الإثنين - الموافق 12 أبريل 2021م

(2) الأمة المصرية والوهابية “الجذور الفكرية 2-2” بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا في مقالتنا الأولى عن “الأمة المصرية والوهابية” بعنوان (الجذور الفكرية 1-2)، على أهم القواعد الأساسية لحرية الفكر والعقيدة كما ذُكر في القرآن الكريم. وتطرقنا إلى الأسانيد الفقهية والاجتهادات الفكرية الأولى التي استمد منها تيار التكفير مشروعيته، وعلاقة ذلك بما تفرق من نصوص ومواقف في التراث

الإسلامي. وبينا كيف أخرج لنا التراث الإسلامي منذ البداية مدرستين كلاهما انتاج بشري، وهما المدرسة الظاهرية، والمدرسة العقلية، وأوضحنا كيف كان الخوارج أول جماعة متآلفة تستخدم التكفير ضد المختلفين في الرأي، وقد اتبع الأمويون والعباسيون التوظيف المنهجي لمرتزقة سبك الأحاديث لأسباب سياسية، ليرث الحنابلة هذه الأحاديث وتلك الأحكام ويشهرونها ضد خصومهم المذهبيين والفكريين، فأُزهقت في ذلك أرواح كثيرة، كما ذكرنا اسماء العديد من العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء الذين تم قتلهم بعد تكفيرهم واتهامهم بالكفر والزندقة وخلافه. وأوضحنا كيف أدى تكفير عامة المسلمين إلى تراجع شديد في الفقه الإسلامي، حيث ترافق ذك مع نزعة استبدادية وإقصائية لعامة المسلمين من المشاركة في إدارة شؤون البلاد، إلى أن جاء ابن تيمية فعمد إلى عقلنة هذا التراث المتناقض في قوالب جاهزة خاصة من خلال كتابيه “منهاج السنة النبوية” و”العقيدة الواسطية”، قبل أن يفتح من جديد أبواب التكفير على مصراعيها بفتاواه الإجرامية الكارثية.

ظل تراث احمد بن حنبل حبيس حدود العراق، ولم ينتشر مذهبه خارج العراق إلا في القرن الحادي عشر الميلادي، ثم أخذ ينتشر في نطاق الشام وأصابها بعدوى الصراعات المذهبية والطائفية المهلكة، وذلك لتشابه الظروف الاقتصادية والبيئة الاجتماعية والأحوال السياسية لدول الشام الكبير، وحسب المصادر التاريخية لم يُسمع عن مذهب ابن حنبل في مصر إلا في القرن الثالث عشر الميلادي، وذلك لأسباب متعددة، فمنذ ظهور ابن حنبل وحتى ظهور مذهبه في مصر، كانت مصر تنهض على أيدي حكام عصر الدول المستقلة الخمسة، حيث كانت طليعة تلك العصر هي الدولة الطولوينة، وذلك عندما استقل أحمد بن طولون بمصر عن الدولة العباسية سنة 868م، ثم أعقبها الدولة الإخشيدية ثم الدولة الفاطمية، وذلك كما أوضحنا سابقًا، وخلال تلك الدول الثلاث الأولى لعصر الدول المصرية المستقلة لم تعرف مصر طريقًا للفكر الحنبلي. وكانت في منآى عن تلك الصراعات المذهبية والطائفية، ونهضت حضاريًا وثقافيًا بشكل كبير، وبمجرد أن استقل ابن طولون بمصر عن الدولة العباسية، أوقف إرسال الخراج للخليفة العباسي في بغداد، وأجرى إصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبرى أعادت مصر لمكانتها الريادية. كما نعم أصحاب الديانات في عصر الدولة الطولونية بالهدوء والاستقرار، فتحسنت أحوالهم، وباشروا طقوسهم الدينية بحرية تامة، وأحسن الأمراء الطولونيون معاملتهم وخاصة المسيحيين، وكان أحمد بن طولون لا يتوانى عن الدفاع عن حقوقهم والاقتصاص لهم من عماله وقادته. هذا في حين قام المسيحيون بدور لا يُستهان به في إدارة البلاد، فكان منهم عمال الخراج، وكتاب الدواوين، وشاركوا في أعمال الشرطة والمحافظة على الأمن والنظام في البلاد. وتشير أوراق البردي إلى أسماء كثير من المسيحيين كانوا يقومون بجباية الخراج، وجمع الضرائب الأخرى. ومن بين المسيحيين اتخذ أحمد بن طولون ووزراؤه بعض الكتاب، فكان لابن طولون كاتبان مسيحيان، هما يوحنا وإبراهيم ابنا موسى، كما كان لوزير ابن طولون أحمد بن المارداني، كاتب مسيحي يُسمى يوحنا، وكان ابن طولون يتخذ بعض مواليه من المسيحيين، ومن هؤلاء “أندونة”، الذي نسبت إليه قرية أندونة في الجيزة، وكان يتردد كثيرًا على رهبان دير القصير ويخلو في بعض القلالي يفكر، وكان يأنس براهب حكيم يُدعى أندونة أيضًا، ويلتمس منه النُصح والإرشاد. وتمتع اليهود في ذلك العصر بالحرية الدينية والاجتماعية والاقتصادية، فباشروا طقوسهم الدينية في أمن وهدوء، واستمروا في مزاولة المهن المختلفة واقتناء الضياع والاشتغال بالتجارة وخاصةً تجارة العملة، وكذلك اشتغلوا بالعلوم والطب. كما أحسن خمارويه بن أحمد بن طولون معاملة أصحاب الديانات جميعًا، وخاصةً المسيحيين، وكان يراعي أحوالهم، وخاصةً الأساقفة والرهبان، ولم تشر المصادر التاريخية إلى أنه أقدم على إساءة أحد منهم، أو تعرض لكنائسهم وأديرتهم بِسوء.. واشتهرت مصر في العصر الطولوني بالعلوم والطب، فظهر من الأطباء سعيد بن ترفيل، وهو مسيحي كان في خدمة أحمد بن طولون، وسعيد بن البطريق وهو مسيحي أيضًا كانت له عدة مؤلفات منها “التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق”. كذلك ظهر خلال تلك الفترة العديد من الكتاب الذين اهتموا بتدوين التاريخ والخطط، ومن أشهرهم عبد الرحمن القرشي، وابن الداية، والبلوي، لتصبح مصر منارة العالم وقبلته الحضارية المشعة طيلة العصور الوسطى. ومنذ بداية الدولة المصرية المستقلة الثانية وهي الدولة الإخشيدية (935 -968م)، حافظ طغج الإخشيد (مؤسس الدولة الإخشيدية) على نهج بن طولون، فأوقف إرسال الخراج إلى الدولة العباسية وأحدث نقلة حضارية شاملة في مصر. ومن الواضح من النصوص التاريخية أن أصحاب الديانات عاشوا في هدوء وسلام طوال عصر الدولة الإخشيدية، كما كان حالهم في عصر الدولة الطولونية، ولم ينص عن اضطهادات أو عسف نزل بهم في ذلك العصر. وكان من بين الموظفين المسيحيين، الذين أشرفوا على الشؤون المالية في هذا العهد ابن عيسى بقطر بن شفا، وتذكر بعض الروايات أنه تولى خراج مصر للأمراء الإخشيديين، ومنهم أيضًا إبراهيم بن مروان في عهد أنوجور، وجرير بن الحصان. وتذكر الرواية القبطية أن كافور كان له وزير من القبط يُسمى أبو اليمن قزما بن مينا. كما يلاحظ في هذا العصر ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ مصر منذ الغزو العربي، وهي استخدام اليهود إلى جانب المسيحيين في شؤون الإدارة وأعمال الحكومة، إذ كان يعقوب بن كلس اليهودي من مستشاري كافور، ومن أقرب الناس إليه، حتى بلغ الأمر أنه أمر جميع رؤساء الدواوين بألا يُصرف درهم أو دينار إلا بتوقيع ابن كلس. وشهدت مصر والشام إبان حكم الإخشيديين نهضة علمية وأدبية على مستوى عال من التقدم والازدهار، حيث وجدت مراكز انتشرت من خلالها الحضارة والثقافة العلمية والأدبية، وكان من أهم هذه المراكز “الأسواق” التي كانت موئلًا للدارسين يتجاذبون فيها أطراف الحديث، ويقيمون المنافسات والمناظرات العلمية، وقد كانت بمدينة الفسطاط في عصر الدولة الإخشيدية سوق عظيمة للوراقين، وكان سيبويه المصري أعظم أدباء هذه الدولة يظهر الكلام والاعتزال في الطرقات والأسواق، وكانت سوق الوراقين أيضًا بمثابة مكتبة عامة يتاح فيها للمهتمين بالقراءة والاطلاع وشراء ما يحتاجونه من الكتب المفيدة لهم، وكانت تقام في هذه السوق مزادات يُنادى فيها عن الكتب الجيدة النادرة. كما كانت هناك مجالس أخرى للعلم والأدب لا يحضرها إلا الخاصة، مثل مجالس العظماء من أمراء الدولة، وعلمائها ووزرائها، حيث كانت تجمع بين العلم والأدب، والثقافات العامة. ومن مظاهر اهتمام الإخشيد بمثل هذه المجالس العلمية والأدبية أن جعل داره مركزًا لتلك المجالس، وكثرت اجتماعاته مع سيبويه المصري ومناقشته إياه بأمور الفقه والعلم والفلسفة. وقد اعتنى خلفاء الإخشيد بتلك المجالس، واهتموا بها، فقد عني بها ابنه أنوجور، كذلك اعتنى بها كافور، حيث كان كافور له نظر في اللغة العربية والأدب، وكان يحرص على أن يكون بلاطه مجمع العلماء والأدباء. وإلى جانب العلوم، ازدهر الأدب في مصر في العصر الإخشيدي، وكان فارس حلبة النثر الفني في العصر الإخشيدي إبراهيم النجيرمي. أما المؤرخون في العصر الإخشيدي فكان لهم شأن عظيم، منهم الحسن الدمشقي، وابن زولاق ممن اهتموا بتدوين تاريخ مصر وخططها، وكذلك البطريرك سعيد بن البطريق الذي مارس الطب أيضًا فترة من الزمن بالفسطاط، ومن الأطباء الذين ظهروا في العهد الإخشيدي أيضًا، نسطاس بن جري، والبالسي، والمقدسي.. كما شكل العصر الفاطمي العصر الذهبي للأمة المصرية إبان العصور الوسطى المصرية، وتُعتبر الدولةُ الفاطميةُ المصرية (969 – 1171) إحدى دول الخلافةُ الإسلامية، والوحيدة بينها التي اتخذت من المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا لها، واشتهر أغلب الخلفاء الفاطميين بتسامحهم الشديد مع سائر المذاهب الإسلامية ومع غير المسلمين من المسيحيين، واليهود، واللاتين، والشوام من روم وسريان وموارنة، واشتهروا أيضًا بقدرتهم على الاستفادة من كافة المكونات البشرية لدولتهم المنتمية لتكتلات عنصرية متنوعة، فاستعانوا بالبربر والترك والأحباش والأرمن في تسيير شؤون الدولة، إلى جانب المصريين العرب، وقد ساد التسامح الشديد بين تلك الطوائف المتنوعة، وكانت مذاهب أهل السنة والجماعة من الحنفية، والمالكية، والشافعية، الأكثر انتشارًا على المستوى الشعبي، ومرد ذلك أن الفاطميين في بداية عهدهم اتبعوا وصية الداعي أبو عبيد الله الشيعي القائلة “إن دولتنا دولة حجة وبيان، وليست دولة قهر واستطالة، فاتركوا الناس على مذاهبهم، ولا تلزموهم باتباع الدعوة الهادية المهدية”، وباستثناء بعض الخلفاء الفاطميين “المضطربين” مثل الحاكم بأمر الله، فإن أغلب الخلفاء الفاطميين كانوا متسامحين لأبعد الحدود مع المسيحيين واليهود، فأطلقوا لهم الحرية الدينية، ورفعوا شأنهم، فعلى سبيل المثال، اشتهر الخليفة المنصور ومن بعده المعز لدين الله بتسامحه الكبير مع أقباط مصر، وباستمالتهم إليه وموالاتهم له بعد أن اتصل بقياداتهم الدينية وأعلمهم بأنه سيمنحهم الحرية الدينية. ولما دخل الفاطميون مصر، سلك جوهر الصقلي سلوكًا دبلوماسيًا هادئًا مع المصريين، فأعلن في خطبة الجمعة الأمان لأهل السنة وللمسيحيين واليهود، واستقبل ممثل الأقباط الذي كان يرفع صوته ويقول “إننا ننتظر وجودكم في مصر بلهفة المضطهد لكي ننعم بالحرية حتى في حياتنا اليومية وأموالنا وممارسة ديانتنا”. فقد جعل المعز لدين الله عيسى بن نسطورس وزيرًا له، وتزوج من امرأة مسيحية ملكانية، وهي أم ولده الحاكم وشقيقة اثنين من البطاركة، أحدهما بطريرك كنيسة الإسكندرية، والآخر بطريرك كنيسة بيت المقدس، وكان يحتفل مع المسيحيين ويشاركهم أعيادهم. وقد استحدث الفاطميون عددًا من الأعياد كرأس السنة الهجرية ومولد النبي والاحتفال بقافلة الحج، إضافة إلى بعض المناسبات كعاشوراء ومولد الحسين ومولد السيدة فاطمة ومولد الإمام علي ومولد الحسن ومولد الإمام الحاضر، كما كانوا يحتفلون بالاحتفالات المصرية كرأس السنة القبطية، وأعياد أخرى كعيد النيروز. وسن الفاطميون عدة سنن أصبحت جزءً لا يتجزأ من الثقافة المصرية وما زال المصريون وغيرهم من الدول والأقاليم المجاورة يحيون هذه السنن، ولعل أبرزها هو فانوس رمضان، فقد أعطى الفاطميون هذا الشهر اهتمامًا خاصًا، وكانت الفوانيس تنير دور العبادة وتُصنع من الزجاج الملون لتعطي تأثيرًا بهيجًا. كما نهج الفاطميون سياسة منظمة في إنشاء وتنظيم نشر العلم حتى وصلت بدولتهم إلى ذروة هرم الحضارة في القرن الحادي عشر الميلادي، فاذهرت الآداب والعلوم والفنون، وكان الجامع الأزهر الذي أُنشأ على المذهب الشيعي، وكذلك دار الحكمة مركزين كبيرين لنشر العلم وتعليم أصول اللغة والدين، فقد شُيدت دار الحكمة كجامعة كبيرة يقوم على التدريس فيها عدد كبير من العلماء والمتخصصين في علوم الفلك والجغرافيا والطب والرياضيات واللغة والتاريخ وغيرها من العلوم والفنون. وجُلبت لها الكتب من خزائن القصور، وظلت الدار مفتوحة لعامة الناس إلى أن هدمها قراقوش نائب صلاح الدين الأيوبي وأغرق كتبها في النيل. وكذلك بُني الجامع الأزهر كمسجد جامع لإقامة الصلاة ولكنه تحول إلى جامعة تعليمية، وظلت الصفة التعليمية له سائدة طول العصر الفاطمي، ولم يقتصر دور الأزهر الفاطمي على نشر المذهب الإسماعيلي، بل ضم حلقات علمية للمذاهب الأخرى، فكانت به خمس عشرة حلقة للمالكية ومثلها للشافعية وثلاث للحنفية، وكانوا يشكلون المصاحف وينقطونها لأول مرة في التاريخ. ولم يقتصر نشر العلوم على المساجد فقط، بل كانت قصور بعض الوزراء كيعقوب بن كلس الذي كان يجمع العلماء يتدارسون ويكتبون الأدب والطب. وألف ابن كلس كتبًا في تاريخ الأديان واللغات. وأبرز علماء هذا العصر كان الحسن ابن الهيثم كبير علماء الطبيعيات، والأخصائي بعلم البصريات، كما برز أيضا في مجال العلوم عددًا من الأسماء كابن رضوان في الطب والفلك، وابن يونس في الرياضيات والفلك، وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وعلي بن عيسى الكحال صاحب كتاب تذكرة الكحالين، وابن المقشر، وماسويه المارديني، وابن بطلان وغيرهم من الأطباء البارزين. كما شهدت الحياة الفكرية في العصر الفاطمي تنوعًا في الإسهامات، فشملت عددًا من الرسائل الأدبية النثرية كرسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء، إضافة إلى الرسالة المصرية لأمية بن أبي الصلت الداني التي تناولت مصر والمصريين، ذكر فيها محنته في سجن الأفضل شاهنشاه، واهتموا بلون آخر من الكتابة، وهو كتابة السير الذاتية. وقد برز من أدباء وكتاب ذاك العصر الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي، وأبي سعد محمد بن أحمد العميدي، وابن الصيرفي. وقد أرخ للدولة الفاطمية الكثيرون كالمسبحي، وابن زولاق، والقضاعي. ولعب الشعر أيضًا دورًا هامًا في الحياة الفكرية عند الفاطميين، فخصصوا للشعراء ديوانًا يتولى أمورهم، ومن أشهر شعرائهم “الرسيون” وهم من الأشراف العلويين وينتسبون إلى الشريف الرسي الذي دخل مصر في عهد كافور الإخشيدي، وابن وكيع التنيسي والشريف العقيلي وابن أبي الجوع وابن مكنسة، كما برز من الفاطميين ووزرائهم من يحسن قرض الشعر كتميم بن المعز والوزير طلائع بن رزيك. ولم يكن ذلك الاهتمام الفكري الوحيد من جانب الحكام الفاطميين، فقد استهواهم جمع الكتب، فكانت لهم خزانة كتب في القصر الشرقي الكبير احتلت أربعين غرفة منه، واحتوت على مليون وستمائة ألف مجلد، وقد احتوت المكتبة على آلاف الكتب في الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة والحديث والتواريخ وسير الملوك والتنجيم والروحانيات والكيمياء.. كما ازدهرت صناعة الحفر على العاج والخشب، وصناعة التماثيل من البرونز والنحاس، وكانت المنسوجات صناعة فاطمية مشهورة، وقد كثرت فيها صور الحيوانات كالغزلان والأرانب والسباع، وكانت تُزخرف بالخط العربي. ويُلاحظ أن الفاطميين في هذا المجال خالفوا دول الخلافة السابقة عليهم، فقد أباحوا تصوير الكائنات والأشخاص على منتجاتهم وحرفياتهم على عكس أهل السنة. كما ترك الفاطميون آثارًا معمارية كبيرة في مصر، حيث ظهرت العديد من الأنماط والأفكار المعمارية للمرة الأولى أثناء العصر الفاطمي، وازدهرت العمارة ازدهارًا كبيرًا في القاهرة، ومن أبرز الآثار المعمارية الباقية للفاطميين فيها الجامع الأزهر وجامع الحاكم بأمر الله. وعني الفاطميون بإنشاء وتشييد المشاهد والمزارات المقدسة لآل البيت، فزينوا عاصمتهم القاهرة بعدد منها، استعمل بعضها لدفن الخلفاء أنفسهم، وما زال عدد من هذه المزارات قائم في مصر حتى الآن.. وبذلك حققت الدولة الفاطمية نهضة شاملة، وضعت مصر وحلفائها داخل نطاق الدولة الفاطمية في مركز الريادة العالمية. فكانت نهضة حضارية إنسانية اتسمت بالتسامح الديني الشديد، والتعايش المتحضر مع التنوع الطائفي العديد والأخذ بالعلم والتعليم سبيلًا للتقدم والتطور، وتشجيع الأدب والأدباء، وإفساح المجال أمام إبداعات الكتاب والمثقفين، وبذلك لم تكن البيئة المصرية آنذاك تسمح بنمو الأفكار المتطرفة والمغالية كالمذهب الحنبلي، كما اشتهر عن المصريين تهكمهم من ضيقي الأفق وأصحاب التشدد الفكري باتهامهم بأنهم (حنابلة)، وهو قول سائد حتى الآن لدى العامة من المصريين، كما انسجمت الدولة الفاطمية بشكل كامل مع طبيعة الشعب المصري المتسامحة والمتعايشة بسلام ومحبة مع الآخر، وأضافت الكثير للهُوية المصرية المازجة للحضارات والرائدة منذ آلاف السنين، لتنطلق مصر بكل ما تملك من إمكانات مادية، ومخزون حضاري عظيم، لتصبح رائدة للكون، في وقت كان الغرب يرزح تحت همجية وظلامات العصور الوسطى الغربية.

رغم أن الدولة الأيوبية التي ورثت الدولة الفاطمية بقيادة صلاح الدين الأيوبي، قد حققت الاستقلالية التامة لمصر، وتميزت بقدرتها الهائلة على حماية الأمن القومي المصري على نطاق واسع، حيث شمل كافة الحدود السياسية التاريخية لمصر بل تعداه بكثير، وذلك قبل أي مواجهة حقيقية مع التحدي الخارجي ممثلا في حملات الإفرنج آنذاك، ونجاحها المبهر في مواجهة الخطر الإفرنجي على مصر وبلاد المشرق العربي، وذلك بفضل ما تمتع به صلاح الدين الأيوبي من قدرات ومهارات قتالية وإدارية فذة، وحنكة سياسية، وكثيرًا من الحكمة والفطنة، مما جعل منه مثالًا حقيقيًا لرجل الدولة القوي في ذاك الزمان. إلا أن مؤسسي الدولة الأيوبية عندما أتوا إلى مصر حملوا معهم سمات البيئة الشامية المليئة بالصراعات المذهبية والفتن الطائفية التي أشرنا إليها سابقًا، وذلك بعد أن بلغ الصراع الديني المذهبي في الإسلام ذروته في تلك الفترة، امتدادًا لتعصب السلاجقة في العراق والشام للمذهب السني. فعمدت الدولة الأيوبية منذ إنشائها إلى القضاء على المذهب الشيعي، ومحو أثره وتدعيم ونشر المذهب السني في كافة أنحاء البلاد، فأنشأ صلاح الدين المدارس لمكافحة المذهب الشيعي، وتهيئة عقول المسلمين لفكرة الجهاد العقائدي، وفى سنة 1168م افتتح صلاح الدين مدرستين لتدريس الفقه، وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعي، وجعل الأخرى للفقه المالكي، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلًا منهم قضاة من الشافعية السنة، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام الشافعي. كما قام صلاح الدين في بدايات حكمه لمصر بإلغاء العديد من احتفالات الشيعة مثل الاحتفال بيوم عاشوراء وغيره، وقد تجلت ظاهرة التصوف والإكثار من بناء منازل للصوفية عرفت باسم “الخوانق”، قال عنها الرحالة ابن جبير في هذه الفترة “وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأن قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرغ خاطرها لعبادته من الفكر في أسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم بالجنان”، ومن ثم انتشر المذهب السني في مصر وما يتبعها من أقاليم. كما افتتح صلاح الدين عهده في الوزارة بطرد الموظفين الأقباط واليهود من مناصبهم، وصار لزامًا عليهم أن يتزينوا بزي خاص بهم. ولكن تحسنت ظروف أصحاب الديانات تدريجيًا بعد صراع الأيوبيين مع الإفرنج وما أظهرته من عداء شديد بين مسيحي الشرق واليهود وبين الإفرنج، وتلاحم مسيحي ويهود الشرق مع العرب والمسلمين في صراعهم مع الإفرنج، حيث تشير الروايات إلى أن السيوف الإفرنجية لم تفرق بين المسلمين والمسيحيين واليهود العرب في مجزرة بيت المقدس وغيرها، فقد كانت النظرة الدينية لرجال الدين المرافقين للإفرنج تقوم على أساس تكفير المسلميين والمسحيين الشرقيين واليهود. ولأسباب متعددة تتعلق بطبيعة الأسرة الأيوبية ونشأتهم البدوية وحياة الترحال وامتهان الغزو في كثير من الأحيان، والبعد عن كل ما هو حضاري وجمالي، لذا قل اهتمام الأيوبيين بالحياة الأدبية والعلمية، وتجلى هذا في إحراق صلاح الدين لمكتبة دار الحكمة والتي احتوت على قرابة مليون وستمائة ألف كتاب (حسب رواية ابن الأثير)، بما فيها من كنوز ونفائس علمية وفلسفية لا تقدر بثمن، كما قام صلاح الدين بتدمير الكثير من معالم مصر الحضارية والتاريخية العظيمة كأهرامات الجيزة حتى لم يتبقى منها سوى الأهرامات الكبرى الثلاث، باعتبارها أصنامًا، وهو الذي أصدر الأمر بقتل الفيلسوف الحلبي الحر السهروردى وطارد الفيلسوف الأندلسي ابن سابين. ولذلك لم تقدم الدولة الأيوبية الكثير في المجال العلمي والأدبي والثقافي كسابقاتها في عصر الدول المستقلة (الدولة الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية)، كما أضاعت الدولة الأيوبية روح التسامح الديني الذي تحلت به مصر وخاصة في مراحلها الأخيرة إبان عصر الدول المستقلة الثلاثة السابقة عليها كما أوضحنا سابقًا.

ولد أحمد بن تيمية سنة 1263م بمدينة حران في جزيرة الشام، وذلك بالتزامن مع حملات المغول على الشام (1260-1300م)، وما أحدثته من هلع وزعر، إضافة إلى تأجيج الاضطرابات الاجتماعية وزعزعة الاستقرار السياسي، فتكامل ذلك مع ما يموج به الشام أساسا من صراعات مذهبية وطائفيه عنيفة، مما كان له أثر في تنمية الأفكار المتطرفة. حيث ولد بن تيمية في بيت حنبلي، وترعرع ونما في حضن هذا المذهب إلى أن تولى رئاسته. وقد أشرنا إلى طباع أصحاب هذا المذهب، بالإضافة إلى تأثره ببيئة صحراوية قليلة التحضر بعيدة عن مناطق العمران والمراكز التجارية حيث يتيسر التلاقح الثقافي ويزدهر الفكر التوفيقي، فكان لذلك كله أثر بعيد في بلورة الفكر المتصلب لشيخ التكفير بامتياز، حيث تكونت لديه نظرة ازدرائية تجاه كل التيارات والمذاهب الأخرى، مستخدمًا في ذلك معجمًا يفيض بنعوت عقائدية عنيفة، مثل مبتدع ومتزندق ورافضي وباطني وخارجي… وخلافه، متمسكا بتراث أحادي النظرة موروث عن سلف مختار بعناية من الحشوية والحنابلة، مما سبب له الكثير من المتاعب التي أدخلته السجن ثلاث مرات بسبب بعض عقائده وفتاواه التكفيرية والإجرامية. وقد تميز الشام والعراق في الحقبة التاريخية التي وجد فيها ابن تيمية بأعلى درجات التحيز الفكري والتعصب المذهبي، بحيث اشتد الخلاف بين الشافعية والحنفية، وبين الحنابلة والأشعرية، وبينهما وبين المعتزلة، وبين كل هؤلاء وبين الشيعة، لينتقل الخلاف من المناظرات العقائدية إلى الصراعات الدموية، وتمتلأ بطون الكتب بالتهم والافتراءات المتبادلة في إطار الجدل القائم بين المتناظرين مع ما يشوب ذلك من التعصب للرأي. حيث سرى ذلك على كتب ابن تيمية وعلى كتب معاصريه على السواء، لتسافر أفكاره وفتاواه عبر الزمن، وتكون المرجعية الفقهية والفكرية للحركة الوهابية كما سنأتي إليه لاحقا بشيء من التفصيل.

كانت نظرية “التوحيد” التي ابتدعها بن تيمية البوابة الكبرى لتكفير عامة المسلمين، فقد ادعى ابن تيمية أن التوحيد قسمان وهما “توحيد الربوبية” و”توحيد الألوهية”، وحسب زعمه فإن توحيد الربوبية هو الاعتقاد بأن الله هو وحده الرب والخالق والمحيي والمميت والرازق والمدبر، وهذا التوحيد لا ثواب ولا عقاب عليه، وادعى أن هذا لم تأت به الرسل، لأنه قد أقر به كافة الناس بالفطرة سواء مؤمنهم أو كافرهم حسب زعمه. بينما توحيد الألوهية هو المعول عليه وهو الذي جاءت به الرسل، ويتمثل في الاعتقاد أنه لا إله إلا الله، ويعني ذلك صرف جميع العبادات من الدعاء والسجود والنذر والطواف والحلف ونحو ذلك إلى الله دون سواه من صنم أو قبر. وفي هذا الصدد يفند لنا الدكتور وليد صلاح الدين الذير، نظرية ابن تيمية في التوحيد في دراسة جامعة بما يقارب 400 صفحة، فيقول إن التقسيم الذي ابتدعه ابن تيمية بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية لم يأت في كتاب ولا سنة ولا عن سلف، فضلا عن مخالفته العقل والمحسوس، ويخالف ما اتفق عليه فقهاء الأمة والأئمة والدارسين على أن التوحيد قسم واحد وهو اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله. ويؤكد الدكتور وليد أن ابن تيمية أقام نظريته على طائفة من المقدمات والدعاوى العقلية واللغوية والشرعية غير المسلمة بل الباطلة قطعًا. فأول هذه الدعاوى هي دعوى التباين بين الرب والإله، وهذا غير صحيح لما ثبت أن أحدهما يُستخدم بدل الآخر. كما أن دعواه أن المشركين كانوا يقرون بأنه لا رب ولا خالق إلا الله ولذلك اعتبرهم موحدين في الربوبية، وإنما هم خالفوا في توحيد الألوهية حيث رفضوا أن يشهدوا أن لا إله إلا الله. والجواب أن هذا ادعاء باطل، بناه ابن تيمية على مقدمة باطلة وهي دعواه التباين بين الرب والإله، كما أنه لا نسلم بأن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولا بتوحيد الألوهية ولا هم أصلا يعرفون هذه التفرقة التي ابتدعها ابن تيمية في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، بل وصفهم بأنهم موحدون مناقض لآيات القرآن الكثيرة التي وصفت كفار قريش وغيرهم من أقوام الأنبياء الذين كذبوهم: بأنهم مشركون مطلقًا، ولم تأت آية أو حديث أو خبر يقول بأنهم موحدون في الربوبية دون الألوهية كما زعم ابن تيمية.. واستدل ابن تيمية على أن المشركين موحدون في الربوبية بقوله تعالى “قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ” صورة المؤمنون 86، 87، وأمثاله هذه الآية، ففهم ابن تيمية من هذه الآيات أن المشركين كانوا يقرون بالله ربًا واحدًا، ولكن لم يقروا به إلهًا واحدًا بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى قول لا إله إلا الله أبوا، فدل على الفرق بين الرب والإله، ودل أيضًا على الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. والجواب أن هذا غير صحيح لعدة أمور، أولًا أن هذا مبني على التباين بين الرب والإله، وهذا غير مسلم. وثانيًا أنه ليس في الآية ذكر للتوحيد قط، وإنما هو شهادة لله بالربوبية، وهذا لايلزم منه توحيد، تمامًا كما كان المشركون يشهدون لله بالألوهية ولا يلزم منه أنهم موحدون في الألوهية.. كما استدل ابن تيمية على أن المشركين كانوا موحدين في الربوبية بآية الزمر “أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى” الزمر – 3، والجواب أن هذا الادعاء كذب من المشركين، يدل على ذلك بقية الآية التي بترها هو وأتباعه، وهو قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ” الزمر – 3.. واستدل أيضًا بآية “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ” يوسف – 106، والجواب أن الآية حجة لنا لأنه أطلقت على المشركين أنهم مشركون لا موحدون، كما يدعي ابن تيمية، على أن للسلف أقوالًا كثيرة في تفسيرها، وعليه فالآية محتملة ولا تصلح حجة في موطن النزاع.. واستدل بن تيمية بأثر ابن عباس “هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم”، والجواب أن هذا الأثر لا وجود له إلا في كتب ابن تيمية وأتباعه، ونسبة ابن تيمية هذا الأثر للبخاري هي نسبة باطلة.. واستدل ابن تيمية بالقياس، حيث قاس المسلم الذي يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم على مشركي قريش الذين كانوا يستغيثون بالأصنام، والجواب أن هذا قياس باطل، لأن المشركين كانوا يستغيثون بالأصنام بعد أن اتخذوها أربابًا وآلهة من دون الله، والمسلم يشهد أن لا إله ولا رب إلا الله، ولا يعتقد الألوهية ولا الربوبية في النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هذا من قبيل التوسل به، هذا فضلا عن ابن تيمية وأتباعه يرفضون القياس في فروع العبادات والمباحات فكيف يقيسون في أصول الديانات والواجبات والمحرمات؟!.. كما ادعى ابن تيمية أن العبادة لا يشترط فيها النية، لذلك ادعى أن الاستغاثة والطواف والذبح والسجود ونحو ذلك عبادات لا تُصرف لغير الله ومن صرفها لغير الله كقبر أو صنم فقد أشرك بغض النظر عن نيته، فمن ذبح لقبر أو طاف به فقد أشرك حتى ولو لم ينو عبادة القبر، بل نفس طوافه بالقبر وذبحه له واستغاثته به عبادة سواء نوى ذلك أم لا، وسواء اعتقد في صاحب القبر أنه إله أم لا. والجواب أن هذا باطل، لأن العبادة وسائر الأعمال يشترط فيها النية كما في حديث “إنما الأعمال بالنيات” فمن أدى كل العبادات لله بنية الرياء فهو غير عابد الله بل هو معاقب على ريائه وإن أتى بصورة العبادات من صيام وحج ونحو ذلك، وكذا من طاف بالقبر أو ذبح له أو استغاث به أو سجد له ولم ينو عبادته فليس بعابد القبر، وأقرب دليل على ذلك أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا، وهذا السجود ليس بسجود العبادة بل هو سجود تحية، وحين أبى إبليس السجود لآدم طرده الله من رحمته، فدل أن السجود لغير الله ليس شركا مطلقا وإلا لاستحق إبليس المكافأة بدل الطرد، ولاستحق الملائكة العكس، وهذا باطل، وإنما يكون السجود شركًا أو عبادة بالنية والقصد.. وادعى ابن تيمية أن الناس أجمعين مقرون بتوحيد الربوبية، وهذا باطل شرعًا وحسًا، فإن كثيرًا من الأقوام جحدت وجود الله فضلا عن وحدانيته.. كما أن الزعم أن لا إله إلا الله تعني: لا سجود ولا ذبح ولا طواف ولا استغاثة ولا حلف إلا بالله ولله، وأن هذا ما كان يفهمه المشركون من كلمة التوحيد لذلك أبوا أن يقولوها لئلا تقطع عليهم الذبح والطواف لأصنامهم، فمن يصرف أحد هذه الأمور لغير الله كقبر فهو لم يفهم كلمة التوحيد وبالتالي لن تقبل منه ولو قالها مرارا. والجواب أن هذا المعنى للشهادة باطل يخالف مفهوم التوحيد عند الله ورسوله وأصحابه فالله أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا ولو كان كلمة التوحيد تعني أنه لا سجود لغير الله لكان الله وملائكته جاهلين ـ والعياذ بالله ـ بمعنى كلمة التوحيد لأن الله وملائكته شهدوا بأنه لا إله إلا الله كما في قوله “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ” آل عمران – 18، وسجد بعض الصحابة للرسول وحلف عمر رضي الله عنه وبعض الصحابة بآبائهم حتى نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانوا يفهمون من كلمة التوحيد ذلك المعنى الذي ذكره ابن تيمية لما أقدموا على الحلف والسجود للرسول صلى الله عليه وسلم أصلًا.. ومن المقدمات التي اعتمد عليها ابن تيمية أن الرسل لم تأت بالدعوة إلى الإيمان بالله، وقد نقضت هذه المقدمة بآيات وأحاديث كثيرة، منها قوله تعالى “رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا” آل عمران – 193، ثم إن هذه الدعوى من ابن تيمية تفتح باب الإلحاد على مصراعيه، فيكون ابن تيمية فتح باب الإلحاد وأغلق باب الشرك، وهذا طريف للغاية.. ومن دعاوى ابن تيمية أيضا أن المشركين ما كانوا ينازعون في توحيد الربوبية، وهذا يرد عليه نصوص عديدة من الكتاب والسنة من ذلك قوله تعالى “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ” الحج – 39، 40، منها قوله تعالى “وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ” غافر 27، 28. وهذا كله يبين أن النزاع مع المشركين في ربوبية الله فضلا عن توحيد الربوبية، فالمشركون قاتلوا الرسول وسائر الرسل عليهم السلام وأتباعهم لقولهم “الله ربنا”، ولو كان المشركون يسلمون بأن الله ربهم، لما قاتلوا الرسل وأتباعهم ولقالوا لهم: ونحن نقول مثلكم “الله ربنا”، ولكن نقاتلكم لكذا وكذا من الأسباب الأخرى.

تضاعفت خطورة فتاوى ابن تيمية بنقلة الكلام عن التوحيد لأول مرة من اختصاص النخبة من العلماء إلى مجال العامة، ليبرز بذلك فقيه الشعب ضد العلماء الذين وُصموا بالخضوع السياسي والجمود الفكري. كما شرعن ورسخ مفهوم الجهاد العقائدي، بأن أضاف إلى مقاتلة العدو الخارجي، النضال ضد كل الممارسات والطقوس التي وصفها بأنها منحرفة عن إسلام السلف الصالح، وكانت شهرته بداية بفتواه لأهل حماة في سنة 1280م عندما سألوه حول آيات الصفات كقوله تعالى “الرحمان على العرش استوى” وقوله (ص) “إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمان” وقوله “يضع الجبار قدمه في النار” إلى غير ذلك، فأجابهم بما يعتقده الحشوية والحنابلة في مسألة الصفات الخبرية مما جاء في التفاسير والأحاديث التي تم دسها في التراث الإسلامي بما يفيد التشبيه والتجسيم. وقد أثارت فتواه المشهورة بالحموية الرأي العام حوله فوقعت معها بعض الفتن، تدخلت على إثرها السلطات السياسية آنذاك فعقدت له مناظرات ومحاورات، بحضور علماء المذاهب الفقهية والأصولية. وحكم عليه القاضي بالحبس في برج أياما، وكُتب كتاب نودي في بلاد الشام ومصر، يحط من قدر الشيخ. فانضم إلى صفه جماعة من الفقهاء والعامة، وجرت فتن كثيرة ومنتشرة في تلك الأثناء، وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة. إلا أنه اشتهر خصوصًا بآراءه وفتاواه التكفيرية الكارثية التي كانت سببا في إهدار دماء المسلمين من مختلف الطوائف في عصره. وتعددت مواقف ابن تيمية التكفيرية ودعوات القتل الصُراح لمعتنقي المذاهب الأخرى خاصةً الشيعة الإمامية والعلوية، فقد أفتى الرجل بكل غرابة وعنجهية بجواز تكفير وقتال العلويين (النصيرية) وقال فيهم “هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم ..أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم… ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات… وهؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع الإسلام.. وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة : تُقتل مقاتلتهم وتُغنم أموالهم. وسبي الذرية فيه نزاع، لكن أكثر العلماء على أنه تُسبى الصغار من أولاد المرتدين” مجموع الفتاوى. كما أفتى ابن تيمية بقتل كل من ينتسب إلى الطائفة الدرزية حتى علمائهم وصُلحائهم إذ قال “لا يباح أكل طعامهم وتُسبى نساؤهم وتُؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مرتدون لا تُقبل توبتهم، بل يُقتلون أينما ثقفوا، ويُلعنون كما وُصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم، ويُحرم النوم معهم في بيوتهم” مجموع الفتاوى 9/ 222. ومن آراءه المتطرفة ما قاله حول زيارة قبر النبي (ص)، والأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل موضوعة لم يرو الأئمة ولا أصحاب السنن المتبعة منها شيئا، وهو يخالف بذلك الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والدارقطني في سننه أيضا عن رسول الله (ص) أنه قال “من زارني بعد مماتي كأنما زارني في حياتي”، ووقف ابن تيمية موقفًا عجيبًا ضد الكثير مما كان يبدو له من مظاهر “الإنحراف الديني” مما توافق عليه المسلمون قبله كزيارة مقامات الأولياء والصالحين والتبرك بهم، وطلب الشفاعة والتوسل بالنبي (ص)، والبناء على الأضرحة والقبور وإسراجها، مما لم يطعن فيه أحد من أئمة المذاهب المعروفة، حيث تأثر بهذه المواقف المتزمتة تلميذه النجيب ابن القيم الجوزية، إلى أن دعا إلى هدمها، إذ يقول “وأبلغ من ذلك أن رسول الله هدم مسجد الضرار، ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فسادًا منه كالمساجد المبنية على القبور، فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض، وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار، وكذلك القباب التي على القبور يحب هدمها كلها، لأنها أُسست على معصية الرسول لأنه قد نهى عن البناء على القبور”. وهذا النهي إنما يستدل عليه التلميذ وأستاذه بالحديث الذي أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، عن أسامة بن زيد قال: قال لي رسول الله (ص): أدخل علي أصحابي، فدخلوا عليه فكشف القناع، ثم قال: “لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”. هذا الحديث وبغض النظر عن اختلاف المحققين في سنده فإن متنه لا يثبت أمام صريح القرآن الكريم الذي يخاطب اليهود الذين كانوا يقتلون أنبيائهم بقوله تعالى “قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مومنين”، إذ كيف لمن يقتل الأنبياء أن يتخذ على قبورهم مساجد؟. وقد كان ابن تيمية كثير السب لأئمة الصوفية وفلاسفة المسلمين كابن عربي والعفيف التلمساني والإمام الغزالي والفخر الرازي وابن سينا، وكثير النيل منهم والتهكم عليهم، فيصفهم بأنهم فراخ الهنود واليونان. وإذا ذُكر العلامة ابن المطهر الحلي، يقول: ابن المنجس! في إخلال عجيب بأدب الخطاب والأدب مع العلماء (سيرثه عنه التكفيريون الوهابيون فيما بعد). ومن فتاواه الكارثية ضد أهل الذمة “والمدينة التي يسكُنها المسلمون، والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر، لا كنائس ولا غيرها، إلا أن يكون لهم عهد فيوفى لهم بعهدهم.. ولا يشير على ولي أمر المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه إلا رجل منافق يظهر الإسلام، وهو منهم في الباطن، أو رجل له غرض فاسد!.”، وتبقى فتواه ضد الشيعة من أعنف الفتاوى التي كان لها تداعيات خطيرة بإذكاء الفتنة بين المسلمين عبر القرن الثاني عشر الميلادي، وذلك عندما سأله سائل عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله (ص) هو علي بن أبي طالب، وأن رسول الله (ص) نص على إمامته فأجاب “أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله، وقد ثبت عن علي أنه حرق غالبية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الألوهية، وروي عنه أنه قال “لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته”، وأنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه، فهذه سنة أمير المؤمنين قد أمر بعقوبة الشيعة، بأصنافهم الثلاثة وأخفهم المفضلة، فأمر هو وعمر بجلدهم، والغالبية يقتلون باتفاق المسلمين!! فإن جميع هؤلاء كفار أكفر من اليهود والنصارى، فإن لم يظهر عن أحدهم ذلك، كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفرًا!! فلا يجوز أن يقر بين المسلمين لا بجزية ولا بذمة، ولا يحل نكاح نسائهم ولا تُؤكل ذبائحهم، لأنهم مرتدون ومن شر المرتدين!! فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يُقاتل المرتدون، وإن كانوا في قرى المسلمين فُرقوا وأُسكنوا بين المسلمين بعد التوبة!! وأُلزموا بشرائع الإسلام التي تجب على المسلمين”. وقد حملت فتواه هذه الكثير من المغالطات، التي تفوح منها رائحة الحقد والتحامل على القوم، إذ يتهم الشيعة أولًا باعتقاد الألوهية في علي، مع أن القوم متفقون على عقيدة التوحيد وقد حفلت بذلك مراجعهم وكتبهم، ولم يثبت أبدا أن أمر أحد من الخلفاء بقتل أحد من المسلمين سب أحدا من الصحابة، وقد أورد القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا نقلا عن القاضي اسماعيل وغير واحد من الأئمة أن رجلًا سب أبا بكر بمحضر منه (رض)، فقال له أبو برزة الأسلمي: يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال: اجلس ليس ذلك لأحد إلا رسول الله (ص). ورواه النسائي أيضا. وإذا كان سب الصحابة يوجب الكفر حسب زعمه، لوجب تكفير الشيخ وأتباعه لمعاوية أولًا وقد حمل الناس على سب الإمام علي بن أبي طالب (رض) على منابر الجمعة، وقتل الكثير من أنصار الإمام علي (رض) ممن رفض سبه أو التبرؤ منه. بيد أننا نجده يدافع عن معاوية، وينسب له فضائل غريبة، حيث جاء في فتواه للسائل عن معاوية بأنه جاهد مع الرسول (ص)، وكان يكتب الوحي، وبأن الله ضرب الحق على لسانه وقلبه؟ ولا أدري كيف يأمر الرجل بعقوبة أتباعه. ومن فتاواه الطائفية العنصرية ضد أصحاب الديانات إن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره بحيث لا يبقى لهم معبد في بلد فتحه المسلمون بأرض العنوة سواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو مستحدثة”، وعلى هذا الأساس نشأت فكرة استحلال المسيحيين في واقع الحركة الوهابية التكفيرية فيما بعد، ووجدوا فيها المبررات الشرعية التي تبيح لهم الاعتداء على ممتلكاتهم وقتلهم.

وفي دراستة الأقرب إلى الحصر، يروي لنا الكاتب والباحث سامح عسكر القيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين، بعض النماج الموجودة بالعشرات، في كتاب ابن تيمية (مجموع الفتاوى)، الذي في حقيقته هو مجموع الجرائم التيمية في حق البشر.. النموج الأول عن تكفير وقتل من يجهر بالنية حيث ورد به على لسان ابن تيمية “الحمد لله الجهر بلفظ النية ليس مشروعًا عند أحد من علماء المسلمين ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول فإن أصر على ذلك قُتل” مجموع الفتاوى ج 5 ص 153.. النموذج الثاني عن تكفير وقتل من يأكل الحيات والعقارب حيث يقول “الحمد لله أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين. فمن أكلها مستحلًا لذلك فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل” مجموع الفتاوى 3-51.. النموذج الثالث عن تكفير وقتل تارك صلاة الجماعة والجمعة فيقول “فإن التعبد بترك الجمعة والجماعة بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقًا كفر يجب أن يُستتاب صاحبه منه فإن تاب وإلا قُتل” مجموع الفتاي 3-52.. النموذج الرابع عن تكفير وقتل من يخالفه في فهم الشرع “فأما الشرع المنزل: فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة وهذا الشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه وأفضل أولياء الله أكملهم اتباعًا له ومن لم يلتزم هذا الشرع أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل” مجموع الفتاوى3-33.. النموذج الخامس عن تكفير وقتل من يقول أن القرآن مخلوق يقول “اشتهر عن أئمة السلف تكفير من قال : القرآن مخلوق وأنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل” مجموع الفتاوى3-128.. النموذج السادس تكفير وقتل من يتأخر عن الصلاة “ولا للمستأجر أن يمنع الأجير من الصلاة في وقتها. ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يُستتاب” مجموع الفتاوى 580.. النموذج السابع عن تكفير وقتل من يحرم الأجر نظير العلم لو كان غنيًا “وهل يجوز الارتزاق مع الغنى؟ على قولين للعلماء. فلم يقل أحد من المسلمين أن عمل هذه الأعمال بغير أجر لا يجوز. ومن قال: إن ذلك لا يجوز، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل” مجموع الفتاوى 5-80.. النموذج الثامن عن تكفير وقتل من يقول بقتال الصحابة “وأما من قال : إن أحدًا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو تابعي التابعين قاتل مع الكفار أو قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أو أنهم كانوا يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك. فهذا ضال غاو، بل كافر يجب أن يُستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قُتل” مجموع الفتاوى 2-448فقد ذكر في هذا الكتاب كلمة “فإن تاب وإلا قُتل” 75 مرة، وكلمة “فهو كافر” 111 مرة، وكلمة “يجب قتله” 13 مرة، وكلمة “وجب قتله” 9 مرات، وكلمة “فإن أصر على ذلك قُتل” مرة واحدة، وكلمة “قُتل باتفاق الفقهاء” مرة واحدة، وكلمة “جاز قتله” مرتين، وكلمة “فهو مرتد” 5 مرات، وكلمة “فإن تابوا وإلا قُتلوا” 3 مرات، وكلمة “كافر مباح الدم” مرتين، وكلمة “فهو زنديق” 4 مرات. وهكذا أحكام الرجل ما بين التكفير والقتل والردة والزندقة والاستتابة وإباحة الدماء، كل هذا في كتاب واحد فقط!!. وقد كانت تلك الفتاوى لابن تيمية المرجع الفقهي الأول للوهابيين. وبذلك فإن ابن تيمية هو من وضع الأساس لفقه الجريمة في الإسلام، وخاصة عندما ناقش فروعه بتوسع وأصل لهذه المسائل بفتاوى ومناظرات عقلية وشرعية، حتى باتت دعواته محل قبول لذوي الرغبات والنزعات العدوانية. وهذا ضلال وانحراف، لأن الأصل هو فقه التعايش والسلام والقبول لا الحرب والاعتداء، فالله لم يأمر المسلمين بالاعتداء في القرآن، نعم يوجد من سبقوه في الدعوة للاعتداء والتكفير والقتل كالحشوية والحنابلة، ولكن لم يكن لهم منهج وضابط مثل ابن تيمية الذي توسع في هذه الأشياء.

جمع ابن تيمية في كثير من فتاويه بين الشئ ونقيضه، مثال حكمه بالكفر على مخالف الإجماع، ورغم ذلك عارض علماء عصره وسلفه في كثيرِ من المسائل. كما وقف الكثير من العلماء الموثوقين ضد آراء وفتاوى ابن تيمية، فكان أكثر شيوخ عصره على تجهيله وتناقضه والحُكم عليه بالبدعة، كالشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصره وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية. فالحافظ السبكي يتهمه بنقض دعائم الإسلام وبمخالفة الإجماع في كتابه “الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية”، ويستنكر عليه اليافعي في “مرآة الجنان” فتواه الحموية، وكذا نهيه عن زيارة قبر النبي (ص). أما أبوبكر الحصيني فقد اتهمه باتباع المتشابه من الكتاب والسنة ابتغاء الفتنة. ومما قال فيه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في ترجمة ابن تيمية في “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة”: ومنهم من نسبه إلى الزندقة، لقوله: إن النبي (ص) لا يستغاث به، وإن في ذلك تنقيصًا ومنعًا من تعظيم النبي، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم، ولقوله أنه كان مخذولا حيثما توجه، وأنه حاول الخلافة مرارًا فلم ينلها، إنما قاتل للرئاسة لا الديانة!! كما وجه إليه الحافظ الذهبي جملة من التقريعات في رسالة نقتطف منها كلامه “… يارجل بالله عليك كف عنا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، فقد كره نبيك (ص) المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال، وقال “إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان”، يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولًيا شهوانيًا، لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه.. فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل! أو عامي كذاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل.. وإذا كان هذا التراث الحشوي الحنبلي قد تراجع حتى أُخمد بعد وفاة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية، فسيكون له موعد آخر مع القدر على يد حنبلي آخر هو محمد بن عبد الوهاب النجدي الذي سيتخذ من هذا التراث منطلقا لدعوته الجديدة في الجزيرة العربية. فقد ورثت الحركة الوهابية التبرير الشرعي للتطرف وتحجيم دور العقل ومعاداة عامة المسلمين وباقي الديانات واستباحتهم. وهو ما سنأتي إليه بشيء من التفصيل لاحقًا.

في هذا السياق من تدهور الفكر السياسي الإسلامي باعترافه بالأمر الواقع، أو إضفاء نوع من الشرعية عليه، والاستسلام لنظرية القوة والقهر والغلبة، والابتعاد عن نظرية الشورى، نظر ابن تيمية إلى المشكلة السياسية من زاوية انسجام الحكام مع الشريعة الإسلامية أو عدم انسجامهم، وعلى رغم اقتضاء نظرية التوحيد التي ابتدعها الحديث بالتفصيل عن العدالة في الحكم وشروط الحاكم وصفاته وكيفية وصوله إلى السلطة بطرق شرعية، إلا أن ابن تيمية لم يبحث  مشكلة السلطة من ناحية طرق الحصول عليها، ولم يجد أي ضرورة  لبحث موضوع الشورى واشتراط مجيء الحكام عبر أهل الحل والعقد، أو حصولهم على رضا الأمة، وقدم ابن تيمية نظرة واقعية إلى موضوع السلطة، إذ فصل مختلف الأنظمة السياسية التي مرت على العالم الإسلامي، عن خلافة النبوة، التي قال إنها استمرت ثلاثين سنة فقط، وإنها اختلطت بعد ذلك بالملك أو تحولت إلى ملك خالص، واعتمد ابن تيمية في تحليله التاريخي لمسألة السلطة على حديث منسوب إلى رسولنا الكريم (ص) يقول فيه “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكًا عضوضًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” ثم سكت. وقال ابن تيمية “إن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، ومعاوية قد شابها الملك، وليس هذا قادحًا في خلافته” وإن”انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علمًا وعملًا، فإن كان مع العجز كان ذو الملك معذورًا في ذلك… وإن كان مع القدرة علمًا وعملًا، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة وأن اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا، فهذا التقدير اذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك العادل أيضًا”، وبينما كانت الخلافة عند عامة العلماء من أهل السنة إما صحيحة وإما باطلة ولا توسط بينهما، وأن معيار الإمامة الشرعية هو من جهة انعقادها أو توليتها، لم يذكر ابن تيمية في (السياسة الشرعية) مسألة تنصيب الإمام، لأن الخلافة الراشدة انتهت في نظره خلال السنوات الثلاثين الأولى بعد وفاة الرسول (ص)، ولن تعود ثانية، وأنها كانت تستند إلى نصوص ولم تقم على أساس الشورى، إضافة الى أنه كان يعتقد أن إمامة الراشدين ذاتها كانت قائمة على الغلبة والسيطرة، إذ يقول “الإمام هو من يُقتدى به، وصاحب يد وسيف يطاع طوعًا وكرهًا… وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين” ويقول “إن الإمام الذي يُطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلًا أو ظالمًا”، وقد توصل ابن تيمية من خلال ذلك التحليل إلى جواز قيام الأنظمة السياسية على أساس القوة والقهر والغلبة، و قال إن الإمامة “تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان… وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين، وقد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان الظالمين”، لقد كان ابن تيمية يعتقد أن الإمامة تقوم على أساسين هما “القوة” و”الأمانة” بناء على نصوص قرآنية ورد فيها ذكر القوة قبل الأمانة مثل قوله تعالى “إن خير من استأجرت القوي الأمين”، وقول صاحب مصر ليوسف (ع) “إنك اليوم  لدينا مكين أمين”، وقول أحمد ابن حنبل “أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين”، ومن هنا فقد جمع ابن تيمية صفات الولاية في صفتين رئيسيتين هما القوة والأمانة، وقد اختلف في هذا عن فقهاء أهل السنة وغيرهم من الذين اشترطوا صفات عديدة في الإمام أو عينوا طرقًا محددة لتولي السلطة، حيث كانت القوة عنده أهم وأكثر ضرورة ولابد منها، والأمانة تابع للقدرة، فهي حينئذ مكملة لها أو هي التي تضفي عليها المثالية، وبتعبير آخر فإن القدرة هي أساس الولاية الواقعي، بينما الأمانة هي مطلوب الولاية الشرعي، وبعد القبول بفلسفة القوة في السلطة كان لا بد من التراجع عن كثير من الأمور المثالية والشروط التي ذكرها العلماء السنة السابقون وأكدتها أحاديث نبوية عديدة، تتعلق بصفات الحاكم، مثل شروط التقوى والعدالة والعلم والكفاءة ورضا الأمة أو بيعة أهل الحل والعقد. ويعود تخلي ابن تيمية عن مبدأ الشورى في الحكم إلى النظرة السلبية التي كان ينظر من خلالها الى “الأمة الإسلامية” بعد أن قال بانحرافها وتدهورها وضلال معظم فرقها وطوائفها، وبغربة الإسلام فيها، استنادًا إلى بعض الأحاديث التي تتحدث عن “غربة الإسلام” وعن أفضلية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فقد كان ابن تيمية يعتقد أن الأمة الإسلامية ليست كلها على الحق ولا هي مضمونة النجاة، وإنما بعض منها وهم “أهل الحديث” الذين كانوا يشكلون “الفرقة الناجية”، ويقول “إن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة، وإنه لا يزال فيها طائفة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله”، ومن المعروف أن ابن تيمية قد أخرج معظم طوائف الأمة وفرقها حتى الأشاعرة (السنة) من أهل الحق، ولم يكن مفهوم “الأمة” عنده بالمعنى المعروف المتبادر، أي الجماعة الشاملة التي تتخذ الإسلام دينًا لها، بكل فرقها، وكما تكونت وتطورت في الواقع التاريخي، بل كان معنى “الأمة” عنده هي “الجماعة الجزئية” وهي “أهل الحديث” أو “أهل السنة والجماعة” كما يسميهم، وبما أن “أهل الحديث”، أو “أهل الحق” لا يشكلون الأغلبية دائمًا، وخاصة في زمان “اغتراب الإسلام” فقد كان من المستحيل أن يحتكم ابن تيمية إلى الشورى والأغلبية، أو يشترط حصول الإمام على رضا الأمة، وكان من الطبيعي أن يميل إلى نظرية القهر والغلبة، ويضفي نوعًا من الشرعية على حكومات الأمر الواقع، بغض الطرف عن الطريقة التي استولت فيها على السلطة.

بينما نجد ابن تيمية قد ظهر في القرن الثالث عشر الميلادي في الشام في بيئة حنبلية ووسط اجتماعي يموج بالصراعات المذهبية والطائفية تزامن مع غزوات المغول كما أوضحنا سابقًا، كانت مصر تعيش أزهى عصورها، وتستكمل نهضة العصور الوسطى المصرية التي بدأت بالدولة الطولونية، حتى وصلت في أبهى صورها في عصر السلطنة المملوكية. سواء دولة المماليك البحرية (1250- 1382)، أو دولة المماليك البرجية (1382 – 1517) حيث امتدت حدودها لتشمل الشام والحجاز. وكان عصر ريادة مصرية وتحضر وعلم وثقافة راقية وإدارة متقدمة، وفي عصر المماليك تطورت الفنون والثقافة وفن البناء وازدهرت الحركة الصوفية الروحانية والحركة التأريخية التي لم يكن لها مثيل. وقد امتاز العصر المملوكي بكثرة ما أُنشئ فيه من المكتبات العامة والخاصة، وكان أغلب السلاطين والعلماء والفقهاء والأدباء يتنافسون في جمع المخطوطات النادرة من كتب الفقه واللغة والطب والأدبيات ودواوين الشعراء. وقد تولى إدارة المكتبات رجال هم في ذروة مجتمعهم علمًا وفضلًا وأدبًا وأمانة وصدقًا، وتبع الأدباء في العصر المملوكي أسلافهم، ومنحوا أنفسهم حرية واسعة في الخروج على تقاليد أهل المقامات، وكتبوا في الوصف والغزل والعظة، وألوان من العلم، وضرب من الفكاهة والسخرية والتسلية التي كانت من سمات هذا العصر، فنجد أن كثيرًا من الأدباء أنشأوا المقامات، ومنهم الشاب الظريف وابن الوردي والصفي الحلي والصلاح الصفدي والشهاب القلقشندي وابن حجة الحموي وجلال الدين السيوطي. ولم يكن الشعراء في العصر المملوكي تقليدًا صرفًا للقدماء، لقد قلدوهم في الأغراض التقليدية. كما قامت المرأة في عهد المماليك بدور فعال ومتميز، إذ لم يبخل الحكام على نسائهم وبناتهم بالمال والمتاع وأضفوا عليهن ألقاب التشريف، وخاطبوهن في المكاتبات بعبارات التشريف والتكريم، وأطلق عامة الشعب على نسائهم ألقابًا تنم عن التقدير والاحترام، مثل “ست الخلق” و”ست الكل”، وذلك من باب الفخر والتزكية والثناء والتعظيم. وشهدت مصر نهضة عمرانية كبيرة في العصر المملوكي لم تشهدها منذ العصر الفرعوني فاهتم حكام الدولة المملوكية بالعمارة. وخاصة عصر الناصر محمد بن قلاوون (1285 – 1341م) الذي يُعد من أزهى عصور الدولة المملوكية فقد أكثر من بناء العمائر، وقد وصف الرحالة ابن بطوطة القاهرة التي زارها في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون بقوله “المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة”. وكانت القاهرة في عصر المماليك أكبر مدينة في العالم من حيث المساحة وعدد السكان، فقد كان عدد سكان القاهرة في القرن الرابع عشر حوالي ثلاثة مليون نسمة. كما وصف ابن إياس ليلة من ليالي القاهرة المملوكية التي خرجت فيها ذهبية السلطان وعامة من بولاق بالورود والأعلام واستقبلها الأمراء بالطبل والزمامير عند “مقياس النيل” ووصفها بأنها كانت ليلة من ليالي القاهرة التي لا تُنسى وقال فيها “من بر مصر ومقياس يقابله … كان التقابل بين النور والنور”، كما وجدت أعياد ومناسبات قبطية مصرية شارك فيها المسلمون مثل عيد الشهيد وعيد النيروز، وفي عيد الغطاس في11 طوبة كان المسلمون يشاركون في تغطيس الأطفال في الماء البارد، وكان هناك العديد من الاحتفالات التي احتفل بها المسلمون والمسيحيون واليهود في العصر المملوكي وما زالت موجودة حتى الآن.. كما انتشرت وسائل الترفيه في العصر المملوكي، مثل القهاوي فكان هناك قهاوي متخصصة في حكايات “الظاهر بيبرس” السلطان المملوكي صاحب السيرة المشهورة، وكانت تُسمى القهاوي الظاهرية، وكان هناك قهاوي أخرى متخصصة في حكايات “أبو زيد الهلالي” وتسمى القهاوي الهلالية، وقهاوي “ألف ليلة وليلة” و”سيف بن ذى يزن” وغيرها. كما أن بعض الدراسات أوضحت أن جزءً على الأقل من قصص ألف ليلة وليلة كتبت في مصر في العصر المملوكي، كما وُجدت وسيلة ترفيه أخرى مهمة وهي “خيال الضل” أو “طيف الخيال”، وهي من أهم الفنون الشعبية وطريقة التسلية المفضلة عند الناس وكانت حكاياته تعبر عن أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية باسلوب بسيط ممتزج بالضحك والفرفشة، وبجانب خيال الضل وُجدت عروض الأراجوز وسريحة الحيوانات مثل القراداتية والدبابتية (سريحة بدبب) والرفاعية وبهلوانات، وفي الليل كان هناك أماكن مفتوحة للغنا والرقص وكانت أفراح المصريين في العصر المملوكي صاخبة ومليئة بالغنا والرقص، وانتشرت قاعات في مصر تُؤجر للناس كي يحيوا فيها الأفراح، وقد كتب الرحاله ابن بطوطة عن المصريين إنهم “ذوو طرب وسرور ولهو”. وانتشر في العصر المملوكي ألعاب كثيرة مثل لعب الزهر والشطرنج والكوتشينه.. كما وُجدت مجالس العلم للمثقفين والعلماء وكانت عبارة عن اجتماعات يناقشون فيها العلوم والدين والسياسة وأحوال البلد، وكانت هذه المجالس مزدهرة في العصر المملوكي لأن السلاطين المماليك بشكل عام كانوا يحبون العلم والأدب ويشجعونه، ونبغ من المماليك أنفسهم مثقفون كبار وكتاب ومؤرخون كبار مثل ابن أيبك الدواداري، وخليل بن شاهين الظاهرى، وصارم الدين دقماق، وابن تغري، وابن إياس، والكثير غيرهم ممن أثروا ثقافة وهوية الأمة المصرية.. وقد امتدح ابن خلدون الدولة المملوكية من هذه الناحية وقال إنها كانت من محاسنها وآثارها الجميلة الخالدة. وشارك المسيحيون بشكل ملحوظ في الحياة الثقافية وظهر منهم كتاب كبار ومؤرخون كبار مثل ابن العميد، والمفضل ابن أبى الفضائل، وابن الدهيرى، وغيرهم، كما اشتهرت عائلة العسال القبطية وهي عائلة المثقفين في هذا الوقت، وعمل الكثير من المسحيين في أجهزة الدولة والدواوين ومارسوا نفس مهن المصريين المسلمين، وتمتعوا بكافة الحقوق كمواطنين. وأوراق الوثايق اليهودية المسماة “الجنيزا” تبين أنها كتبت بأيدي مصريين مسلمين ومسيحيين. كما شهد تأسيس الدولة المملوكية في مصر تعيين أول وزير قبطي من فترة دخول العرب مصر هو شرف الدين أبو سعيد هبة الله صاعد الفائزي الذي تم تنصيبه وزير للسلطان عز الدين أيبك. وامتلأت مصر بالكنائس في العصر المملوكي، وجوابات سلطان مصر بتكليف بطريرك اليعاقبه تبين مدى احترام الدولة المملوكية للبطريرك ونص بعضها على “الحضرة السامية، القديس، المبجل، الجليل، المكرم، الموقر، الكبير، الديان، الرئيس، الروحاني، الفاضل، الكافي، المؤتمن، عماد بني المعموديه، كنز الأمة المسيحية.. أطال الله تعالى بهجته، وأعلى على أهل طائفته درجته، قد حاز من فضائل ملته أسماها”، ويحكي المقريزي إنه في سنة 1314م استعار المسيحيين قناديل وموبيليا من جامع عمرو بن العاص لاستعمالها في اجتماع في الكنيسة المعلقة في مصر القديمة. مصر المملوكية كانت متفتحة وفيها تسامح ديني شديد وبالذات في الأيام المستقرة الخالية من الأخطار والحروب، مثل أيام السلطان الناصر محمد الذي جعلها من أجمل وأغنى بلاد الدنيا وملأ أيامها احتفالات ومواكب.. وكانت إحدى مهام السلطان المملوكي تتمثل في تعيين أمير الحج للإشراف على راحة وسلامة الحجاج والاشراف على إعداد كسوة الكعبة كل عام، وكانت شجرة الدر أول من كسى الكعبة من سلاطين المماليك، عندما أخذت معها كسوة الكعبة أثناء سفرها للحج، وسار على نهجها من تلاها من السلاطين، ثم أصبح ذلك يتم في احتفال عظيم يُسمى “المحمل المصري”، وأول احتفال بالمحمل كان في عهد الظاهر بيبرس. كما كان لقب “خادم الحرمين الشريفين” من ألقاب سلاطين مصر في العصر المملوكي.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك