الإثنين - الموافق 18 مارس 2019م

(20) الوهابية والدولة المصرية (مصر الناصرية 3-3).. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا، على الجذور الفكرية للوهابية في مقالتين متصلتين، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، وثلاث مقالات متصلة عن الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي، ومقالة عن التسلل الوهابي للأمة المصرية، ومقالة عن التطويق الوهابي للأمة المصرية وإجهاض المشروع التنويري المصري الأول، ومقالتنا هذه الثالثة عن الوهابية والدولة المصرية (مصر الناصرية 3-3).
أوضحنا سابقًا كيف سعى تنظيم الإخوان المسلمين الوهابي منذ البداية، إلى اختراق صفوف الجيش والشرطة، وسعوا بقوة إلى بناء تنظيمات إخوانية مستقلة في داخلهما، للاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري. ولكن تقلص هذا الدور بعد عمليات الاغتيالات التي قاموا بها وأدت إلى التصادم مع الدولة المصرية، كما أفضت إلى اغتيال حسن البنا. فاتجهوا إلى فرض وصايتهم على تنظيم الضباط الأحرار الذي تميز بشمولية تعبيره عن كل أطياف الأمة المصرية وتياراتها السياسية والوطنية آنذاك، والذي نجح بالفعل في إحداث تغيير نوعي في طبيعة الحكم، وذلك باسقاط رأس السلطة السياسية، وإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية. ومنئذ استمرت محاولات الإخوان لسرقة الثورة، واستخدموا كل الوسائل القذرة من تآمر مع كل أعداء التغيير والتطور والتحديث في الداخل والخارج، وممارسة العنف والقوة المسلحة التي وصلت إلى حد محاولة اغتيال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في حادث المنشية الشهير، علاوة على ما ثبت من خطط دموية ومؤامرات خيانة للأمة المصرية لا حصر لها، والتي لم يُكتب النجاح لأغلبها، وقد قمنا بنشر ما يكفي من وثائق ووقائع تاريخية لتوضيح تلك الأحداث. وأوضحنا كيف أدى صراعهم المستميت على السلطة واستغلالهم لحالة الفوران الثوري في هذه الحقبة، إلى انكشافهم وفضح أهدافهم ونواياهم، وهزيمتهم السياسية الساحقة على أيدي الجناح الأكثر واقعية وموضوعية وتناغمًا مع طبيعة المرحلة التاريخية داخل مجلس قيادة الثورة بزعامة عبد الناصر. ثم كان سحب البساط من القواعد الشعبية للإخوان بالإنجازات الاقتصادية والاجتماعية على الأرض. وفي النهاية أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا عام 1954 بحظر نشاط جماعة الإخوان المسلمين كما أوضحنا ذلك بشيء من التفصيل. وكان وصول عبد الناصر إلى رأس السلطة نقطه التحول التي شن بعدها جماعه الإخوان حربًا ضروسًا على الثورة والدولة المصرية. حيث فشل الإخوان في تولي نجيب رغم مساندتهم العمياء له، وعقدهم للعديد من المؤتمرات واللقاءات الحاشدة التي نظموها لمحمد نجيب من الصعيد إلى الإسكندرية بعد أن عجزوا عن تطويع الجناح الذي يقودة عبد الناصر لخدمة أهدافهم الظلامية والرجعية.
ارتبطت تجربة عبد الناصر منذ بدايتها بالتطلع إلى إنجاز نهضة شاملة في كافة المجالات، وترافق ذلك مع السعي الحثيث نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، بإزالة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة بين طبقات المجتمع. وكانت أولى الخطوات إنشاء مجلس أعلى للإنتاج، وآخر للخدمات لإدارة عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعى في الداخل. فمنذ البداية كانت ثورة يوليو منحازة لطبقة الفلاحين والعمال والفقراء وكافة شرائح الطبقة الوسطى، فبعد اقل من 50 يومًا، في التاسع من سبتمبر 1952 أصدر مجلس قياده الثورة قانون الإصلاح الزراعي الذي أحدث تغيرًا جذريًا في تركيبه المجتمع المصري. وقد صدر القانون على ثلاث مراحل من مائتي فدانًا عام 1952م، إلى مائة فدانًا عام1961م، ثم خمسين فدانًا عام 1969م، وانتهت بتوزيع 989.184 فدانًا على المزارعين عام 1969م (حسب الإحصائيات الرسمية)، رغم المعارضة الشديدة لحسن الهضيبي مرشد الإخوان للقانون، حيث اشترط ألا تقل الحيازة عن خمسمائة فدان. وكان القانون بمثابة الشراره الأولى التي تسببت في كره قادة جماعة الاخوان وقتها لعبد الناصر. كما تقرر في 17 سبتمبر 1952 تخفيض إيجارات المساكن 15%، وتوالت سياسة التخفيضات وتجريم (خلو الرجل)، وقد قُصد بتلك الإجراءات التيسير على عمال المدن والحرفيين والموظفين نظرًا لثبات الأجور نسبيًا. وبعد أن أسدل مجلس قيادة الثورة بقيادة عبد الناصر الستار على الصراع على السلطة وحسم المعركة لصالحه، اتجهت مصر نحو مرحلة جديدة من مراحل الحكم والحياة السياسية عبر (التنظيم الواحد)، وتميزت هذه المرحلة بأنها مرحلة تحرر قومي من الاستعمار، ومنها استمد جمال عبد الناصر أوضح مميزاته، كان فيها قائد معارك التحرر الوطني ضد الاستعمار القديم والجديد والاستيطاني والتبعية بكل أنواعها، وقد استغرقت تلك المعارك جل حياته. حيث كان تنظيم الضباط الأحرار التنظيم الأول للثورة، وتمثلت أهدافه في المباديء الست المعروفة، وهي: القضاء على الاستعمار، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة عدالة اجتماعية. وتقدمت الثورة بكل ثبات وتحدي لتحقيق تلك الأهداف بشكل أقرب إلى المعجزة، ولكنها ظلت مترددة ثم رافضة لمبدأ إقامة حياة ديمقراطية وحزبية، بذرائع وتبريرات كثيرة ومتعددة. وكان التنظيم الثاني للثورة (هيئة التحرير) عام 1953 التي قامت كأول مشروع للثورة لبناء الشرعية الثورية، وحل معضلة الديمقراطية في مصر، كما رآها عبدالناصر، والتي ترفض التعدد التنظيمي بشكل مطلق، وإن كانت لا ترفض تعدد الأفكار ووجهات النظر بل وتحميها أحيانًا كثيرة طالما ظلت في حدود الرأي والفكر، وقد استفحل كره الإخوان للثورة بعد قرار إنشاء تنظيم (هيئه التحرير) حيث رفض الإخوان الاندماج فيه، بسبب رفض عبد الناصر الانصياع لشروطهم الظلامية والرجعية التي أشرنا إليها سابقًا، مما دفع حسن الهضيبي إلى إصدار بيانًا وزعه على جميع شُعَب الاخوان، قال فيه: “إن كل من ينضم إلى هيئه التحرير يُعد مفصولًا من الإخوان”.
كانت قيادة ثورة يوليو منذ البداية تدرك الطبيعة الاستغلالية للرأسمالية العاليمة، وتعي أهدافها الحقيقية المتمثلة أساسًا في تطويع دول الأطراف غير الرأسمالية وتدجين أنظمتها السياسية بما يحقق مصالح دول مركز الرأسمالية العالمية، وذلك باستمرار تدفق المواد الخام الرخيصة إليهم، وفتح أسواق جديدة لمنتجاتهم، من أجل تدفق رؤوس الأموال اللازمة لنمو واستمرار الرأسمالية العالمية، وهي الشروط اللازمة للحيلولة دون سقوط الرأسمالية ذاتها في المرحلة الاحتكارية آنذاك. ومن هنا قدمت ثورة يوليو1952منذ يومها الأول نموذجًا للتحدى لم تقدر القوى الاستعمارية التي كانت مسيطرة على النظام العالمى بعد الحرب العالمية الثانية على قبوله. حيث أمكن إحباط كل ما سبق قيام الثورة من محاولات مماثلة بالتدخل المباشر مثلما حدث مع حركة مصدق في إيران، أو أمكن احتواؤها وتطويعها مثلما حدث مع عديد من الحركات الوطنية في الدول العربية. في البداية ابتعد عبد الناصر عن الانسياق خلف المواقف والتقديرات المسبقة في تعاملة مع القوى العالمية الكبرى آنذاك، مفضلًا طرق جميع الأبواب لطلب المساعدة في إعادة بناء وطنه. فكان الاختبار الأول في ديسمبر1952، حيث أوفد لجنة من الجيش والبحرية إلى واشنطن للتفاوض على صفقة سلاح، ولكن واشنطن أبلغت مصر أن تدعيمها بالسلاح مرتبط بالقضايا المعلقة مثل الدفاع عن الشرق الأوسط وقضية الجلاء البريطاني عن مصر والعمليات الفدائية ضد الإنجليز في قناة السويس. وفي أكتوبر1953 قام الكاتب الأمريكي (كيرميت روزفلت) بزيارة للقاهرة وتجدد الحديث عن التسليح الأمريكى لمصر، وقوبل طلب مصر بالتسويف الأمريكي. وكانت الاتصالات مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تزامنت مع تصاعد الدعوة التي أطلقها عبد الناصر لإقامة نظام للأمن القومي العربى يرتكز على اعتبار الصهيونية هي مصدر الخطر الأساسي الموجه لمصر والأمة العربية وليس الخطر الشيوعي. ومثل هذا الإتجاه تحدي لمنهج التحليل الإستراتيجي الذي تتبعه القوى الاستعمارية آنذاك لشكل العلاقات المتبادلة مع مناطق العالم المختلفة والذي كان ينطلق من نقطة واحدة فقط هي مقاومة المد الشيوعي. وهو نفس الخطاب الذي حاول تيار الوهابية المصرية تصديره للغرب واعتباره نقطة التقاء بينهما كفيلة بدعم الغرب لهم ضد رجالات الثورة المصرية، وما استتبعه من تآمرهم مع القوى الرجعية المحلية، والإقليمية ممثلة في الكيان الوهابي السعودي، والاستعمار القديم والجديد، وقدمنا ما يكفي من وثائق ومستندات دامغة تأكيد هذا المسلك الشاذ على الساحة السياسية والوطنية المصرية، حيث ظل هذا المسلك مسلكًا شخصيًا وفي أضيق الحالات لما تمتعت به الأمة المصرية من حساسية قضية الوطبية. وتمثل الاختبار الثانى للموقف الأمريكى من ثورة يوليو في قضية الأحلاف، وهي أيضًا نقطة التقاء الوهابية مع القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، حيث كانت واشنطن مصممة وفقًا لرؤيتها في ذلك الوقت، على محاصرة الاتحاد السوفيتى بالأحلاف والقواعد العسكرية في كل مناطق العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط، وأدركت واشنطن أن قيام حلف في الشرق الأوسط بدون مصر سيكون حلفًا عديم القيمة من الناحية الإستراتيجية، ومن ثم جرى تكثيف العمل على ضم مصر لحلف بغداد الذي أُنشيء في 24 فبراير 1955 لهذا الغرض. ولم تكتف مصر الثورة برفض الانضمام للحلف فقط، بل خاضت معركة واسعة لمنع انضمام دول عربية أخرى إليه حتى سقط، حيث رأت فيه إعادة للهيمنة الاستعمارية وللتبعية الأجنبية. وأكد عبد الناصر بوضوح موقفه على رفض مقولة الانضمام إلى مقاومة الشيوعية مؤكدًا على الأبعاد التالية: أولًا أن الاتحاد السوفيتى الزعيم الأول للشيوعيين يقع على بعد آلاف الأميال من الوطن العربي، ولا يوجد معه اتصال جغرافي. وثانيًا أن معركتنا الحقيقية ليست مع الشيوعية، وإنما مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين، فالأولوية يجب أن توجه إلى فلسطين وإلى حماية أمننا الوطني والقومي.
رغم الاعتداءات الإسرائيلة المتكررة على غزة الخاضعة للإدارة المصرية آنذاك، إلا أن قيادة الثورة خلصت في هذه المرحلة إلى أهمية التحييد التكتيكي لإسرائيل قدر الإمكان، والتركيز على وضع مصر على عتبات التنمية الشاملة وبناء قوتها الذاتية، وكان ذلك بمثابة فطنة ونضجًا فكريًا وسياسيًا مبكرًا. كما كان مؤسس دولة إسرائيل (دافيد بن جوريون) أكثر إدراكًا لمغزى هذا التوجه داخل دوائر السلطة الإسرائيلية، فعندما التقى بوزير خارجية فرنسا (كريستيان بينو) في عام 1954 ثم مع (ناحوم جولدمان) رئيس المنظمة الصهيونية العالمية سألهما عن رأيهما في جمال عبد الناصر فكانت إجابتهما متقاربة وخلاصتها: “إنه رجل يميل للتعاون مع الغرب من أجل إصلاح الشأن في بلده وينادي بالتنمية بدليل أنه شكل مجلس أعلى للإنتاج وآخر للخدمات، ويأخذ مجلس قيادة الثورة بتوصيات المجلسين في تنفيذ مشروعات التنمية مثل التوسع في إقامة المدارس والمستشفيات وإنشاء مجمع للحديد والصلب وتطوير صناعات للغزل والنسيج… الخ”. وكان تعقيب بن جوريون: “إن هذا هو أخطر ما في سياسة جمال عبد الناصر، فالتنمية معناها القضاء على إسرائيل”. وفي العاشر من مارس 1955 التقى عبد الناصر مع السفير الأمريكى في القاهرة (هنري بايرود)، وطلب الحصول على السلاح الأمريكي وجاءت الإجابة سلبية، وأصبح ناصر على يقين أنه لن يحصل على السلاح من الغرب طالما أنه لم ينفذ شروطه فيما يتعلق بنظام الدفاع عن الشرق الأوسط، ومن ثم كان الاتحاد السوفيتى هو البديل الأنسب للغرب في توريد الأسلحة. وجاءت الفرصة أثناء انعقاد (مؤتمر باندونج) في الثامن من إبريل 1955، والذي كان بداية تكوين ما عُرف بعد ذلك باسم (حركة عدم الانحياز). حيث جرى أول اتصال بين عبد الناصر و (شو إين لاي) رئيس وزراء الصين، في غضون مؤتمر باندونج، ثم سأله ناصر عن إمكانية مساهمة الاتحاد السوفيتى في تزويد مصر بالأسلحة، ووعد شو إن لاي بمفاتحة المسؤولين السوفيت في ذلك، وعلى الجانب الآخر بحثت موسكو الطلب المصري بكثير من الجدية، ففى أعقاب عودة عبد الناصر من باندونج بفترة قصيرة تلقى رسالة من القادة السوفيت تتضمن موافقة القيادة السوفيتية على طلب مصر بشأن الحصول على الأسلحة. ولكن فضل الجانب السوفيتي أن تقوم تشيكوسلوفاكيا بإتمام الصفقة تجنبًا لإثارة الغرب إذا ما وقعت مع موسكو مباشرة. وأثار إعلان ناصر عن الصفقة ردود فعل عنيفة لدى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والغرب بصفة عامة. ووصفت الصحف البريطانية الصفقة بأنها خطوة مشؤومة وأن الاتحاد السوفيتي سيحصل على موطئ قدم في البحر المتوسط، ووجهت واشنطن احتجاجًا إلى الاتحاد السوفيتي، واتهمته بأنه يتصيد في الماء العكر.
يذكر سامي شرف في كتابه (سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر): “إنه فى عام 1953، وأثناء عملي بالمخابرات تلقيت تعليمات من البكباشي زكريا محيي الدين مدير المخابرات في ذلك الوقت، باختراق مبنى الكنيسة الإنجليزية في القاهرة وكان موقعها مكان فندق هيلتون النيل الآن، وذلك بعد أن وصلتنا معلومات تؤكد بأن ثمة نشاط يمارس من داخلها لا علاقة له بوظيفة الكنيسة ورسالتها الدينية، وأن البكباشي جمال عبد الناصر قد طلب تأكيد هذه المعلومات. وقد كُلفت مع النقيب محمد شكري حافظ من المباحث العامة، لتنفيذ هذه المهمة وتمكنا بالفعل من الوصول إلى مستندات ووثائق في خزانة الكنيسة مدونة باللغة الإنجليزية تتضمن رسائل متبادلة مع جهاز المخابرات البريطاني تتناول احتياجات للحصول على معلومات والردود عليها، كما كان من بين هذه المستندات محاضر اجتماعات عقدها المستر إيفانز المستشار الشرقي بالسفارة البريطانية بالقاهرة وبين بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين والتى كانت تُعقد في منزل أحمد سالم بالمعادي وأوضحت طلب الجانب البريطاني إقناع اللواء محمد نجيب باستخدام الجيش في تهيئة الرأى العام تمهيدًا لإحكام سيطرته على السلطة… وكان يشارك في هذه الاجتماعات كل من المرشد العام حسن الهضيبى وصالح أبو رقيق والدكتور أحمد سالم… غير أن أخطر ما تم العثور عليه في عملية اختراق الكنيسة البريطانية كانت وثيقة معنونة باسم (روديو) وكانت عبارة عن وثيقة سرية للغاية تشمل خطة عسكرية بريطانية مفصلة لإعادة احتلال مصر وخاصة منطقة الإسكندرية والدلتا إذا ما دعت الضرورة ذلك. أي أنه في نفس الوقت الذي كانت تجري مفاوضات الجلاء بهدف إخلاء منطقة قناة السويس من القوات البريطانية، وإخلاء مصر كلها من أي مظاهر للنفوذ الأجنبي، كانت هذه الخطة تعني – من وجهة نظر الإستراتيجية البريطانية – استحالة التسليم بالواقع الجديد، وأن مصر يجب أن تظل دائمًا هدفًا لا يجب إسقاطه من أي تخطيط بريطاني”. على أن ذلك لم يؤثر على استمرار المخاوف الإسرائيلية، فقد حرص مسؤولوها على تنويع مصادر دعمهم من دول الغرب والبحث باستمرار عن احتياطي إستراتيجي يمكن الاستعانة به وقت اللزوم، وكان الطرف الجاهز لتوفير هذا الاحتياطي الإستراتيجي هو فرنسا التي وجدوا فيها ضالتهم والتقت جهودهم مع موقف فرنسي يتزايد عداءه لثورة يوليو تدريجيًا. فقد كانت مصر تحتضن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة لاجئًا سياسيًا، ومناضلًا ضد الاستعمار الفرنسي لبلاده، كما عارضت بقوة التغيير الذي دبرته فرنسا في المغرب وأطاح بالملك محمد الخامس، وعينت بدلًا منه أحد عملائها ويُدعى محمد بن عرفة، وكانت الخطوة الأكبر عندما وصل (أحمد بن بله) إلى مصر في عام 1953 والتقى عبد الناصر، ومنذ اللحظة الأولى التقت آراء وأفكار الزعيمين أحمد بن بلة وعبد الناصر وارتكزت عند نقطة واحدة هي إيمان ثورة يوليو بمبدأ أساسي هو تحرير الوطن العربي من كل أشكال الاستعمار، وفي مقدمتها حركة النضال التي يقودها الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي. لقد التقت المخاوف الإسرائيلية مع الاستياء الفرنسي تجاه ثورة يوليو، وبينما اتجهت فرنسا لإشراك الولايات المتحدة في مسئولية المواجهة بصفتها زعيمة التحالف الغربي بعد أن أصبحت واشنطن تملك 16% من أسهم شركة قناة السويس بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبر الفرنسيون أن قناة السويس تمثل المدخل الملائم لجذب اهتمام الأمريكان وإقناعهم بأن الطريق إلى فيتنام يمر بقناة السويس. وفي هذه الأثناء أظهرت إسرائيل انزعاجًا بالغًا من توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا، وقد صرح موشى شاريت رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الكنيسيت في 30 أغسطس 1954 بقوله: “إن نقل منطقة القناة بما فيها المطارات إلى السلطة العسكرية المصرية يزيد من قوتها وقدرتها على العدوان على إسرائيل”. وتوالت الاعتداءات الإسرائيلية على غزة وتبعها ردود مماثلة من الفدائيين المصريين والفلسطينين. ثم عاد بن جوريون إلى منصب رئيس الوزراء في إسرائيل، وأعلن استعداده للاجتماع مع عبد الناصر لوضع تسوية مشتركة، وهدد باستخدام القوة لفتح الممر الملاحي في خليج العقبة، وفي نفس الوقت امتدت الاعتداءات الإسرائيلية إلى الحدود السورية. فأبلغ عبد الناصر السكرتير العام للأمم المتحدة في منتصف ديسمبر 1955 أن مصر وسوريا ستتخذان ما تريانه مناسبًا إذا ما أقدمت إسرائيل على تنفيذ أي عدوان ضد أي منهما، تنفيذًا لاتفاقية الدفاع المشترك. وهكذا كانت الأرضية مهيأة تمامًا خلال عام 1956 لصدام كبير وعلني بين مصر من جانب وكل من إسرائيل والقوى الاستعمارية الغربية من جانب آخر. كذلك عمل السفير البريطاني في القاهرة على ضمان تأييد الإخوان المسلمين.
كان السد العالي مشروعًا قديمًا يرجع الفضل في طرحه إلى المهندس اليوناني (دانينيوس)، وقد سبق أن تقدم به لأكثر من حكومة مصرية قبل الثورة ولكنه لم يكن يلقى استجابة. وفي عام 1953 تقدم بمشروعه من جديد إلى مجلس قيادة الثورة، ولكنه هذه المرة حظي باهتمام كبير. كما حظي المشروع باهتمام في الدوائر السياسية في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقد اعتبروه فرصة للربط بين دعم خطط التنمية التي بدأتها الثورة من جانب، وإقامة نظام إقليمي يضمن المصالح الغربية ويفتح الطريق للتسوية مع إسرائيل من جانب آخر. وبدأ الاتحاد السوفيتي يدخل كطرف ثالث في التنافس، ففي سبتمبر عام1955 صرح السفير السوفيتى في القاهرة أن بلاده مستعدة للمساهمة في بناء السد العالى، وتحركت بريطانيا لتحذير واشنطن من التهديد السوفيتي القادم. وقد اختار عبد الناصر أن يختبر نوايا الغرب مرة أخرى بعد أن فشلت محولات الحصول على السلاح منه. وجرت العديد من المفاوضات، أسفرت عن اتفاق من حيث المبدأ أعلنته الخارجية الأمريكية في 16 ديسمبر 1955 ويقضى بأن يتولى كل من البنك الدولي والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تمويل مشروع السد العالي بتكلفة تبلغ 1,3 مليار دولار. واقترنت الموافقة على: أولا أن تركز مصر برنامجها التنموي على السد العالي بتحويل ثلث دخلها القومى ولمدة عشر سنوات لهذا المشروع مع فرض رقابة على المشروعات الاقتصادية الأخرى. ثانيا وضع ضوابط للحد من زيادة التضخم والإنفاق الحكومي، وفرض رقابة على مصروفات الحكومة المصرية وعلى الاتفاقيات الأجنبية أو الديون الخارجية، وألا تقبل مصر قروضًا أخرى أو تعقد اتفاقيات في هذا الشأن إلا بعد موافقة البنك الدولي. ثالثا، الاحتفاظ بحق إعادة النظر في سياسة التمويل في حالات الضرورة. وأثارت هذه الشروط غضب عبد الناصر، فقد كانت أشبه بالوضع الذي كان سائدًا في عهد الخديوي إسماعيل، وأنتج ذلك كله حالة فقدان الثقة في إمكانية معاونة الولايات المتحدة في تنفيذ المشروع. وفي هذا الإطار استقبل عبد الناصر يوجين بلاك رئيس البنك الدولى، وبعد مفاوضات وافق عبد الناصر فقط على أن يكون للبنك الدولي حقوق معقولة في تفقد الإجراءات التي سوف تتخذها مصر للحد من التضخم، وعقد اتفاق أُعلن في 8 فبراير 1956 يقدم البنك بموجبه قرض قيمته مائتي مليون دولار على أن يتوقف تنفيذه على التوصل إلى اتفاق آخر مع لندن وواشنطن حول الشروط التي أعلنوها لتقديم المساعدة. ولكن يوم 19يوليو 1956 أصدرت واشنطن بيانًا أعلنت فيه سحب العرض الأمريكي لتمويل مشروع السد العالي.
في مارس 1956 عندما كان وزير الخارجية البريطاني (سلوين لويد) يزور القاهرة تطرق الحديث إلى قناة السويس، وأشار إلى أن بلاده تعتبرها جزءً من مجتمع البترول في الشرق الأوسط، فرد عليه الرئيس جمال عبد الناصر أن الدول العربية تتقاضى 50% من أرباح البترول بينما تتقاضى مصر فقط 5% من أرباح القناة وأن المفروض أن تعامل مصر معاملة الدول المنتجة للبترول. فعلى سبيل المثال وصل دخل القناة 35 مليون دولار في عام 1955، كان نصيب مصر منها مليون جنيه فقط. ولم تكن قناة السويس غائبة عن التفكير السياسي لثورة يوليو، بل كانت قيادتها مهيأة تمامًا لاتخاذ إجراء محدد سبق دراسته والتداول بشأنه بصورة موسعة منذ قيام الثورة، وكانت المشكلة فقط ترتبط باختيار التوقيت المناسب، كما أن قوى الغرب وشركة قناة السويس كانت تمعن التفكير في احتمالات هذه الخطوة وسعت بأساليب شتى للحصول على موقف محدد من عبد الناصر بشأنها لكنه لم يشأ أن يقدم هذا الرد صراحة، وجاء القرار الأمريكي بسحب المساهمة في تمويل السد العالي ليحدد توقيت التحرك المصري بمنتهى الدقة. ففي الإسكندرية في ذكرى الاحتفال بعيد الثورة في يوم 26 أكتوبر 1956 أعلن جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، ولم تتعرض الملاحة لأي تعطيل. وأوضح مجموعة المستشارين القانونيين والدوليين الذين انضموا للمجموعة التي أعدت خطة تأميم قناة السويس، وصياغة قرار التأميم، أن قرار التأميم لا يشكل خرقًا لاتفاقية القسطنطينية الموقعة سنة 1888 والعبرة بانتظام الحركة في القناة. ومن جانبه تلقى إيدن الخبر الذي نزل عليه كالصاعقة، وعبر عن الموقف بقوله: “لقد وضع المصري إبهامه على قصبتنا الهوائية (زورنا)”. وفي 30 يوليو صدر قرار الحكومتين في إنجلترا وفرنسا بتجميد أرصدة مصر المالية في بنوكهما. وفي أول أغسطس أصدرت الدولتان بيانًا مشتركًا طالب بوضع قناة السويس تحت إشراف دولي. كما طُرح أيضا فكرة عقد مؤتمر في لندن لبحث القضية في 16 أغسطس 1956، ودُعيَ لهذا المؤتمر أربع وعشرين دولة هم أطراف المعاهدة المذكورة والدول الأكثر استعمالًا للقناة، وقد حضرته تسع عشرة دولة فقط ورفضت مصر المشاركة. فقد كان الهدف الأساسى لبريطانيا وفرنسا هو إجهاض النتائج السياسية لقرار التأميم، وفي سبيل ذلك كان إصرارهما على إنشاء هيئة دولية أو سلطة دولية تعمل على ضمان حرية الملاحة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد تركز اهتمامها على معالجة المشاكل القانونية والفنية المترتبة على قرار التأميم. وفي 11سبتمبر 1956 اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية الدعوة إلى عقد مؤتمر جديد لبحث نظم وأساليب عمل (ناد) للمنتفعين، وبدأوا الترتيب لاتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ هذا الإجراء، وردت مصر أن هذا الإجراء معناه الحرب. بينما أعلن الاتحاد السوفيتي بأنه سوف يستخدم حق الفيتو ضد أي محاولة تهدف إلى دفع الأمم المتحدة للقيام بعمل ضد مصر. فقد كانت كل المؤشرات تؤكد أن العدوان المسلح أصبح وشيكًا، وأن الجهود السياسية الجارية آنذاك لا تعدو أن تكون مناورات ومحاولات للخداع والتمويه. وفي يوم 29 أكتوبر 1956 وقعت أول غارة بالهجوم على غزة كما سبق وحذر جمال عبد الناصر.
كان اتفاق سري (إنجليزي – فرنسي – إسرائيلي) قد تم في (سيفر) من ورقتين وقعهما ديفيد بن جوريون عن إسرائيل وكريستيان بينو عن فرنسا وباتريك دين عن بريطانيا، وينص الاتفاق على أن تقوم إسرائيل ببدء الحرب مساء يوم 29 أكتوبر1956 وأن تتدخل بريطانيا وفرنسا للفصل بين المتحاربين والسيطرة على قناة السويس. وبدأ الهجوم على غزة فتم اجتياحها، كما احتلت القوات الإسرائيلية ثلاثة مواقع في الكونتلا ورأس النقب ونخل. وعندما وقعت الغارة الجوية على مطار ألماظة يوم 30 أكتوبر 1956 أدرك الرئيس عبد الناصر أن هناك معركة تستهدف إسقاط النظام، وليس مجرد إلغاء قرار التأميم أو فرض السيطرة على قناة السويس، فحجم العمليات العسكرية وما صاحبها من تحركات فرنسية بريطانية معلنة، كانت تؤكد أن الهدف النهائي هو إسقاط نظام ثورة 23 يوليو. وفي 30 أكتوبر 1956 تقدمت مصر بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي تشير إلى العدوان الإسرائيلي، وتقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع قرار يدعو إلى وقف القتال فورًا بين مصر وإسرائيل وانسحاب الأخيرة إلى خط الهدنة، ومطالبة جميع أعضاء الأمم المتحدة بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها في منطقة النزاع، وتجنب تقديم أي مساعدات لإسرائيل ما لم تمتثل للقرار. وفي اليوم التالي قدم الاتحاد السوفيتي مشروع قرار آخر لمجلس الأمن يتطابق والمشروع الأمريكي، لكن بريطانيا وفرنسا استخدمتا حق الاعتراض (الفيتو) لإفشال التوصل إلى قرار بل وتقدمت فرنسا بمشروع قرار مضاد يدين مصر لمساعدتها الثورة الجزائرية. ودفع هذا التطور (داج همرشولد) السكرتير العام للأمم المتحدة إلى عرض استقالته من منصبه احتجاجًا على التدخل البريطاني الفرنسي السافر ضد مصر، ولكن لم تتم الموافقة على استقالته. ومن جانبه تدخل عبد الناصر وأصدر قراره بسحب القوات المسلحة المصرية من سيناء إلى غرب القناة، تفاديًا لمزيد من الخسائر التي ستنجم حتمًا عن وقوعها بين حصار القوات الإسرائيلية من الشرق والقوات البريطانية والفرنسية التي أُسقطت جوًا في منطقة قناة السويس غربًا، وكان قرارًا سياسيًا ناجحًا بكل المقاييس ساعد على حماية الجيش المصرى وإفشال أحد أهم أهداف القوى المعتدية. كان القرار الثاني هو تصعيد المقاومة الشعبية، ومن هنا جرى التفكير في توزيع السلاح على الشعب المصرى باعتبار أنه في حالة وقوع هزيمة عسكرية ودخول قوات الاحتلال إلى القاهرة فيجب أن تدفع ثمنًا غاليًا. ففى أول يوم للعمليات العسكرية البريطانية الفرنسية المشتركة، أصدر عبد الناصر تعليمات بفتح كل مخازن الأسلحة والذخيرة الموجودة في القاهرة، وتم شحنها في مئات اللواري التي انتشرت في أحياء القاهرة وبعض المحافظات القريبة. كما أصدر عبد الناصر توجيهات بإعداد مقر احتياطي لرئاسة الجمهورية في أسيوط بحيث يتم الانتقال إليه في حالة نجاح العدوان باحتلال الدلتا كما كانت تنص على ذلك الخطة (روديو) السابق الإشارة إليها، وكانت ترتكز على إعادة احتلال القوات البريطانية للجمهورية عندما تقتضي الضرورة ذلك، وتم بالفعل توزيع ما يقرب من مليوني قطعة سلاح. وكانت الروح الوطنية تشكل نسيجًا بديعًا يجمع كل أطياف الشعب، واشتعلت المقاومة في مدن القناة وازادت قوة وشراسة في بورسعيد. وقد أمكن بعد ذلك جمع كل الأسلحة بالكامل دون أن ينقص منها قطعة واحدة. باستثناء الأسلحة التي استخدمت داخل بورسعيد نفسها وهذه أيضا لم يُفقد منها إلا القليل جدًا. لقد أظهر جمال عبد الناصر ثباتًا قويًا في مواجهة الموقف كما أمتلك قدرة كبيرة في معالجة كل التفصيلات. ووسط هذه الصفحة الناصعة البياض والمشرفة من تاريخ النضال المصري ظهرت نقطة سوداء وضعتها مجموعة من السياسيين القدامى والإخوان المسلمين، فبعد اجتماعهم العاجل قرروا إعداد رسالة موجهة لجمال عبد الناصر. وحمل الرسالة سليمان حافظ (نائب ريس مجلس الوزراء ووزير الداخلية في بداية الثورة) وقابله كل من عبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر وطلب تنحى عبد الناصر لأنه (مكروه)، وأن يتولى محمد نجيب رئاسة مصر، حيث أنه مؤهل للاتفاق مع الإنجليز، وأن يُعلن حياد البلد وتتولى وزارة حزبية الأمور في البلاد، وأن يعود (العسكر) إلى ثكناتهم. وعندما نُقلت الرسالة لعبد الناصر كان تعليقه: ” أنه من سيحضر إلى هنا منهم سوف يُضرب بالنار”.
منذ صدور قرار التأميم خرجت مئات التظاهرات وعُقدت المؤتمرات في كل أرجاء الوطن العربي تعلن مساندتها للقرار ووقوفها إلى جانب مصر في معركتها لاسترداد حقوقها في القناة، وبنفس القوة كانت مساندة الحكومات والقيادات الرسمية للقاهرة في شكل بيانات واتصالات مع القيادة المصرية وتحركات دبلوماسية وغيرها. ولم يكن الموقف الدولي يقل استنكارًا للعدوان عن الموقف العربي آخذًا في الاعتبار بالطبع القيود التي تفرضها التوازنات الدولية. وبعد أن بادرت الولايات المتحدة الأمريكية بعرض مشروع قرار في مجلس الأمن يدين العدوان، صحب ذلك إعلان الرئيس الأمريكى (أيزنهاور) على شاشات التليفزيون أن واشنطن عارضت منذ البداية اللجوء للقوة، وأنها لم تُستشر من قبل المعتدين. واتخذ الاتحاد السوفيتى موقفًا مؤيدًا لمصر منذ بداية الأزمة، حيث بعث (بولجانين) وئيس الوزراء السوفيتي برسالة إلى أنطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا تتضمن تهديدًا باستخدام الصواريخ العابرة للقارات لوقف العدوان، ثم بعث برسالة أخرى بنفس المعنى إلى رئيس وزراء فرنسا جي موليه، وبرسالة ثالثة إلى دافيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل يصف فيها إسرائيل بأنها تعمل كأداة في يد الإمبريالية، ويحذرها من العبث بمصير السلام، وطالب بأن تعود إسرائيل إلى رشدها وتوقف عملياتها العسكرية ضد مصر قبل فوات الأوان ثم قام باستدعاء سفيره في تل ابيب، واُعتبرت هذه الرسائل بمثابة إنذارات للدول الثلاثة. وكان قد سبقها إرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور يستعرض فيها الأخطار المترتبة على الموقف القائم وما ينذر به من احتمال اشتعال حرب عالمية، وأن على موسكو وواشنطن بما يملكانه من قوة، العمل معًا لإيقاف الحرب. وتقدمت الهند ممثلة للدول الآسيوية الإفريقية بمشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب بوقف القتال وسحب القوات المعتدية، وأن يقدم السكرتير العام للأمم المتحدة تقريرًا بذلك خلال اثنتي عشرة ساعة وقد حظي القرار بالموافقة من الجمعية العامة. وأعلنت القوات المعتدية قبولها إيقاف القتال يوم 6 نوفمبر1956 استجابة لقرارات المنظمة الدولية ولكنهم رفضوا الانسحاب الفوري. هكذا لعب النظام الدولي بتركيبته التي كانت قائمة في ذلك الوقت وظهور قوة ثالثة لها صوتها المؤثر في المحافل الدولية، هي قوة (عدم الانحياز) التي لعبت دورًا هامًا في تعرية الأهداف الإمبريالية التي تسعى إليها قوى الاستعمار القديم، وشكل قاعدة صلبة لمساندة الدول الصغيرة وحقها في الحرية. ثم بدأت معركة لا تقل شراسة عن المعركة المسلحة، لقد كانت المعركة الجديدة ذات بعدين أساسيين: البعد الأول، يرتبط بالمقاومة المسلحة التي استهدفت حرمان القوات المعتدية من امتلاك أية فرصة للراحة أو الاستقرار في مدينة بور سعيد، وقد حققت بالفعل إنجازات ضخمة في هذا المجال وسقط الشهداء وتنوعت البطولات الغير مسبوقة في التاريخ الحديث. أما البعد الثاني، فقد كان مرتبطًا بالمعركة الدبلوماسية وخاصة في الأمم المتحدة بهدف إتمام انسحاب قوات الدول المعتدية الثلاثة. وفي 23 نوفمبر 1956 عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة جلستها لمناقشة مشروع قرار قدمته مجموعة الدول الآفروآسيوية يطالب الدول المعتدية بالإذعان للقرارات السابقة بشأن الانسحاب، وحظي القرار بالموافقة في 24 نوفمبر 1956 واستمر الضغط المصري حتى أتمت إسرائيل انسحابها الكامل دون أن تحصل على أي من مطالبها بإقرار مصر رسميًا بحرية المرور لسفنها في قناة السويس. ويظل العامل الأهم في كل ذلك هو الصمود الذي أظهره الشعب المصري في كل المواقع، وانتفاضته ضد العدوان الثلاثي، وثبات قيادته وعدم تخاذلها تحت ظروف الحملة العسكرية الشرسة التي تعرضت لها مصر برغم الفوارق الكبيرة في موازين القوة العسكرية.
لم يخف الإخوان المسلمين موقفهم في حروب مصر المتعددة مع اسرائيل، إلا في العدوان الثلاثي عام 1956. إذ تعاملوا في تلك الفترة بانتهازية شديدة مدّعين (الحياد) كما وصف بعض المؤرخين موقفهم في تلك الفترة، وإن كانوا ينتظرون هزيمة حكومة الثورة وقتها. حيث رفض الإخوان، وجناحهم المسلح، المشاركة في المقاومة الشعبية في بورسعيد ومدن القناة على اعتبار أن ذلك كان سيعتبر دعمًا لحكم ضباط ثورة يوليو. حتى المشاركة في التعبئة الشعبية تقاعسوا عنها، كما كتب يوسف القرضاوي: “وما هي إلا أيام حتى جاءتني برقية من وزارة الأوقاف تطلب إلي أن أحضر بسرعة إلى القاهرة لأتسلم منبر الأزهر، لرفع الروح المعنوية في الشعب في هذه المرحلة الخطيرة في تاريخ مصر…. بيد أني لم أتجاوب مع هذه البرقية، وقلت في نفسي: إنهم يستنجدون بي الآن، حتى إذا انكشفت الغمة طرحونا وراءهم ظهريًا”!.. وفي كتابه (حدتو.. ذاكرة وطن) يقول الدكتور أحمد القصير: “حصل رفاق حدتو الذين كانوا بسجن الواحات علي بيان أصدرته مجموعة منشقة عن الإخوان المسلمين وأرسلوه إلى زملائهم خارج السجن، وطلبوا نشره على أوسع نطاق ممكن من أجل أن يعرف الناس تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مجال الاغتيالات والإرهاب السياسي وموقفهم المتخاذل تجاه القضية الوطنية والعدوان الثلاثي ضد مصر عام 1956. وقد انتقد بيان الجماعة المنشقة قيام الإخوان بفصل الأعضاء الذين طلبوا التطوع للمشاركة في مواجهة العدوان الثلاثي، وتلك شهادة إدانة واضحة صادرة من داخل جماعة الإخوان المسلمين وليس من خصومها. كان بيان الجماعة المنشقة عن الإخوان المسلمين بسجن الواحات بتاريخه 17 ديسمبر عام 1957 صاغته لجنة مكونة من: شوقي كحلة، محمد نصار، علي رياض، سعيد بلبع وعبد الخالق السباعي، وترأس الجلسة حسين حمودة. صدر هذا البيان بعد فشل لجنة لم الشمل الثلاثية في مهمتها، وهي لجنة شكلها مكتب الإرشاد بتكليف من الهضيبي المرشد العام لمواجهة المنشقين، وكانت هذه اللجنة تضم الشيخ الشناوي ومصطفى فهمي ورشاد المنيسي. تضمن الباب الأول من الوثيقة مقدمة تاريخية موجزة عن تاريخ الخلاف ومن أبرز ما جاء فيها: (كان تأميم الحكومة للقناة بداية مرحلة جديدة من الخلاف إذ تطرف البعض في عدائه للحكومة مناقضًا آراءه واتجاهاته السابقة، ووصل بهم الأمر إلى حد اتخاذ قرارات بالإيقاف والفصل والحرمان والاضطهاد والمقاطعة لمن أعلنوا تأييدهم أو تطوعهم لمؤازرة البلاد في معركتها أمام العدوان الثلاثي الآثم، وزاد التوتر ونشأت هوة عميقة بين من يدعون إلى الإصلاح وحرية الرأي والسياسة الوطنية وبين غيرهم. وزاد عمق الهوة، وزاد التوتر، بعد أن بدأ العدوان الثلاثي، وتطوعنا – على خلاف موقف الجماعة – لتأييد بلادنا في معركتها المقدسة ضد الطغيان الغاشم، وكان موقفًا مشرفًا نعتز به أمام الله والتاريخ”. وفي هذا الصدد كتب علي السهلي: “في عام 1956 وأنا طفل كنت أراقب في زهو من شرفة السفارة المصرية في شيلي الجماهير الحاشدة التي تحمل صور عبد الناصر وهي تندد بالاعتداء الثلاثي على مصر، فقد كان المد الناصري في أوجه وكسب عبد الناصر تأييد وحب شعوب أمريكا اللاتينية من أولها لأخرها، وكان والدي رحمة الله عليه يمثل مصر كسفيرًا لبلده لدى شيلي. وفي نفس السياق تبرع العرب المهاجرين هناك بملايين الجنيهات لنصرة مصر وكانت نساءهم تتوافدن على السفارة ويخلعن ويتبرعن بحليهن في مشهد من أعظم مشاهد التضامن العربي. ولكنني للأسف وعلى الجانب الآخر كنت أراقب والدي وهويتنقل بين موجات الأثير من خلال راديو خاص بالسفارة (لاسلكي) ويستمع إلى كافة المحطات الدولية ثم يستشيط غضبًا عندما يصل إلى محطة الإخوان المسلمين التي تبث سمومها من القاعدة البريطانبة في قبرص. كان الإخوان يؤيدون الإعتداء الثلاثي بحجة إسقاط عبد الناصر غير عابئين بإسقاط الدولة المصرية وسقوط آلاف القتلى في بورسعيد العظيمة بل وتاجروا بقتلى بورسعيد ومارسوا هوايتهم المحببة وهي الكذب فادعوا ليلًا ونهارًا أن هناك ثورة شعبية ضد عبد الناصر وأن هؤلاء القتلى ما هم إلا ضحايا حكم (عسكر) عبد الناصر. ناهيك عن الحوارات التي تسوق للاعتداء الثلاثي بحجة أنه الوسيلة الوحيدة للتخلص من (حكم العسكر!!) والادعاءات بآلاف الإعدامات وكيف أن عبد الناصر يحتسي الخمر حتى الثمالة وآلاف من الأكاذيب والادعاءات التي تخدم أغراضهم المشبوهة”.
بتأميم قناة السويس وضعت مصر يدها على معين لم ولن ينضب، وأخذ يتزايد دخلها سنويا على مر الزمن وبمعدل نمو فاق 6% تقريبًا سنويًا. وبذلك استطاعت مصر أن توفر مصدر أساسي لتمويل السد العالي الذي يُعتبر أهم المشروعات التي أقامتها مصر في تاريخها الحديث، فقد كانت آثاره كبيرة جداً على قطاع الزراعة وخاصة حماية الريف من الفيضانات المدمرة وكوارث الجفاف وضمان انتظام جريان النيل على مدار العام، كما أدى إلى تحويل ري الحياض إلى نظام الري المستديم، ورفع إنتاجية المحاصيل الزراعية من خلال تحسين حالة الصرف وضمان مياه الري في الأوقات الملائمة للمحاصيل، كما أدى إلى توفير مليون وأربعمائة ألف كيلو (وات / ساعة) من الكهرباء. ومازال بالإمكان تعظيم فوائد السد العالي بصور فعالة بمشروعات تكميلية، مثل مشروع تحويل الطمي الخصب الذي تكون في بحيرة ناصر ونقله كتربة شديدة الخصوبة لتُغطي بها أرضي الاستصلاح، ونتيجة لتلك الإنجازات الهائلة في مجال الزراعة أُعتبر عبد الناصر رائد النهضة الزراعية في مصر. كما أولى عبد الناصر اهتمامًا شديدًا بتوثيق العلاقات بينه وبين الإمبراطور هيلاسيلاسي حاكم الحبشة (إثيوبيا) مستغلًا في ذلك كون مسيحيي إثيوبيا من الطائفة الأرثوذكسية، ودعا الإمبراطور هيلاسيلاسي لحضور حفل افتتاح الكاتدرائية المرقسية في العباسية عام 1964، كما دعم توحيد الكنيستين المصرية والإثيوبية تحت الرئاسة الروحية للبابا كيرلس السادس، وكان الرئيس عبد الناصر كعادته بعيد النظر في ذلك فقد أدرك أن توثيق الروابط بين مصر وإثيوبيا يضمن حماية الأمن القومي المصري لأن هضبة الحبشة تأتي منها نسبة 85% من المياه التي تصل إلى مصر. وللأسف الشديد بعد وفاة عبدالناصر والانقلاب علي الثورة، تدهورت العلاقات المصرية – الإثيوبية في عهد السادات، ومازالت متدهورة حتى الآن، واحتلت إسرائيل مكانة مصر في إثيوبيا، وفي إفريقيا كلها. وفي أعقاب دحر العدوان الثلاثي على مصر، دخلت الدولة بقوة ملحوظة في تخطيط النشاط الإقتصادي الذي يخدم التنمية الشاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية، ففُرضت الحراسة على المؤسسات الإنجليزية والفرنسية وعددها ألف وخمسمائة مؤسسة وبنوك وشركات تأمين وبترول وتعدين، وأُسست وزارة الصناعة لتوجيه شؤون التصنيع واستغلال الثروة المعدنية، ثم أُنشأ مجلس للتخطيط الأعلى في 13 يناير 1957م ليتولى تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة وإقرار خطط التنمية في مراحلها المختلفة، وتم تمصير البنوك التي كان رأسمالها في آخر ديسمبر 1956 لا يزيد عن خمسة مليون جنيه، ومع ذلك كانت تتحكم في نحو مائة مليون جنيه مصري من جملة ودائع البنوك التجارية، ثم تلا ذلك تمصير شركات التأمين وكان عددها مائة وخمس وثلاثين شركة حسب إحصاء عام 1954م، ومنها مائة وثلاث وعشرين شركة غير مصرية تملك عشرين مليون جنيه من مجموع أصول الشركات وقدرها ثمانية وثلاثين مليون جنيه. وعندما أحجمت الرأسمالية المصرية عن تمويل برنامج التصنيع الانتقالي (1957-1961)، والتي كان مقررًا لها المشاركة فيها بنسبة 75%، شرعت الثورة في التوسع في مزيد من الإجراءات الاشتراكية، بتأميمات عام1961م، وإقرار نموذج التنمية الشاملة المستقلة على أساس مبدأ العدالة الاجتماعية، ووضعت هدف مضاعفة الناتج القومي كل عشر سنوات، وبدأ التنفيذ الفعلي للمشروعات الصناعية بعد أن تم توقيع اتفاقية التصنيع الأولى مع الاتحاد السوفيتي في نوفمبر 1957م، وشرعت الثورة في السير في بناء صناعة وطنية قوية ومنتجة، وخاصة في الصناعات الإستراتيجية والثقيلة وكثيفة العمالة، حيث ارتفع معدل الدخل القومي من عام 1956م حتى عام 1960م بمعدل 6%، وارتفع معدل نمو الإنتاج الصناعي إلى 8.5%، وأُقرت الخطة الخمسية الأولى عام 1961م، حيث ذكر عبد الناصر: “إن جلاء الاستعمار عن مصر ليس نهاية المطاف بالنسبة للنضال الشعبي، وإنما هو بداية التحدي الحقيقي، وهو التنمية بأسرع معدل نستطيع تحقيقه… وإن الصناعة هي المجال الذي يستطيع الاستجابة إلى هذا التحدي”. واستطاعت مصر الناصرية بتلك السياسات والانحياز للطبقات الدنيا في المجمع من إنشاء أكثر من ألف مصنع في ثلاثة عشر عامًا، وكان لهذا الدور الاقتصادي للدولة نتائج ملحوظة، ففي تقرير لمنظمة العمل الدولية عام 1959م أثبت أن الدخل الفعلي للعامل المصري إرتفع بنسبة 21%. ورغم أن التعليم كان مطلبًا وطنيًا منذ بداية القرن العشرين، ونص على مجانيته دستور 1923، ورغم إقرارها أثناء تولي طه حسين وزارة المعارف وتطبيقه على المرحلة الثانوية عام 1950م، إلا أنه تم ربطه بالتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية في عهد عبد الناصر، فعندما جاءت ثورة يوليو أقرت مجانية التعليم بمراحله المختلفة، وتم التوسع في بناء المدارس والجامعات لتشمل كافة ربوع مصر، وامتلكت المدارس مكتبات وملاعب نظيفة، وجعلت خطة التنمية الطموحة لعبد الناصر مجانية التعليم ذات عائد قوي وحقيقي على المجتمع في تلك الفترة، واتسق ذلك مع رؤية عبدالناصر بشأن التنمية الوطنية المستقلة والمشروعات الوطنية العملاقة وحتمية التصنيع ودور الدولة الضخم فيه، ما أتاح توفير الوظائف وتكافؤ الفرص. كما ارتبطت الرعاية الصحية للمواطنين بالخطة الشاملة للدولة، فتم توفير وحدة صحية لكل خمس قرى على أعلى مستوى تضاهي أرقى المستشفيات الآن، وكانت المرحلة الأولى الجادة في مصر لتحقيق مفهوم (العدالة الصحية) في نظام التأمين الصحي عام 1964م، بتأسيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، ثم تلا ذلك عدة قوانين لتنفيذ تغطية صحية تأمينية شاملة، من أجل كفالة الحق في الحماية الصحية التأمينية لجميع المواطنين، قُدر لها أن تستغرق عشر سنوات (تم الإنقضاض عليها بوصول السادات إلى السلطة وتخليه عن أهم مباديء العدالة الاجتماعية). كما تم التوسع في بناء المساكن الشعبية وتوسيع نطاقها لتشمل أنحاء كثيرة في جميع المحافظات، وقد أُنشئت الهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان طبقًا للقانون رقم 267 لسنة1960. وتم تطبيق آلية الحدين الأدنى والأعلى للأجور، وإلغاء الفصل التعسفي للعمال، وإنشاء صندوق للعمال وآخر للأخطار في 31 أغسطس 1955 تحول بعد ذلك إلى مؤسسة للتأمين ضد الشيخوخة والوفاة والعجز وأمراض المهنة والبطالة والأمراض المزمنة بشكل عام. كما نظم القانون التعويض عن إصابة العمل في 18 ديسمبر 1958م، ثم صدر قانون جديد للعمل في 5 إبريل 1959. ومع إنشاء القطاع العام بعد قرارات التأميم الكبرى في يوليو 1961 استوعبت وحداته العمالة المتزايدة من خريجي الجامعات وحملة المؤهلات المتوسطة مما كان له أثره على الاستقرار الاجتماعي. وتم تعيين عدد ضخم من العاطلين عن العمل عام 1962، وتوالت سياسة الدولة في توظيف الخريجين أول بأول. وحسب تقارير البنك الدولي لم تتجاوز ديون مصر الخارجية طيلة الحقبة الناصرية مليار و600 مليون دولار، ويعود الرقم إلى المشروعات التي أنشأتها مصر في الفترة ما بين عامي 1962م، و1967م، التي أحدثت معدل تنمية 6.5% وكانت مصر تسبق بذلك دول كبرى كالصين والهند وكوريا الجنوبية.
تطور الفكر الاشتراكي لدى عبد الناصر وأدى ذلك إلى تنحية الطبقات الاجتماعية التي كانت سائدة قبل الثورة، من الإقطاعيين والرأسمالية الاحتكارية والأجنبية والأسرة الملكية (أعداء الثورة) من المشهد السياسي، وتصدر المشهد السياسي قوى اجتماعية جديدة من الطبقة الوسطى البيروقراطية والتجارية والزراعية، وضباط الجيش، وممثلي الفلاحين والعمال وطبقة البرجوازية الصغيرة بكل أنواعها، حيث أدرك عبد الناصر جيدًا حقيقة أن الطبقة الوسطى هي جوهر الاستقرار في أي مجتمع، لذلك عاشت الطبقة الوسطى أذهى عصورها في العهد الناصري الذي كان معظم قراراته لصالحها. ولأنه كان صاحب مشروع وطني وحضاري ونهضوي وإنساني، أدرك أن الطبقات الفاسدة البائدة آنذاك ممثلة في النظام القديم، لم تعد قادرة على نباء هذا الصرح، فكان رهانه منذ اللحظة الأولى على أبناء الطبقة الوسطى. ولتأكيد مسألة الشرعية لدى النظام الناصري، تم تحول تنظيم (هيئة التحرير) إلى (الاتحاد القومي) في 3 نوفمبر 1957، الذي يُعتبر التنظيم الثالث للثورة، وقد مُنح سلطات دستورية. ويعرف عبد الناصر الإتحاد القومي بقوله: “وهذا الاتحاد القومي عبارة عن جبهة وطنية تجمع بين أبناء هذا الشعب، الناس حُرموا من حريتهم أيام كانت هناك برلمانات زائفة، كنا كلنا نشكو منها، ونعرف أنها لا تحقق رغباتنا، ولا تعمل لصالحنا، ولكنها تعمل لصالح فئة قليلة من المستغلين أو من الإقطاعيين، أو من الحاكمين الذين يريدون حكمًا وشهرة وسلطانًا، ولن تكون هناك حرية سياسية للانتهازيين أو الرجعيين أو أعوان الاستعمار، إذن الاتحاد القومي يشمل أبناء هذه الأمة”، ولكن ظل هذا التنظيم فضفاضًا أو (مهلهلًا) حسب تعبير عبد الناصر، حيث جمع في طياته الكثير من العناصر اليمينية والرجعية. وبعد وصول عبد الناصر إلى نتيجة نهائية بعدم جدوى التعاون مع الرأسمالية المحلية، ناهيك عن الرأسمالية الأجنبية، أصدر (ميثاق العمل الوطني) ثم أصدر قرارات التأميم وإقامة التنظيم السياسي الرابع للثورة وهو (الاتحاد الاشتراكي العربي) الذي أُطلق عليه في حينه تعبير (ثورة التصحيح)، ويصفه عبد الناصر بقوله: “سنعمل اشتراكية، والاشتراكية حياة، الاشتراكية عدالة اجتماعية، والعدالة الاجتماعية معناها أني… أعدت توزيع الثروة، في إعادتي لتوزيع الثروة، من هو الشعب؟ هو جميع الفئات التي تساند الثورة الاشتراكية، وتساعد الثورة الاجتماعية والبناء الاشتراكي… أعداء الشعب هم جميع القوى والجماعات التي تناقض هذه الثورة الاشتراكية والثورة الاجتماعية، واللي هدفها طبعًا القضاء على هذا النظام الاشتراكي، والعودة إلى نظام رأسمالي أو مستغل، أو نظام مبني على أساس ديكتاتورية رأس المال”، ويُعتبر هذا الكلام موقف محدد من مسألة الديمقراطية حسب مفهوم عبدالناصر، فهو يوحد بين الديمقراطية والاشتراكية، ويأخذ من المضمون الاشتراكي مقياسًا موضوعيًا لفرز الشعب وهم كل من له مصلحة في الاشتراكية، من أعداء الشعب وهم أعداء الاشتراكية، فتكون كل الحرية والديمقراطية للشعب، ولا حرية ولا ديمقراطية لأعداء الشعب.
بعد السنوات العشرة الأولى من عمر الثورة، والتي أنتجت حصيلة هائلة من التجربة والخطأ والتصحيح، تبلورت رؤية عبد الناصر عن الديمقراطية الاجتماعية كما ورد في (الميثاق) في 21مايو عام 1962، بإقرار أن الديمقراطية إذا كانت هي الحرية السياسية، فإن الاشتراكية هي الحرية الاجتماعية. ويُعد الميثاق وثيقة فكرية انتقل بها عبد الناصر خطوة كبيرة بعيدًا عن النهج التجريبي، وأصبح الميثاق بمثابة نظرية الثورة ابتداءً من تاريخ صدوره. فيقول عبد الناصر في هذا الصدد: “إن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تنفصل عن الديمقراطية الاجتماعية وإن المواطن لا تكون له حرية التصويت في الانتخابات إلا إذا توفرت له ضمانات ثلاثة، وهي أن يتحرر الإنسان من الاستغلال في جميع صوره، وأن تكون له الفرصة المتكافئة في نصيب عادل من الثروة الوطنية، وأن يتخلص من كل قلق يهدد أمن المستقبل في حياته، بهذه الضمانات الثلاثة يملك المواطن حريته السياسية ويقدر أن يشارك بصوته في تشكيل سلطة الدولة التي يرتضي حكمها… إن الديمقراطية ليست قالبًا محددًا، وإنما هي معنى شامل عميق، وأي نظام من الأنظمة الديمقراطية لابد أن يتصل إتصالًا مباشرًا بمرحلة التطور الاجتماعي إلى العدل… ونؤمن أن الديمقراطية هي انعكاس طبيعي للحالة الاجتماعية للشعب. ونحن الآن نريد أن تكون العدالة الاجتماعية ملك كل فرد، نريد أن يكون لهذا الفرد حقه في الحرية ليقول لا أو نعم وفق إرادته ودون أن يساوره الخوف علي رزقه اليومي أو على عمله في الغد، وهذا يعني أنه يجب علينا أن نطور ديمقراطيتنا مع تطور العدل الاجتماعي في بلادنا… نحن نحاول الآن إزالة التناقض بين الطبقات بما يحقق المساواة ليكون لنا في النهاية وطن متحد…”.
ليس من شك أن ما قام به وصنعه جمال عبد الناصر في مصر قد مثل في حينه إنجازًا هائلًا، ونقلة نوعية على صعيد التفكير وفتح آفاق العمل الجدي بغية تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، وفك التبعية الكولونيالية لبلد متخلف، ودفعه نحو إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، بهدف إنجاز التنمية المستقلة، كما أن الكثير من المثقفين يتفقون على أن العصر الذهبي لوزارة الثقافة المصرية وأروع إنجازاتها كان في ستينيات القرن العشرين وبقيادة أحد رفاق جمال عبد الناصر وهو الدكتور ثروت عكاشة، فيما بلغت القوة الناعمة المصرية حينئذ ذروتها وازدهرت المجلات الثقافية وفنون السينما والمسرح كأحد أضلاع مشروع نهضة مصر الناصرية. وبذلك توالت إنجازات ثورة يوليو في كافة المجالات، مما أثبت أن الأمة المصرية تستطيع رغم تسلل هذا السرطان الوهابي الظلامي الرجعي لجسدها، أن تتعافى وتنهض وتواكب حضارة العصر الحديث، إذا وُجدت الرؤى الشاملة للنهوض وتوافرت الإرادة السياسية، والتأم جسد الأمة بتنوعاته وتعدد روآه وأفكاره، والتوافق على الثوابت الوطنية والمصالح الإستراتيجية للأمة. وهو ما جسدته مسيرة الحقبة الناصرية، رغم تأخر الإصلاح السياسي الذي وعدت به الثورة في بداية مسيرتها والذي تأجل مرارًا حتى توارى من أجندة السلطة السياسية. والذي نعتبره أحد أهم أسباب تآكل إنجازات ثورة يوليو نفسها وتبخر الأسس والثوابت الوطنية التي تبنتها وحققت فيها إنجازات هائلة لا زال بعضها شامخًا ينطق بعظمة رجال آمنوا بوطنهم وقضوا جل أعمارهم في الدفاع عن استقلاله واستقلاليته، والإخلاص في مساعيهم للنهوض به وعلو شأنه. ولكن رغم كل تلك الإنجازات والنجاحات والبطولات، والقيادة والزعامة الفريدة لجمال عبد الناصر، كما أنه لم تقع حادثة واحدة طائفية بين المسلمين والمسيحيين في عهد عبد الناصر، وانحصرت دعاوى تكفير الآخر ومعاداته. إلا أن الوهابية اختفت مظاهرها من السطح فقط، وظلت الأرضية الاجتماعية والفكرية والثقافية والدينية صالحة لإعادة نبتها وازدهارها من جديد وذلك لأسباب موضوعية وذاتية كثيرة. مما أفضى إلى الإحياء الثاني لتنظيم الإخوان المسلمين الوهابي الإرهابي، وذلك في عز مجد التجربة الناصرية.. وهو موضوع مقالتنا القادمة.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك