الإثنين - الموافق 18 مارس 2019م

(21)الإحياء الثانِي لتنظيم الإخوان المسلمين 1-2.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

ألقينا الضوء سابقًاعلى الجذور الفكرية للوهابية في مقالتين متصلتين، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، وثلاث مقالات متصلة عن الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي، ومقالة عن التسلل الوهابي للأمة المصرية، ومقالة عن إجهاض الوهابيةللمشروع التنويري المصري الأول، وثلاث مقالات عن الوهابية والدولة المصرية، ومقالتنا هذه عن الإحياء الثاني لتنظيم الإخوان المسلمين الوهابي 1-2.
أوضحنا سابقًا كيف استطاع عبد الناصر أن يستكمل مسيرة التحرر الوطني التي امتدت منذ أن تصدى الجيش المصري بقيادة عرابي للاحتلال البريطاني لمصر، مرورًا بالنضالاتالجماعيةوالبطولات الفردية والحركات الوطنية الطليعية التي ناهضت الاستعمارومهدت لاندلاعثورة 1919،التي انبثق منها حزب الوفد قلعة الوطنية المصرية آنذاك،والعديد من القوى السياسيةوالوطنية، فكانعبد ناصر بذلك بطل التحرر الوطني، وقائد مسيرة الاستقلال الوطني، ورائد الاستقلالية بمفهومها الواسع التي أفضت إلى إحداث نقلة نوعية اقتصادية واجتماعية وتحديثية هائلة أُعتبرت نهضة شاملة بكل المعايير، مما ساعد بقوة على سحب البساط من تحت أقدام الإخوان المسلمين، وذلك باحتواء وكسب ولاء الطبقات الاجتماعية التي كانت مناصرة للإخوان، وخاصة الطبقة الوسطى الحديثة بكافة شرائحها التي مثلت القاعدة الاجتماعية الأساسية للإخوان قبل ثورة 1952، وإن بقيت هذه الطبقة رغم بريقها وحضورها المتميز، غير مستقلة وخاضعة تمامًا لهيمنة الجهاز البيروقراطي، لأسباب موضوعية كثيرة متعلقة بطبيعة البنية الاقتصادية والاجتماعية المصرية وسياقها التاريخي، مما أفقدها فاعليتها وتأثيرها، وأعاق نموها ومشاركتها في الحياة المجتمعية والسياسية بشكل حقيقي كما حدث مع الطبقات الوسطى الغربية المستقلةالتي أفضت إلى بناء الحضارة الغربية والإنسانية الحديثة. كما استمر تغييب التاريخ المصري الحقيقي شديد التنوع، والمازج للحضارات،والخاضع للهيمنة الموضوعية للتاريخ الفرعوني الحاضنللحقبالإغريقية واليونانية والرومانية والقبطية وأخيرًا العربية، والتركيز على الحلقة الأخيرة فقط في تاريخنا العريق وهي الانتماء العربي، والإيحاء بأن تاريخنا يبدأ عام 641م، بما يعني في الحقيقة استمرار حالة الانفصام التام عن التاريخ المصري الحقيقي وهو ما ألقينا الضوء عليه سابقًا بشيء من التفصيل في كتابنا الأسبق عن (الأمة المصرية – قومية متفردة). كما أن عبد الناصر لم يقتلع الجذور الفكرية الوهابية بالشكل الواجب، حيث لم يستطع (أو لم يشأ) إحداث الثورة الثقافية، وإنجاز قضية التنوير المؤجلة منذ نهضة محمد علي، وذلك باحداث قطيعة مع بقايا مظاهر العصور الوسطى الاجتماعية والثقافية والفكرية، حيث كان ناصر يمكنه إنجاز تلك المهام التاريخية الهامة والملحة بما يملكه من رصيد نضالي كبير، وشعبية جماهيرية طاغية، ونزاهة واستقامة منقطعة النظير، وتأثير إيجابي كبير على المحيط العربيوالإقليمي. ولكنه بدلًا من ذلك حاكى الوهابيين في بعض مظاهر التدين الشكلي للدولة،يإعطاء مساحة أكبرلدور رجال الدين الإسلاميومشيخة وجامعة الأزهر التي تسرب إليها التدين الوهابي منذ (رشيد رضا) وأخذ في الانتشار والتغلغل في المناهج الأزهرية بشكل مضطرد وإن لم تتمكن الوهابية من الهيمنة الكاملة في الحقبة الناصرية حيث كانت الهيمنة مازالت للحركة الصوفية، كما شهدت الحقبة الناصرية التوسع في إدخال الكليات العلمية لجامعة الأزهر والتي أصبحت فيما بعد أوكارًا لإعداد العناصر الوهابية الإرهابية مما يؤكد أنه لم يكن مسلكًا حكيمًا.فمنذ البداية اتجه عبد الناصر لإستخدام الأزهر في الصراعات السياسية الحادة. ففى 18 أبريل 1953 يتحدث في المعهد الدينيبالإسكندرية فيقول: “فلتضعوا أيديكم في أيدينا ولنجاهد معًا في سبيل تحرير مصر فإن لكم رسالة عظمى، أننا لن نسمح بعد اليوم للفساد أن يقوم، ولن يسمح رجال الدين أن يقوم في مصر فساد أو طغيان”. وناشد في مناسبات تالية رجال الأزهر بالاضطلاع بدور بارز في مشروعات الإصلاح الجديدة، حيث يقول: “رسالة الأزهر ليست في مصر، وليست في الأزهر، وإنما في القرى والنجوع والتجمعات لتنصحوا ولترشدوا وهذه الدعوة وهذا الإرشاد يجب أن يكون بيننا بدلًا من أن نشكو من الاستعمار ولا يمكن أن نلقي العبء على الحكومة وحدها إنما نحتاج إلى جهود رجال الأزهر” خطابه بتاريخ 18/4/1953. وفي عنف الأزمة التي يواجهها النظام السياسي، وصراع السلطة بين محمد نجيب وعبد الناصر ينحاز شيخ الأزهر إلى جانب عبد الناصر ويصدر فتوى تقول بأن: “الزعيم الذي يتعاون ضد بلاده ويخذل مواطنيه فإن الشريعة تقرر تجريده من شرف الوطن”، وعليه تتجه السلطة الجديدة بالمقابل إلى إعلان إنشاء معاهد دينية جديدة للأزهر وإلغاء قيود ووظائف الوعاظ والمراقبين والمدرسين وزيادة ميزانية الأزهر. ثم يعلن الأزهر تأييده لاتفاق الجلاء وللرئيس عبد الناصر، ويؤكد: “أن صلابة وحدتنا على النضال والتضحية أخضعت المستعمر”. رغم أن تلك الفترة شهدت ظهور أحد أهم شيوخ التنوير الديني في مصر وهو الشيخ محمود شلتوت (1893-1963) الذي كان شيخًا للأزهر سنة 1958م، وأول حامل للقب الإمام الأكبر، وكان الشيخ شلتوت من أعضاء دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعمل على القضاء على الخلافات بين المذاهب الإسلامية بإدخال دراسة المذاهب في الأزهر، وأشتهر بفتوى جواز التعبد بمذهب الشيعة الاثنا عشرية، وهذا نص الفتوى التي أصدرها حين قيل لفضيلته: إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لکي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح ان يقلد أحد المذاهب الاربع المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتکم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلًا، فأجاب فضيلته: إن الإسلام لا يوجب على أحد من اتباعه أتباع مذهب معين بل نقول: إن لکل مسلم الحق في أن يقلد باديء ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلًا صحيحًا والمدونة أحکامها في کتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبًا من هذه المذاهب أن ينتقل إلي غيره، أي مذهب کان، ولا حرج عليه في شيء من ذلك، وثانيًا إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعًا کسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما کان دين الله وما کانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالکل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس اهلًا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات، وفي كتابه (من توجيهات الإسلام)، ينتهي فضيلته إلى عدد من المبادئ الأساسية في الحكم منها أن الحاكم وكيل للأمة وليس له عليها سيادة بل هي سيدته وهو خادمها الأمين، فيقول: “من حق الأمة أن تختار حكامها، تعينهم وتعزلهم، وتراقبهم في كل تصرفاتهم الشخصية والعامة، فالحاكم يجب أن يكون حميد السيرة، فإذا ساءت سيرته فللأمة عزله، ويجب أن يكون عادلًا، فإذا ظلم فللأمة عزله، ويتفق الفقهاء على أن الحاكم هو مجرد وكيل عن الأمة يخضع لسلطات موكله في جميع الأمور، وهو مثل أي وكيل لفرد من الأمة في البيع والشراء يخضع لما يخضع له الوكيل الشخصي، وأن الشورى أساس الحكم، وأن الرقابة الشعبية حق للأمة، فمن حقها أن تراقب حكامها وتحاسبهم وترسم لهم خطوط تدبير مصالحها، وتشرف على التنفيذ، وتعدله حسب مصلحتها، وللأمة عزله إذا جار وظلم وظهر غشمه ولم يرع لناصح أو زاجر فإن رفض العزل عزلته بالقوة”.وصدر قبل وفاته قانون إصلاح الأزهر.ففي 22 يونيو 1961 أرسل عبد الناصر إلى رئيس مجلس الأمة خطابًا كان نصه: “أرسل إليكم صورة من مشروع القانون الخاص بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها لعرضه على مجلس الأمة لنظره على وجه الاستعجال” وتم تمرير القانون في نفس الجلسة. وكان هذا قمة التشابك بين دور الأزهر السياسي ورغبة النظام فيالسيطرة عليه. وسمي بـ (قانون الأزهر)، وبالإضافة إلى المقدمات السياسية والفكرية التي سبقت إرسال هذه الرسالة مثلالإعلان عنإعادة فتح الأزهر أبوابه لقبول الفتيات وتعيين المدرسات في هيئة تدريس الفتيات وتخصيص فصول خاصة بهم وغيرها، كانت مصر تستعد لاستقبال مرحلة هامة من تاريخها في نفس التوقيت، ففى 28 سبتمبر من ذات العام حدث الانفصال بين سوريا ومصر، وفي يوليو من نفس العام أصدرت الثورة قوانينها الاشتراكية، وبعد أقل من عام صدر الميثاق الوطني في مايو 1962، أي أن المناخ السياسي العام كان يدفع البلاد دفعًا إلى مزيد من الخطوات الثورية، ورأت السلطة السياسية آنذاك ضرورةاحكام السيطرةعلى المؤسسات القديمة، وخاصة المؤسسات الدينية وعليه أتى الأزهر في مقدمة هذه المؤسسات.وقد ألغى القانون الجديد مواد وأحكام القانون رقم 26 لسنة 1936 الخاصة بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والقوانين المكملة له والخاصة بإعطاء درجة من الاستقلالية لهذه المؤسسة الدينية، ثم يلي الإلغاء استبدالها بأحكام جديدة تعطى للدولة سيطرة كاملة على هذه المؤسسة (مادة 1)، وقد تمثل مضمون التطوير تعريف الأزهر بأنه: “الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث العلمي والفكري للأمة العربية وإظهار أثر العرب في تطور الإنسانية وتقدمها” (مادة 2)، وكان لهذا التطوير دلالته السياسية الهامة من حيث تأكيده لسيطرة الدولة على الأزهر وتبدت سيطرة الحكومة في العديد من النواحي، منها تعيين وزيرًا لشؤون الأزهربقرار من رئيس الجمهورية لتصريف شؤون الأزهر، ولهذا الوزير الحق في أن يطلب إلى المجلس الأعلى للأزهر أو الإدارات أو الهيئات أو اللجان الفنية المختلفة التابعة له بحث موضوعات معينة لإبداء الرأي فيها أو اتخاذ قرار بشأنها كما أن له كل السلطات المخولة للوزراء فيما يتعلق بشؤون الأزهر وهيئاته المختلفة (مادة 3). وقصر دور شيخ الأزهر على الشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية في الأزهر وهيئاته، ويرأس المجلس الأعلى للأزهر (مادة4). وأعطى القانون رئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر، سواء من بين هيئة المجمع العلمي للدراسات الإسلامية أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة في أعضاء هذه الهيئة، وإن كان من قبل تعيينه ليس عضوًا في تلك الهيئة، صار بمقتضى هذا التعيين عضواً فيها (مادة 5). كما أعطى القانون أيضًا لرئيس الجمهورية الحق في اختيار وكيل للأزهر من بين هيئة المجمع العلمي للدراسات الإسلامية أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة لأعضاء هذه الهيئة وإن كان قبل تعيينه ليس عضوًا في هيئة المجمع صار بمقتضى هذا التعيين عضوًا فيها، والوكيل يعاون شيخ الأزهر، ويقوم مقامه حين غيابه (مادة 7). ومقابل هذه القيود قامت الدولة بإغداق الأموالعلى رجال الأزهر، فبعد أن كانت ميزانيته عام 1952 لا تتجاوز مليونًا و537 ألف جنيه إذ بها تصل عام 1966 إلى 3 ملايين و291 ألف جنيه، وكان بالأزهر 25 معهدًا دينيًا وصلت في عام 1966 إلى 37 معهدًا،وكان به 22,135 ألف طالب وصلوا في عام 1966 أيضًا إلى 31,566 ألف طالب، ووصل عدد المبعوثين في الخارج إلى حوالي 200 عالم، وبنى الأزهر مدينة للبعوث الإسلامية بتكاليف مليوني جنيه، وبهذا القانون تلاشت استقلالية الأزهر واستقلاله الذي تمتع به وقت أن كانت ميزانيته مستقلة نسبيًا عن الدولة قبل الثورة. وبذلك أصبح الأزهر مؤسسة دينية وهابية ضخمة بعيدة عن التنوير والاستنارة، بل تسابق شيوخه على اصدار فتاوى لقضايا بعيدة عن روح العصر وتجلياتهوتدعم الاستبداد وتشرعنه، وكانت تصرفاتهم وسلوكياتهم تلك أحد أسباب تمرد الكثير من دارسي الأزهر ودفهم إلى تبني الوجه المتطرف والإرهابي للوهابية كمعادل موضوعي لانبطاح شيوخ الأزهر بشكل عام،الذي أصبح رجاله موظفين في الدولة حريصين على المناصب الحكومية إلى درجة الوزير ويتسابقون على اظهار الطاعة وخدمة السلطة واستخراج ما يضفي الشرعية على سلوكيات وسياسات النظام الجديد، التي كانت في تصورنا بغير حاجة إلى اثبات شرعية لأنها استمدتها بالفعل من قبل الإنجازات الحية التي أحدثتها بالمجتمع في اتجاهات متعددة، منذ نجاح عبد الناصر في استكمال قضية التحرر والاستقلال الوطني، وتحقيق الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة،وخاصة وأن الخصم التقليدى للنظام السياسي على الساحة الدينية لم يكن موجودًا يومئذ، وهو الإخوان المسلمين. وكذا تم زيادة دور الكنيسة ورجال الدين المسيحي والتعامل مع البابا من باب أنه ممثل الأقباط المصريين بدلًا من تأصيل ودعم مدنية الدولة ومبدأ المواطنة التي تتعارض مع هذه التقسيمات الطائفية،وكذا التصالح السلبي مع التيار الوهابي الخامل خارج نطاق الأزهر الذي لم تمسه الدولة بل دعمته أحيانًا وتمثلفي الجماعات والروابط الدعوية الوهابية التي اتخذت مسميات متعددةووضعت أيديها على الكثير من المساجد الكبرى في كافة أنحاء البلاد، علاوة على التواجد الفعال في المجتمع المدني وخاصة الجمعيات الخيرية، مثل الجمعية الشرعية الوهابية التي استمر نشاطها طيلة الحقبة الناصرية بكل حرية والكثير غيرها. مما أفضى إلى نمو هائل للفكر السلفي الوهابي الذي وفر الأرضية الفكرية والثقافية، وكذا الحاضنة الاجتماعية لنمو الحركة الوهابية التكفيرية(النشطة) متى سنحت لهم الفرصة بذلك.
وبالبحث عن مصادر الفكر الديني عند عبد الناصر، من خلالتناولعلاقاته العملية والفكرية في المرحلة السابقة على قيام ثورة 1952،والتي تتحدد في علاقة عبد الناصر بكل منالإخوان المسلمين، والشيوعيين، ومصر الفتاة، والوفد.نجد أن علاقته بالإخوان المسلمينقد أخذ منها الانضباط ودقة وهرمية النظام، ولكن لم يصل هذا التأثير لأبعد من هذا، فلم يأخذ عنهم عبد الناصر فكرة الربط التام بين الدين والسياسة، وهو ما جعل عبد الناصر وثيق الصلة بالشيوعيين بنفس الثقل ولكن دون أن يؤمن بالفصل التام بين الدين والسياسة التي كانت عاملًا مشتركًا بين الشيوعيين وحزب الوفد والتي تجلت في موقف الشيوعيين في أزمة مارس 1954 بخصوص مسألة الديمقراطية وعودة الحياة النيابية، وإن كان عبد الناصر قد تعرفعلى نظرية الاشتراكية العلمية عن طريقهم وآمن بأغلب مبادئها وسعى بكل جدية إلى تطبيقها حسب رؤيته الخاصة والتي أطلق عليها (التطبيق العربي للاشتراكية العلمية). ولكن ظلت العلاقة مفقودة تمامًا بين عبد الناصر وحزب الوفد الذي مثل الليبرالية المصرية، فهذه العلاقة لم تكن قائمة بنفس الدرجة التي قامت بين عبد الناصر وجماعات الرفض الأخرى كالإخوان المسلمين والشيوعيين ومصر الفتاه. وهو الأمر الذي قد يفسر ما أشار إليه أحمد حمروش بأنه لم يكن موجودًا بين قيادة التنظيم قبطي واحد، مما يعنى عدم تأثر عبد الناصر بعلمانية الوفد وموقفه تجاه مسألة الوحدة الوطنية قبل الثورة، وعلاقة الدين بالسياسة، ولكن لم يمنعه هذا عندما تولى السلطة رسميًا عام 1954 من أن يبدأ طريقه مع العلمانية الاجتماعية، وإن كان بأداء مختلف عن أداء الوفد. أما بالنسبة لعلاقة عبد الناصر بـ (مصر الفتاة)، فيرى البعض أن نظرة عبد الناصر إلى السلطة، وموقفه وسياساته تجاه البريطانيين أو الغرب والشرق العربي، والعالم، كذلك إدراكه للمسألة الوطنية المصرية، وموقفه الديني بشكل عام، كل هذه الأمور تبدو قريبة الشبه جدًا من تصور (مصر الفتاة) إلى الحد الذي يصعب معه اعتبارها مجرد صدفة أو مبالغة في التقدير. لتصبح أهم روافده الفكرية، وقد تعود إليها نظرته إلى قضايا الإصلاح وسياسات التمصير، حيث كان تأثير مصر الفتاة الديني على عبد الناصر واضحًا بالقدر الكافي في سياق معاداتها للنموذج الغربى، على وجه العموم، وهو السياق الذي يوضح موقع الدين والدولة عند عبد الناصر. كما تأتي تجربة عبد الناصر الشخصية في التعليم الابتدائي والثانوي واشتراكه في المظاهرات الصاخبة التي قادتها مصر الفتاة عام 1936 ثم دخوله في الكلية الحربية وتأثره بالنموذج العسكري في التنظيم والتفكير، تأتي هذه التجارب لتمثل رافدًا رابعًاوأخيرًا في روافد الفكر الديني لعبد الناصر، والتى تؤكد جميعها على نقطة هامة وهي أن عبد الناصر كان لا يميل إلى العلمانية بمعناها التاريخي أو الحديث أو الغربى في علاقة الدين بالدولة. مع ملاحظة أن الدين لم يكن عند عبد الناصر هو الإسلام وحسب، ولكنه مثل لديه كل التراث من قيم وتقاليد وتاريخ ديني، عاشته مصر والمنطقة العربية، ويعنى هذا إدخال المسيحية، وبعض العادات الدينية والفرعونية وغير الفرعونية، والتى لايزال المواطن العربي والمصري يمارس بعض طقوسها كالموت أو زيارة القبور أو إرسال الرسائل إلى الموتى وما شابه ذلك، أما الإسلام فهو أكثر تحديدًا وأقل شمولًا من الدين عند عبد الناصر.كما أن الدين ككلمة أو كفكرة، استخدمت عند عبد الناصر في المجال الداخلي المصري أو الإقليمي العربي، فهي لم تتعد كثيرًا عنده إلى حيث الإطار الدولي أو إطار العالم الثالث أو الإسلامي، فالدين استخدم في مواجهة الرجعية العربية وأعداء الاشتراكية والتنمية والجمود الفكري حيث يقول: “الرجعية التي أرادت احتكار خيرات الأرض لصالحها وحدها أقدمت على جريمة ستر مطامعها بالدين، وراحت تتلمس فيه ما يتعارض مع روحه ذاتها لكي توقف تيار التفكير”.كما يلاحظ استخدام عبد الناصر لكلمتي التضامن والتعاون وعدم استخدامه لكلمة الوحدة مع العالم الإسلامى، حيث لم يظهر أساسًا مفهوم الوحدة الإسلامية طيلة الحقبة الناصرية.
رفض عبد الناصر الرؤية المتزمتة والتفسيرات الجامدة للدين وللإسلام، ويفرق عبد الناصر هنا بين الإسلام كعقيدة ثابتة ومقدسة وبين الفكر الدينى المتجدد والمتغير ويرفض عبد الناصر هنا أيضًا احتكار بعض القوى الدينية لحق تفسير الدين وخاصة إذا تعارض هذا التفسير وعملية التحول الاجتماعي التي يقودها، عندئذ يصير الدين جزءً من عملية التعبئة السياسية في مواجهة الفكر الرجعي، وفي مواجهة الأعداء التقليديين له، الرجعية العربية والاستعمار وإسرائيل، ولعل في نموذج اعتلائه لمنبر الأزهر إبان العدوان الثلاثي عام 1956 في مجال الحديث عن الدين كعنصر في عملية التعبئة السياسية ومواجهة الصراع الخارجي وبهدف تعبئة الجماهير، ما يؤكد عليه. كما نجد أنه يرى أن الدين لا يصلح كأيديولوجية سياسية مستقلة بل يصلح كأداة وكمنطلق وكأحد العناصر لأيديولوجية سياسية هي(القومية العربية)، ومن هنا نجد أن رؤية عبد الناصر للدين تتمحور حول اعتبار الدين أحد عناصر القومية العربية،وعملية التعبئة السياسية، وعملية التغير الاجتماعي، وعملية المواجهة للصراع الخارجي. كما أنعبد الناصر لم يستخدم الدين في عملية التعبئة السياسية إلا عندما كان يدرك تعرض نظامه السياسي إلى أزمة حادة، أي أنه لم يستخدم الدين أو الاستدلال به إلا في ظروف أزمة قد تؤثر على شرعية نظامه أو تؤدي به، تمثل هذا داخلياً في أزمة الصراع مع الإخوان المسلمين عام 1954، وتمثل خارجيًا في هجومه على السعودية والرجعية العربية. وذلك بالاستدلال بالرسول (ص) وبتراثه الكفاحي وبالأزهر وتاريخه أو بصلاح الدين الأيوبى أو بقيم وخبرات النضال العربي والمصري في مواجهة الاستعمار الخارجي أو القوى الدخيلة عليه وربط كل هذه القيم بحاضر المنطقة والأزمة التي يعالجها فيقول: “طول عمر هذه المنطقة العربية تمسكت بالدين، وطول عمر هذه المنطقة العربية دافعت عن الدين، وطول عمر هذه المنطقة تدافع عن الدين، ولم تمكن أى خارج عن الدين من أن يكون صاحب سلطة فيها، إذا اعتقد حكام سوريا، حزب البعث في سوريا، أن السلطة دامت إليه النهارده، وأصبحت الفرصة مواتية أمامه لكي يكشف عن نفسه، ويكشف عن نواياه، تطلع اذاعة دمشق امبارح بهذه التعليقات لتهاجم الدين وتهاجم ما كُتب عن الدين، بأنها أفكار دينية عفنة فهم في هذا واهمين” خطابه بتاريخ 28/7/1963.وبخصوص انتكاسة الوحدة بين مصر وسوريا نجد أن عبد الناصر قد عاد مرة ثانية إلى التركيز على وحدة الطريقين (العروبي، والإسلامي)، وخاصة إذا اتسما كلاهما بالثورية أو التقدمية، وهي عودة تؤكد تأثير الوحدة وتجربتها على فكر عبد الناصر عمومًا، كما يلاحظ على الفترتين السابقتين أيضًا أنهما كانتا فترتي انكفاء داخلي وأولوية لقضية التنمية، وبروز للإسلام على الساحة الخارجية، وتحديدًا من قبل المملكة العربية السعودية، مما استلزم الدفاع عن التجربة بذات السلاح، أما في خلال الفترة (1962 – 1964) فقد تطورت ثورتا اليمن والجزائر، وتم استخدام الدين في ثورة اليمن فالمواجهة كانت مع القوى التي ترفض التقدم باسم الدين فاليمن حسب قول ناصر: “لا يتقدم، لا توجد به مدرسة ثانوية، أو مصنع واحد، ولا يوجد به تعليم، ولا توجد به منشأة صحية، اليمن لا يتطور مع العالم، هل هذا هو الإسلام، أبدًا، الإسلام هو دين الحق، دين الحرية”. خطاب عبد الناصر في وفد اليمن بتاريخ 18/7/1963. وفي ثورة الجزائر أُعيد استخدام الدينلتأكيد الهوية العربية وتأكيد الذات في مواجهة فرنسا، ومن ثم كان طرح علاقة التلازم بين طريقي العروبة والإسلام. ويلاحظ على الفترات التي زاد فيها الحديث عن الدين في خطب وأحاديث عبد الناصر، أن الفترة (67 – 1970) هي أعلى الفترات التي استخدم فيها عبد الناصر ما يمكن تسميته بالخطاب الديني، وهو ما يبدو متسقًامع نهجه السابق، حيث كان السياق التاريخي والسياسي والذي اتصف بهزيمة عسكرية فادحة في عام 1967 أودت بمكاسب كثيرة أوجدها عبد الناصر في المجتمع المصرى، مما دفعه إلى أن يرجعها كونها “قدر” وأنها من “الله” تعالى ومواجهتها تطلب “الإيمان” وأدت هذه الظروف – أيضًا – إلى حالة التقارب الملحوظ مع الدول العربية المحافظة والتي يلعب الإسلام دورًا هامًا في التعامل معها. كما تزايد الدين كفكرة مستخدمة في وثيقة الميثاق الوطني مقارنًا بالوثائق السابقة.ونرى أن عبد الناصر لم يكن في أي يوم طيلة مسرته النضالية في حاجة إلى هذه الخطايا في تعامله مع الدين، سواء بارساء مبدأ استخدام الدين لتمرير أو تبرير أعمال سياسية، أو إدانة وشجب تصرفات سياسية من آخرين سواء داخليًا أو إقليميًا أو دوليًا. وأن تبعات هذه التصرفات قد تتضخم وتنفجر في وجه الجميع، وتودي بكل إنجاز وتشوه كل صائب وجيد ولا تؤتي إلا بالدمار والخراب، وهو ما حدث بالفعل لاحقًا.
كان لتأخر الإصلاح السياسي الذي وعدت به الثورة في بداية مسيرتها والذي تأجل مرارًا حتى توارى من أجندة السلطة السياسية، دورًا داعمًا لتغلغل الوهابية داخل النسيج المصري بسبب الفراغ السياسي الشعبي الذي لم يستطع التنظيم الواحد الفضفاض والمرتبط بالسلطة ارتباطًا تامًا أن يملأه وذلك باعتراف ناصر نفسه. وقد ابتكر عبدالناصر صيغة ديمقراطية خاصة بنظامه، فالتيار الذي يمثله هو (الأساس) ولا مانع لديه من أن تكون هناك (هوامش) صغيرة على هذا الأساس، سواء كانت ليبرالية أو ثيوقراطية أو ماركسية، وليس لديه مشكلة في أن يكفل لها بعضًا من حرية النقد، في إطار التأييد، من دون أن يكون لها الحق في الإتصال المباشر بالجماهير أو في التنظيم، لأن التنظيم يعني سلطة، ولأن عبدالناصر لم يكن مستعدًا لأن يترك أحد يسعى إلى السلطة، ذلك كلام لم يخفه عبدالناصر لكنه قاله علنًا لأسرة تحرير مجلة (الطليعة) التي رأس تحريرها لطفي الخولي بتشجيع عبد الناصر، عندما التقى بهم عام 1969 بمناسبة افتتاح مبنى الأهرام الجديد، إذ نصحهم بأن يقوموا بدور التبشير والتثقيف الثوري فقط، أما العمل السياسي المباشر أو إنشاء تنظيم مستقل فكلا وألف كلا، وكانت (الطليعة) التي صدرت أساسًا، كمجلة فكرية لـ (التنظيم الطليعي)، قد أُوكل أمرها إلى قطاع محدد من الماركسيين المستقلين (الغير منظمين داخل التنظيمات الماركسية)، وهو مايعني أن عبد الناصر كان يريد منح الماركسيين دورًا ثقافيًا معينًا في بناء تنظيمه السياسي، في إطار رؤيته لاستيعاب طاقاتهم الكبيرة وما يملكونه من قاموس نظري متكامل، في بناء شرعية أيدلوجية للنظام، بعيدًاعن الاحتكاك المباشر بالجماهير، وكان ذلك في اطار صفقة متبادلة إضطر إليها بعض الماركسيين، بعد أن تبين لهم بعد خروجهم من السجون عام1964، أنهم كانوا يعارضون نظامًا تجاوزت إنجازاتهوما أعطاه من مكاسب للناس، برنامجهم ذاته، وهكذا أصبح قطاع منهم أكثر ميلًا إلى بث أفكارهم النقدية من الداخل، وفي إطار التأييد، استنادًا إلى الأمل في أن يصحح النظام سلبيات تجربته. وبذلك رفضت التجربة الناصرية التنوع السياسي المنظم،والحركة العمالية والمهنية المستقلة، ومنعت تشكيل الاتحادات والروابط العمالية والمهنية المستقلة، كما أنها في نفس الوقت لم تسمح للطبقات التي عبرت عنها الثورة بالمشاركة السياسية والمجتمعية الحقيقية في الثورة، والدفاع عن مكتسباتهم بأنفسهم. وقد حاول عبد الناصر مرارًا أن يوجد تنظيمًا سياسيًا ثوريًا، يتفادى الهلهلة الاجتماعية والسياسية حسب تعبيره، وكان آخر تلك المحاولات تشكيل منظمة سرية تخضع لإشرافه شخصيًا، بإسم (التنظيم الطليعي) داخل الاتحاد الاشتراكي.ورغم تفهمنا للسياق التاريخي لهذه التجربة العظيمة في تاريخ الشعب المصري، وحجم التحديات التي جابهتها، وبصرف النظر عن التقديرات والرؤى الشخصية التي قد تختلف وتتباين حولها، فنموذج ناصر يتعلق برجال آمنوا بعدالة قضاياهم ولم يساوموا عليها، إلا أنها أكدت على عدة أمور هامة.. الأمر الأول أنها أكدت على أنه مهما عظمت شخصية القائد، فإن ذلك كله لا يحول دون احتمال تعرض كافة خطواته وإنجازاته إلى الانتكاس أو الهدر والضياع، وأن ما يحمي تلك المنجزات والمكتسبات من التبدد والاندثار هو وجود دولة المؤسسات والحق والقانون، التي ترتكز إلى النظام الديمقراطي وتأخذ به وترسي وجودها وقوتها إلى وجود قوة المجتمع المدني وتمثيلاته المختلفة، فتطلق الحريات،وتفجر طاقات الجماهير، وتساوي بين المواطنين كافة في الحقوق والواجبات،ويمكننا هنا تسجيل ذلك التعارض الجلي بين فهمين وثقافتين، ثقافة الدولة والمؤسسات التي تتطلب عملًا منظمًا وجماعيًا بمشاركة الجميع ولصالح الجميع، وثقافة البطولات الفردية الخارقة حيث ينتظر الجميع مجيء ذلك المخلص والمنقذ الذي سيقيم العدل ويرفع الجور والظلم عن العباد والبلاد دفعة واحدة، كصورة (المسيح المخلص) أو (المهدي المنتظر) في معتقداتنا الشعبية، أو فكرة (المستبد العادل) في تراثنا الثقافي، أو نموذج المثقف الأممي المناضل الذي ازدهر في ستينيات القرن العشرين مع حالة العنفوان الثوري في العالم حينئذ.. والأمر الثاني يتمثل في التناقض المتواصل والمتجدد بين الالتزام القومي العروبي، وبين الأخذ بمفهوم ومبدأ المواطنة، واعتماد الديمقراطية والتعددية الثقافية والسياسية، واحترام حقوق الإنسان والإقرار بتداول السلطة وليس احتكارها وتوريثها، هذا التناقض مع المفاهيم العصرية والحداثية، أدى إلى عرقلة وإعاقة انتقال مجتمعاتنا إلى الاندماج مع العصر الراهن وتلبية متطلبات واستحقاقات هذا الانتقال، كما هدد السلم الاجتماعي في أغلب البلاد العربية، حيث انتشرت الحركات الوهابية الظلامية والتكفيرية،وبرز وشاع الاقتتال الأهلي لأسباب إثنية أو دينية أو طائفية في ظل العديد من تلك الأنظمة.. والأمر الثالث، إنه تحت تلك الشعارات نشأت أنظمة فاقت كل الوصف في استبدادها وسطوتها، حتى حولت بلدانهم إلى ما يشبه المزارع الخاصة، بل وأورثوا سلطاتهم لأبنائهم، أو إعدادهم لذلك..والأمر الرابع أن غياب الحريات السياسية وحرية تكوين الأحزاب والمنظمات والنقابات والاتحادات المستقلة سواء العمالية أوالفلاحية أو المهنية أو الطلابية، وكذلك غياب المشاركة الشعبية الفعلية في السلطة، وغياب الرقابة الشعبية، أدى إلى فساد وتغول الجهاز البيروقراطي الإداري والأمني بكافة فروعه، وتصدره لمركز الصدارة في السلطة، وأتيح لهم ان يقوموا بممارسات فظة لحقوق الإنسان وغيره، ونمت ثرواتهم وامتيازاتهم وزاد فسادهم واستحكمت قبضتهم وانفرادهم بالسلطة، فتقلص دور المجتمع وهيمنت السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وفرضت رقابة صارمة على الصحف ووسائل الإعلام، ووُصفوا في ما بعد بـ (قوى الردة)، لإنهم سرعان ما انقضوا على عبد الناصر وعهده وعملوا فيهما شطبًا وتمزيقًا بمجرد وصول السادات لرأس السلطة السياسية وانقلابه على كافة مباديء الثورة..والأمر الخامس هو ميل أصحاب تلك التجارب إلى تضخيم دور الخارج والمبالغة به من جهة، واستخدامه كمشجب تعلق عليه كافة الأخطاء والقصورات الذاتية والداخلية، وتجاهل تحصين الداخل وزيادة مناعته وفعاليته بواسطة مشاركته في الحياة السياسية والعامة، ثم إن الخارج لا يقتصر على الغرب الاستعماري، كما إن الخارج ليس معاديا بشكل مطلق ولا يشكل كتلة واحدة متماسكة وصماء ومعادية لنا، بل يمكن الاستفادة من كثير من الخلافات والتباينات بين دوله، وهذا يتطلب منا تحديد ما نريد وتحديد المشاريع والبرامج اللازمة لتحقيق ذلك. وقد أفضى ذلك إلى تفريغ الشخصية المصرية من روح تحمل المسؤولية والمشاركة الفعالة في الشأن العام، وغرس مبدأ التواكل والاعتماد على فكر الزعيم الأوحد والأقدر، وانتظاره إن لم يكن موجودًا، في حالة تعايش وتقبل وتكيف صريحة مع الاستبداد، فأصبحت بذلك خارج التاريخ ومتطلباته وتجلياته، وقدمت النموذج المؤهل تمامًا للتجنيد في المنظمات التكفيرية والإرهابية الفاشية في حالة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة وغياب الهُوية.لذلك ظلت العوامل الموضوعية والذاتية باقية لتسمح بتكرار تجربة الإخوان المسلمين الكارثية مرة أخرى.
رغم عظمة منجزات التجربة الناصرية مقارنة مع دولة تزامنت نهضتها معنا مثل الهند، التي كانت مستعمرة بريطانية، وأصبحت الآن من أكبر الديمقراطيات في العالم، نتيجة للاختيارات الإستراتيجية التي وضعتها النخبة السياسية في بداية مرحلة الاستقلال، فقد تم انتخاب أول جمعية تأسيسية لصياغة الدستور في الهند في عام 1946، وهو تاريخ متأخر لعدة عقود عن التجربة الديمقراطية المصرية،حيث عرفت مصر أول مجلس نيابي بالمعنى الحديث في عهد الخديوي إسماعيل في 22 أكتوبر 1866. وقد استغرقت كتابة الدستور الهندي أربع سنوات (1946-1950)، بما جعل المشرع الهندي يلم بكل حيثيات مجتمعه، والذي يعتبر الوثيقة الأطول في العالم من حيث مواده الدستورية، وقد ركز على أن الهند جمهورية اتحادية (فيدرالية) وهي دولة (علمانية) وستكون أرضًا للأديان المتعددة، وهو بذلك عبر بشكل مباشر وكبير عن المجتمع الهندي المتعدد الأديان واللغات والأقاليم، وفي نيسان 1952 أُجريت أول انتخابات للبرلمان الهندي بعد الاستقلال، وفاز حزب المؤتمر بأكثر من 70 % من المقاعد، من هنا ندرك أن الديمقراطية الهندية كان بنائها صحيحًا حيث تلازمت الإصلاحات السياسية مع الإصلاحات الاقتصادية، ورغم الصعوبات والتحديات الكبيرة التي واجهتها الهند كالحرب مع الصين وهزيمتها فيها وتخصيص مبالغ طائلة للدفاع والتسلح إضافة إلى المشاكل في البنجاب والصراعات في كشمير، إلا أن التجربة الديمقراطية الهندية لم تتعرض لسلبيات حادة وتجلت بشكل واضح إمكانات النخبة الهندية وقدرتها على إجادة فن إدارة الصراع وترشيده، ولقد أثبتت هذه النخبة جدارة فائقة في ذلك خاصة من خلال حزب المؤتمر الوطني الهندي بزعامة (نهرو)، الذي توفي عام 1964 وشكلت وفاته تحديًا كبيرًا لمسيرة الديمقراطية الهندية، الا أن انتخاب السيدة أنديرا غاندي بعد عامين من وفاة (نهرو) حسن من آداء حزب المؤتمر الذي تمحور حوله العمل السياسي في الهند، لقد عاد هذا الحزب بزعامة السيدة أنديرا وحصل على الأغلبية المطلقة بانتخابات عام 1971، ونجد أن حزب المؤتمر بزعامة غاندي آنذاك اتجه صوب النهج الاشتراكي في تسيير أمور البلاد استجابة لمتطلبات المرحلة في حينها وهذا ما يؤكد النهج الهندي الصحيح في التكيف مع العالم بما يحقق مصالح الشعب الهندي كافة. وما يمكن استنتاجه من التجربة الديمقراطية في الهند هو إدارتها المتوازنة بين التنمية الاقتصادية والسياسية بعدم تعليق واحدة منها على حساب الأخرى حيث سارت الإصلاحات الاقتصادية والسياسية جنبًا إلى جنب وبتوقيت ووتيرة واحدة، والانتباه النسبي إلى دور سياسات الرفاه والدعم الاجتماعي التي ساهمت في ضمان ديمومة تفاعل الشعب مع الإصلاح في الاتجاهين السياسي والاقتصادي، لأن التنمية الاقتصادية بحاجة إلى تكريس الشفافية والمساءلة والمحاسبة، والديمقراطية هي التي يمكنها أن تزرع ذلك وتنشره إلى حد كبير. وعملت الهند في الفترة الأخيرة وفق نظام الحزبين، كما أن نسبة مشاركة الناخبين في الاقتراعات عالية وخاصة بين الفئات الكادحة. وقدمتدليلًا على أن الديمقراطية ليست امتيازًا غربيًا، بل يمكننا أن نؤكد بأن رقي الشعب الهندي ودستوره الحضاري وقياداته الواعية بنت هذا الصرح الشامل في منتصف القرن العشرين ولا زال يؤدي دوره المطلوب، في حين خسرت مصر كل منجزات التجربة الناصرية العظيمة لغياب الحريات السياسية في الأساس، ويشكل القضاء والاعلام الهندي إحدى المداخل الحيوية لتحقيق التنمية، إذ يتمتع القضاء بالاستقلالية، وعلى مدى العقود الماضية، شهدت الهند عددًا من الأحكام القضائية ذات التأثير المصيري، ففي عام 1975 تجرأت المحكمة العليا في مدينة “جلال أباد” وأبطلت انتخاب رئيسة وزراء البلاد “أنديرا غاندي”، كما يعكس الإعلام القوي الذي تمتع به الهند، سواء المكتوب أو البصري أو الإلكتروني، مختلف الآراء السياسية سواء المعارضة أو المؤيدة، كما تعزز قوة الديمقراطية الهندية بوجود أحزاب قوية وهيئات مجتمع مدني فاعلة في المجتمع، إذ تتم المداولات الديمقراطية في الهند عبر تركيبات سياسية متشعبة، تضم الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمسؤولين المنتخبين محليًا، والعديد منهم من النساء، وتساعد هذه العملية في تحديد المشكلات، وتحاط الدولة علمًا كي تجد لها حلًا، ولعل في ذلك دلالة واضحة على ديمقراطية الهند. ففي واقع الأمر يعد العامل الديمقراطي أكثر من أي عامل آخر، المسؤول عن لم شمل تلك الدولة ذات الأطراف الشاسعة، والتنوع الشديد، كما ساهمت الحياة الديمقراطية في الهند في حماية منجزات الشعب الهندي وتواصل تقدمه رغم بطئه، فحمت الأقلاع الاقتصادية، والتي قامت أساسًا على قدرات ذاتية وعلى إبداع العلماء الهنديين، كما صانت المرونة والاستقلالية اللتين يتمتع بهما صانع القرار الهندي في السياسية الخارجية.
كان الإحياء الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في مصر على أيدي سيد قطب (1906-1966)، الذي حمل الفكر الحنبلي التيمي الوهابي الإرهابي كما أوضحنا سابقًا، وأضاف عليه فكرًا لا يقل رجعية وظلامية واستبدادًا عن سابقيه، وهو فكر أبي الأعلى المودودي(1903-1979)الذي تطابقت أفكاره وآراءه الفقية مع الوهابية،والذي إنقض علينا من أقصى الشرق من القارة الهندية،بإفكه وتخرساته،ليتلاقى ويتفاعل مع البعد المحلي والإقليمي، في تشكيل منظومة الوهابية العالمية. فقد أكد المفكر الإسلامي جمال البنا، أن اطلاع سيد قطب على كتب أبي الأعلى المودودي كانت أحد أسباب جنوحه إلى التكفير والتطرف. فرغم تمسك قادة حزب المؤتمر الهندي بقيادة غاندي ونهرو ومولانا أبوالكلام آزاد (الزعيم المسلم المستنير) بالوحدة الوطنية بعد استقلال الهند، ورفض التقسيم على أساس ديني، إلا أن رواسب الماضي وعدم الثقة في مستقبل التعايش السلمي، قادت الرغبة الباكستانية إلى الانفصال، وعبر عن هذا الاتجاه حزب (الرابطة الإسلامية) الذي تزعمه قائدان بارزان هما الدكتور محمد إقبال ومحمد علي جنة، ورغم ظهور الطابع العلماني في بداية تكوين الدولة الوليدة على أيدي (علي جنة) الذي استطاع الوصول بها إلى بر السلامة، إلا أن طريقة سير الأحداث،والمشاحنات الطائفية التي صاحبت الانفصال، والتخلف الحضاريالذي واكب نشأة الدولة الإسلامية الوليدة، أدت إلى ظهور أبي الأعلى المودودي وإلى اتخاذه لاتجاهه الخاص. وعلى خطى بن عبد الوهابكان المودودي يرى أن الدولة الوليدة ليس فيها من الإسلام إلا الاسم، ولما كان الإسلام هو مبرر وجودها فيفترض أن يقوم هذا الوجود على أصول إسلامية لم تتوفر لدى قادة الرابطة الإسلامية لأن ثقافاتهم كانت أوروبية!!. وكان المودودي يؤمن بفكرة أن الفاتحين المسلمين للهند لو سلكوا مسلك السياسة الإسلامية التي وضع أسسها الرسول والخلفاء الراشدون لكانت الهند قد أصبحت أمة مسلمة. وقبل استقلال باكستان بست سنوات، في 26 أغسطس1941 أسس (الجماعة الإسلامية) على النمط الوهابي،وفي كتابه (الحكومة الإسلامية) وهو من الكتابات المتأخرة للمودودي عرض القضية كالآتي: “إن المطالبة بالحكومة الإسلامية والدستور الإسلامي تنبع من الشعور الأكيد بأن المسلم إذا لم يتبع قانون الله، كانادعاؤه الإسلام باطلًا لا معنى له… ويقرر القرآن أن الله تعالى هو مالك الملك، ومن ثم فهو صاحب الحق في الحكم بداهة، كما يقرر أن تنفيذ أوامر أحد غيره، أو حكم أحد سواه في أرضه وعلى خلقه، إنما هو باطل وكفر مبين، والصواب أن يحكم الحاكم بقانون الله ويفصل في الأمور بشريعة الخالق بوصفه خليفة لله ونائبًا عنه في أرضه وبناء على هذا سُلب الإنسان حق التقنين لأنه مخلوق ورعية، عبد ومحكوم، ومهمته تتركز في اتباع القانون الذي سنه مالك الملك وأن الحكومة الصحيحة العادلة في أرض الله هي التي تتأسس وتحكم بالقانون الذي بعثه الله على أيدي أنبيائه، واسمها (الخلافة)… وأن كل ما يصدر من أعمال من قبل أي حكومة تقوم على أساس شرعة أخرى غير شرعة الله وقانونه الذي جاء به الأنبياء من لدن رب الكون وإلهه باطل لا قيمة له ولا وزن، وحكمها غير شرعى البتة، فإذا كان مالك الملك الحقيقى لم يعطها سلطانا، فأنى لها أن تكون حكومات شرعية… إن القرآن الكريم يرى كل ما تقوم به هذه الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون – وأعنى بهم رعايا الله الأوفياء – وجود هذه الحكومات باعتبارها أمرًا واقعًا خارجًا عن إرادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل في أمورهم وقضاياهم، إذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الأصلي (الله) أو قبولهم حكمًا في مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الأوفياء مهما ادعى الإسلام والإيمان”، ويمكن تلخيص فكرة المودودي في قواعد ثلاثة: أولًا (العبودية لله) التي تجعل المسلم يعيش في كل حركاته ابتغاء مرضاة الله والتزاما بما وضعه الله. وثانيًا (الحاكمية الإلهية) التي تجعل المجتمع يحكم بما أنزل الله ولا يجوز لفرد أو سلطان أو هيئة أو شعب وضع القوانين طبقًا لما يراه. وثالثًا (الجاهلية) وهي الصفة التي أطلقها المودودي على المجتمعات التي لا تؤمن بالحاكمية الإلهية، حتى لو كانوا من المسلمين. وعن علاقة الإنسان بربه يقول المودودي:”الإنسان خُلق عبدًا – والعبودية هي فطرته التي فطره الله عليها – فليس له أن يكون حرًا لا في فكره، ولا في عمله، من هذه العبودية عليه أن ينظر في جميع مظاهر حياته وجميع أوقاته ما هو رضا الله؟ وما هو سخطه ليتخذ ما كان يرضي الله ويبتعد عما يسخط الله – ابتعاده عن النار – ويسلك المسلك الذي يحبه الله ويجتنب الطريق الذي يبغضه، وإذا رأيت أحدًا قد صيغت حياته في هذا القالب صياغة كاملة فاعلم أنه أدى حق عبوديته لسيده ومولاه وأتم الغرض المنشود لآية “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلا لِيَعْبُدُونن”،ويستطرد المودودي فيقول:”ليس لأحد من دون الله شىء من التشريع، والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا ولا يقدرون أن يغيروا شيئًا مما شرع الله لهم. وإذا وُجد نص من نصوص الكتاب والسنة في شأن من الشؤون فليس لأحد من أمراء المسلمين ولا لمجتهد ولا لعالم ولا لمجلس تشريعي بل ولا لجميع المسلمين في العالم أن يصلحوا أو يغيروا منه كلمة واحدة.”، متجاهلًا قوله تعالى “وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانً”. وما يأمر به القرآن مرارًا من التفكير والتدبر في آيات الله فهناك فرق شاسع بين الموقف المنغلق للمودودي والموقف المنفتح للقرآن… وكان لهذا الفكر المحاكي للفكر الوهابي التيمي الحنبلي تأثيره الكبير علىفكر الجيل الثاني للإخوان المسلمين المتمثل في فكر سيد قطب.. وهو موضوع مقالتنا القادمة.

التعليقات