الرئيس أن لا يفرق بينك وبينه أحد مبغض أو من ذوي الأغراض، وهو بقدر ما هو مخلص لك فإن للسادات علاقات طيبة معنا ومع الجميع، ولكي تسير أمورك وأمورنا على ما يرام لابد من وجود شخص موضع ثقة منك وله علاقات حسنة مع الجميع مثل أنور السادات ليقف إلى جانبك، وبالقرب منك. وأقول لك بصراحة: إننا لكي نعترف بجمهورية اليمن لا بد أن يكون السادات نائبك الأول، فهو صديقنا القديم وأنت تعرف هذا ووجوده ضمانة لنا”… الخ. ولكون مصر كانت تخسر يوميًا في اليمن مالا يقل عن عشرة ملايين جنيه إضافة إلى كونها فقدت ألف وستمائة مصري تقريبا بسبب نجدتها لثورة اليمن التي تحاربتها السعودية الوهابية، وجد جمال أن ما يطلبه فيصل من تعيين السادات نائبًا له شئ أرخص من هذه المبالغ والأرواح المهدرة وأنه مقابل اعتراف السعودية باليمن سيخفف عنه هذا الحمل الثقيل وأنه سيبعد السادات في أي وقت مناسب!.وإرضاء لفيصل،وفي 20 ديسمبر 1969 أصدر الرئيس عبد الناصر قراره المفاجئ بتعيين السادات كنائبأول لرئيس الجمهورية، وذلك قبيل سفره إلى الرباط بلحظات.. وما ذلك إلا محاولة “تكتيكية” من جمال لكسب ود فيصل، كما أن عبد الناصر كأي واحد من سائر الناس، لم يفكر بالموت السريع وهو في منتصف شبابه.حتى أن جمال عبد الناصر كان في مؤتمر الرباط يهمس لمعمر القذافي، بأن يسكت إذا ثار في وجه فيصل عميد الرجعية، بينما سبق لجمال أن قال في خطاب عام في عيد الثورة 1962:”إن جزمة جندي مصري يقاتل الرجعية السعودية في اليمن أطهر من عقال الملك فيصل المُذهب”وقال: “سأحارب الرجعية في أحضان الاستعمار وأحارب الاستعمار في أحضان الرجعية” وقال:”إن الرجعية السعودية أخطر من الاستعمار”. لكنه بعد ذلك هادن الرجعية السعودية، وعلى أساس تلك المهادنة القاتلة، استمر جمال “يخادع” السعودية بتعيينه للسادات، بينما السعودية والمخابرات الأمريكية منتبهة تعد العدة ليحل عميلهم الذي عينوه نائبًا للرئيس.هذا رغم أن عبد الناصر كان حذرًا من “تمسكن” السعودية، وكان يقول: كلما “تمسكنت” السعودية كانت تعد للمؤامرة، ولقد أدرك هذا من تجاربه الكثيرة معها، من تآمر السعودية عليه وعلى مشروعه الوحدوي النهضوي وثورة اليمن.وكان معظم المتصارعين على السلطة من الصف الأول قداختفوا بعد هزيمة 1967، وتلفت عبد الناصر حوله فلم يجد من زملاء الماضي من يؤنس وحدته بعد انتحار صديقه الأول عبد الحكيم عامر سوى أنور السادات، فتوثقت العلاقات بينهما.ولا شك أن قرار عبد الناصر بتعيين السادات نائبًا أوحد له كان خطيئة كبرى، لأنه أول من يعلم ميول السادات الأمريكية القوية، وأن عبدالناصر عندما طـُرح الموضوع أمامه ضحك وأثنى على كلام السفير المصرى في أمريكا الذي قال:”وما العيب في ذلك. ليت كان هناك آخرون لديهم نفس الحب والوله لأمريكا” وكان ذلك عام 1966. فكيف كان عبدالناصرعلى علم بميول السادات الأمريكية القوية طوال هذا الوقت، ثم يختاره نائبًا؟ والأكثر أهمية أن هيكل أكد بصورة قاطعة أن عبد الناصر كان يعرف كل شىء عن السادات: يعرف ماضيه مع القصر الملكي وانبهاره بالأمريكان (كتاب خريف الغضب لهيكل).ولنتأمل ما كتبه هيكل:”كان بيت السادات هو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه عبدالناصر أن يذهب إليه لكي يقضي بين الحين والحين ساعات مع صديق لم يكن يضغط على أعصابه بإثارة مناقشات سياسية”. ويعلق السادات على تعيينه المفاجئ كنائب لعبد الناصر فيكتب في العدد 29 من مجلة (أكتوبر) الصادر في 15/5/1977 وفي الصفحة 9 بعنوان (البحث عن بداية) فيقول: “هناك من يرى أن بداية الثورة في نفسي، أو الثورة على شخصي، قد بدأت عندما اختارني جمال عبد الناصر النائب الوحيد لرئيس الجمهورية قبل سفره بلحظات إلى مؤتمر القمة في الرباط سنة 1969.ونشرت الصحف ذلك وسافر جمال عبد الناصر… يومها قد أثار هذا الاختيار حقد الكثيرين وكانت بداية لتفجير حقد مراكز القوى بينها وبيني، وكان للمرحوم فيصل (الملك فيصل) مواقفه التي لا تُنسى”. ويلاحظ أن السادات في مقالته الآنفة الذكر يعترف علانية ببدء نهاية جمال عبد الناصر حينما اختاره نائبًا له، بما يسميه السادات:”بداية الثورة عندما اختارني جمال عبد الناصر كنائب وحيد لرئيس الجمهورية قبل سفره بلحظات إلى مؤتمر للقمة في الرباط سنة 1969!”،ما معني بدايــة الثــــورة؟ لقد فوجئ كل من حول جمال عبد الناصر بهذا الاختيار فعلًا، الذي أحال السادات من جاسوس يعرفه جمال، ومن مبعد وغير مرغوب فيه ومرتشي وسمسار وعميل للسعودية والمخابرات الأمريكية ومهووس في تلقي الهدايا وعائلته من أمراء السعودية،إلى نائب أوحد لرئيس الجمهورية جمال عبد الناصر!.وبمراجعة مذكرات الرئيس السادات نجد أن السادات يقول إنه عرف أن الملك فيصل قال “إذا أراد الله بمصر خيرًا يحكمها السادات”، بالطبع كان الملك فيصل يقصد الخير لمصر ولكن من وجهة نظر آل سعود والوهابيين ومصالحهم. ولكن ناصر رجل الدولة القوي والزعيم الحقيقي والسياسي الفريد كان قد عزم بكل جوانحه على استرداد أرضه بعد هزيمة 1967بكل الطرق والوسائل الممكنة والمتاحة، ونستطيع أن نؤكد أن هدف التحرير سيطر على تفكير ووجدان عبد الناصر، وأن هذا الهدف المركزي والمحوري لدى عبد الناصر كان وراء أغلب قراراته السياسية حتى وفاته، ولكن يبدو أن الكثير من الأمور سقطت منه في غضون هذا التمركز حول هدف وحيد كان هاجسه الدائم، دون الانتباه لأمور أخرى قد تضيع جهده الجبار في حرب الاستنزاف المجيدة وغيره، وهذا بلا شك ما دفع عبد الناصر إلى الجنوح ناحية اليمين تكتيكيًا لتقليل الخصومات الإقليمية وخاصة في المعسكر العربي الذي يُفترض أنه متضامن في قضية تحرير الأراضي العربية، وأيضا كان هذا التحول الدافع إلى التهدئة الإعلامية والسياسية مع الأمريكان لتقليل جنوحهم للسياسة العدوانية الإسرائيلية، وبالتأكيد كان تعيين السادات نائبًا أوحد ضمن تلك التراجعات التكتيكية لعبد الناصر بعد هزيمة 1967 ويعد القرار الأكثر خطورة وتأثيرًا في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في تاريخ مصر منذ ثورة يوليو حتى الآن، وهو ما سنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل.
في كتابه(عرفت السادات)، يقول الدكتور محمود جامع إن السادات حاول تحقيق مصالحة تاريخية مع الإخوان المسلمين (نهاية الستينيات)، وأبلغني أنه أخبر عبد الناصر بما سوف يقوم به من اتصالات. ويضيف الدكتور جامع: “كانت الاجتماعات تستمر في منزلي إلى الواحدة صباحًا، تقريبًا، وكان السادات يحضر بسيارة عبد الناصر، وقد كانت السيارة الوحيدة، وقتها، المزودة بتليفون ولاسلكي من الخارج يميزها. كان عبد الناصر في زيارة للسودان، وكان السادات يستخدم سيارته حتى يمكن الاتصال به في أي وقت،لأنه كان رئيس الجمهورية بالإنابة. وقد تصادف أن مر من أمام منزلي اللواء إبراهيم حليم، مفتش مباحث أمن الدولة، ولاحظ وجود سيارة رئيس الجمهورية، فسأل وعرف أنها هي فعلًا، وسارع يكلف الرائد حامد محمد أحمد بمراقبة منزلي، ومعرفة ما يدور بداخله، بعد أن عرف أن السادات يجتمع عندي، كل ليلة، بعدد من الرموز والقوى السياسية. ثم ذهب إبراهيم حليم، وأخبر اللواء شعراوي جمعة وزير الداخلية الذي غضب كثيرًا، وقال ما معناه كيف أنه وزير داخلية ولا يعرف تحركات ولا خط سير رئيس الجمهورية بالإنابة؟”. ويمكن أن نستكمل شهادة الدكتور جامع من خلال ما كتبه اللواء فؤاد علام، في كتابه (الإخوان وأنا) حيث يؤكد علام:”أن هذه الاتصالات السرية مازالت لغزًا غامضًا حتى الآن، رغم أن من صنعوها وشاركوا فيها مازال بعضهم على قيد الحياة.. لكنهم يرفضون الحديث عنها أو كشف أسرارها، ويؤثرون السلامة. ويضيف علام أنه أثناء المتابعة الدقيقة والقلقة لمنزل محمود جامع، حضرت سيارة ملاكي يقودها سائق وشخص يجلس في المقعد الخلفي، نزل ودخل مباشرة إلى البيت.. كانت مفاجأة مذهلة بالنسبة لنا.. إنه السيد أنور السادات النائب الأول لرئيس الجمهورية. استمر اللقاء قرابة ساعتين، ولم نعلم شيئًا مما دار فيه، لأن منزل الدكتور جامع لم تكن فيه أجهزة تسجيل أو تنصت..والغريب أن اللقاءات السرية تكررت بنفس الأشخاص، ونفس السيناريو ثلاث مرات في غضون أسبوعين.. ثم مرة رابعة في منزل السادات بميت أبو الكوم. ويضيف علام: شرعنا في اختراق هذه التجمعات وتسجيل تلك اللقاءات الغريبة.. ولكن كان قرار شعراوي جمعة وزير الداخلية في ذلك الوقت، هو أن نتابع ونرصد عن بعد ونحدد أسماء كل العناصر التي تحضر الاجتماعات، وشدد على عدم اختراق هذه الاجتماعات إلا بتعليمات مباشرة منه. وكانت المفاجأة أن الاجتماعات توقفت بعد إخطار شعراوي، ولم نرصد أية اتصالات أخرى بين أفراد هذه المجموعة أو بينهم وبين السادات.. وضاع منا الخيط الثمين الذي كنا بدأنا نجذبه”. ويؤكد علام: أنه التقى بالدكتور محمود جامع بعد ذلك بسنوات، وسأله عن هذه اللقاءات.. وعلم منه أنه تقرر إيقافها فورًا بعد أن وصلته رسالة من شعراوي جمعة بإيقاف هذه الاتصالات، وإلا فسيعرض الأمر على الرئيس عبد الناصر.. وأضاف علام: أنه لا يعلم دقة هذه الرواية، مشيرًا إلى أن الدكتور جامع وحده هو من يتحمل مسئوليتها، وهو على قيد الحياة حتى الآن. ولفت علام إلى أنه فهم من جامع أن الهدف من هذه الاجتماعات كان محاولة السادات استقطاب الإخوان المسلمين وربطهم به، تحت شعار الوحدة الوطنية في تلك الفترة، سعيًا نحو تجميع جميع القوى السياسية في جبهة واحدة استعدادًا للمعركة!!.. ويعلن علام عن اندهاشه مؤكدًا أنه لا يعرف حتى الآن كيف أُبلغت للدكتور جامع رسالة شعراوي جمعة، ولا من الذي قام بتوصيلها.. مضيفًا أن اللقاءات كانت على درجة عالية من الأهمية والسرية، لأنها كانت تُعقد أثناء الليل وتحضرها القيادات الإخوانية المهمة مثل عباس السيسي أحد القيادات في الغربية.. وكان السادات يأتى بدون حراسة وبسيارته الخاصة حتى لا يلفت الأنظار.
بعد هزيمة 1967 وكشفها عن ضعف المعلومات لدى صانع القرار المصري، والتأكد من مشاركة الأمريكان لإسرائيل في حرب 1967م وخاصة في الضربة الجوية كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. وردًا على عملية التجسس الكبيرة والشهيرة للصحفي المصري (مصطفى أمين) التي أدارها عميل المخابرات الأمريكية (بروس أوديل)، واستطاعت اختراق السلطة السياسية المصرية بالكامل، بما فيها بعض الشخصيات العامة المعتبرة القريبة جدًا من السلطة السياسية، حيث كانت المعلومات التي تسربت نتيجة لهذه العملية خطيرة جدًا على الأمن القومي المصري، وأرهقت هذه العملية جمال عبد الناصر كثيرا.وقد صدرت هذه العملية في التاريخ الرسمي لوكاولة المخابرات الأمريكية، ونشرت في صدد العلاقة بين الخارجية الأمريكية وبين وكالة المخابرات المركزية الأمركية، وكان مصطفى أمين في هذا الوقت رئيس صحيفة أخبار اليوم وهو صاحب أخبار اليوم السابق، وحتى بعد تنظيم قانونالصحافة ظل له نفوذ كبير للغاية داخل الجريدة، وكان لديه من 70 – 80 محرر صحفي يكتبون له تقارير يومية سواء للعلم أو للنشر حسب التقاليد الصحفية، وكان على اتصال مباشر بعبد الناصر حيث كان يتصل به مرة أو مرتين كل شهر، عدا اتصاله بجميع المستويات السياسية وغيرها. ولذا أطلقت وكاولة المخابرات الأمريكية على العميل بروس أوديل: “العميل المستهتر”، لأنه استهتر وكشف مصدرًا مهمًا لم يكن هناك ما يقضي أو يسمحإطلاقًا بكشفه. ونتيجة لهذه الأسباب كان قرار عبد الناصر الشجاع والجريء للغاية باختراق السفارة الأمريكية بالقاهرة، ووضع أربع سماعات في أماكن هامة بالسفارة، وكانتالعملية كنزًا من المعلومات لا ينتهي، تمكنت القيادة المصرية من خلالها معرفة سيل من المعلومات بشكل يومي عن أدق تفاصيل الاتجهات والسياسات والتحركات الأمريكية وبعض الأسرار الإسرائيلية وغيرها. وقد سُميت (بالعملية عصفور)،وكان رد عبد الناصر على قلق رفيقه الصحفي محمد حسنين هيكل من أن يؤثر ذلك على العلاقات الهشة أصلًا مع الولايات المتحدة كالآتي: “إنهم لم يراعوا معنا شيئًا ونحن لا نراعي معهم شيئًا إذا كنا نستطيع أو نقدر”. وكان من ضمن تلك التسجيلات الصوتية تسجيل بصوتيلمديرة مكتب السفير الأمريكي في إسرائيل (ماري)، تقول فيه أن القيادة السياسية الإسرائيلية قررت بشكل قاطع ونهائي قتل عبد الناصر بعد فشل كل المحاولات السياسية والعسكرية (حرب 1967) في إبعادة من المشهد.وهذا نص حوار هيكل لقناة الجزيرة طبقًا لتقارير تسجلات العملية عصفور في 30 نوفمبر 1969: “وبينما كان الحديث يدور داخل السفارة الأمريكية بالقاهربين السفير الأميركي في إسرائيل والوزير المفوض الأميركي في تل أبيب بيتكلم على جمال عبد الناصر مباشرة وجمال عبد الناصر بيسمع هذا مسجلًا في شريط وهو يكتب ما يسمع بخط يده في وقته وفي حضور مدير المخابرات ومسؤول من الأمن القومي، وذلك عن جدوى التخلص من عبد الناصر. هنا تدخلت عضوة موجودة (مديرة مكتب السفير الأميركي في إسرائيل) إسمها ماري بتقول بالحرف: السيدة -تقصد غولدا مائير- ودايان وألون وياريف اتفقوا على أن بقاء إسرائيل رهن بالقضاء على عبد الناصر، they will get him، سوف يصلون إليه بالسم أو بالمرض،ولم يجيء عشرة شهور بعدها وجمال عبد الناصر في رحاب الله”. هذه الوفاة المبكرة المفاجئة لعبد الناصر أثارت العديد من الاستغراب والتكهنات بل والظنون في اغتياله، وقد صدرت هذه الظنون والخواطر والاتهامات عن شخصيات معتبرة وذات مصداقية عالية، وتلقى تقدير واحترام لدى الجميع حتى المختلفين معهم، ولكن تظل هذه الاتهامات رغم وجاهة دوافها ومبرراتها وسياقاتها التاريخية والسياسية المتسقة مع توجه لقوى دولية متنفذة لاغتيال عبد الناصر إلا أنها تنقصها الدلائل المادية القاطعة والتي قد تسفر عنها الأيام القادمة. وكان عبد الناصر بعد عودته من موسكو صيف عام 1970قد أخبر السادات أن يرتاح في منزله لبعض الوقت، ولم يؤيد هذا الإيقاف أي طلب رسمي أو قرار من قبل عبد الناصر، حيث ظل السادات طوال الأشهرالتي توقف فيها عن عمله عضوًا في اللجنة التنفيذية العليا للاتجاد الاشتراكي ونائبًا لرئيس الجمهورية، وحسب ما ورد في كتاب الدكتور غالي شكري (الثورة المضادة في مصر) أن أكثر ما أُشيع وقتها عن سبب الإيقاف كانسوء استخدام زوجة السادات للسلطة. ونظرًا للظروف التي كانت تمر بها مصر منذ هزيمة 1967، كان لا بد من توجيه بعض الرسائل التي تؤكد استقرار الأوضاع بمصر، واحترام الشرعية الدستورية، لذا تم استدعاء السادات بصفته نائب رئيس الجمهورية،لكي يلقي بذيع نبأ رحيل الزعيم جمال عبد الناصر.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك