الثلاثاء - الموافق 25 يونيو 2019م

(24) هزيمة1967 “الخيارات التاريخية – وشبح الوهابية 2-2”.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

أكدت التداعيات أن هزيمة يونية 1967 كانت بداية تراجع المشروع العربي الوحدوي بمفهومه التقليدي، ومحطة تحول في مسار التطورات السياسية والعسكرية والفكرية في العالم العربي. حيث كانت حركة القوميين العرب أهم الحركات السياسية التي ظهرت نتاجًا لنكبة 1948، وزاد حراكها مع التأثر بثورةيوليةفي مصر وخطابها العروبي. تأسست الحركة عام 1951 على يد الفلسطينيين جورج حبش ووديع حداد وصالح شبل، والعراقي حامد جبوري، والكويتي أحمد الخطيب، الذين كانوا يدرسون في الجامعة الأمريكية في بيروت، وجمعهم مبدأ أساسي قامت عليه الحركة هو فكرة الوحدة العربية من أجل تحرير فلسطين، واتخذت الكفاح المسلح سبيلًا لها منذ مؤتمر إعلانها الأول. ثم تمددت الحركة لتجد لها مريدين ومنتظمين في عديد من الأقطار العربية.وأتت هزيمة 1967 لتكون بمثابة تحد جماعي للقوميين والتنظيمات القومية العربية. كانت الأجواء في ذلك الحين في معظم أنحاء العالم العربي معبأة بالروح العروبية، ومليئة بالغضب تجاه ما يجري على ساحة المعركة. يذكر أحمد الديين، عضو التيار التقدمي الكويتي وأحد مؤسسي حزب اتحاد الشعب في الكويت عام 1975، لصحيفة (منشور) الكويتية في الخامس من يونية 2017أن أيام الحرب شهدت مظاهرات عديدة في الكويت للتضامن مع الجيوش العربية المقاتلة، ونظم نادي الاستقلال الكويتي، وهو أحد الأندية الثقافية التي أُغلقت لأسباب سياسية، مهرجانًا خطابيًا حول استقالة عبد الناصر، وتظاهر المئات ضد التنحي، وباتوا معتصمين أمام السفارة المصرية حتى عاد ناصر عن قراره، باعتبار استمراره استمرارًا للمقاومة،ويضيف أحمد الديين: “لم تغير الهزيمة من قناعاتنا وإيماننا بالمشروع القومي أبدًا. كان الناس متحلقين حول الراديو، يتابعون أخبار الحرب وكل آمالهم متعلقة بعبد الناصر”.وعبرت (فوزية مطر) الكاتبة البحرينية وعضو المنبر التقدمي البحريني عن تلك اللحظات لصحيفة (منشور) بقولها:”مدت النكسة أصابعها لتخترق كل الصدور التي آمنت بالقومية، وتزرع فيها الحزن والإحباط… كانت مظاهرات البحرين حزينة”. لكن لم يكن الحزن والإحباط هما الحالة الوحيدة التي عمت بقاع الخليج إثر الهزيمة، فقد شهدت فترة ما بعد النكسة تحولات فكرية وجنوحًا أكثر نحو الثورية والمطالبة بالصمود.يفصل في ذلك أحمد الديين بقوله:”… واجهت حركة القوميين العرب مراجعات فكرية وطرحت ما يسمى باسم (أطروحات يونية 1967)، التي رأت أن مشكلة النكسة تكمن في البرجوازية (الطبقة التي تملك رؤوس الأموال) ودورها السلبي في حركة التحرر، وأن الحل هو تبني الفكر الماركسي والاشتراكية العلمية التي تتخذ موقفًا مضادًا للبرجوازية على عكس الفكر القومي. حدث ذلك مع مكتب القوميين العرب في لبنان، بينما رفض مكتب الحركة في الكويت هذه الأطروحات وقرر الاستمرار على نفس الخط، بقيادة الدكتور أحمد الخطيب أهم القادة السياسيين هناك”. ويقول الديين: “لهذا انشققت عن الحركة وقتها”. يراجع الدكتور أحمد الخطيب تلك المرحلة فكريًا، فيقول:”إن الحركةلم تمتلك في ذلك الوقت أي مشروع بناء لهذه الأمة، حتى شعاراتها لم تتعد كونها شعارات فقط، فلم يكن هناك مشروع وحدوي مع أن الوحدة كانت من أولوياتها، ولم يكن هناك مشروع بناء للدولة يلبي طموحات مجتمعاتنا، ولا مشروع عادل يحل مشكلة الأقليات المتعددة في أرجاء الوطن العربي، ويقضي على الفروق العنصرية والطائفية التي غذاها المستعمر سنين عديدة في سياسته (فرق تسد)”. وبذلك واجهت حركة القوميين العرب انقسامات شديدة إثر النكسة. ويحدثنا أحمدالديينعما وقع قبل الحرب بثلاثة أيام في الكويت،كان الديين في ذلك الوقت شابًا يبلغ سبعة عشر عامًا، قادته حماسته القومية إلى الاحتشاد مع مجموعة من المتضامنين في مدرسة المباركية، أول مدرسة نظامية في الكويت، في وقفة للتضامن مع الشعبين السوري والمصري إثر التصعيد السياسي مع الكيان الصهيوني. سارت المظاهرة يقودها خالد الوسمي، الذي أصبح فيما بعد عضوًا في البرلمان الكويتي، تردد: “أخي في الكويت .. دمر أنابيب الزيت، أخي في الحجاز .. دمر أنابيب الغاز”، في مطالبة بمقاطعة الدول الداعمة لإسرائيل. ويتذكر عبد النبي العكري، الناشط البحريني اليساري ورئيس جمعية الشفافية البحرينية، أنه كان وقت الحرب طالبًا في الجامعة الأمريكية في بيروت ومنتميًا لحركة القوميين العرب. يقول العكري لـ«منشور»: “مثل غيري، كنت مخدوعًا بحقيقة طبيعة نظامي البعث وعبد الناصر المهترئين كما كشفت الحرب، كنا نصدق ونبتهج بالبيانات الكاذبة بأن الجيشين المصري والسوري في طريقهما إلى تل أبيب، حتى انكشفت الحقيقة بإعلان عبد الناصر الشجاع للهزيمة والتنحي”. أما فوزية مطرفتحكي كيف أنها كانت تدرس في كلية بيروت للبنات في لبنان، وكيف تحلق الجميع حول الراديو للاستماع إلى الانتصارات المزعومة. كانت الإذاعات الغربية تتحدث عن الهزيمة وإذاعة صوت العرب تتحدث عن النصر، ونحن فضلنا النصر!!. وتضيف: “كنت في بيروت خلال الحرب، لكني سمعت كثيرًا عن مظاهرات صاخبة خرجت في البحرين للتضامن مع القوات العربية، شارك فيها عديد من النساء”.لم يكن وقع الهزيمة سهلًا على القوميين وعلى الشعوب العربية، التي تلقت أخبارًا كاذبة عن انتصار الجيش المصري على الراديو في حين كان يُمنى في الواقع بهزيمة ساحقة، العيون التي نظرت إلى عبد الناصر بأمل وشغف امتلأت بالغضب والدموع. يصف المناضل السعودي محمد سعيد طيب تلقيه خبر الهزيمة قائلًا: “لا أريد أن أقول إنني بكيت، لو كان هناك تعبير أعظم لاستخدمته. من وقتها بدأ الشيب يدب في رأسي، الأصدقاء يظنون أن الشيب يعود إلى السجون والمعتقلات، والحقيقة أنه من آثار نكسة 67”. كان الراديو، بحسب طيب، مصدر الأخبار الوحيد في وقت لم يعرف الخليج سوى القناة السعودية: “بين السادس والتاسع من يونية كانت الإذاعات الغربية تتحدث عن الهزيمة وإذاعة صوت العرب تتحدث عن النصر، ونحن فضلنا النصر!!”. أما الباحث الفلسطيني يوسف حجازي المكنى بـ (أبي لؤي) والذي يقطن في قطاع غزة، عايش نكبة فلسطين وعمره خمس سنوات، وذاق مرارة الهزيمة في نكسة 1967 حين كان عمره تسعة وعشرين عاماً، يروي (لجريدة العرب) ما عايشه أثناء تلك النكسة،قبل خمسين عاماً لم يكن أبو لؤي يتخيل أن الدولة العبرية الناشئة المكونة من ستمائة وخمسين ألف صهيوني يمكنهم هزيمة سبعة وأربعين مليون عربي في خمسة أيام، أو تتمكن إسرائيل من القتال على امتداد جبهة طولها أكثر من ألف كيلو متر. ويتذكر أبو لؤي الذي انضم إلى (قوات العاصفة) الجناح العسكري الأول لحركة فتح، تباهي الجيوش العربية بقدراتها العسكرية من خلال دعاية مخادعة قبل حرب الخامس من يونية،الأمر الذي دفعه ليعتقد أن “الجيوش العربية سوف تهزم إسرائيل، وكان الأمل كبيرًا جدًا خصوصًا في ظل دعاية عربية تضخم من قدرات الجيوش العربية التي تضم صواريخ القاهر والظافر اللذين سمعنا عنهما فقط، ولم نراهما، ولكن للأسف الشديد فجعنا بالهزيمة”. وعن الضربة الأولى في حرب 1967، وصف ما حدث بحق الطيران المصري بأنه أشبه بالمجزرة، قائلًا: “حلقت الطائرات الإسرائيلية لقصف مطارات مصر التي لم تتحرك طائراتها في مدرجاتها، فكانت ضربة مباغتة، أو مؤامرة متكاملة، فحتى مدفعية الطيران المصرية والمضادات الجوية لم تعمل ولم تتصد لذلك”. وأضاف: “الطيران المصري دُمر في دقائق، والجيش السوري استمر في القتال، ولكن إسرائيل نقلت كل إمكاناتها وحشودها العسكرية إلى الجبهة السورية، وصمدت كثيرًا، لكن القتال انتهى، وكانت الهزيمة للعرب بعد انهيار الجيش المصري، والأردني، وأخيرًا السوري”. ويرى أبو لؤي أن من أخطر نتائج النكسة هو سيطرة إسرائيل على الشعور العربي، وهيمنتها على الحياة السياسية، والثقافية، والاجتماعية. واعتبر أن خروج مركز الثورة إلى خارج فلسطين بعد حرب الخامس من يونية كان أمرًا كارثيًا على المشروع الوطني، مؤكدًا أنه كان ضروريًا أن يرتكز العمل النضالي داخل حدود فلسطين. وكانت النكبة الحقيقية للمؤمنين بالقومية بالوفاة المبكرة لعبد الناصر. حيث لا يمكن التغافل عن كون عبد الناصر كان قائدًا قوميًا ملهمًا للعرب، قائدًا وجدوا فيه داعمًا للتحرر في فترة لم تبق فيها بقعة عربية إلا وطأها مستعمر، داعيًا للوحدة بين الدول العربية ومناصرًا للطبقات الفقيرة، فغفروا له كل أخطائه في سبيل تحقيق الحلم العربي بالوحدة.
يقول أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد (فواز جرجس) الذي ألف العديد من الكتب حول العالم العربي:”إن هزيمة العرب في حرب يونية 1967 التي تلتها وفاة جمال عبد الناصر عام 1970 شكلت الضربة القاضية التي أنهت القومية العربية”.وأضاف: “لسنوات عاش العرب في ظل أحلام المجد الثقافي والقوة والوحدة، ولكن هزيمتهم في غضون ساعات قليلة على يد الدولة العبرية الناشئة أدتإلى انهيار الأسطورة المؤسسة للقومية العربية وإحراج الوصي عليها(الزعيم المصري جمال عبد الناصر) الأمر الذي أدى إلىتبديد الوعد بمستقبل مشرق”. ويقول المؤرخ والصحفي الفرنسي(دومينيك فيدال) الذي ألف العديد من الكتب عن الصراع العربي-الإسرائيلي: “اعتمد الفلسطينيون لوقت طويل على إخوتهم العرب من أجل تحرير وطنهم”. وبحسب فيدال فإن: “هذا الوهم تبدد مع الهزيمة الساحقة التي لحقت بالجيوش العربية في يونية 1967، وعلى العكس قام بتعزيز مشاركة الفدائيين في الكفاح المسلح الذي قامت حركة فتح بقيادة ياسر عرفات بإطلاقه في عام 1965″، واحتلت إسرائيل الضفة الغربية التي كانت خاضعة لسيطرة المملكة الأردنية، وقطاع غزة الذي كان تحت السيادة المصرية، وجعلت الحركات الفلسطينية من الأردن قاعدة لعملياتها.وبحسب فيدال، فإن الانتصار الذي حققه الفلسطينيون على الجيش الإسرائيلي في معركة الكرامة في الأردن في العشرين من مارس 1968 “يرمز إلى مسار جديد”.وبدأ الفلسطينيون رويدًا رويدًا التخلص من وصاية الأنظمة العربية ليقوموا في عام 1969 بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشأتها في الأصل جامعة الدول العربية، ودخل الفدائيون الفلسطينيون في صراع مع المملكة الأردنية واضطروا لمغادرتها بعد معارك سبتمبر 1970. وجعلوا بعدها من لبنان قاعدتهم الرئيسية قبل أن تطردهم إسرائيل منه في عام 1982.ويقول فواز جرجس:”إن تغييرًا في موازين القوى” في العالم العربي حصل مع “أفول نجم القومية العربية التي جسدها عبد الناصر والتي رافقها صعود قوة المملكة العربية السعودية والبترودولار”. ويشدد فيدال على أن صعود الإسلاميين كان أحد أهم نتئجفشل الأنظمة التقدمية. وتابع “استغل الإسلاميون المتطرفون هذا الفشل لترسيخ قاعدتهم”. كما رأت صحيفة (ديلي تلجراف) البريطانية إن إسرائيل كانت على شفا الانقراض منذ خمسين عامًا، إذ كانت في حصار مستمر، وتحيط بها الدول العربية متحدة في قضية واحدة: “تدمير الدولة اليهودية”. وأضافت الصحيفة، في تقرير لها، أن جيران إسرائيل كانوا يمتلكون جنودًا وأسلحة ودعم أكثر منها، وكانت الولايات المتحدة صديق فاتر ورفضت بيع الأسلحة لها بعد تورطها في أزمة السويس في عام 1956. ومن ناحية أخرى، قام السوفيت بتسليح حلفائهم العرب بمليارات الدولارات من الأسلحة. واستدركت الصحيفة: “لكن كل ذلك تغير مع حرب الأيام الستة (حرب 1967) التي بدأت قبل خمسين عاما”. واعتبرت الصحيفة أن هذا الانتصار العسكري أحدث ثورة في السياسة في الشرق الأوسط، وأعطى الإسرائيليين، لأول مرة، الإحساس بأنه بعد اثنتي وعشرين عامًا من إبادة أوشفيتز (الهولوكست)، لن يتم تدميرهم، لكن ضمن ذلك النجاح السريع والمذهل كان هناك إرث يسمم الشرق الأوسط حتى يومنا هذا ألا وهو (الاحتلال). ومن جانبها قالت صحيفة (تايمز أوف إسرائيل) الإسرائيلية في تقرير لها عن توفيق أكليمندوس، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية في مصر، قوله: “إن الدور المصري تراجع بشكل كبير بعد هزيمة عام 1967، الأمر الذي وجه ضربة كبيرة للمشروع العربي”.وأوضحت الصحيفة أن النكسة جعلت نبرة مصر تتحول من استعادة الأراضي الفلسطينية إلى استعادة سيناء، وهو ما تسبب في خسارة القضية الفلسطينية لعامل هام.أما صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية فنشرت تقريرًا يقول إنه في عشية الحرب العربية الإسرائيلية، قبل خمسين عامًا، تسابق المسؤولون الإسرائيليون لتجميع قنبلة نووية ووضعوا خطة لتفجيرها فوق جبل في شبه جزيرة سيناء كتحذير للقوات المصرية والعربية، وفقًا لمقابلة مع منظم رئيسي لتلك الخطة. وأضافت الصحيفة أن خطة الطوارئ السرية التي أطلق عليها العميد الإسرائيلي المتقاعد إسحاق ياكوف(عملية يوم القيامة) كان سيتم الاعتماد عليها إذا شعرت إسرائيل بأنها ستخسر حرب 1967. وبحسب ما نقلته الصحيفة على لسان ياكوف، رأى مسؤولون إسرائيليون آنذاك أن التفجير كان سيؤدي إلى ترويع مصر والدول العربية المجاورة سوريا والعراق والأردن، وإجبارها على التراجع. وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل انتصرت في الحرب بسرعة كبيرة بحيث لم يتم نقل القنبلة النووية إلى سيناء أبدًا. إلا أن ما قاله ياكوف يلقي ضوءً جديدًا على الحرب التي شكلت معالم الصراع في الشرق الأوسط الحديث، ويكشف عن كيفية تفكير إسرائيل بشكل مبكر في استخدام ترسانتها النووية للحفاظ على نفسها.
من رحم الهزيمة انتزع عبدالناصر في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم اللاءات الثلاث: “لا للصلح، لا للمفاوضات، لا للاعتراف”، معلنًا العمل على محو آثار الهزيمة والصمود على المستوى السياسي في مقابل الهزيمة على المستوى العسكري. حيث كان مشهد استقبال عبد الناصر في الخرطوم اسطوريًاومزهلًا للغاية، حتى أن موكب الملك فيصل الذي كان يسير خلفه تعطل بسبب تلال الجبال البشرية المتحركة خلف ناصر، كما بدأ التجاوز في حق الملك فيصل بهتافات الجماهير السودانية المتبقية على جانبي الطريقمثل: ” ورا جمال يا فيصل” و “من لا يمشي وراء ناصر خائن”… وغيره. كانت المرة الأولى في التاريخ التي ترحب فيها الجماهير بالقائد المهزوم، فكان بمثابة استفتاء عربي على زعامة عبد الناصر.تطوعت فيه الدول البترولية العربية في قمة الخرطوم بتقديم مساعدات مالية للدول المتضررة من العدوان الإسرائيلي لمساعدتها على تعويض خسائرها والاستعداد لمحاربة العدو، وقد بلغت المساعدة المالية لمصر وحدها مائة وخمسة وثلاثين مليون جنيه استرليني سنويًا. وعلى الجانب الآخر كان المؤتمر ترجيح لوجهة نظر الكويت المعبرة عن دول الخليج، والتي كانت متعارضة مع وجهة نظر سوريا والجزائر الذي تمثل في ضرورة وقف ضخ البترول (ولو لمدة ثلاثة أشهر) عن الدول الداعمة لإسرائيل حتى تمتنع عن ذلك، وكذلك اعتماد الحرب الشعبية أي حرب العصابات فورًا مع العدو الصهيوني. كما كان منظراستقبال ناصر حاضر في مؤتمر الخرطوم حيث تم اللقاء الأول بين ناصر والملك فيصل وتم في هذا الاجتماع الاتفاق على فض الاشتباك في اليمن.وحسبما نشره الجنرال الجزائري خالد نزار كان الدعم الجزائري لمصر من المال والعدد والعدة بين 1967 و1975، هبة مقدارها ثلاثمائة مليون دولار وشيكًا لتمويل مشتريات من الأسلحة السوفياتية و20 ألف مقاتل ومئات الدبابات والسيارات المصفحة ورباعية الدفع والمدافع وعشرات الطائرات القتالية، وقد تم التنازل عن جزء معتبر من هذا العتاد للجيش المصريوفي مجال تعويض الخسائر في السلاح في حرب ١٩٦٧. اتجه عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتي لإقناع القادة السوفيت (ليونيربريجينيف، وكوسيجين) بضرورة تلبية طلبات مصر من السلاح لا لمجرد الدفاع عن أراضيها فحسب بل أيضًا قوة تجبر العدو على الانسحاب من الأراضي التي احتلها في 1967 وبعد هذه الزيارة بدأت شحنات الأسلحة السوفيتية ينتظم وصولها لمصر. وقد وضع (الفريق عبد المنعم رياض) رئيس أركان الحرب المصرية، خطة العمل الرسمية على الجبهة في هذه الفترة (فترة حرب الاستنزاف) كما شارك فيها عدد من الخبراء السوفيت الملحقين بالقوات المسلحة المصرية. وكانت هذه الحرب جزءً من استراتيجية جمال عبد الناصر، والتى شملت ثلاث مراحل،وهي الدفاع بصورة مستمرة لمقاومة أي مبادرة عسكرية إسرائيلية هجومية واتخاذ إجراءات استباقية ضدها، والردع كخطوة هجوم قوية ضد إسرائيل لردع الأعمال الإسرائيلية، وذلك تمهيدًا للمرحلة النهائية وهي اقتحام القناة واسترداد سيناء. ومن ضمن هذه الخطة عمليات عبور للحدود لأفراد مسلحين من القوات المصرية، تدخل إلى المواقع، وتواجه تحصيناتها، وتشتبك مع قوات العدو وتتعرض لدورياته.
كانت معركة رأس العش أولى المعارك التي أظهرت فيها القوات المصرية قدرة فائقة على المقاومة والصمود أمام قوات أكثر منها عدة وعددًا، فعقب انتهاء حرب الخامس من يونيه ١٩٦٧ واحتلال العدو لشبه جزيرة سيناء عدا جزء صغير من الأرض شرق وجنوب مدينة بورفؤاد تمركزت فيه وحدات صغيرة من الصاعقة والمشاة،قام العدو بسلسلة هجمات للقضاء على الموقع المتبقي من جزيرة سيناء بيد القوات المصرية في الأول من يوليه ١٩٦٧ لكن كل هجماته البرية والجوية باءت بالفشل للدفاع الصعب والشرس الذي بذله المدافعون، مما كبد القوات الإسرائيلية خسائر باهظة في الآليات والأفراد،وبقي هذا الموقع صامدًا طوال فترة حرب الاستنزاف وحتى تحرير سيناء في أكتوبر 1973. ثم كانت معركة بورتوفيقفي العاشرمن يوليه ١٩٦٧ حيث أصدرت القيادة العسكرية أمرًا للكتيبة (٤٣ – صاعقة) بالتسلل ليلًا إلى منطقة بورتوفيق حيث يُعتبر هذا الموقع المحتل منطقة حساسة وهامة ومصدر تهديد مباشر لقواتنا ومنشآتنا النفطية،وتمكنت الكتيبة ٤٣ من التسلل لمواقع العدو الحصينة حيث دمرتها تدميرًا كاملاً وعادت دون أي خسائر تُذكر،وكانت هذه المعركة فاتحة معارك لقوات الجيش الثالث الميداني والتي توالت بنجاح بعد ذلك.وفي التاسع من مارس ١٩٦٩ استشهد الفريق عبد المنعم رياض في إحدى معارك المدفعية في أكثر المواقع تقدمًا على خطوط الجبهة. وفي الأيام الأخيرة من شهر إبريل ١٩٦٩ كانت الجبهة بطول مائة وخمسة وعشرين كيلو مترًا من رأس العش في الشمال إلى خليج السويس في الجنوب مشتعلة بالنار، وقد نجحت قوات وصل حجم بعضها إلى مجموعة كتيبة تحت قيادة العقيد (إبراهيم الرفاعي) قائد العمليات الخاصة الصاعقة حتى منطقة (ممر متلا). وفي الرابع والعشرين منيولية١٩٦٩تم شن سلسلة غارات جوية ناجحة على المواقع الإسرائيلية في أم خشيب مركز قيادة العدو الأمامي. وفي الحادي عشر من سبتمبر ١٩٦٩قامت أكثر من مائة طائرة مقاتلة قاذفة مصرية بالإغارة وليوم كامل على المحور الشمالي لسيناء المحتلة من رمانة حتى مصفق والمحور الجنوبي في متلا والحيطان. وفي نوفمبر ١٩٦٩قامت هجمات منسقة للطيران المصري طوال شهر أكتوبر على منطقة الساحل الشمالي لسيناء حيث مراكز إيواء وتدريب وإعاشة وتشويش للعدو. وبداية عام ١٩٧٠ بدأ الطيران الحربي المصري في الإغارة على العمق للأراضي المحتلة في سيناء وكانت غاراته مركزة على منطقة ناحل يام غربي العريش. ومن الثامن عشر وحتى الثامن والعشرين من إبريل1970 شن الطيران المصري هجمات جوية ناجحة ولمدة أحد عشر يومًا على مواقع قيادة العدو في سيناء والتي شملت تدمير مواقع صواريخ الهوك ورادارات القوات الجوية ومناطق تجميع الدبابات. وفي الثلاثين منمايو ١٩٧٠ تمكنت صواريخ الدفاع الجوي غرب القناة من إسقاط طائرة استطلاع جوي الكتروني وعلى متنها اثنا عشر خبيرًا فنيًا إسرائيليًا قُتلوا جميعا. وفييولية١٩٧٠ تم وضع اللمسات الأخيرة على خطة عمليات القوات الجوية لتحرير سيناء والتي كانت جاهزة لتصديق القائد الأعلى للقوات المسلحة (جمال عبد الناصر) عليها. ومن الثلاثن من يونية حتى السادس منيولية١٩٧٠ اصطادت الصواريخ المصرية المضادة للطائرات أكثر من ثماني عشرة طائرة وأسرت خمسة طيارين أحياءً عدا عن إصابة أكثر من خمسين طائرة إصابات مختلفة. وترافق ذلك كله مع بطولات سلاح البحرية المصرية، فعندما اخترقت أكبر قطع الأسطول الإسرائيلي (المدمرة إيلات) المياه الإقليمية المصرية باتجاه بورسعيد في الحادي والعشرين من أكتوبر 1967، تم إصدار الأوامر للقوات البحرية بالتصدي للمدمرة وإغراقها،وتم تدمير المدمرة دون خسائر في زورقي الطوربيد المصريين الذين توليا المواجهة. ويذكر أن إغراق المدمرة أغرق معه مائتي وخمسين عسكري بحري إسرائيلي هو طاقم المدمرة. وأمام عجز القوات الإسرائيلية بالرد العسكري لجأت إلى ضرب وقصف الأهداف المدنية والاقتصادية ثأرًا لإغراق المدمرة إيلات فقصفت منشآت البترول في السويس مما جعل الحكومة المصرية تعمد إلى إخلاء سكان المدن الرئيسية من منطقة غرب قناة السويس (نحو مليون ونصف مواطن) إلى مناطق إعاشة داخل الجمهورية. وفي التاسع من سبتمبر ١٩٦٩ قامت مدمرتين بحريتين مصريتين بالإغارة من البحر على معسكرات رمانة والتي كانت مخصصة كمراكز للتدريب والراحة. كذلك قامت القوات البحرية بالإغارة على عمق مواقع العدو في سيناء بمنطقة المساعيد وعلى قصف ميناء نصراني في شرم الشيخ ومنطقة أبو رديس وسدر. واستطاعت القوات البحرية تقييد الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج العقبة. وفي منتصف عام ١٩٦٩ قامت القوات الخاصة المصرية بالتعاون مع فدائيين فلسطينيين في الأردن وقطاع غزة بالتخطيط لضرب مواقع العدو في المنطقة بين ميناء أسدود على البحر الأبيض وميناء إيلات على خليج العقبة مع التركيز على ميناء إيلات، واستطاعت هذه القوات التحرك من الساحل الشرقي لخليج العقبة بواسطة قوارب مطاطية باتجاه ميناء إيلات حيث تسللت إلى داخل الميناء واستطاعت هذه القوات تدمير منشآت الميناء البترولية، فضلًا عن تدمير ناقلات البترول والتي كانت راسية فيه وكذلك تدمير محطات الضخ البترولية وتدمير مواسير ضخ البترول في وادي عربة، كذلك تمت عمليات مماثلة عبر خليج السويس حتى حقل علما وفي سدر وأبو زنيمة والطور. وعندما قامت إسرائيل بالتعاقد مع شركة كندية لاستئجار حفار بحري ضخم أُطلق عليه اسم (كينتخ) لاستخراج بترول خليج السويس على الشاطئ الشرقي، تحرك الحفار بقاطرة هولندية من غرب أوروبا حيث رُصد في القنال الإنجليزي متجها إلى غرب إفريقيا في أوائل ١٩٧٠ تمهيدًا لدخوله البحر الأحمر،تمت دراسة الموقف بالنسبة للحفار ومدى استغلال إسرائيل لاستخراج بترول سيناء بأي وسيلة وبأكبر كمية وبسرعة، كما دُرس الموقف العسكري والموقف السياسي للدول التي سيمر عليها الحفار، وتمت موافقة عبد الناصر على ضرب الحفار قبل وصوله إلى مياه البحر الأحمر، فقامت مجموعة من الضفادع البشرية المصرية بتدمير الحفار في ميناء (ساحل العاج) ليلة الثامن من مارس ١٩٧٠ تدميرًا جعله غير صالح لاستكمال مهمته. وكان رأي القيادة المصرية أن الحل السلمي لا يجدي إن لم يصاحبه عمل عسكري يمثل ضغطًا حقيقيًا على إسرائيل. كما أن العمل الدبلوماسي للدول الأربع الكبرى، وفي مقدمتها القوتان الأعظم لم يجدتجاوبًا، وكذلك لم تسفر جهود السفير (جوناريارنج) الذي اختاره يوثانت سكرتير عام الأمم المتحدة سفيرًا له للاتصال بالأطراف المتنازعة عن نتيجة حاسمة.ونتيجة للزيارة التي قام بها عبد الناصر للاتحاد السوفيتي في يناير ١٩٧٠تمت الموافقة الكاملة على طلبات عبد الناصر، واتخذت القيادة السوفيتية قرارًا من أخطر قراراتها في عصر الحرب الباردة وذلك بالمشاركة المباشرة لأسراب الطيران السوفيتية في الحرب خارج حدود الاتحاد السوفيتي،حيث تمركزت في قواعد جديدة في قاعدة (جاناكليس) غرب الدلتا، وقاعدة بني سويف في قلب الصعيد.وبدأت بطاريات الصواريخ السوفيتية تأخذ موقعها على طول خط الجبهة، مما اضطر إسرائيل للتوقف عن غارات الصعيد. وقد قرر عبد الناصر تصعيد الهجمات على الجبهة إلى أقصى حد فبدأ بالتصدي للطائرات الإسرائيلية، وبدا ما وصفه (أنا أيبان) وزير خارجية إسرائيل (أسبوع تساقط الطائرات الإسرائيلية). وفي الثلاثين من مايو ١٩٧٠ اقتحمت قوة من الصاعقة المصرية موقعًا إسرائيليًا محصنًا شرقي القنطرة حيث احتفظت بالموقع ليوم كامل بعد قتل جميع عناصر العدو، وكمنت هذه القوة للدوريات الإسرائيلية واستطاعت إلحاق خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات، كماواجهت مجموعة الكوماندوس رتلًا إسرائيليًا مكونًا من أربع دبابات وأربع عربات نصف مجنزرة تحميه طائرتا ميراج،وتم تدمير الرتل الإسرائيلي بالكامل وسقوط عناصره جميعًا بين قتيل وجريح، واستطاعت مجموعة الكوماندوس اعتقال اثنين من جيش العدو تم نقلهم أحياء إلى القاهرة. وفي أوليولية١٩٧٠ زار عبد الناصر الإتحاد السوفيتي مرة أخرى، وقدم روجرز مبادرته التي تفضي بأن تحل الأزمة على أساس أن تتفق مصر وإسرائيل على جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضي الجمهورية العربية المحتلة منذ حرب يونية ١٩٦٧ لكن لم يقبل الطرف الإسرائيلي هذا الحل السلمي للمشكلة، مما أكسب مصر زخمًا سياسيًا نتيجة كسر الدعاية الصهيونية العالمية المكثفة القائلة بصلف وتعند القيادة السياسية المصرية، وهو ما توقعه عبد الناصر حسب رواية أغلب الذين عاصرا الحدث سواء السياسيين أو العسكريين أو الإعلاميين، حيث كانت موافقته على المبادرة مناورة سياسية ذكية وناجحة.
يبقى ما قاله العدوالإسرائيلي ممثلاً بأحد قادته العسكريين أبا إيبان أكبر مثال على حجم الهول والرعب الذي خلفته هذه الحرب في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.يقول أبا إيبان في سبتمبر ١٩٧٠ عن قصف المدفعية المصرية مع الغارات الجوية عبر قناة السويس:”كان يسبب خسائر قاسية في القتلى بمثل ما كان يتسبب لنا من خسائر في أي حرب، إن وقف إطلاق النار تم استقباله في إسرائيل بشعور الرضا حيث يتساوى مع لو كنا قد توصلنا إلى تسوية سلمية … إن نشرات الأخبار الحزينة تخبرنا باسماء الشبان القتلى في المعارك وإن خسائرنا في القوات والمعدات الثمينة (يقصد طائرات الفانتوم والسكاي هوك) قد جعلت حرب الاستنزاف غالية التكاليف لنا”. وبالمعني نفسه كتب العميد الإسرائيلي والمعلق الصحفي ماتي بيليه: “إن فشل الجيش الإسرائيلي من الناحية العسكرية في حرب الاستنزاف يمثل أول معركة يُهزم فيها في ساحة القتال منذ قيام إسرائيل لدرجة أننا في إسرائيل قبضنا على أول قشة أُلقيت لنا أي وقف إطلاق النار المؤقت”. وطبقًا للوثائق التي نشرتها صحيفة (يديعوت أحرونوت) عن أسرار حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر ضد القوات الإسرائيلية، في الفترة ما بين عامى 1969 و1970، وكذلك الخطط الإسرائيلية التي بلورها القادة الإسرائيليون بتل أبيب، للرد على إطلاق النيران المصرية بكثافة عام 1969، بمهاجمة خطوط الجيش المصرى وضرب مواقعه بالقرب من القاهرة وتدميرها، وكذلك مدن الدلتا والقناة وذلك لإحباط عبوره لقناة السويس.كما أوضحت أن القيادة الإسرائيلية لم تأخذ في الاعتبار خطر (الدب الروسي) وسلاحه الذي قلب الموازين لصالح الجيش المصرى فيما بعد. وأوضحت أن الخوف من القوات المسلحة المصرية وترقب عبورها لقناة السويس والوصول لعمق سيناء جعلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تخطط بكل الوسائل لإفشال أي خطة مصرية تهدف لعبور القناة، ولكنها لم تكن تعرف كيفية التعامل مع موسكو، على اعتبارها من أبرز مصدري الأسلحة وبطاريات الصواريخ لمصر وبعض دول الشرق الأوسط. وقالت إحدى الوثائق: إن المخابرات الإسرائيلية حصلت على معلومات تفيد بأن هناك تعاونًا غير معلن بين القاهرة وموسكو، مما جعل رئيسة الوزراء الإسرائيلية في تلك الفترة (جولدا مائير) تعقد اجتماعًا طارئًا بوزراء حكومتها وكبار قادة الجيش خلال حرب الاستنزاف، لبحث كيفية منع (الدب الروسي) من بيع السلاح للجيش المصري. وكان في يوم الثامن من مارس عام 1969، قامت مصر بفتح نيرانها المكثفة بإتجاه القواعد العسكرية الإسرائيلية المتمركزة في عمق سيناء، وعلى الضفة الغربية لقناة السويس. وأوضحت إحدى الوثائق تحت عنوان (الحرب المنسية)، أن المصريين أطلقوا حواليأربعين ألف قذيفة في هذا اليوم، حيث كان قصفًا لم تشهده إسرائيل من قبل منذ احتلالها سيناء في الخامس من يونية عام 1967 وذلك على طول مئة وعشرين كيلومترًا لقناة السويس. وأضافت الوثيقة أنه منذ هذا اليوم وطوال سبعة عشر شهرًا واصلت عمليات المصريين على طول القناة، وكذلك طالت الهجمات الإسرائيليين المقيمين على طول الحدود في منطقة (كريات شموناه) وحتى إيلات بصواريخ (الكاتيوشا) الروسية، موضحة أن سبعمائة وواحد وعشرين إسرائيليًا قُتلوا خلال تلك المعارك.ونشرت يديعوت مقتطفات من كتاب (خط المياه ورجال الإطفاء) للباحث الإسرائيلي العقيد احتياط (أبراهام زوهار) الذي عرض فيه تاريخ حروب الجيش الإسرائيلى حيث قال فيه: إن المناقشات الإسرائيلية التي دارت حول الأحداث الرئيسية لحرب الاستنزاف تطابقت بما جاء في كتاب (حروب إسرائيل) الصادر عن معهد بحوث الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي، والذي يكشف عن محاضر اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي ومنتدى هيئة الأركان العامة خلال حرب الاستنزاف التي جاء فيها تصميم الإسرائيليين على عمل هجومي ضد القاهرة يشل القوات المسلحة المصرية ويمنعاه من التخطيط لأي عملية عسكرية ضد إسرائيل لاسترداد شبه جزيرة سيناء. وأوضحت وثيقة أخرى أن مصر كانت مصدر قلق كبير أمام أعين صناع القرار في إسرائيل، وبالتالى عقدت جلسة طارئة فيالخامس والعشرين من ديسمبر 1969 كان الغرض الرئيسي منها منع الحرب إذا فشلت تل أبيب في تحقيق الهدوء على القناة، وذلك من خلال تعميق وتوسيع نطاق العمليات الجوية الإسرائيلية على أهداف عسكرية بالعمق المصري، وقال رئيس الأركان الإسرائيلي(حاييم بارليف) خلال الاجتماع: “إذا نجحنا في جلب الحرب داخل العمق المصري سيولد شعور لدى عامة الناس في مصر بالخوف وعدم خوض أي معركة ضد إسرائيل”، لكن الوثيقة أكدت أن إسرائيل لم تفهم في ذلك الوقت أن قصف عمق مصر سيحفز الدب الروسي ضدها. وفي يوم السابع منيناير عام 1970 نفذت تل أبيب الخطة التي وضعها بارليف بضرب العمق المصري، حيث نفذت طائرات مقاتلة من طراز (فانتوم) عدة عمليات حربية في عدد من المناطق العسكرية والمدنية بالقرب من القاهرة، وفي عدة مناطق بمدن الدلتا والقناة، وكان من أبرز تلك العمليات الجوية ضرب قاعدة عسكرية في جنوب القاهرة بمنطقة (وادي حوف) بحلوان كانت تعد من أهم مناطق تخزين الصواريخ، ومناطق تدريب جوية بمدينة (أنشاص) شمال شرق العاصمة المصرية، وكانت تُعد أيضا تلك المنطقة مقرًا للقوات الخاصة، بالإضافة لضرب معسكر بمنطقة “التل الكبير” بالإسماعيلية شرق الدلتا. وأضافت الوثيقة أن عمليات القوة العسكرية الإسرائيلية تواصلت بلا هوادة بشكل ملحوظ حتى يوم الثاني عشر من فبراير، حيث قامت طائرة (فانتوم) بقصف مخيم لعمال مدنيين بطريقة خاطئة، بسبب فشل أجهزة الملاحة بالطائرة، مما أدى لمقتل سبعين عاملًا ووقوع عشرات الجرحى المدنيين. وأشارت إحدى الوثائق إلى أن تقديرات جولدا مائير وتقييمات السلطات الأميريكية من التورط السوفياتي في النزاع بين مصر وإسرائيل كانت تقديرات خاطئة، حيث أوضح الأميريكيون أنه لا نستطيع أن نؤكد بالضبط دخول (الدب الكبير) في المعادلة العسكرية. ولم تتردد جولدا مائير في التعبير عن مخاوفها من مشاركة السلاح الروسي في القتال، أو أنها سوف ترسل طيارين لتدريب المصريين، قائلة: “أنا لا أخجل أن أقول إنني أخشى من الروس”. وكان هناك احتمال إسرائيلي من استجابة السوفيت لتقديم مساعدات عسكرية لمصر لمواجهة القصف الإسرائيلي الكبير، حيث تم اختباره مرارًا وتكرارًا خلال المناقشات التي جرت في هيئة الأركان العامة والحكومة الإسرائيلية موافقة الاتحاد السوفيتي إمداد مصر بصواريخ لمواجهة قنابل العمق الإسرائيلية، وفي الوقت الذي كانت تقيم فيه كل من إسرائيل والولايات المتحدة الموقف بموسكو، حدث فيالخامس من يناير 1970 جدل حاد في هيئة الأركان العامة، بعد أن أكد جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي أن الروس سيمدون مصر بصواريخ (أرض – جو) المتطورة من طراز (سام 3). وكان السؤال الهام الذي تداول بين القادرة الإسرائيليين هو هل سيمد الروس تلك الصواريخ المتطورة لمصر؟، وفي جلسة استماع بمقر قيادة الجيش الإسرائيلي بتل أبيب في مطلع شهر فبراير 1970 قدم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في هيئة الأركان العامة إنذارًا سوفيتيًا إلي إسرائيل جاء فيه: “سيكون من حق الدول العربية امتلاك وسيلة تمكنهم من صد الاعتداءات الإسرائيلية المتعجرفة ضد المدنيين بشكل صحيح”، وأوضح رئيس هيئة المخابرات الإسرائيلية أن هذا الأمر بحثه عبد الناصر خلال زيارته لموسكو، مضيفا أنه لا يمكن القول بالضبط ما إذا كان الروس سيوافقون على طلب عبد الناصر. كان ليل الثامن من أغسطس 1970 درامياً للغاية، وكان هذا اليوم قبل يوم من وقف إطلاق النار على الجانبين، وسرعان ما اتضح أن هدف مصر من الموافقة على وقف إطلاق النار هو التمويه لتعزيز نشر بطاريات الصواريخ الروسية على طول القناة على مسافة خمسين كيلومترًا من القناة. وأكدت الوثائق المصرية أن وقف إطلاق النار من جانب مصر جاء في سياق غش المصريين للإسرائيليين لاستئناف الحرب فيما بعد تحت رعاية مظلة الصواريخ الروسية التي بدأ تدشينها فيالعاشر من أغسطس 1970، وقالت هيئة الأركان العامة الإسرائيلية ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية: “إن الصور الفوتوغرافية التي التقطتها أميريكا عبر أقمارها الصناعية، أوضحت بأن مجموعة كبيرة من الصواريخ دشنها المصريون في الأمام، وبلغت من ست عشرة إلىثماني عشرة بطارية تحت قيادة وإشراف روسي كامل”. وأضاف رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية: “يبدو أن الأمر كان مخططاً له قبل وقت كاف للاستفادة من الوضع الهادئ بعد اتفاق وقف إطلاق النار”. وبذلك أثبتت حصيلة حرب الاستنزاف، والتي خرجت من رحم نكسة الخامس منيونيه ١٩٦٧ وحتى وقف إطلاق النار المؤقت ١٩٧٠، قدرة العسكري المصري بالتصميم على إزالة جو النكسة ومحوها،نظرًا لما خلفته من خسائر فادحة للجانب المحتل الإسرائيلي.لقد حولت مصر عبدالناصر نتائج الصمود إلى انتصارات عسكرية بعد إعادة تنظيم الجيش بدعم الاتحاد السوفياتي، كما أنهكت هذه الملحمة البطولية الأسطورية المجيدة العدو الصهيوني، ومهدت للانتصار في حرب أكتوبر عام 1973.
بينما كان المطلوب إجراء مراجعة نقدية تقضي بوضع الحدث في مداره التاريخي وممارسة النقد الذاتي والاعتماد على العلم والمعرفة وامتلاك وسائل التطور الحضاري وآلياته، انتشرت أدبيات الصدمة الحضارية، ثم أدبيات يسارية، وأخرى أيديولوجية علمانية أو دينية يحاسب كل منها الأنظمةَ من منطلقه، فنجد الاشتراكيين العلميين يتوصولون إلى أنه لو كان النظام يتبع الاشتراكية العلمية لما هُزم في الحرب. أما دعاة الديمقراطية، فلم يترددوا في الجزم أنه لو كانت الأنظمة العربية ديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان وتسمح بالمشاركة الشعبية في صنع القرار، لما وقعت الكارثة.وبالمثل ركز القوميون فقط على أن التآمر الخارجي سواء الإقليمي والدولي والتواطيء الداخلي هو ما أدى إلى الهزيمة. ورغم الجزم لدي كل طرف بمفهومه ورؤيته إلا أن جميع ما يقولون به يتكامل أغلب عناصره لرؤية المشهد كاملًا، ولكن ليس بشكل توفيقي لأن التوفيق في الفكر منالنقائص بل قد يصل إلى حد الخطايا (رغم استحسان ذلك في السياسة)، وإنما بنظرة شاملة تكاملية ونقدية وتتسم بالتقدمية أي الاتساق مع حركة التاريخ ومعطياته وسياقاته. لذلك نجد أن التركيز فقط على أن التآمر الخارجي والتواطيءالداخلي هو سبب الهزيمة، يبعدنا عن العقلانية والموضوعية والتجرد في التعامل مع هذا الحدث الهام والخطير. وكذلك لو تم التركيز على أن الإشتراكية العلمية بها كافة الحلول نكون أقرب إلى الأصولية الفكرية البغيضة والبعد عن المنهجية التي تتطلب تناول كل مشكلة على حدى بشكل عيني، ومن المفارقات أن المنهج الماركسي اعتمد على آليات ومنهج عقلي وجدلي وتاريخي ومادي بشكل كامل، إلا أننا تركنا الأساس وهو المنهج والآليات وتمسكنا بالمقولات والمأثورات والتراث النظري والعملي الذي يخص أصحابه وزمانهم وقد أصل لمراحل تاريحية عفى عليها الزمن رغم ما بها من مقاصد وقيم إنسانية نبيلة وقيمة. وكذلك فإن التركيز علىالديمقراطية بمفردها يوقعنا في أخطاء منهجية خطيرة،فعلى سبيل المثال نجد أن ألمانيا النازية هزمت دولًا ديمقراطية كثيرة خلال الحرب العالمية الثانية، فلم تصمد فرنسا الديمقراطية أمام ألمانيا النازية، في حين صمدت بريطانيا الديمقراطية وروسيا الشيوعية، وفيتنام لم تنتصر في مقاومتها العدوان الأميركي عليها بفضل الديمقراطية. لأن الحرب الحديثة في عصرنا لها مقومات قائمة بذاتها مثل التخطيط، والنجاعة، والتدريب، والانضباط، والتجهيز، والتسلح، والواقعية العسكرية، وتحديد العدو والأهداف بدقة، والجهد الاستخباراتي، وتكامل القرار السياسي والعسكري في أثناء الحرب… إلخ. وهذه المقومات يمكن أن تتوفر لدى اليساريين واليمينيين، والديمقراطيين وغير الديمقراطيين. ولو تحررنا من النقاش الذي يسخر هزيمة 1967 في خدمة الجهد لإثبات تفوق أيديولوجية على أخرى، ونظرنا بدقة وصرامة علميتين إلى مجريات تلك الحرب، لأدركنا ما يُفترض أن ندركه تحديدًا، وهو أن هذه الهزيمة لم تكن حتمية، لا بسبب طبيعة حضارتنا وتخلفنا، ولا بسبب غياب العدالة الاجتماعية والديمقراطية. حيث كان بالإمكان، في وضع الأنظمة العربية الذي كانت عليه، وفي وضع حضارتنا كما كانت، ألا يسقط الجولان هذا السقوط المدوي، وألا تسقط الضفة الغربية للأردن بهذه الطريقة، وأن يصمد المقاتلون في سيناء مدة أطول، وألا ينسحبوا مثل ذلك الانسحاب المعيب.كان ممكنًا أن يكون الأداء أفضل، وهذا تحديدًا ما يجب أن يُدرس، ما هي الأخطاء التي وقعت في هذه الحرب في العلاقة بين المستويين، السياسي والعسكري، في كل من سورية ومصر، وفي العلاقة بين القدرات العسكرية وعملية صنع القرار السياسي؟ وكيف كان وضع الجيوش العربية وتدريبها وتسليحها، ووسائل اتصالها؟ ولماذا تضع خططًا لا تنفذ؟ ثمة بالطبع حاجة إلى فهم طبيعة النظام عند مقاربه هذه الإشكاليات، ولكن طبيعة النظام، على أهميتها ومصيريتها، لا توفر إجابة عينية عن كل إشكالية. وعلى الجانب الآخر يكتفي بعض من يقاربون موضوع الحرب عسكريًا، وليس أيديولوجيًا، بالقول إن إسرائيل حسمت المعركة من الجو، حين أبادت سلاح الطيران المصري وهو رابض في المطارات، ولكن حتى جيوش الأنظمة غير الديمقراطية والمتخلفة والقمعية يمكنها الصمود على نحو أفضل بعد تدمير سلاح الطيران. والمقاومة في أنحاء العالم كله، ومنها مقاومات عربية في غزة وفي لبنان، تثبت أنه بالإمكان الصمود من دون سلاح طيران.لأن ضربة الطيران لا تحسم حربا ولكنها توجه مسار حرب، وربما لا يمكن تحقيق انتصار، ولكن يمكن بالتأكيد ردع العدوان، والصمود. وهذه كلها أمور متعلقة بفهم النسبة بين قدرات العدو والقدرات الذاتية، وتكييف وسائل القتال ومناهجها بموجب ذلك. ثمة أمور كثيرة يجب أن تُدرس ويستفاد منها على هذا المستوى. ولذلك فأن طرح بدائل للأنظمة القائمة بمعايير أيديولوجية فقط، أو قيمية فقط، ليس كافيًا. بل سيكون على من يسعى إلى السلطة أن يتقن ويجيد كيف يعمل مع مؤسسات تتقن فنونًا متعلقة بإدارة الحرب والدولة والاقتصاد والسياسة الخارجية. ومن جانبها اعتبرت الحركات الإسلامية الوهابية الهزيمة نوعًا من الانتقام الإلهي لافتقاد الرؤية الإسلامية والامتثال لتعاليمها، ولو كان النظام إسلاميًا لما اندحرت جيوشه، فالهزيمة عقوبة إلهية على التخلي عن تعاليم الإسلام ونظام حكمه، وكأن إسرائيل انتصرت لأنها كانت متمسكةً فعلًا بالدين، أو هي كافرة ضالة ولكن سخرها الله لمعاقبة الحكام العرب العلمانيين. كان التناقض بين تيار الإسلام الوهابي والقومية العربية يتمثل أساسًا في أن الدولة الإسلامية المنشودة أكثر شمولًا ولا حدود جغرافية لها، تحت مظلة ما تسميه الهُوية الإسلامية، وقد بنى أصحاب هذا التيار موقفهم على أساس عقيدي مؤداه أن القومية مقولة علمانية تناقض العقيدة والدين، وأن أواصر الجنس والأرض واللغة والمصالح المشتركة إنما هي عوائق حيوانية سخيفة، وأن الحضارة لم تكن يومًا عربية وإنما كانت إسلامية، ولم تكن قومية وإنما كانت عقيدية (سيد قطب)، بينما اعتبر البعض الآخر موقفهم على أساس أن النزعة القومية مصدرها الاستعمار الصليبي، وأن نصارى الشام هم الذين روجوا لها (د.يوسف القرضاوي). وقد بلغ التطرف عند بعضهم إلى حد اتهام الدعوة إلى القومية العربية بالكفر الصريح. ورفع الإسلاميونشعار(الإسلام هو الحل) بعد النكسة.
فتحت الهزيمة بابًا لنقد التخلف والبحث عن أسبابه في الجهل وانتشار الأمية، أو في التبعية الاقتصادية، أو في الاستبداد السياسي والاجتماعي، أو في الظلامية الدينية وتغييب دور العقل، وصولًا إلى سيكولوجيا الإنسان العربي وعقليته وربما جيناته البيولوجية أو الثقافية وغيرها. كما فتحت المجالللخيارت التاريخية الحقيقية، مثل إعادة النظر في فكرة (الوحدة العربية) ذاتها بمفهومها التقليدي (الاندماجية أو الفيدرالية)، ومدى نجاعتها في تلك المرحلة التاريخية، ومدى اتساقها مع سعي كل الدول العربية إلى ترسيخ مبدأ الدولة الوطنية الحديثة في إطار محيطها الجغرافي، وسعي الشعوب والنخب الفكريةوالسياسية إلى أن تأخذ هذه المواكبة العصرية منحى أكثر تطورًا من ناحية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة الشعبية في السلطة، والنظر إلى الوحدة العربية نظرة أكثر موضوعية وواقعية بعيدًا عن الفكر الإمبراطوري الذي شاخ تاريخيًا ولم يعد ضمن أدبيات العصر الحديث.نظرة تعطي الأولوية للتكامل الاقتصادي، والتضامن السياسي، والتنسيق الأمني الذي قد يصل إلى الأحلاف العسكرية التكتيكية ضد الأخطار والتهديدات المشتركة،والتعايش الواعي والمحب للتنوع والإثراءالثقافيوالإثني والديني والمذهبي وغيره، والسباق المحموم للحاق باقتصاديات وعلوم وآداب وإنسانيات العصر،والسعي الدؤوب للخروج من دائرة التبعية والتذيل لدول مركز الرأسمالية العالمية المتوحشة وذلكبالمشاركة الفعالة في صنع الحضارة الحديثة بكافة عناصرها ومحتواها الحضاري الحقيقي، من أجل خلق الاستقلالية الشاملة وفرض حالة الندية في التعاملات مع كافة دول العالم صغيرها وكبيرها.وأن يكون هذا التضامن والتعاون بين كيانات سياسية حقيقية ومؤثرة وشعوب حرة، وليس تحالفًا بين مخلفات العصور الوسطى الذي لا يجلب سوى الخراب والدمار والظلامية. وعدم التدخل في شؤون أي دولة مها كانت مرحلتها التاريخية ودرجة تطورها وتقدمها، وترك هذا الأمر لشعوبهم حتى لا تُستنزف طاقات الدول العربية في صراعات حمقاء لا نهاية لها. ومراعات الأمن القومي لكل كيان (دولة) على حدى دون صلف أو تعال أو نظرة شيفونية. واحترام الهُوية الخاصة بكل جماعة أو أمة تشكل كيانًا مستقلًا داخل حدود جغرافية جعلت منهم دولة ذات سيادة.والتأكيد التام الذي لا يدع مجالًا للشك أن هذا التكامل والتضامن والتقدير والاحترام المتبادل عاملًا مبدئيًا واستراتيجيًا وليس تكتيكيًا أو حيلةلفرض استراتيجيات أخرى شمولية سواء كانت سياسيةأو ثقافية أو حضارية أوأو دينية، لأن هذا هو الباب الأعظم لفقدان الثقة المتبادلة والفتن والحروب والنزاعات التي لا تنتهي، وهي بلا شك من رواسب العصور الوسطى التي لازالت لها بعض التأثير في وجداننا وأفكارنا وثقافاتنا الموروثة رغم مظاهر التحضر والتمدن والعصرية. كما أثبتت هذه الموروثات أنها بيئة خصبة لنمو كيانات سياسية استبدادية وفاسدة ومفسدة إلى أبعد الحدود. كما أنها تنتج شعوبًا تحيا بسلوك القطيع، وأفرادًا تفتقد إلى المنطق والرؤية النقدية الفاحصة والقادرة على التفكير بشكل مستقل وحر، ولا تؤمن بمحاسن وجماليات وإثراء التعدد والتنوع،مما يجعل منهم بيئة خصبة لنمو الأفكار الظلامية التي تستمد أفكارها من نفس الموروثات، وتبني رؤآهاعلى بدائل هلامية تتغذى من نفس المنطق الإمبراطوري وإن اختلفت من حيث الشكل، وفي مقدمتها الحركة الوهابية الظلامية والتكفيرية والإرهابية.. وهو ما سنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل في غضون المبحث الثاني والأخير من كتابنا هذا “الأمة المصرية – والوهابية * الجزء الثاني”.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك