الإثنين - الموافق 18 مارس 2019م

(22)الإحياء الثاني لتنظيم الإخوان المسلمين 2-2.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا على الجذور الفكرية للوهابية في مقالتين متصلتين، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، وثلاث مقالات متصلة عن الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي، ومقالة عن التسلل الوهابي للأمة المصرية، ومقالة عن إجهاض الوهابية للمشروع التنويري المصري الأول، وثلاث مقالات عن الوهابية والدولة المصرية، ومقالتنا هذه عن الإحياء الثاني لتنظيم الإخوان المسلمين الوهابي 2-2.
مَثل سيد قطب نموذجًا فريدًا للتحول من النقيض إلى النقيض، حيث انضم إلى حزب الوفد وسرعان ما انفصل عنه ثم انضم إلى حزب السعديين (حزب منشق عن حزب الوفد)، ثم تقرب من الأحزاب الشيوعية لفترة ليست بالقصيرة، كتب خلالها كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام). وعندما نتطلع إلى بدايته مع الكتابة والثقافة والفكر، نجد تناقضًا حادًا بين تلك البدايات وبين ما آلت إليه نهايته الدرامية بعد ذلك، فقد بدأ حياته ناقدًا أدبيًا، وكتب سلسلة مقالات في النقد الأدبي في الصحف والمجلات المصرية قبل يوليو 1952، وساهم في تحرير مجلة (الكاتب المصري) التي رأس تحريرها العظيم طه حسين، ففي عدد يوليو 1946 من مجلة (الكاتب المصرى) كتب قطب مقالًا بعنوان (النقد والفن) تكلم في بدايته عن تجليات (الحب) مثل حب الحياة وحب الطبيعة وحب الأسرة وحب الوطن. وكتب قطب مقالات نقدية عن الأديب نجيب محفوظ، وفي عدد فبراير 1946 من مجلة (الكاتب المصري) كتب مقالًا بعنوان (أغاني شيراز) وفيه ينقل ماكتبه حافظ الشيرازي عن الخمر، حيث قال:”لقد انقضى الصيام وأقبل العيد. وارتفعت القلوب بالابتهال والضراعة / واحمرت الخمر في حانوتها، فاطلب الكأس بما تملك من قدرة واستطاعة”، ثم يذكــر قطب القارىء ببيت شوقي:”رمضان ولى هاتها يا ساقي / مشتاقة تسعى إلى مشتاق”، وكتب قطب عن حافظ الشيرازى:”هو في هذه الدنيا الجميلة مشغول بسبحاته، عن مواضعات المجتمع وزحمة الأطماع ومعترك الحياة. إنه مستهر في عشقه الصوفي أو الغزلي. نشوان بخمرة الإلهية أو النواسية. وليقل من شاء كيف شاء. فهو خير عند نفسه وعند الله من المرائين المنافقين ومن الوعاظ الثقلاء”. ويقدم لنا (آلان روسيون) في كتابه بعنوان(سيد قطب – المجتمع المصري جذوره وآفاته) يقدم لنا نماذج مهمة من كتابات وأفكار سيد قطب الأولى حيث يقول سيد قطب: “فليحاول كل فرد منا أن يكون مبشرًا في أسرته بتعاليم الأسرة الجديدة، ولنختلط بالإفرنج ما استطعنا، ولنقرأ ما كُتب في لغاتهم من وصف للبيت الإفرنجي ومباهجه، ثم لنحاول في صبر طويل محاكاتهم في إحياء بيوتنا، وبث روح الفرح والنشاط بين جدراننا، ولعلنا نوفق بعد عمر طويل”، ثم يقدم لنا سيد قطب رؤية جميلة للإسلام السمح فيقول:”إن الإسلام ليس دينًا جامدًا، إنما هو دين مرن يحتمل السير به في مختلف الأحوال، فإذا كان هذا الدين في نشأته قد واجه قومًا يعتزون بآبائهم وأجدادهم، ويتفاخرون بأموالهم ووجاهتهم فأصغر من شأن هذه المظاهر، ودعا دعوته إلى تصغير الحياة الدنيا ليوجه إلى الاعتدال والاتزان في نفوسهم، فنحناليوم في دور قد استهنا فيه بالحياة، أصغرنا قيمتها فأصبحنا بحاجة إلى قسط كبير من احترامها لنرتفع بها، وهذه تبعة ثقيلة ملقاة علي عاتق رجال الدين فعساهم يغيرون نغمة الأسى المصطنع، وينسون مؤقتًا ازدراء الحياة والحط من شأنها في هذه الظروف، ومتى أحببنا الحياة واحترمناها وجدنا في نفوسنا عناصر كثيرة للفرح الإنساني الأصيل”. ويدافع سيد قطب عن المرأة وحقوقها قائلًا: “لقد عاشت المرأة في ظلام العصور تتنفس بمقدار كما تتنفس في الماء، وتبصر النور من خلال الشيش حقيقة ومعنى، وظل مجتمعنا جافًا كئيبًا موحشًا، وكان لهذا أثر سيء في أخلاقنا وتقاليدنا وتربيتنا وفنوننا وكل مظاهر نشاطنا وحيويتنا”، ويمضي قائلًا: “أنا لا استطيع أن ادعو إلى احتجاب المرأة، ولا أطيق هذا الاحتجاب في عصرنا الحاضر”، ويعلو صوته أكثر قائلًا: “لا استطيع أن أسلم لحظة واحدة بقص أجنحة الفن الجميلة التي يسمو بها الواقع عن المحدود حين يريد ويحلق بها بعيدًا عن قيود الضرورة”، وكل دعوة إلى قص أجنحة الفن الجميلة إنما تصدر عن ضيق في النفس وارتكاس إلى الطور الحيواني في حياة الإنسان قبل أن تنبض في نفسه الحاسة الفنية التي تنزع به حتمًا إلى التحليق فوق الواقع والانفلات من ضرورات العيش وأثقال المادة. ثم يواصل سيد قطب تحديه لكل المتطرفين والمتأسلمين والمتشددين قائلًا: “نحن نظلم هذا الدين، ونشوه غايته الكبرى حين نجعله دينًا أخرويًا فحسب، وتقف غايته على إعداد الناس للآخرة فحسب، ونجعل من همه تصغير الحياة الدنيا بمعنى احتقارها واهمالها وترك العمل لها”.
كان هذا وجه سيد قطب قبل أن يسافر إلى أمريكا عام 1948ويقضي بها حوالي عامين، ولم يُسمح له بالكتابة في الصحف الأميركية إلا بعد أن قال لمندوب إحدى الصحف: “إن بلادنا في طريقها إلى الشيوعية بسبب أحوالها الاجتماعية”، فماذا حدث في هذين العامين، وماذا فعلت المؤسسات الأمريكية برأسه، ليعود إلى مصر أصوليًا يقوض دعائم المجتمع العصري لحساب مجتمع مضى عليه أربعة عشر قرنـًا، وينقل خصائص وقيم مجتمع صحراوي رعوي إلى مجتمع زراعي ونهري، عاد ليهاجم كل الآليات التي تسببت في نهضة أوروبا، وأن البديل هوآليات البداوة، خاصة في طبعتها الأخيرة، وهي الوهابية الإرهابية، ثم أقام علاقة قوية مع ضباط يوليو كما أوضحنا سابقًا، واستمر التعاون بينهما حتى فبراير 1953، واعترف قطب أنه شارك في إنشاء منظمة(هيئة التحرير)، وقبل الافتراق فإن قطب كتب عدة مقالات لصالح الضباط وسخـر قلمه بإسراف في إضفاء طابع مثالي عليهم وبدأ بمقالة(هدية للأحرار) الذين: “طهروا الوادى وكرموه”، ووصف ضباط يوليو بأنهم: “مُـثـُـل نادرة في تاريخ البشرية كلها لم تقع إلا في مطالع النبوات”. ومن هذا المنطلق أدان إضراب عمال مصانع كفر الدوار ونسب اعتصامهم إلى:”أخطبوط الإقطاعية والرأسمالية والاستعمار”، ويقول سيد قطب حسب رواية الكاتب حلمي النمنم:”فلنضرب بسرعة.أما الشعب فعليه أن يحفر القبر ويهيل التراب”، ورفض قطب بشدة النقابات العمالية المستقلة، وأيد الضباط في موضوع حل الأحزاب، وشدد على عدم العودة إلى دستور1923، وطالب الضباط بإقامة (دكتاتورية عسكرية)،ولم يخف ميولة المساندة للديكتاتورية، وكما اعتبر البنا في رسائله أن الأحزاب السياسية ليست من الإسلام رفضها أيضا سيد قطب وله في هذا رأي كتبه في روزاليوسف عام 1952: “هذه الأحزاب ليست صالحة للبقاء” ويضيف: “إنها ستتفتت وتنهار سواء طلب الجيش ذلك أم لا”، ورغم ذلك انتهى (شهرالعسل) بين الضباط وقطب الذي لم يجد مبتغاه بعد أن تأكــد أن الضباط ليس في عزمهم تقاسم السلطة مع الإخوان.
ثم فجأة يتحول سيد قطب إلى داعية إسلامي متطرف، متأثرًا بفكر ابن حنبلوابن تيمية وبن عبد الوهاب، وأخيرًا أبي الأعلى المودودي،إضافة إلى فكر حسن البنا كما أوضحنا، ونتيجة لذلك التأثير (أوالمحاكاة التامة) أنكر سيد قطب أن هناك ضرورة للاجتهاد، فنحن جميعًا كما قال جاهليون:”ولم نصبح مسلمين بعد، وعلينا أولًا الإقرار بأن الحاكمية لله وحده، وهي تتمثل في شريعة الله في كل ما يتعلق بالاعتقاد، والحكم، والأخلاق، والسلوك والمعرفة، وعلى ذلك ليس من حق بشر أن يشرع لبشر”، لتتأكد نزعته التكفيرية شيء فشيء، خاصة عندما روج لمقولة (الجاهلية الحديثة)،فالذي يقرأ كتابه (معالم على الطريق) أو (في ظلال القرآن)، يتجسد أمامه شخص إرهابي، متطرف، وتبدو خطورة كتاب (معالم في الطريق) من النزعة التكفيرية لكل مُعترض على منهج قطب في مفهوم (الولاء) هل هو للدين أم للوطن ؟ حيث كتب:”انتهى أمر نعرة الجنس ولوثة الطين والأرض. والوطن هو (دار الإسلام) والأرض التي لا يهيمن عليها الإسلام هي (دار الحرب) يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده وقرابته”. وها هو سيد قطب عدواني ويميل إلى الكراهية والانتقام، ويرى أن فكره لا يقبل المناقشة والنقد، ويرى في العنف وسيلة للتغيير، وكفر سيد قطب حسب رأيه كل المجتمعات فيما عدا ماأطلق عليه المجتمع الإسلامي أما الباقون فهم مجرد مجتمع جاهلي وصنف هذا المجتمع في الماركسيين واليهود والمسيحيين!! بل أنه كان يشكك في إسلام المسلمين أنفسهم،فحسب رأيه كما جاء في كتابه (معالم على الطريق) يقر قطبأن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون وهم يحيون حياة الجاهلية..ويقول ليس هذا إسلامًا وليس هؤلاء مسلمين وينطلق الرجل في فكره الدمويوفي مؤلفه (في ظلال القرآن)فيقول:”القوى الإنسانية نوعان..قوة مهتدية تؤمن بالله وتتبع منهجه وهذه كما يقول يجب مؤازرتها والتعاون معها على الخير والحق والصلاح.. والقوة الأخرى قوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه…وهذه يجب محاربتها وكفاحها والإغارة عليها”. ووافق المرشد العام حسن الهضيبي على كتاب سيد قطب (معالم على الطريق)،حيث أُرسل إليه من السجن وراجعه ملزمة ملزمة وأمر بطباعتهوعندما أثارت تلك الأفكار عاصفة من الخلافات داخل السجون وصل أمرها إلى المرشد العام، الذي أعلن إيمانه بصحتها، لكنه انتقد اسلوب وتوقيت اذاعتها، باعتبارها خطأً سياسيًا، وترك لـ (الاخوان) حرية الأخذ بها أو تركها من دون خلاف. وذلك وفقًا للروايات التي جاءت في عدة كتب صدرت بعد رحيل عبد الناصر بأكثر منعشرين عامًا وفي مقدمتها كتاب زينب الغزالي (أيام من حياتي). وبذلك خرج الإخوان المسلمون من السجون بفكر سيد قطب الوهابي الإرهابيالقائم على تكفير الحكم، والذي أمكنه بواسطته أن يجذبإليه العديد من العناصر التي كانت معه بالسجن، وبين عامي 1957 و1962 استعر الخلاف بين مسجوني الإخوان المسلمين حول الموقف من حكم عبدالناصر، وتحول من مسألة سياسية إلى مسألة فقهية بدأت بسؤال: هل يجوز اعتبار عبدالناصر مسلمًا لمجرد انه نطق بالشهادتين على رغم جرائم التعذيب التي ارتكبها نظامه في حق المسلمين لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الاسلام؟. وتطرح الاجابة عن هذا السؤال الأول سؤالًا آخر هو: هل جماعة الإخوان هي (جماعة المسلمين) التي يعتبر الخارج عنها ناهيك عمن يضطهد أعضاءها ويعذبهم خارجًا عن الملة أم هي (جماعة من المسلمين؟).كما وجدوا في انتظارهم خارج السجون مجموعة موازية على قدر عال من التنظيم ويعملون على نشر فكر الجماعة في مختلف المحافظات، خاصة في الدقهلية والإسكندرية والبحيرة ودمياط… الخ. كما خطط هؤلاء على إدخال بعض عناصرهم كضباط في القوات المسلحة عن طريق الالتحاق بالكلية الحربية وحاولوا اختراق الشرطة أيضا بنفس الأسلوب، يضاف إلى ذلك تجنيد عدد لا بأس به من شباب الجامعات خاصة في الكليات العملية، مثل كليتي العلوم والهندسة اللتين يمكن لعناصرهما أن يتمكنوا من إعداد المتفجرات بأيسر الطرق. والتفت المجموعات المختلفة من الإخوان حول فكرة واحدة هي تكفير المجتمع ومن ثم استباحته، واغتيال رموزه، وتدمير منشآته.
كان بعض الإخوان الذين أفلتوا من حملة محاكمات واعتقالات 1954، وبخاصة الذين ينتمون إلى الجيل الذي كان حديث السن وحديث العضوية في الجماعة يتحركون في محاولة للانتقام من الضربة القاصمة التي وجهها إليهم عبدالناصر، فيما كان آخرون، وبخاصة من الجيل الأكبر سنًا الذي لم يُقدم إلى المحاكمة وظل رهن الاعتقال إلى أن أُفرج عنه عند انتهاء فترة الانتقال في يوليو 1956، ينشطون على صعيد جمع تبرعات لإعالة أسر المسجونين المحكوم عليهم بأحكام تراوحت بين خمسة وخمسة وعشرين عامًا. وفي مجرى هذه التحركات، نشأت مجموعات عدة كان بعضها يخطط لمحاولة اغتيال عبدالناصر، واقتصر نشاط بعضها الآخر على تشكيل (أسر) وهي الوحدة القاعدية للتنظيم الإخواني لحفظ القرآن الكريم والأحاديث، فيما تحرك آخرون على صعيد جمع تبرعات مالية لمساعدة أسر المسجونين من الإخوان على القيام بأمور حياتها، وكان الجميع يجدون تحفيزًا من قادة الإخوان الذين هربوا أثناء الحملة إلى بعض الدول المجاورة، ومن بعض الإخوان الذين كانوا ضباطًا في القوات المسلحة، ثم طُردوا من وظائفهم في أعقاب الصدام بين الطرفين. وما كاد العام 1962 يبدأ، حتى كان قادة أهم هذه المجموعات اتفقوا على توحيدها، وعلى تكوين لجنة خماسية لإدارة هذا التنظيم الموحد الذي تولى سيد قطب فيما بعد قيادته. ووفقًا للرواية التي جاءت في كتاب زينب الغزالي (أيام من حياتي)،تقول: “إن التنظيم أُعيد بناؤه بصورة سرية بعد قرار حله، وكانت بداية إعادة البناء سنة 1957 بعلم المرشد العام الهضيبي ومباركته على أن يتولاه سيد قطب”.بدأت صلة هذا التنظيم بالمرشد العام حسن الهضيبي عبر إحدى المجموعات التي تكون منها، وهي المجموعة التي شكلها تاجر الغلال عبدالفتاح إسماعيل،عام 1958 حسب رواية زينب الغزالي، وأن الدراسة الفقهية التي قاما بها انتهت بهما إلى أن قرار حل جماعة الاخوان المسلمين، الذي أصدره مجلس قيادة الثورة عام 1954 باطل: “لأن عبدالناصر ليس له أي ولاء ولا تجب له طاعة على المسلمين، اذ انه يحارب الاسلام ولا يحكم بكتاب الله تعالى”. كما نشرت زينب الغزالي في كتابها تفاصيل مؤامرة عام 1965م التي كانت واحدة من الضالعين فيها. فتروي في الباب الثالث تفاصيل مثيرة عن علاقاتها بالقيادي الإخواني عبدالفتاح إسماعيل الذي تعرفت عليه في (السعودية!!!) عام 1957م (أكدجميع القادة الميدانيين الخمس بما فيهم عبد الفتاح إسماعيلوزينب الغزالي في التحقيقات أن تاريخ هذا اللقاء كان في عام 1962) وكيف بايعته في الكعبة على السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله وما الذي عملته تنفيذًا لهذه البيعة بعد عودتها إلى مصر ثم تمضي قائلة: “كانت خطة العمل تستهدف تجميع كل من يريد خدمة الإسلام لينضم إلينا وكان ذلك كله مجرد بحوث ووضع خطط حتى نعرف طريقنا فلما قررنا أن نبدأ العمل كان لابد من استئذان المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي لأن دراساتنا الفقهية حول قرار حل جماعة الإخوان المسلمين انتهت إلى أنه باطل”. وتشير الغزالي بعد ذلك إلى أن الهضيبي أوكل جميع المسؤوليات الخاصة بتنفيذ هذه الخطط إلى سيد قطب. وانطلاقًا من ذلك، كان لا بد، كما تقول، من استئذان الهضيبي باعتباره مرشدًا عامًا للجماعة.وطبقًا لروايتها، التقت به وكانت تتردد على منزله بحكم صداقتها لزوجته وبناته وشرحت له خلال لقاءات عدة تفاصيل الدراسات التي قاما بها والغاية من التنظيم، فأذن لهما بالعمل. وأنه أشار عليها بأن يضيفوا كتاب (المحلى) لابن حزم ضمن الكتب التي يدرسونها. وفي سنة 1962 تشكلت مجموعة أخرى من الاخوان يقودها علي عشماويوكانت أولى العقبات التي واجهتها في بداية نشاطها، كما يقول في مذكراته التي نشرها عام 1993 في عنوان (التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين)، هي (المشكلة الشرعية)، اذ تحرج كثير من الإخوان الذين دعاهم للانضمام إلى التنظيم من القبول إلا بعد التأكد من أنه حصل على موافقة (ممن له الأمر في الجماعة) على تشكيل هذا التنظيم. ومع أنه كان يرى أن العمل لله لا يحتاج إلى تفويض من أحد وأن شرعيته تستند إلى القرآن والسنة، إلا أنه اضطر إزاء تزايد المطالبين بالإذن إلى تكليف أحد أعضاء المجموعة زيارة شقيقه الذي كان يمضي عقوبة الأشغال الشاقة في سجن الواحات، ليطلب إليه إبلاغ أعضاء مكتب الإرشاد المسجونين هناك بخبر تأسيس المجموعة، وبأنها تنتظر الإذن (ممن له حق الأمر في الجماعة) بأن تواصل نشاطها، لكن الرسول عاد لينقل عن شقيقه صورة طبيعية عن الخلافات التي كانت سائدة منذ سنوات بين مسجوني الاخوان، بسبب اختلافهم حول تأييد حكومة عبدالناصر، والتي وصلت إلى حد الاشتباك بالأيدي وتكفير الطرفين كل منهما الآخر مما يستحيل معه التوصل إلى جهة يمكن أن تتحمل مسؤولية اصدار الأمر باستئناف النشاط، وأن الجهة الوحيدة التي تملك حق اصدار هذا الإذن (في رأي الشقيق) هي المرشد العام فقط. ويضيف عشماوي أنه التقى آنذاك بعض أعضاء المجموعة الأولى، التي يقودها عبدالفتاح إسماعيل، وبدأ معهم مفاوضات لتوحيد المجموعتين تعرف أثناءهاإلى زينب الغزالي،التي قالت له في سياق حوار طويل، وفي معرض إغرائه بدمج المجموعتين، إنها على اتصال دائم بالأستاذ المرشد وإنها تأتي منه بالتعليمات، وإنه (المرشد) حينما أُخبر عن التنظيم الذي يتبع الشيخ عبدالفتاح إسماعيل وعن أهدافه أقرها، وبهذا فإن التنظيم أصبحت له الشرعية، فإذا اندمجت مجموعته فيه، سوف تمتد إليها تلقائيًا مظلة الشرعية التي اضفاها المرشد عليه، ولما قال لها: إنني لا أمانع في اندماج التنظيمين، ولكن اعتراضي ينصب على هدف التنظيم الآخر، وهو اغتيال جمال عبدالناصر، فأنا لا أرى ان هذا هو الطريق، ردت عليه بعصبية قائلة: “بل إن هذا هو الطريق، ولا طريق غيره، وهذا ما أقره المرشد”.وفي تلك الفترة، أواخر عام 1963، عرّفت زينب الغزالي عبدالفتاح إسماعيل إلى الوزير السابق عبدالعزيز علي، وكان وزيرًا للشؤون البلدية والقروية في بداية الثورة، وأخبرته قبل التعريف بأن عبدالعزيز: “رجل طيب ومسلم وعلى صلة بالمرشد”، فيما قدمت عبدالفتاح إلى الوزير السابق باعتباره: “رجلًا طيبًا ومسلمًا ومن الإخوان المسلمين”. وفهم عبدالفتاح إسماعيل من ذلك، أن المرشد يرشح عبدالعزيز علي لقيادة التنظيم، فالتقى به مرات عدة، أخطره خلالها بأمر التنظيم وعرض عليه أن يتولى رئاسته فقبل الآخر، وبدأ بالفعل يعقد اجتماعات دورية مع القيادة الخماسية للتنظيم. وأجمع القادة الميدانيون الخمسة لتنظيم عام 1965، في أقوالهم أمام النيابة، أنهم بدأوا يشعرون بالقلق من شخصية عبدالعزيز علي الذي أصر على أن يعرف اسماء كل أعضاء التنظيم وعناوينهم، فضلًا عن أن أفكاره بدت لهم بعيدة عما عرفوه عن قادة الإخوان، ففكروا أن يضيفوا إليه شخصية إخوانية تتقاسم معه رئاسة التنظيم، ووقع اختيارهم على فريد عبدالخالق، عضو مكتب الإرشاد والمسؤول عن قسم الطلاب في الجماعة لسنوات طويلة. ويقول عبدالفتاح إسماعيل:”إنه تنفيذًا لذلك سعى في ربيع عام 1964 للالتقاء بفريد عبدالخالق، واقترح عليه أن يلتقي به ليبحثا سبل التعاون بينهما. ولكن فوجئ أعضاء التنظيم بحملة همس تُنسب إليهم أنهم أسسوا تنظيمًا يضم بين قيادته شخصيتين مريبتين هما عبدالعزيز علي، الذي اتهمته الحملة بأنه على صلة مشبوهة بالأميركيين، وزينب الغزالي التي نسبت إليها الحملة أنها على صلة غامضة بالمملكة العربية السعودية. وأزعج ما حدث القادة الميدانيين للتنظيم خشية أن تنتهي الحملة التي تداولت اسماءهم بكشف أمر التنظيم أمام سلطات الأمن، فضلًا عن انها شككتهم في كل من عبدالعزيز علي وزينب الغزالي، فأصروا على أن يستمعوا إلى رأي المرشد العام في عبدالعزيز علي، من مصدر آخر وثيق الصلة به، غير زينب الغزالي، فاصطحبوها إلى منزل ابنته خالدة الهضيبي وأرسلوا الابنة برسالة موجزة يسألونه فيها عما اذا كان يعرف عبدالعزيز علي. وأكد الهضيبي أنه يعرفه جيدًا”. ولم يبالي المرشد بما راج عنهما من اتهام العمالة للخارج!!.. كما أن الاثنين اللذين رشحهما لقيادة التنظيم، وهما عبدالعزيز علي وحلمي عبدالمجيد، كانا من اصحاب الخبرة السابقة في قيادة منظمات العنف المسلحة. ولم يكن الثالث، الذي ظهر في تلك الأثناء على شاشة التنظيم، وهو سيد قطب بعيدًا من الأفكار الداعية إلى هذا العنف كما أوضحنا.
تزامن هذا الإحياء لتنظيم الإخوان المسلمين، مع اندلاع ثورة اليمن في 26 سبتمبر (أيلول) من عام 1962، التي أصابت الملك سعود بن عبد عبد العزيز بحالة هيستيرية في اليوم التالي، وبدأ في إرسال الأسلحة إلى (نجران وجازان) -وهي المدن الحدودية بين السعودية واليمن- للوقوف إلى جانب الحكم الملكي (المللي الشيعي) ضد الثورة. وقد أثارث تصريحات عبد الناصر المؤيدة لثورة الشعب اليمني، مخاوف المملكة العربية السعودية، فعبرت عن قلقلها المستمر في رسائلها المتبادلة مع الرئاسة الأمريكية من التهديد الذي يشكله جمال عبد الناصر على الحكم الملكي للمملكة العربية ذاتها، إذ كانت تخشى أن تتسرب أفكاره الثورية إلى داخل شعبها، مما يزعزع استقرارحكم المملكة، فتجد نفسها في مواجهة ثورية داخلية. وهو ما يثبته ما جاء في نص وثيقة نُشرت على الموقع الحكومي للولايات المتحدة، أرسلها الرئيس الأمريكي (جونسون) إلى الملك فيصل بن عبدالعزيز في عام 1965 تتضمن مؤازرة جونسون لما اسماه في نص الوثيقة الأهداف المتبادلة بينهما لمناهضة الشيوعية، كما طمأن مخاوفه بشأن قوات الجمهورية العربية المتحدة قائلًا: “أبلغني السفير هارت بشأن قلقكم المستمر إزاء وجود أعداد كبيرة من قوات الجمهورية العربية المتحدة فياليمن، والتهديد الذي تعتقدون أنهم يشكلونه على بلدكم، وهو أمر نتشاركه وإياكم، فهدفنا كما تعلمون هو تحقيق انسحاب هذه القوات، ووقف التدخل الأجنبي في الشؤوناليمنية، ولتحقيق هذا الهدف يأتي أمن المملكة العربية السعودية في مقدمة أذهاننا”، كما وعده جونسون بتقديم الدعم المالي والعسكري، من تحديث القوات العسكرية، إلى تلبية الاحتياجات الأمنية اللازمة للمملكة العربية، لمساندتها في حربها باليمن!!.كما بدأت المملكة السعودية بالتحالف مع بريطانيا التي كانت تحتل جنوب اليمن ويقابل الأمير فيصل بن عبد العزيز (ولي العهد والحاكم الفعلي للسعودية) السير (دوغلاس رايت) رئيس جهاز المخابرات البريطاني الذي يقول للأمير:”إن نجاح الكولونيل ناصر في الحصول على موطئ قدم لمشروعاته الانقلابية في الجزيرة العربية، وهي أهم مصادر البترول واحتياطاته في العالم، هو نذير شؤم يجب أن تتعاون الأطراف كلها، ممن لهم مصلحة في ذلك على مقاومته ودحضه”. وبالفعل يبدأ تعاون سعودي أردني رغم الحساسيات السعودية الهاشمية بالاشتراك مع بريطانيا التي أقلقها ما اعتبرته مشروعات ناصر المستمرة لطردها من أخر معاقلها شرق السويس، وتكاد الثورة تُجهض لولا طلبها المساعدة من القاهرة،فيطلب الثوار اليمنيون من الرئيس عبد الناصر حماية جمهوريتهم الوليدة حتى لا يسقط اليمن مرة أخرى تحت الحكم الإمامي المتخلف، وبالفعل يدعم الرئيس عبد الناصر الثورة اليمنية عسكريًا بقوات مسلحة مصرية في عملية كبرى كان أسمها الكودي (العملية 9000)، كما تولت مصر مهمة إدخال الحضارة إلى اليمن بإنشاء جهاز للدولة لأول مرة في تاريخ اليمن، وتأسيس المستشفيات والمدارس والطرق والموانئ والمطارات من أجل نقل اليمن إلى القرن العشرين، وأدت هذه التطورات إلى اشتعال الثورة في عدن واليمن الجنوبي وقد دعمتها مصر بكل ثقلها في عملية كان أسمها الكودي (صلاح الدين). وينجح عبد الناصر في الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بحكومة الثورة في اليمن في 19 ديسمبر 1962 مقابل أن يتم سحب كل القوات المساندة للثورة والمساندة للإمام من اليمن،كما تقدم الحكومة الأمريكية معونات للحكومة الجديدة في اليمن. لترفض السعودية هذا الاتفاق وتواصل دعمها للقبائل الموالية لحكم الإمام، ويتعرض الرئيس كيندى لضغوط شديدة متعددة من شركات البترول والبنوك الأمريكية إلى جانب الحكومة البريطانية بسبب اعترافه بالنظام الجديد في اليمن لخطورة ذلك على أوضاع النظام الحاكم في السعودية، ومصالح الغرب في البترول العربي،وبالفعل يتم وضع خطة سميت (السطح الصلب) تتعهد فيها الولايات المتحدة بضمان أمن وسلامة النظام السعودي والأراضي السعودية. وبالأموال السعودية ومع مساندة بريطانية ومن شركات البترول الأمريكية تم تشكيل تحالف دولي لتجنيد مرتزقة من كل أنحاء العالم وشراء أسلحة للقتال في اليمن ضد القوات المصرية التي تدافع عن الثورة كما دخلت المخابرات الأمريكية بثقلها إلى ساحة المعركة المحتدمة في اليمن وأصبحت الحدود السعودية اليمنية مناطق حشد لنقل السلاح والذخيرة والمقاتلين المرتزقة إلى اليمن وتحولت الحرب إلى عملية استنزاف طويلة بين الجانبين المتصارعين. كما أنشأت السعودية للملكيين محطة إذاعية للتنديد بالنظام الثوري الجديد، ووفرت الحماية والغطاء اللازم للأمير البدر ليقود الملكيين مدعومًا بجيوش من المرتزقة بتخطيط أمريكي بريطاني.
في كتابه(المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل)يعرض محمد حسنين هيكل، الوثيقة التالية: سجل السفير الأمريكى في جدة (باركر هارت) في برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية (وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ 19 أغسطس 1964) محضر مقابلة جرت بينه وبين الملك فيصل بن عبد العزيز. يقول السفير الأمريكي: اتصل بى البروتوكول صباح أمس لإبلاغي أنني مطلوب في الطائف في الساعة 4:15 ولم يعطني البروتوكول أي إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة سوف تحملني إلى الطائف بعد الظهر. استقبلني الملك فيصل في قصر الشبرة في الساعة التاسعة مساءً في حضور السقاف وفرعون، وقال الملك إن هناك شيئًا حدث وهو يريد إخطاري به بنفسه كصديق شخصي لي وكممثل لبلد صديق له ولأسرته، ثم قال الملك إنه خلال يومين سابقين (يومى 13 و 14 أغسطس) قامت ثلاث طائرات مصرية باختراق المجال الجوي السعودي جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث وأبو عريش، وإن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة في محاولة ظاهرة للاستفزاز، كما أن لديه معلومات من داخلاليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية، وقد حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات، ولم يكن لديه شيئ لا عن حجم هذه القوات ولا عن تسليحها ولا عن مواقعها، وقد قال الملك إن هذه التطورات تثير في ذاكرته ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مصر والعراق والأردن (!) لغزو وتقسيم بلاده على النحو التالي: حسين يأخذ الحجاز، والعراق تأخذ المقاطعة الشرقية، واليمن تأخذ الجنوب، وباقي المملكة يدخل تحت سيطرة ناصر. قال لي الملك أيضًا إن ناصر أوحى إلى صديقه الصحفي هيكل بأن ينشر خطة عن منظمة عربية للبترول، ثم أضاف إن السعودية محاصرة، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية، ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأراضيها وشرفها، وإذا كان ناصر كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصورًا أن (فيصل) سوف يقف ساكتًا في انتظار أن يُخنق، فهو مخطئ في ذلك، وأشار الملك إلى أنه سوف يقاوم عسكريًا، وهو قد أتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغني بها الآن: أنه قرر أن يُدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدوداليمن وقد أصدر أمرًا فعلًا بذلك. وإنه أعطى أوامر بالفعل إلى قواته أيضًا بأن تحتشد على حدوداليمن لتكون في وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية.وهو الأن لا يعتبر نفسه مرتبطًا باتفاق فصل القوات فياليمن، وسوف يساند الملكيين بأى طريقة يراها مناسبة.أبديت دهشتي للملك، كما أبديت له استغرابي لكل ما قاله عن الاتفاق الثلاثي بين مصر والعراق والأردن، ثم أطلعني الملك على تقرير مخابرات سعودي يحوي معلومات عن أن ضباطًا من الجيش المصري رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو، وأضاف الملك (أن ناصر مريض جدًا)، ثم أمر بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه وعداي، وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدوداليمن، وأن يحتفظ بما يشاء من قوات في أوضاع تأهب في أي مكان يراه بعيدًا عن الحدود، فتدخل الملك بحدة قائلًا (أخرجوا القوات المصرية مناليمن وسوف ينهار هذا النظام الذي يدعون بمساعدته في شهر أو اثنين على أكثر تقدير، ثم استجمع الملك حيويته ليقول لي (إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذي يفتح الطريق للتسلل الشيوعي)، وكان يعني (ناصر) ثم قال لماذا تصبرون عليه؟ ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميًا، مرة بسبب فيتنام، ومرة بسبب كوبا، ومرة بسبب الكونجو؟ ما الذي يخصه في الكونجو؟ إن مقترحاته بشأن نزع السلاح في جنيف جاءته مباشرة في شكل تعليمات من موسكو، وأبديت تحفظي ولكن الملك كان لا يزال يصر على أن (ناصر) يعادينا ويخدعنا، وإننا مازلنا نحاول استرضاءه، وذكرته أننا عطلنا توريد القمح إلى مصر طبقا للقانون 480 عقابًا لناصر على سياسته، وعقب الملك: أوقفوا عنه الطعام تمامًا وسوف ترون ما يحدث”. ويستطرد الأستاذ هيكل ان هذه المقابلة كانت غريبة وفاقدة للمصداقية ليس فقط بسبب طلب الملك فيصل (تجويع المصريين)، ولكن لأن الأردن كان حليفًا للسعودية في حرباليمن، ويضيف أن إسرائيل أيضا كانت تشجع التحالف المساند للملكيين فياليمن ولعبت دورًا في العمليات العسكرية أُطلق عليه الاسم الكودي (مانجو)،فعندما اشتدت حاجة قوات المرتزقة فياليمن إلى مؤن وذخائر تُلقى على مواقعهم من الطائرات بالباراشوت ورفض الطيارون الأردنيون والسعوديون القيام بذلك وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر أكثر من مرة طالبين اللجوء السياسي،قررت جبهة دعم الملكيين فياليمن بزعامة السعودية الاستعانة بإسرائيل، وبالفعل قام الطيران الإسرائيلي بهذا الدور.
في شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطي اجتماعًا لمناقشة ورقة العمل التركية التي أعدها وزير الخارجية التركي وتحمل عنوان (تصفية عبد الناصر). ومحضر هذه الجلسة الذي يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذي تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التي تسبب فيها عبد الناصر كالآتي: إفشال فكرة الأحلاف العسكرية، شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية، تأميم القناة، تمصير وتأميم المصالح الأجنبية في مصر، الوحدة مع سوريا، ثم ثورةاليمن وهي الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب. فوجود الجيش المصري فياليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر في طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب، كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكي السعودي الذي يحارب الثورةاليمنية وهو العرش الموالي للغرب والذي يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر.وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التي تعادي طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها في المملكة العربية السعودية والأردن وليبيا تحت حكم الملك السنوسي.كما تلفت النظر إلى سوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية وتتحدث عن النفوذ المصري في إفريقيا المعادي لمصالح الغرب وتدعو إلى دراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويلاليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصري ما يساعد على انجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصر مع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالي فياليمن فإن العرش السعودي مهدد بالزوال عام1970.وأما تطور الأوضاع في ساحة الحرباليمنية وتشابك المصالح والقوى الدولية التي تلعب على وتر إطالة الحرب فياليمن من أجل استنزاف القوات المصرية هناك واستنزاف الأموال السعودية، قرر الرئيس عبد الناصر أن يزور السعودية للوصول إلى حل فياليمن.وفي 22 أغسطس 1965 وصل عبد الناصر إلى جدة وحاول إقناع الملك أن مصر لا تريد قلب النظام في السعودية ولا تهدف لفرض سياستها على السعودية، كما قدم له وثائق عن تجنيد المرتزقة وتجارة السلاح وتجار الحروب الذين وجدوا في حرباليمن سوق لكسب الأموال وإهدار القوة العربية، وتوصل الرجلان يوم 24 أغسطس 1965 إلى ما عُرف بعد ذلك باسم (اتفاقية جدة) التي قررت أن يتم عمل استفتاء للشعباليمني يقرر فيه نظام الحكم الذي يرتضيه في موعد أقصاه 23 نوفمبر1966 وتعتبر الفترة الباقية حتى موعد الاستفتاء فترة انتقالية للإعداد له.ولكن لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية بسبب تراجع الملك فيصل عن الالتزام بها، ويصرح الرئيس عبد الناصر بأنه:”لا فائدة تُرجى من اللقاء مع الرجعيين، بعد كل ما رآه وسمعه في السياسات السلمية السابقة التي مارسها إزاءهم في اللقاءات والمؤتمرات”. وفي 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل في زيارة إلى الولايات المتحدة وسبقته مجموعة المقدمة السعودية التي أوضحت للمسئولين الأمريكيين ان المشكلة بالنسبة للسعودية ليست إسرائيل، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة، وأن السعودية ماضية في تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامي كبديل للجامعة العربية، وخلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة في اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة، وقد أُذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه:”إن تدهور الأوضاع فياليمن بعد تعثر اتفاق جدة وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فياليمن”.
وسط هذه الظروف تحرك الإخوان المسلمون لإسقاط النظام بانقلاب عسكري وإحداث قدر هائل من التخريب يشبه إلى حد كبير أحداث حريق القاهرة عام 1951، حيث أشارت اعترافات المتهمين بمؤامرة 1965 أمام المحكمة، وكذا كتبوا في مذكراتهم إلى أن التنظيم بدأ بجمع الأسلحة واستغل طاقات الشباب بصنع المتفجرات، وإعداد خطط الاغتيالات لعدد كبير من المسئولين. بل أن إحدى الخلايا اهتدت بالمنهاج الدعوي للإخوان المسلمين الذي يعتبر الراديو والتليفزيون والسينما والفنون والموسيقي والنحت والتصوير أعمالًا محرمة في الإسلام ومنافية للأخلاق، ولذلك تم وضع خطط لتدمير هذه المرافق واغتيال جمال عبد الناصرونجوم الفن ومن ضمنهم أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ ونجاة وشادية وغيرهم. كما اقترحت الخطط اغتيال عدد من مذيعات التليفزيون ومن بينهم ليلي رستم وأماني راشد، ثم أعدت الخطط لاغتيال سفراء كل من الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لإيجاد مشكلة بين مصر وهذه الدول.وفي شهادة أخرى اعترف القيادي الإخواني احمد عبد المجيد في كتابه الصادر عام 1991م بعنوان الإخوان ومعركتهم مع عبد الناصر انه بحث خطة اغتيال عبد الناصر مع سيد قطب وأن تمويل التنظيم كان يأتي من الخارج وانه كان يتم تدريب الشباب على وضع القنابل والمتفجرات مشيرًا إلى أن لقاءً سريًا انعقد في منزل علي العشماوي بحي شبرا وحضر هذا اللقاء الشيخ عبدالفتاح إسماعيل والشيخ محمد فتحي رفاعي وقد طُرحت في هذا اللقاء مأمورية اغتيال جمال عبد الناصر على أساس أن يكون ما بين عشرين إلى ثلاثين استشهاديًا مستعدين للموت والشهادة، وأنهم على صلة بالأستاذ المرشد حسن الهضيبي وأنهم استأذنوه لهذا العمل فوافق وبالتالي يعتبر هذا العمل شرعيًا لأنه موثق من ولي الأمر والقيادة الشرعية. من جانبه اعترف علي عشماوي في مذكراته التي نشرها بعد اطلاق سراحه في عهد السادات أن الإخوان حاولوا قتل عبد الناصر سنة 1965 واعترف أيضًا بخططهم للنسف والتدمير وتخزين الأسلحة كما تحدث عما اسماها مجموعة البحث العلمي التي كانت تضم خريجي الإخوان من كليات العلوم قسم الكيمياء والفيزياء والأحياء وخريجي كلية الهندسة وباحثين في المركز القومي للبحوث والطاقة الذرية، وكانت مهمة هذه المجموعة إجراء البحوث والتجارب على صنع المتفجرات والأحزمة والمواد الناسفة والقنابل والسموم، خصوصًا وأن إحدى خطط الاغتيال كانت تشتمل على بدائل وخيارات عديدة بينها قتل جمال عبد الناصر بالسم. ثمة اعتراف آخر لأحد المشاركين في مؤامرة 1965م وهو القيادي الإخواني احمد رائف في كتاب اصدره عام 1985م ففي الطبعة الخامسة من كتابه (البوابة السوداء) اعترف فيه بإعادة بناء تنظيم الإخوان المسلمين وزعامة سيد قطب له بتكليف من المرشد العام. كما اعترف بخطة اغتيال جمال عبد الناصر التي وضعها عبد العزيز علي وبحصولهم على أسلحة من إخوان (السعودية!!!) إلى قرية دراو مشيرًا إلى أن الهدف من هذه الأسلحة هو إحداث قلاقل في مصر لمواجهة دعمها العسكري والسياسي والمادي للثورةاليمنية حيث أفتى سيد قطب والشيخ عبدالفتاح إسماعيل بأن:”من يرفض الاشتراك في حرباليمن من الضباط والجنود ويتعرض للمحاكمة العسكرية ويعدم فهو شهيد من أهل الجنة”. ويمضي أحمد رائف قائلاً إن علي عشماوي خرج من عند الأستاذ سيد قطب مستبشرًا بسبب موافقة الأخير على خطة عشماوي لقتل جمال عبد الناصر وعبدالحكيم عامر وعلي صبري وزكريا محي الدين وكانت ثقة الإخوان راسخة بأن الأمور ستهدأ بعد قتل هؤلاء (الطواغيت!).
في كتاب (عقود من الخيبات) للكاتب حمدان حمدان الطبعة الأولى 1995 الصادر عن دار بيسان في الصفحات من 489 – 491، نجد تلك (الرسالة/الوثيقة) والتى أرسلها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون (وهي وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودي)، وفيها يقول الملك فيصل ما يلي: “من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هي العدوالأكبر لنا جميعًا، وأن هذا العدو إن تُرك يحرض ويدعم الأعداء عسكريًا وإعلاميًا، فلن يأتي عام 1970 – كما قال الخبير في إدارتكم السيد كيرميت روزفلت – وعرشنا ومصالحنا في الوجود. لذلك فإنني أبارك، ما سبق للخبراء الأمريكان في مملكتنا، أن اقترحوه، لأتقدم بالاقتراحات التـالية:أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية في مصر، لتضطرها بذلك، لا إلى سحب جيشها صاغرة مناليمن فقط، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أي مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر في وحدة عربية.بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا في مملكتنا فحسب، بل وفي البلاد العربية ومن ثم بعدها، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول (أرحموا شرير قوم ذل) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة في الإعلام..سوريا هي الثـانية التي لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم، مع اقتطاع جزء من أراضيها، كيلا تتفرغ هي الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر .. لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك، وحتى لا تستغلهم أي دولة عربية بحجة تحرير فلسطين، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة، كما يسهل توطين الباقى في الدول العربية ..نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازاني شمال العراق، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم في بغداد يريد أن ينادي بالوحدة العربية شمال مملكتنا في أرض العراق سواء في الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضي (1965) بإمداد البرازاني بالمال والسلاح من داخل العراق، أو عن طريق تركيا وإيران…. يا فخامة الرئيس: إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة ولمصيرنا المعلق، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها، دوام البقاء أو عدمه، أخيرًا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة، وللولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو وارتباط أوثق وازدهار… المخلص: فيصل بن عبد العزيز… ملك المملكة العربية السعودية”. وفي الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب يونيو 1967 والتي قام بترجمتها ونشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه (عام من الأزمات)، أن الرئيس الأمريكي ليندون جونسون في مايو 1967 وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربي على العروش العربية في حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد استقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين في المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة مهمة لأمنها القومي، الملك حسين بن طلال في الأردن، و الملك فيصل بن عبدالعزيز، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين في عمان يوم 28 مايو 1967، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فياليوم نفسه في لندن التي كان الملك فيصل في زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين: أولا تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس، واستمرار بقاء القوات البريطانية في المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطاني في المواعيد المعلنة (عام 1968 كما أُعلن رسميا من مجلس العموم البريطاني) سوف يخلق فراغًا يملؤه الجيش المصري ويدخل إلى عدن ذاتها. ثانيًا أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية والخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمي تتمايز به عن الجامعة العربية، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازي الدور المصري في جامعة الدول العربية التي يوجد مقرها في القاهرة….. وقد كان.حيث تمت المقابلة بين الملك فيصل وريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 في جناح الملك في فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ومدير المخابرات السعودية وشقيق زوجته الملكة (عفت)، أستمر الاجتماع من العاشرة مساءً وحتى الثانية صباحًا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك. وكان هناك يقين بأن الغزو من الداخل عن طريق الإخوان المسلمين لن ينجح مع مصر، فكان الغزو من الخارج عام 1967م الذي استهدف أيضًا إسقاط النظام في مصر بحسب اعتراف زعماء إسرائيل. وفي حين كتب الرئيس الأمريكي جونسون في مذكراته انه عندما جاءته أنباء انتصار الجيش الإسرائيلي قال إن هذا أعظم خبر سمعناه،نجد الشيخ محمد متولي الشعراوي أحد أهم شيوخ الإخوان،يقول في مقابلة تلفزيونية شهيرةأنه سجد وصلى ركعتين شكر لله فرحًا في هزيمة حرب حزيران عندما كان يشتغل بالتدريس في الجزائر، مفسرًا ذلك بالقول: “فرحت أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية، لأصبنا في فتنة في ديننا، فربنا نجانا”.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك