الإثنين - الموافق 18 مارس 2019م

(19)الوهابية والدولة المصرية(مصر الناصرية 2-3).. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

 

ألقينا الضوء سابقًا، على الجذور الفكرية للوهابية في مقالتين متصلتين، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، وثلاث مقالات متصلة عن الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي، ومقالة عن التسلل الوهابي للأمة المصرية، ومقالة عن التطويق الوهابي للأمة المصرية وإجهاض المشروع التنويري المصري الأول، ومقالتنا هذه الثانية عن الوهابية والدولة المصرية (مصر الناصرية 2-3).

على خطى الوهابية السعودية التي قرر زعيمها عبد العزيز بن سعود من تلقاء نفسه أن يؤدي دورًا تابعًا للولايات المتحدةمنذعام 1945، والتصرف ضمن إستراتيجيتها كما أوضحنا سابقًا. على خطاها سارت الوهابية المصرية بزعامة تنظيمهم المسلح (الإخوان المسلمين).ففي مقالة للدكتور رفعت السعيد بجريدة الأهالي بتاريخ ١٩/٧/١٩٩٥يوضح فيه بعض الحقائق التي كشفت عنها الوثائق السرية التي أفرجت عنها الولايات المتحدة وصارت مباحة للجمهورللإطلاع عليها يقول: “عندما بدأ الخلاف بين عبد الناصر والإخوان سارع المستشار الهضيبي إلى ترتيب لقاء سري مع (ضابط الاتصال) بالسفارة الأمريكية بالقاهرة.ويرسل السفير الأمريكي جيفرسون كافري برقية عاجلةإلى واشنطن يسرد فيها ماحدث في الاجتماع،الذي حضره أيضاسعيد رمضان (القيادي الإخواني وزوج ابنة حسن البنا)”. ويضيف السعيد: “لكن أهم الاتصالات بدأت مع وصول مبعوث خاص للهضيبي إلى واشنطن هوالمحامي محمود مخلوف شقيق علي مخلوف المتزوج من إبنة الهضيبي.عُقد الاجتماع الأول في ٢٧ مايو١٩٥٣وأوضح فيه مخلوف (الجوهر الحقيقي لجماعة الإخوان). وفي الاجتماع الثاني ٢٨ مايو١٩٥٣ كما تقول الوثيقة أوضح مخلوف أن الإخوان ليست جماعة أو منظمة متطرفة،وأكد على رغبة الإخوان في إقامةاتصالات وثيقة مع المسؤولين الأمريكيين،وتقول الوثيقة (أما موقفه من النظام الحاكم فلم يكن محددا). وفي ٤ يونيو ١٩٥٣ زار مخلوف مرة أخرى مبنى الخارجية الأمريكية ويتلقى كافري برقية سرية من وزارته تحيطه علمًا بما يلي،وتأملوا الأسطر القادمة فهي كاشفةلحقيقة الجماعة،ومدى تمسكها بالمبادئ التي تزعم الدفاع عنها،والوثيقة تقول نصًا:”زارمخلوف المستر جيرنيجان وتحدث عن أهمية العلاقة بينهم وبيننا”. ثم وهذا هو الأهم:(وأوضح مبعوث الإخوان أنه علي اتصال بأعضاء من الجالية اليهودية المصرية،وبأصدقاءيهود في لندن،وأنه يرغب في إسداء العون في عملية التوصل لتسوية سلمية مع إسرائيل،وقال إن السيدة بولاند هامر التي كانت تعمل سابقًا في القاهرة،وتعمل حاليًا في مكتب موسىشاريت وزيرالخارجية الإسرائيلي،يمكن أن تكون مفيدة فيما يتعلق بجهود السلام وقال أن هناك يهود معينين في بريطانيا وفي أماكن أخرى سوف يكونون مستعدين للإسهام في تقديم تعويضات للاجئين الفلسطينيين من أجل إعادة توطينهم في أماكن أخرى غير فلسطين)”. ومنذ البداية حاولت الولايات المتحدة احتواء حركةالضباط الأحرار. فعندما حدث تباين بين أجنحة مجلس قيادة الثورة حول مستقبل الديمقراطية، وقف الإخوان والرجعيون في الداخل وحلفائهمالأمريكان والوهابيون السعوديون في الحارج، إلى جانب منع إقامة حياة نيابية، وكان هؤلاء جميعًا يرون أن عودة الحياة النيابية ستؤدي إلى إتاحة المجال للقوىالوطنية الديمقراطية لممارسة نشاطها السياسي والنقابي والثقافي الفعال، لهذا اتفقواجميعًا على تأييد حل الأحزاب وعدم إقامة حياة نيابية، وسارت في نفس الاتجاه الصحافة الرجعية. وكنا قد أوضحنا سابقًا كيف تفجر الصراع الذي كان مستترًا بين الدولة المصرية والإخوان المسلمين في يناير 1954، على إثر اشتباكات طلاب الإخوان وطلاب منظمة الشباب الموالين لمجلس الثورة، واُتهم الإخوان أنذاك بالتآمر لزعزعة استقرار البلاد، وفي  يوم 14 يناير 1954 أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين بعد أن سبق أن تم استثناؤها، تبع ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف التنظيم، طالت المرشد نفسه، حسن الهضيبي، لتآمرهم مع السفارة البريطانية على قلب نظام الحكم كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل..ولكن سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها عندما اتصل عبدالناصر بقادة الإخوان المعتقلين في السجن الحربي في نهاية شهر مارس 1954 لاستمالتهم إلى جانبه في صراعه مع محمد نجيب، وقد نجح بالفعل في تحييد موقفهم مقابل عودتهم للنشاط بحرية في الشارع… وقد كان! لكن إلى حين. وحسب تعبير السفارة البريطانية في إحدى الوثائق السرية السابق الإشارة إليها (بعد رفع الحذر عنها)،فأن الهدف من حل جمعية الإخوان كان:”دفع المفاوضات المصرية البريطانية لأن الإخوان كانوا سيعارضون أي اتفاق مع بريطانيا،وضربهم قد أزاح تلك العقبة وأن ذلك قد يدفع النظام إلى اكتساب الثقة بنفسه ولكن في نفس الوقت عليه أن يظهر بأنه لا يقل وطنية عن الإخوان لذلك ترجع السفارة الأعمال الفدائية الأخيرة ضد قواتها في منطقة القناة إلى أنها من فعل المخابرات العسكرية المصرية من أجل إظهار النظام بمظهر المدافع عن القضية الوطنية”. وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك حيث توصلت مصر إلى اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في نفس العام.

أتاح الصراع الذيحدث في مجلس قيادة الثورة، بين نجيب وبين معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة وعلى رأسهم عبد الناصر، أتاح للإخوان، بحسب المؤرخ الراحل الدكتور عبد العظيم رمضان، في كتابه (الإخوان المسلمين والتنظيم السري)، الفرصة مرة أخرى ليلعبوا دورًا جديدًا. ويرجع ذلك إلى فبراير 1954،بسبب سلسلة التجاهلات والتحديات التي وُوجه بها الأول داخل مجلس قيادة الثورة دفعته لتقديم استقالته في 14 فبراير 1954، حيث خرج من مقر القيادة تاركًا الضباط الصغار يواجهون أخطر أزمة تهدد الثورة. وكان مجلس قيادة الثورة قبل الاستقالة قد نصب جمال عبد الناصر رئيسًا له، وكذا رئيسا للوزراء. وعقد مجلس الثورة عدة جلسات واتخذ يوم الخميس‏25‏ فبراير 1954 قراره بقبول استقالة محمد نجيب وتعيين عبد الناصر رئيسًا لمجلس الوزراء ورئيسًا لمجلس قيادة الثورة على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغرًا لحين عودة الحياة النيابية للبلاد. وفي اليوم التالي لإعلان تنحية محمد نجيب قام النقيبان أحمد المصري وفاروق الأنصاري والملازم أول محمود حجازي من الضباط الأحرار بسلاح الفرسان بدعوة ضباط الفرسان إلى اجتماع عام يوم الجمعة‏26‏ فبراير‏،‏ وفي الساعة السادسة مساءً تجمع ما يربو على مائتي ضابط ولم يحضر الاجتماع خالد محيي الدينعضو مجلس الثورة لفشل الضباط في الاتصال به كما غاب عن الاجتماع في بدايته حسين الشافعي مدير سلاح الفرسان وعضو مجلس الثورة ولكنه حضر اثناء انعقاده،وعندما وصلت انباء اجتماع ضباط الفرسان إلى عبد الناصر اثناء وجوده في القيادة العامة بكوبري القبة التي تواجه معسكر سلاح الفرسان مباشرة توجه في شجاعة وبدون تردد إلى مقر الاجتماع. وخلال اجتماع عبد الناصر بضباط الفرسان بعد ذهابه إليهم دار الحوار حول موضوعين أساسيين كان أولهما هو التصرفات الشخصية المعيبة لبعض أعضاء مجلس الثورة، وكان ثانيهما هو قضية الديمقراطية والإصرار على عودة محمد نجيب، وذكر عبد الناصر للضباط في نهاية الاجتماع أنه سيتوجه إلى القيادة العامة لعقد اجتماع مجلس الثورة وعرض مطالب ضباط الفرسان عليه، وعقد عبد الناصر بالفعل اجتماعًا لمجلس الثورة حضره جميع أعضائه بمن فيهم خالد محيي الدين وروى عبد الناصر للمجلس تفاصيل ما دار أثناء اجتماعه بضباط الفرسان‏.‏ وفي الساعة الثالثة من صباح يوم السبت‏27‏ فبراير‏1954‏ توجه عبد الناصر وبرفقته خالد محيي الدين إلى سلاح الفرسان حيث أعلن على الضباط المجتمعين القرارات التي اتخذها مجلس الثورة وهي: أولًا:حل مجلس قيادة الثورة وعدم عودة أعضائه إلى صفوف الجيش.ثانيًا:إعادة محمد نجيب رئيسًا لجمهورية برلمانية.ثالثًا: تعيين خالد محيي الدينرئيسًا لوزارة مدنية على أن يعيد الحياة النيابية في أقرب وقت ممكن.رابعًا: استقالة عبد الحكيم عامر القائد العام من منصبه وترك الحرية لخالد محيي الدين لتعيين قائد عام بدلًا منه. وتوجه خالد محيي الدينوبرفقته ثلاثة من الضباط إلى دار محمد نجيب في الزيتون حيث أيقظه من نومه وأبلغه بقرارات مجلس الثورة.ومن ثم عاد نجيب على هذا الأساس. ولكن الأزمة لم تنته عند هذا الحد. فضباط الصف الثاني من الضباط الأحرار، من المنتمين للأسلحة الأخرى، خشوا أن تُسحب منهم امتيازاتهم مع انتصار نجيب، بينما أعطى إسناد الوزارة إلى خالد محيي الدينالمعروف بميوله الاشتراكية، انطباعًا بأن سلاح الفرسان دبر انقلابًا شيوعيًا أو هكذا أُشيع بينهم. فانقلبت كفة الميزان مرة أخرى، وانتهى الأمر بنجيب ومحيي الدين إلى الاحتجاز. هنا انطلقت الجماهير يومي 27 و28 فبراير في مظاهرات غاضبة أمام قصر عابدين، اعتراضًا على المصير الذي آل إليه اللواء نجيب. قوام تلك الجماهير، وفق عبد العظيم رمضان، كان من بعض قواعد الإخوان التي لا زالت طليقة، والوفد، والحزب الاشتراكي. ومن غير الثابت أن مظاهرات اليوم الأول كانت من تدبير الإخوانبما يعني أنهم التحقوا بها ولم يدعوا إليها. لكن التنظيم السري للجماعة وقف بكل قوته خلف مظاهرات اليوم الثاني،ودعا لمظاهرات مسلحة يوم 28 فبرايروذلك دون علم عبد القادر عودة، الذي كان يدير الجماعة في غياب الهضيبي، وكان يميل لحله أصلًا، ولكن ما حركه هو عداؤه للثورة التي ضربته بالأساس بينما كانت تضرب الجماعة نفسها. مظاهرات اليوم الثانى فاجأت عبد الناصر ورفاقه بشدة، خاصة أنها شهدت صدامًا بالرصاص بين محتجين والبوليس، كما أنه رأى كيف تحول موقف عبد القادر عودة الذي كان يتفاوض معه منذ صدور قرار حل الجماعة من أجل رأب الصدع بين الطرفين، على أن يُعاد تفعيل تحالف المصلحة بين الفريقين، ولكن بعد إحداث تعديلات في صفوف كل منهما بحيث يصبح الإخوان من دون تنظيمهم السري وبلا عمل سياسي وبلا نشاط داخل الجيش والبوليس، ومجلس قيادة الثورة من دون نجيب والموالين له. عبد الناصر رأى انتهازية الإخوان في ذلك اليوم، عودة انضم تحت وطأة المظاهرات العارمة إلى نجيب، بل وحُمل على الأعناق بينما هتف المحتجون: “السجن لجمال”، قبل أن يصعد عودة إلى شرفة قصر عابدين إلى جوار نجيب طالبًا من الجماهير الغاضبة الهدوء، في إشارة إلى عودة اللواء إلى قيادة مجلس الثورة. في حين لم يفوت الفرصة التاريخية التي أتيحت له لتحويل تلك الهبة الجماهيرية لمناسبة خاصة بجماعته، ومن ثم لم يتردد في إلقاء خطبة عليهم قال فيها: “حدث اليوم أن أُطلق الرصاص على طلبة الجامعة، وهو مظهر من مظاهر الديكتاتورية. إن الإسلام وراء القضبان، وإن المسلمين معتقلون وسجناء، فأفرجوا عنهم”.وعلى الرغم من أن عبد الناصر كان يمسك بين يديه بزمام السلطة الفعلية في البلاد بعد ان أسند اليه مجلس الثورة إثر استقالة محمد نجيب رئاسة مجلس الثورة ورئاسة الوزارة فإن هذه السلطة كانت مهددة بالانهيار‏.‏ بعد أن أصبح محمد نجيب اعظم قوة وأشد بأسًا من ذي قبل ودانت له زعامة مصر بلا منازع، وأصبح يُستقبل في كل مكان استقبال الأبطال. فطبقًا لإحدى الوثائق البريطانية السرية العشرين المفرج عنهاالتي حصلت عليها الوطن والسابق الإشارة إليها،والتي حملت الرقم المسلسل 13/1016 E، تذكر فيها السفارة البريطانية في مصر لمجلس الوزراء البريطانى أحوال الإخوان في مصر خلال الشهر الأول من عام 1954 بتاريخ 15 يناير 1954، حيث جاء فيها أن زكريا محيي الدين وزير الداخلية ذكر أنه:”تم إلقاء القبض على 450 من الإخوان المسلمين وما زالت التحقيقات مستمرة وسوف يُطلق سراح من ليس له علاقة بالأمر”، وأضافت البرقية:”أنالبلاد هادئة، ولكن الحكومة لن ترحم من يحاول أن يتجاوز حدود القانون”. فيما تذكر الوثيقة الثامنة:”أنالحكومة المصرية ألقت باللوم على الإخوان في التحريض على المصادمات بين متظاهرين في فبراير 1954 وقوات الشرطة، على خلفية الاعتراض على الدستور الجديد، واختفى الهضيبي عن المشهد آنذاك”. كما تشير الوثيقة إلى أن “الصحافة أعلنت أن بعض أعضاء الإخوان الذين يسافرون كثيرًا للخارج مدانون، حسب الحكومة في قضايا خيانة، وقد تم سحب الجنسية المصرية منهم، كما بذل (ناصر) شخصيًا جهودًا نشطة لإقناع قادة الإخوان بإزاحة الهضيبي عن موقعه، وهو ما انعكس سلبًا على علاقة بعض أعضاء الجماعة بمرشدهم العام”. الوثيقة الثانية عشرة مرسلة إلى مجلس الوزراء البريطاني من السفير البريطانى في القاهرة، بتاريخ 15 يناير 1954، وأفادت النقطة الخامسة:”معارضة الإخوان للمستشار البريطاني أثناء المحادثات البريطانية في أبريل 1953″، وذكرت الوثيقة نصًا: “لقد أثرت المحادثات على المفوض البريطاني بالنسبة لقناة السويس، وكان رأي الإخوان هو أن عودة القوات البريطانية إلى القاعدة لا بد أن تحدده لجنة بريطانية مصرية مشتركة أو تترك المسألة للأمم المتحدة لتقرر هل يوجد تهديد بالحرب أم لا، وتبع ذلك عدد من اللقاءات حيث تم لقاء المستشار البريطاني مع المرشد الأعلى للإخوان المسلمين لبحث الأمر”.

تصاعد الصراعمجددًا بين اللواء محمد نجيب والضباط الأحرار وتفجرت الأزمة بينهم في شهر مارس 1954م، حيث طالب اللواء نجيببرجوع الحياة النيابيةوبعودة الجيش إلى ثكناته.بينما رفض ذلك جمال عبد الناصر ومعه ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة، وطالبوابإستمرار الثورة من وجهة نظرهم. وانحازت القوى المدنية المؤيدة للديموقراطية إلى جانب اللواء نجيب بما في ذلك حزب الوفد والاشتراكيين والإخوان المسلمين. لكن الموقف الغير متناسق والمريب هو موقف الجماعة التي كانت تدفع بقوة قبل شهور قليلة من الأحداث إلى حل الأحزاب وأطلقوا على الإنقلاب: “الحركة المباركة”، وكالوا المديح لعبد الناصر ورفاقه ورحبوا بحل الأحزاب وإعلان الأحكام العرفية!!. في أول مارس 1954، ظهرت الصحف المصرية، وفيها أخبار القبض على مائة وثمانية عشر شخصًا، بينهم عبد القادر عودة، وأحمد حسين، كما تقرر إيقاف الدراسة، في الجامعات الثلاث، إلى نهاية الأسبوع. لقد ألمح عبد الناصر واتهم نجيب صراحة بتواطئه مع الاخوان المسلمين.وفي 6 مارس 1954 أعلن جمال عبدالناصر أن مجلس قيادة الثورة قرر بجلسة 5 مارس 1954اتخاذ الإجراءات فورًا لعقد جمعية تأسيسية، تُنتخب بطريق الاقتراع العام المباشر، على أن تجتمع في خلال يوليه 1954، ويكون لها مهمتان:أولاً: مناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره.ثانياً: القيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقًا لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وحتى تُجرى الانتخابات للجمعية التأسيسية في جو تسوده الحرية التامة، قرر مجلس قيادة الثورة إلغاء الأحكام العرفية قبل إجراء الانتخابات بشهر. وإلغاء الرقابة على الصحافة والنشر ابتداء من 6 مارس، فيما عدا الشؤون الخاصة بالدفاع الوطني. ويكون لمجلس قيادة الثورة سلطة السيادة لحين انعقاد الجمعية التأسيسية. وينظم الدستور الجديد كيفية تنظيم الأحزاب..جاءت هذه القرارات مفاجأة لأنصار الثورة وخصومها على السواء. وأول ما يلفت النظر فيها أنها تتعارض، في جوهرها، مع القرار السابق صدوره من مجلس قيادة الثورة في 17 يناير 1953، بتحديد فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات تنتهي في يناير 1956، فماذا جد من الحوادث حتى تجتزأ نحو سنتين من هذه الفترة؟ لعل خلافًا جديدًا قام بين قادة الثورة أدى إلى صدور هذا القرار الذي يحمل بين طياته تخلي الثورة عن مهمتها.وفي 8 مارس 1954، قرر مجلس قيادة الثورة تعيين اللواء محمد نجيب، رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، ورئيسًا لمجلس الوزراء، بعد أن تنحى جمال عبدالناصر عن رئاسة الوزارة. وعاد نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة. واستفاضت الأنباء عن قرب صدور قانون الانتخاب للجمعية التأسيسية، كل ذلك ولجنة الدستور لم تتم بعد وضع مشروع الدستور، ولا قانون الانتخاب.وفي 25 مارس 1954، قرر مجلس قيادة الثورة السماح بقيام الأحزاب، وحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليه 1954، أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. قد تبلبلت الأفكار من صدور هذه القرارات الخطيرة. ولم يعلم أحد، على أي أساس، ستُنتخب الجمعية التأسيسية، أو يُنتخب البرلمان. لم يعرف أحد أي هيئة ستتولى شؤون الحكم، في الفترة السابقة لاجتماع الجمعية التأسيسية، ولا أي هيئة ستجري الانتخابات، وهل ستعود الأحزاب المنحلة قبل الانتخابات، أم بعدها، وما هو البديل عن مجلس قيادة الثورة؟ خاصة وأن مباحثات الجلاء كانت متوقفة.وأخذ أعضاء مجالس الأحزاب المنحلة يجتمعون ويتداولون. ورفع الهضيبي، وعبدالحكيم عابدين، أمام مجلس الدولة، دعوى على وزارة الداخلية، بإلغاء قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، وطلبا وقف تنفيذ قرار الحل.

اجتمع ضباط الجيش، من جميع الأسلحة، في ثكناتهم، في 27 مارس 1954، وتشاوروا في الموقف، ورأوا أن الثورة مهددة بالانحلال، إذا نفذت قرارات 5 و25 مارس، وأن البلاد ستعود إلى الفوضى، وإلى الأحزاب المنحلة نفسها، فأصدروا قرارات جماعية بإلغاء قرارات 5 و25 مارس، وشفعوا ذلك بقرار الاعتصام في ثكناتهم إلى أن تُلغى هذه القرارات، وحملوا مجلس قيادة الثورة مسؤولية ما يقع من حوادث إذا لم تُجب مطالبهم. وأضرب عمال النقل، احتجاجًا على عودة الأحزاب المنحلة، وقررت نقابتهم استمرار مجلس قيادة الثورة، في مباشرة سلطاته، وعدم الدخول في معارك انتخابية، قبل جلاء المستعمر، فتوقفت القطارات، ووسائل النقل في البلاد، وبلغ عدد العمال المضربين مليون عامل، وقد اعترف عبد الناصر لخالد محيي الدين كما ورد في الصفحة‏350‏ من كتابه‏(‏ الآن اتكلم‏)‏ عن مسئوليته في تدبير احداث ازمة مارس كما يلي‏:‏ “وقال عبد الناصر بصراحة إنه رتب أحداث أزمة مارس وتحديدًا إضراب عمال النقل وما لحق به من إضرابات ومظاهرات عمالية،وأن ترتيب هذه الأحداث كلفه أربعة آلاف جنيهًا”.  إزاء ذلك، اتخذ مجلس قيادة الثورة في اجتماعه 29 مارس القرارات الآتية:أولًا: إرجاء تنفيذ القرارات، التي صدرت في 5 و25 مارس 1954 حتى نهاية فترة الانتقال.ثانيًا: تشكيل مجلس وطني استشاري يُراعى فيه تمثيل الطوائف والهيئات والمناطق المختلفة.وانتهى الإضراب العام في تمام الساعة الخامسة من صباح 30 مارس 1954. اضطر محمد نجيب أن يتخلى عن رئاسة الوزارة، واقتصر على رئاسة الجمهورية، ومجلس قيادة الثورة. وقرر المجلس في 17 أبريل 1954، قبول هذا التخلي، وتكليف جمال عبد الناصر تأليف الوزارة، فألفها، برئاسته، من معظم أعضاء الوزارة السابقة، مع تعديل فيها، إذ رأى مجلس القيادة أن يضطلع بعض قادة الثورة بأعباء الحكم، وتحمل مسؤولياته، فتم تعيين جمال سالم نائبًا لرئيس الوزارة، وفتحي رضوان وزيرًا للمواصلات، وكمال الدين حسين وزيرًاللمعارف، وعبد الحكيم عامر وزيرًا للحربية مع احتفاظه بمنصب القائد العام للقوات المسلحة، وأنور السادات وزير دولة. إضافة إلى بقاء حسن ابراهيمكوزير دولة لشؤون رئاسة الجمهورية.

بدأ الإنجليز يعدون العدة لما بعد نجيب بل لقد تساءلوا حول احتمال اغتيال أو سقوط نجيب وهل يوجد من يؤيدونه، وكانت الاحتمالات القائمة من وجهة نظر بريطانيا هي:أن يأخذ أحد أعوان محمد نجيب، غالبًا جمال عبد الناصر، الزمام في يده ويشيد نظامًا أكثر صرامة ودكتاتورية عن الآخر.أو انقلاب جديد بتأييد من الوفد. أو انتشار الفوضى وحكم الغوغاء ينتج عنه سيطرة الإخوان أو ظهور زعيم جديد مُؤيد من الوفد والإخوان. وكانت النتيجة بالنسبة للإنجليز أنه أيًا كانت الاحتمالات فإن ذلك كان يعني مفاوضات أكثر صعوبة، ولم يكن أمام بريطانيا عندئذ مفر من تأييد البديل إن ظهر ذلك البديل، ولكن كان السؤال بالنسبة لهم هل يعني هذا التأييد أي التزامات مادية أو عسكرية؟ وكان رأي السفير أنه لا يوجد بديل ممكن مساعدته، وأن اغتيال نجيب أو ناصر سيؤدي إلى زيادة وحدة مجلس قيادة الثورة وقمع المعارضة وأن أي فرصة لتغيير القيادة من خلال وسائل أخرى تبدو ضعيفة.وقد كتب الإنجليز تقريرًا عُرض على حلف الأطلنطي بعد أحداث مارس أشاروا فيه إلى أن أزمة مارس قد أصابت النظام في مصر بصدمة ولكن الجيش مازال يؤيد مجلس قيادة الثورة والأمور تحت سيطرتهم ولكن ما زال على النظام ترويض الطلاب وأن الخطر يكمن في الإفراج عن الإخوان المعتقلين كما أن وحدة مجلس الثورة والجيش ستظل قائمة إلى حين ولكن بقاء مجلس الثورة يعتمد على اتفاقية القناة. أما الاحتمال الأرجح فهو أن يستمر النظام بعد الفترة الانتقالية التي أعلنها نجيب في يناير 1953 بثلاث سنوات وأن كان مع تعدد الأزمات فإن الهجوم على بريطانيا والغرب سيزيد كما أن فلسفة المجلس لم تغيرها الأحداث التي ما زالت معادية للشيوعية ونسبيًا إلى حد ما مع الغرب ولا توجد حكومة بديلة في الأفق الحالي أكثر ملائمة للغرب من الحكومة الحالية. أخيرًا فإن استعمال عبد الناصر للعمال ضد نجيب سلاح ذي حدين لأنهم من الممكن أن يفلت زمامهم من يد الجيش وأن كان يبدو أن عبد الناصر مسيطر عليهم تمامًا..وبعد شهر تقريبًا تكتب السفارة من القاهرة:”…أن موقف النظام قد تحسن خلال الأسابيع الماضية وأن المعارضين داخل الجيش قد تم القضاء عليهم مع اضمحلال سلطة محمد نجيب والقضاء على خالد محيي الدين(ترى هل كان ذلك ثمن تأييد الأمريكان لمصر أمام بريطانيا)، وأن أسباب الانقسام قد زالت فنجيب معزول لا حول له ولا قوة وأن عبد الناصر على درجة من القوة الآن بحيث يستطيع أن يقول لمراسل الأسوشيتد برس في 2 مايو أن محمد نجيب لا يهتم الآن سوى بواجباته الشكلية كرئيس للدولة دون أي دور يلعبه ويبدو أن جمال سالم كان يريد موقفًا أكثر تشددًا مع نجيب ولكن المجلس بصفة عامة متجانس وعبد الناصر أكثرهم تميزًا معنويًا”. وهكذا أدرك الإنجليز أن جمال عبد الناصر قد خرج منتصرًا من أزمة مارس لذلك لم يكن مستغربًا أن يتلقى الجنرال جلوب في الأردن تقريرًا عن قرب عزل نجيب وذهابه إلى السعودية حيث وافق الملك سعود على إيوائه، وأن لم يستطع الإنجليز التحقق من صحة ذلك فعلى الأقل كانوا يعلمون أن أيام نجيب أصبحت معدودة. بل أن السفير البريطاني يكتب أن زميله العراقي أخبره أن رئيس الوزراء السوداني حاول أن يتوسط بين نجيب وعبد الناصر وأن نجيب مستاء من اتهام عبد الناصر له بأن المظاهرات التي خرجت لتأييده كانت من أعداء النظام ككل وليس أنصاره فقط وأنه قانع بموقعه الآن على أمل أن يخفف من قبضة النظام التسلطية، ويقول السفير العراقي أن نجيب لم يعقب على اتفاقية قناة السويس بعد عبد الناصر لأن تعقيبه سيكون بلا معنى وأنه ينتظر التوقيع عليها ليعقب عليها كرئيس دولة وأنه موافق عليها، إلا أنه من الواضح أن أيام نجيب أصبحت معدودة وقد أصبح مجرد رئيس شرفي. وفي أبريل قدم عبد الناصر أول مجموعة من قيادات الإخوان للمحاكمة وتصاعد الخلاف أثناء مفاوضات الجلاء ثم بعد توقيع إتفاقية الجلاء والتي حاول الإخوان افشالها، واتجهت العلاقة بين الجماعة وعبد الناصر إلى صدام محتوم.أما الوثيقة التاسعة التي كانت عبارة عن برقية أرسلها رالف ستيفنسون، سفير بريطانيا لدى مصر آنذاك، ضمت مضمون مرسوم صدر عن مجلس الثورة بحرمان بعض الأشخاص من الجنسية المصرية لاتهامهم بالخيانة، وذلك في 23 سبتمبر 1954، وهم:”محمود أبوالفتح، عبدالحكيم عابدين، سعيد محمد رمضان(سكرتير عام مؤتمر القدس الإسلامي)، وسعد الدين الوايلى(سكرتير سابق للهضيبى)، ومحمد نجيب جويفال(أحد المتهمين بمحاولة اغتيال محمد جودة المتحدث السابق باسم مجلس النواب)، وكامل إسماعيل(العضو في الإخوان)، وخمسة أفراد آخرين في دمشق”. أما الوثيقة العاشرة فصدرت في 17 سبتمبر 1954 وتشير إلى الأحداث المتوالية التي “بدأت بجرح 4 أشخاص وإلقاء القبض على 7 آخرين في شجار نشب بين أعضاء من جماعة الإخوان وآخرين أثناء صلاة الجمعة في مسجد بطنطا يوم 10 سبتمبر 1954، وبدأ الخلاف عندما وصف الإمام مجلس قيادة الثورة بـ (الزنادقة). صحافة يوم 13 سبتمبر 1954، وفقًا للوثيقة ذاتها، ذكرت أن الشيخ الباقوري، وزير الأوقاف في ذلك التوقيت، أفتى في 12 سبتمبر 1954 أنه من الآن فصاعدًا لا بد من توحيد خطب الجمعة على أن تكتبها الوزارة ثم توزع على أئمة المساجد لقراءتها. وأقرت الوثيقة بتوزيع كتيبات تهاجم النظام المصريآنذاك، ووفقًا للوثائق فإن اجتماعات الإخوان في دمشق اقترحت تحديد قادة الحركة، ومن ضمنهم الهضيبي وأخذهم كلاجئين في سوريا. وتنقل الوثيقة عن جريدة (الأخبار) أن برقيات كانت قد وصلت إلى عبدالناصر من بعض أعضاء الجماعة شجبوا فيها سياسة المرشد الأعلى وأبدوا تأييدهم للنظام. وتذكر الوثيقة:”قبل خبر البرقيات التي تلقاها عبدالناصر بيومين انتشرت شائعات عن اختفاء الهضيبي خاصة مع تغيبه عن حضور الاجتماع العام للجماعة في 9 سبتمبر 1954لكن الحكومة المصرية أصدرت بيانًا ينفى عزم الحكومة اعتقال المرشد الأعلى للإخوان”. كما تكشف نفس الوثائق البريطانية أيضًا أن الإخوان عقدوا اجتماعًا مساء 23 سبتمبر 1954 واستمر حتى صباح 24 سبتمبر، وتغيب عن الاجتماع الهضيبي المرشد الأعلى للإخوان للمرة الثانية، لكن الوثيقة لم تفصح عن تفاصيل ونتائج الاجتماع.. أما الوثيقة الحادية عشرة التي كانت متعلقة بردود فعل الإخوان تجاه المحادثات (المصرية – البريطانية) بشأن الجلاء، وأعلنت الاتفاقية على أساس بنود المعاهدة الجديدة فذكرت أن الهضيبي:”انتقد المعاهدة فورًابحجة كرمها الشديد تجاه الإنجليز”، واصفًا المعاهدة بأنها:”تهدد سيادة مصر”، فيما اعتبرها قادة آخرون من الإخوان أنها أفضل بكثير من التي أُعلن عنها في وقت سابق.إلا أن الجهاز السري ومسئولين آخرين رأوا المعاهدة خيانة لمصر، وصمم الجهاز السري من جانبه على اتخاذ رد فعل مناسب، بحسب الوثيقة البريطانية التالية التي ناقشت ردود فعل الإخوان في 19 أكتوبر 1954.. وتذكر الوثيقة الرابعة عشرة أن الأحداث المتتالية في مصر دفعت الإخوان لعقد اجتماع في 20 أكتوبر 1954 اتخذت فيه عدة قرارات منها:”إعفاء مكتب الإرشاد الحالي من وظائفه، واعتبار حسن الهضيبي المرشد الأعلى في إجازة، وإلغاء كافة القرارات السابقة الخاصة بترحيل وتعطيل الأعضاء، وحل الفروع أثناء الثلاث سنوات السابقة واعتبار أي قرارات مزعومة من قبل الجمعية التأسيسية غير شرعية”. وحملت هذه الوثيقة رقم (221) وأقرت:”إنشاء مكتب مؤقت للإخوان لإدارة أحوال الجماعة واجتماع الجمعية التأسيسية لاتخاذ قرار نهائي يؤكد شؤون الإخوان على أساس سليم”. وحسب هذه الوثيقة، فإن أغلبية الأعضاء (73 من مجموع 140 عضوًا من أعضاء الجمعية التأسيسية) وافقت على القرارات وسلمت بيانها النهائي لمكتب المرشد الأعلى للإخوان بواسطة البهي الخولي، أحد قيادات الجماعة، على أن يكون تشكيل مكتب الإرشاد الجديد كالتالي: “خميس حميدة، نائب المرشد الأعلى، وعضوية كل من عبدالله عبدالستار، والبهي الخولي، ومحمد حلمي نور الدين، وأحمد شريف، وعبدالرحمن البنا، وفتحى النوار، ومختار عبدالعليم، ومحمد الحضري”. وكان تشكيل مكتب الإرشاد في تلك الفترة يضم “محمد خميس حميدة وعبدالرحمن البنا، وعبدالمعز عبدالستار” أعضاء فعليين في مكتب الإرشاد، أما محمود عبدالعليم فقد كان عضوًا من قبل انتخابات أكتوبر 1953، وظل كل من حميدة وعبدالرحمن البنا في تعاون لفترة طويلة مع مجلس قيادة الثورة. وسبّب أنصار الهضيبي قلقًا في القيادة العامة للإخوان”.

كاناستخدام جماعة الإخوان المسلمين للعنف والتصفيات السياسية تجاه خصومها السياسيين يعد جزءً أساسيًا من التكوين العضوي لهم منذ نشأة التنظيم في عشرينيات القرن الماضي وعلى إمتداد تاريخها الطويل كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. فقد حرص الإمام حسن البنامن البداية على البناء العسكري للجماعة وتشكيل فرق شبه عسكرية (جوالة الإخوان)، وأنشأ النظام الخاص داخل الجماعة والذي عُرف بإسم(الجهاز السري) عام 1936 وذلك على أسس عسكرية. وكما قال المؤرخ والكاتب صلاح عيسى: “لقد سعى حسن البنا إلى بناء منظمة من الكوادر تتلقى تربية وإعدادًا خاصًا وتُعد لتكون (ميليشيا) سرية مسلحة مهمتها أن تستولي على الحكم بتحرك إنقلابي”.وقد بدأ التنظيم نشاطه بعمليات إستهدفت الطائفة اليهودية المصرية من محال ومصانع وأفراد تأكيدًا لرؤيتهم للصراع ضد الصهيونية بصفتها دين يهودي وليس كيانًا استعماريًا استيطانيًا، ومن ضمن هذه الأهداف تم تفجير محلات شيكوريلوإريكو بشارع فؤاد، ومحلات عدس وبنزايون بمصطفى كامل،وجاتينيو بمحمد فريد، ونسف شركة الإعلانات المصرية المملوكة ليهودي، ثم كان الإنفجار الهائل بحارة اليهود الذي أودى بحياة 20 فردًا وعشرات الجرحى،كما شنوا أيضًا سلسلة من الهجمات على المصالح البريطانية ودور السينما والبارات والكازينوهات وضد بعض من اعتبروهم خصومًا سياسيين أو منافسين حزبيين كحركة مصر الفتاة وحزب الوفد. وفي كتابه (حقيقة النظام الخاص) يروي محمود الصباغ عضو النظام الخاص والمتهم السادس في حادث المنشية: “كان أول ما يُختبر به العضو الجديد فيما يعلن عن رغبته في الجهاد في سبيل الله أن يُكلف بشراء مسدس على نفقته الخاصة، ولم يكن الانضمام للنظام الخاص بالأمر اليسير، فالشخص المُرشح يمر بسبع جلسات بمعرفة (المُكَوِن) وهو يعني الشخص الذي يقوم بتكوين أعضاء النظام وتبدأ هذه الجلسات بالتعارف الكامل على المرشح، ثم جلسات روحية تشمل الصلاة والتهجد وقراءة القرآن، ثم جلسة للقيام بمهمة خطرة وتكون بمثابة الاختبار حيث يُطلب من الشخص كتابة وصيته قبلها ويستتبع ذلك مراقبة هذا المرشح وسلوكه ومدى نجاحه في المهمة التي كُلف بها حتى  يتدخل الشخص المكون في آخر لحظة ويمنع الشخص المرشح القيام بالمهمة، ويستتبع ذلك جلسة البيعة التي كانت تتم في منزل بحي الصليبة، حيث يُدعى المرشح للبيعة والشخص المسئول عن تكوينة إضافة للسندي (مسؤول الجهاز السري)، حيث يدخل الثلاثة لغرفة البيعة التي تكون مطفأة الأنوار فيجلسون على فرش على الأرض في مواجهة شخص مغطي جسده تمامًا من قمة رأسه إلى قدمه برداء أبيض يخرج يداه ممتدتان على منضدة منخفضة (طبلية) عليها مصحف شريف، ويبدأ هذا الشخص المغطي بتذكير المرشح بآيات القتال وظروف سرية هذا (الجيش) ويؤكد عليه بأن هذه البيعة تصبح ملزمة وتؤدي خيانتها إخلاء سبيله من الجماعة ويخرج هذا الشخص مسدسًا من جيبه ويطلب من المرشح تحسس المصحف والمسدس والقسم بالبيعة وبعدها يصبح المُرشح عضوًا في (الجيش الإسلامي)، وبعد البيعة يمر عضو النظام الجديد على أربع مراحل تستغرق كل واحدة 15 أسبوعًا يتلقى فيها برنامجًا قاسيًا في التربية العسكرية والجهادية إضافة إلى الجانب التعبدي والروحي”. وهذه الطريقة الشديدة الغموض وذات الطقوس الغريبة والمريبة تذكرنا بالجماعات السرية في أوروبا في القرون الوسطى أو بجماعات تاريخية ذات طابع أسطوري كحركة (الحشاشين) بقيادة حسن الصباح.

عندما أيقن الإخوان المسلمون أن عبد الناصر يحظى بتأييد مجلس الثورة، ويتفرد بزعامة الضباط الأحرار، ويمسك بزمام الأمور، وأنه لن يشاركهم في السلطة، قرروا أن يستولوا على السلطة بطريقتهم الخاصة.فقاموا بمحاولة اغتيال فاشلة للزعيم الراحل جمال عبدالناصر عام 1954 في حادثة المنشية الشهيرة. حيثكان جمال عبد الناصر يخطب في الإسكندرية، بميدان التحرير (المنشية) يوم 26 أكتوبر 1954 في احتفال شعبي كبير، بمناسبة التوقيع على اتفاقية الجلاء. وأثناء خطابه في الميدان دوت ثمان رصاصات متتابعة، قيل وقتئذ أن شاب من جماعة الإخوان المسلمين هو الذي صوبها إلى صدر جمال عبدالناصر، يريد اغتياله ولكن الرصاصات أخطأتالهدف ولم يُصب جمال عبد الناصر. فارتج السرادق من فظاعة الحادث ولم يتبين الحاضرون بادئ الأمر إذا كان جمال عبدالناصر قد أصيب أم لا، وما مبلغ الإصابة، وبدأ بعضهم في الانصراف بعد سماعهم دوي الرصاص متتابعًا. وأراد حرس جمال عبدالناصر أن يثنوه عن الحديث وينحوه عن منصة الخطابة، فدفعهم بكلتا يديه واستمر في خطبته قائلًا بأعلى صوته: “أيها الرجال! فليبق كل في مكانه”. وكرر هذه العبارة غير مرة، ومضى قائلًا: “حياتي فداء لكم، دمي فداء لمصر، أيها الرجال، أيها الأحرار، أتكلم إليكم، بعون الله، بعد أن حاول المغرضون أن يعتدوا عليّ، إن حياة جمال عبد الناصر ملك لكم، عشت لكم، وسأعيش حتى أموت عاملًا من أجلكم، ومكافحًا في سبيلكم، سيروا على بركة الله، والله معكم ولن يخذلكم، فلن تكون حياة مصر معلقة بحياة جمال عبدالناصر، إنها معلقة بكم أنتم وبشجاعتكم وكفاحكم، إن مصر اليوم قد حصلت على عزتها، وعلى كرامتها، وحريتها، سيروا على بركة الله نحو المجد، نحو العزة. نحو الكرامة”. أثبتت التحقيقات بعد ذلك، أن الجاني اسمه محمود عبداللطيف، سمكري في إمبابة، ومن الإخوان المسلمين، وقد جاء إلى مكان الاحتفال، مبكرًا، وجلس على بعد خمسة عشر مترًا، من منصة عبدالناصر! وكان متمرنًا على إطلاق الرصاص! لأن الرصاصة الأولي، التي أطلقها، والثانية، اتجهتا نحو الرئيس. وأصابتا أحمد بدر المحامي، الذي كان منه على ربع متر فقط! وأصابت الرصاصة الثالثة مصباحًا كهربيًا فوق المنصة، فانفجر، وأصيب ميرغني حمزة، الوزير السوداني، ونُقل الاثنان إلى مستشفى المواساة لتضميد جروحهما. وقد حسمت هذه المحاولة موقف عبد الناصر من الإخوان، وأعطته المبرر للانقضاض عليهم، وتصفية تشكيلاتهم التنظيمية وعلى رأسها الجهاز السري بطريقة قمعية. ولا شك أن هذا العمل الإرهابي أعطى للنظام الفرصة كاملةلتدمير البنية التنظيمية للجماعة ليس فقط بالاعتقالات والمحاكمات والإعدامات لكن أيضًا بتأميم المؤسسات الخيرية والأهلية التي كان الإخوان قد بنوها عبر عقدين من النشاط المكثف.كما أدت إلى زيادة شعبية عبد الناصر بشكل غير مسبوق. فكما لاحظت السفارة الإنجليزية عبر أحد الوثائقالسرية (المفرح عنها)، أن أحد زملاء عبد الناصر رأى أن محاولة الاغتيال هذه لن تهز معنويات النظام كما قال بل على العكس فإن رصيد التعاطف مع عبد الناصر سوف يزداد، وتوافق السفارة على هذا الرأي. ورغم أن نائب المرشد العام للإخوان المسلمين قد أرسل برقية تهنئة لعبد الناصر على نجاته إلا أن المتظاهرين أشعلوا النار في مقر الجماعة وتم اعتقال الكثير من الإخوان في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية. ولم يمض شهر واحد حتى كتبت السفارة تقول:”إن محمد نجيب قد فشل في تأييد مشروع المعاهدة وأن الشائعات والدلائل تشير إلى قرب مواجهة بين رئيس الوزراء عبد الناصرورئيس الجمهورية محمد نجيب، وكيف أن الارتياح يسود الأوساط المعتدلة للمعالجة التي واجهت بها الحكومة حركة الإخوان رغم خيبة الأمل في عدم استقرار اتفاقية القناة”.

في أول نوفمبر 1954، أصدر مجلس قيادة الثورة أمرًا بتأليف محكمة خاصة سُميت (محكمة الشعب)، برئاسة جمال سالم وعضوية أنور الساداتوحسين الشافعي، لمحاكمة الأفعال التي تُعد خيانة للوطن أو ضد سلامته في الداخل والخارج، وكل ما يُعتبر موجهًا ضد نظام الحكم والأسس التي قامت عليها الثورة. ووفقًا للإحصائية التي أوردها عبد الرحمن الرافعي في كتابه عن ثورة يوليو فإن عدد من حكمت عليهم محاكم الشعب كان 867، وعدد الذين حكمت عليهم المحاكم العسكرية 254، ووصل عدد المعتقلين بعد عام من حادث المنشية إلى 2943 معتقلًا انخفض عددهم بعد عام إلى 571 معتقلًا.وأسفرت التحقيقات عن وجود اتصالات بين محمد نجيبوجماعة الإخوان منذ أبريل 1954، وإنه كان سيعلن تأييده لانقلابهم في حال نجاحه. وكان محمد نجيب مازال حتى يوم حادث المنشية رئيسًا للجمهورية بلا سلطات عملية تقريبًا، ينوب عنه في الغالب ويحضر مقابلاته حسن إبراهيم، وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية. وعندما وجد محمد نجيبفي اتفاقية الجلاء بعض ما يستحق النقد، كتب مذكرة إلى مجلس قيادة الثورة،فإذا بها مطبوعة يوزعها الإخوان المسلمون. وعقب حادث المنشية أرسل إلى جمال عبدالناصر برقية ومندوبًا للاستفسار عن صحته ولكن الصحف والإذاعة لم تشر إلى ذلك، فذهب محمد نجيب إلى عبدالناصر في منزله مستفسرًا عن سبب عدم الإشارة إلى ذلك في الصحف، مستنكرًا أن يكون وراء ذلك محاولة إفهام الناس برضائه عن هذا الحادث، ولكن ولم يسمع محمد نجيب جوابًا مرضيًا. وفي يوم 14 نوفمبر توجه محمد نجيب إلى مكتبه فوجد عددًا من ضباط البوليس الحربي أمام قصر عابدين، ولما اتصل بجمال عبدالناصر مستفسرًا عما وراء ذلك، حضر إليه بعد فترة قصيرة عبد الحكيم عامر وحسن إبراهيمليبلغاه أن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءه من منصبه،وذهب الاثنان معه إلى حيث حُددت إقامته في 14 نوفمبر 1954 في فيلا صغيرة كانت تملكها السيدة زينب الوكيل بضاحية المرج شمال القاهرة. وبعد عشرة أيام تبرق السفارة الإنجليزية في القاهرة إلى لندن قائلة أنه:”تم عزل محمد نجيب رئس الجهورية بناء على قرار من مجلس الوزراء في اليوم السابق (13 نوفمبر 1954) وأن عبد الحكيم عامر وزير الدفاع وحسن إبراهيم وزير شئون الرئاسة قد أبلغا الخبر لنجيب الذي تقبل الوضع بهدوء وتم وضعه تحت الحراسة في منزل بالمرج وقد تم الربط بين الإخوان ونجيب عندما أُعلن بصفة شبه رسمية أن اثنين من الإخوان أدانا محمد نجيب في محاولة الانقلاب الفاشلة وأن نجيب كان على اتصال بهما وأنه في حالة نجاح الانقلاب كان على استعداد للبقاء كرئيس للجمهورية. كما تم عقد اجتماع لنقابات العمال لتأييد قرار عزل نجيب وأعلنت وزارة الخارجية أن عبد الناصر هو الذي سيقوم بمهام الرئيس”. وتكتب السفارة تعليقًا على الأحداث في اليوم التالي قائلة:”إن كل الشواهد كانت تدل على أن عزل نجيب كان حتميًا خاصة وأن اسمه قد ذُكر في محاكمات الإخوان المسلمين أمام محكمة الشعب”. وتضيف السفارة:”أنه لا يوجد تفسير منطقي لهذا التوقيت بالذات لعزل نجيب ولا شك أن محاكمات الإخوان وربطه بهم كان أنسب وقت ولكن الاعتقاد كان في القضاء أولًا على الإخوان قبل الالتفات إلى نجيب إلا إذا كان الشعور بأن القضاء أولًا على الإخوان قد تم بالفعل وأن النظام من القوة بحيث يلتفت إلى نجيب”. وتضيف السفارة إلى رأيها فيما حدث:”أن النظام كان من الذكاء والحكمة بحيث لم يدع العمال للتظاهر بينما كانت الحركة ضد نجيب في فبراير متسرعة، فإنها هذه المرة كانت نتيجة تخطيط طويل ومحكم خاصة بين صفوف القوات المسلحة”. وقد اعترفت انجلترا بالتغيير الذي رأته حتميًا عندما أثيرت مشكلة الاعتراف بالنظام الجديد حيث كان لقب (الملك) ملك مصر والسودان وبعد الثورة أصبح مجرد رئيس الجمهورية دون إشارة إلى مصر أو السودان وبما أنه قد جرت العادة على أن توجه أوراق اعتماد السفير إلى رئيس الجمهورية دون تسمية على حسب رأي الإنجليز فلا حاجة إلى التحديد ولكن في حالة نجيب ذُكر الاسم كما لاحظ الإنجليز لذلك كان رأي الإنجليز أنه إذا طلبت الحكومة المصرية إعادة تقديم أوراق الاعتماد فلا مانع خاصة وأنها مسألة داخلية لا تغير من طبيعة النظام.

هذا ما أدلى به (خليفة عطوة) عضو التنظيم السري والمتهم الثالث في قضية الاغتيال لجريدة المصريين بتاريخ 7-2-2009: “صدرت تعليمات بتنفيذ مهمة عاجلة وتم تقديم مجموعة انتحارية تتكون من محمود عبد اللطيف، وهنداوي سيد أحمد الدوير، ومحمدعليالنصيري، حيث كان مخططًا أن يرتديأحدهم حزامًا ناسفًا ويحتضن عبد الناصر وينسفه إذا فشل محمود عبد اللطيف في الضرب، وأنا وأنور حافظ على المنصة بصفتنا من حراس الثورة، ونقوم بتوجيه محمود عبد اللطيف والإشارة له بتنفيذ خطة اغتيال عبد الناصر”. وأوضح أنه هو من أعطى شارة البدء لمحمود عبد اللطيف ببدء الهجوم، عندما كان عبد الناصر يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية، في يوم 26 أكتوبر 1954، لكن المحاولة أخطأت هدفها، حيث مرت أول رصاصة، من تحت إبط عبد الناصر، واخترقت الجاكيت العسكري الواسع الذي كان يرتديه، واصطدمت بقلم حبري في جيبه ونجا منها بمعجزة، بينما مرت الرصاصة الثانية بجواره من بين كتفي جمال سالم وعبد الحكيم عامر، واستقرت في رأس الميرغني حمزة زعيم الطائفة الختمية بالسودان وأحد ضيوف الحفل ليلقى مصرعه في الحال. وتابع، قائلا: “في ذلك الوقت حدث شيء غريب حيث اندفع جمال عبد الناصر إلى سور المبنى للإمام بدلًا من أن يختبئ، وصرخ فيهم:(ليبقى كل في مكانه)، وهنا وبطريقة عفوية واستجابة لا شعورية لهذه الشجاعة وجدت نفسي احتضن عبد الناصر أنا وأنور حافظ شريكنا في الخطة وأخذت ألوح لمحمود عبد اللطيف أن يتوقف عن الضرب، وكان يتسلق وقتها تمثال سعد زغلول المواجه لشرفة مبنى بورصة القطن. لكنه واصل إطلاق النار حيث أطلق رصاصة أصابت كتف أحمد بدر سكرتير هيئة التحرير في الإسكندرية فأدت إلى وفاته، وأطلق بقية الرصاصات في النجف والصيني الموجود في السقف وأمام المنصة.. بعدها نزل عبد الناصر وتوجه ونحن برفقته إلى جامعة الإسكندرية لكي يواصل خطبته”. خلال ذلك تم القبض على الجاني(محمود عبد اللطيف) عضو الجهاز الخاص وعُثر معه على المسدس المستخدم في إطلاق النار وعلى الأظرف الفارغة مكان الحادث، وتم القبض على أعداد كبيرة من جماعة الإخوان المسلمين وتم الزج بهم في السجون، وهرب المستشار (حسن الهضيبي) المرشد العام للجماعة لبعض الوقت وأرسل رسالة خطية من مخبئه إلى جمال عبد الناصر حاول فيها التبرؤ من الحادث، وبعد محاكمته والحكم عليه بالإعدام قرر ناصر تخفيف الحكم عنهإلى الأشغال الشاقة المؤبدة ثم أعفى عنه بعد ذلك لأسباب صحية. قالت التحقيقات إن محمود عبد اللطيف كان عضوًا في جماعة الإخوان، وإن المحرض له المحامي هنداوي دوير عضو الجماعة، وإن محاولة اغتيال عبد الناصر كانت جزءً من مؤامرة كبرى لاغتيال أعضاء مجلس قيادة الثورة وحوالي ١٦٠ ضابطًا من ضباط الجيش، كما تضمنت الاتهامات التي تم توجيها للجماعة تخطيطها للاستيلاء على الحكم وتخزينهم لكميات كبيرة من الأسلحة والمفرقعات ليستخدمها الجهاز السري، وهي الأسلحة التي قال المرشد في المحاكمة إنها تخص الضباط الأحرار وأن الإخوان حفظوها لهم أثناء حريق القاهرة في يناير 1952، كما أشارت التحقيقات إلى أن هناك عدة خطط أخرى لاغتيال جمال عبد الناصر من بينها نسفه بحزام ناسف أو نسف الطائرة التي تقله في إحدى رحلاته، وقد وُجه الاتهام لاثنين من الضباط هربا خارج البلاد هما البكباشي أبو المكارم عبد الحي والبكباشي عبد المنعم عبد الرءوف والأخير كان من الضباط الأحرار. وقد أشارت التحقيقات كذلك إلى أن مرشد الجماعة المستشار حسن الهضيبي كان على علم بالخطة ومباركًا لها.رغم إصرار الغالبية العظمى من الإخوان حتى الآن التنصل من محاولة الإغتيال الفاشلة وذكرهم أن عبد الناصر هو من دبر إغتيال نفسه فإن الكثيرين منهم قد اعترفوا بشكل مباشر أو غير مباشر بضلوعهم في الحادث منهم (أحمد رائف) مؤرخ الإخوان في كتابه (البوابة السوداء) و(فريد عبد الخالق) أحد مؤسسي الجماعة الذي ذكر أنه علم بالتدبير لاغتيال عبد الناصر وأبلغ المرشد الذي استنكر الأمر وأنه إتصل بهنداويدويرليبلغه بعدم تنفيذ الاغتيال، كما ذكر (مأمون الهضيبي) المرشد العام السابق في مقابلة تلفزيونية أنه ربما من قام بالمحاولة عضو في الإخوان ولكنه تصرف بشكل فردي وليس بناءً على موقف مسبق من الجماعة، وإعترف بالمحاولة كثيرون آخرون من جميع مستويات الجماعة.. ولذلك لم يكن هناك مبرر موضوعي لمحاولة نفيمحاولة الإغتيال في المنشية مع إقرارالإخوان بجميع عمليات الاغتيالات السابقة.كما أنه من الطبيعي والمنطقي وفيإطار الصراع بين الإخوان وعبد الناصر وانسجامًا مع تاريخهم وأفكارهم أن تلجأ الجماعة للتخطيط لاغتيال عبد الناصر، ويمكن تبرير إنكارهم لذلك إبان حكمه، لكن الغريب في الأمر هو الإستمرار في الإنكار بعد وفاته رغم إعتراف المشاركين وبعض القيادات الهامة بما حدث.وربما يكون إنكارهم المتواصل لما حدث وأن ذلك لم يكن سوى مسرحية للتنكيل بهم والتخلص من القوة المنافسة الوحيدة للنظام وتشويه سمعتهم لدى الناس بينما هم بريئون مما حدث، ذلك يظهرهم في مظهر (الشهادة) أصلًا لدى الناس الذين قد يصدقون دعوتهم وأيضًا لدى أعضاء جماعتهم الذين دفعوا أثمانًا باهظة جراء عمليات الاغتيالات المتكررة وما جره ذلك عليهم من سجون وإعدامات وحظر في السابق.

كل هذا تستفيض فيه وتؤكده الوثائق البريطانية السرية المفرج عنها، فتذكر الوثيقة الرابعة عشرة من الوثائق البريطانية العشرين السابق الإشارة إليها،تفاصيل إحدى محاكمات الإخوان في 13 ديسمبر 1954:”حيث حُكم على 38 عضوًا من الإخوان مصدق عليها من مجلس قيادة الثورة، من بينهم 5 أعضاء حوكموا بالإعدام شنقًا، وكان على رأسهم (عبدالله الريس، محمد مهدي عاكف، محمد صلاح الدين عبدالمعطي)، وأربعة أعضاء بالأشغال الشاقة المؤبدة، و18 عضوًا بالسجن عشر سنوات مع الشغل والنفاذ. وكانت ردة فعل الإخوان أكثر عنفًا، حيث حاولوا اغتيال عبدالناصر، رئيس الوزراء آنذاك”. وتكشف الوثيقة الخامسة عشرة عن محاولة الاغتيال في 26 أكتوبر 1954:”وفي مؤتمر شعبي في ميدان المنشية بالإسكندرية احتفل عبدالناصر مع جماهير الشعب بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء، وحينما وصل إلى قوله: (أنا لا أستطيع أن أعبر عن شكريلله.. إذ أحتفل معكم اليوم في هذا الميدان نفسه يا أبناء الإسكندرية، يا من كافحتم وكافح آباؤكم وأجدادكم، واستشهد إخوان لكم في الماضي، أحتفل معكم اليوم بعيد الجلاء، بعيد الحرية، عيد العزة والكرامة).. هنا أُطلقت عليه 8 رصاصات، لكن المحاولة أخطأت هدفها حيث مرت أول رصاصة، من تحت إبط عبدالناصر، واخترقت الجاكيت العسكري الواسع الذي كان يرتديه، واصطدمت بقلم حبر في جيبه ونجا منها بمعجزة، بينما مرت الرصاصة الثانية بجواره من بين كتفي جمال سالم وعبدالحكيم عامر، واستقرت في رأس الميرغني حمزة زعيم (الطائفة الختمية) بالسودان، وأحد ضيوف الحفل ليلقى مصرعه في الحال”. ووفق ما جاء في الوثيقة، فإن:”جمال ظل واقفًا أمام الميكروفون مطالبًا الجماهير بالتزام أماكنهم، وكما نقلت الإذاعة هذه اللحظة فقد مضى عبدالناصر قائلًا:حياتى فداء لكم، دمي فداء لمصر، أيها الرجال الأحرار، أتكلم إليكم بعون الله بعد أن حاول المغرضون أن يعتدوا عليَّ، إن حياة جمال عبدالناصر ملك لكم، إنه لو قُتل فستظل الثورة لأن كل فرد منها هو جمال عبدالناصر”. وأضافت نفس الوثيقة: “وجاء رد فعل هذه المؤامرة على عكس ما أراد مدبروها فقد التف الشعب حول عبدالناصر أكثر فأكثر، وفي اليوم التالي أشعلت الجماهير النيران في المركز العام للإخوان وانهالت التهاني بالنجاة وكُتبت المقالات تستنكر حادث الاغتيال”. وتلكوثيقة أخرى عبارة عن برقية من رالف ستيفنسون عن الإخوان في مصر عام 1954، وذكرت النقطة الخامسة في البرقية: “تزايد عنف مظاهرات جماعة الإخوان المسلمين، لتؤكد أن التعايش السلمي مع النظام لم يعد ممكنًا ويجب أن يأخذوا كافة المعايير القوية والممكنة لتحقيق أهدافهم، تلك المعايير تتضمن اغتيال جمال عبدالناصر نفسه، وقد أقر بالفعل أربعة أفراد من الإخوان محاولتهم اغتيال عبدالناصر، وهذه كانت أول مرة يهدد فيها الإخوان بالدماء”. أما الوثيقتان السابعة عشرة والثامنة عشرة فقد تناولتا محاكمات الإخوان واعترافات محمود عبداللطيف، الذي حاول اغتيال ناصر، وأوضحتا أنه:”فى 1 نوفمبر 1954 جرت وقائع أول جلسات محاكمة للإخوان المتهمين في محاولة اغتيال ناصر في المنشية، وعلى الفور تم تشكيل (محكمة الشعب) برئاسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائم مقام أنور السادات والبكباشي حسين الشافعي لمحاكمة هؤلاء بتهمة خيانة الدولة والثورة”. كما ذكرت الوثيقة تباين اعترافات المتهمين حول مدى تورط الهضيبي ذاته في التدبير والتحريض على اغتيال رئيس الوزراء (عبد الناصر). وبعد ذلك تذكر الوثيقة أنه:”تم إلقاء القبضعلى محمود عبداللطيف ومن خلال استجوابه اعترف بتلقيه أوامر بتنفيذ الاغتيال من محام يقود خلية سرية يُدعى هنداويدويدار ويعمل في مكتب عبدالقادر عودة المحامي وعضو مكتب الإرشاد بالإخوان بناءًعلى أوامر تلقاها من الجهاز السري الرئيسي للإخوان قبل توقيع اتفاقية الجلاء انحدرت من المرشد العام للإخوان”. وكشفتا الوثيقتان معلومات خطيرة حول مؤامرة كانت تحيكها جماعة الإخوان لتنفيذ انقلاب ضد الثورة، كما كشفتا عن أسماء أخرى لأعضاء آخرين في التنظيم السريللجماعة..وذكرتا أنه وفي9 نوفمبر 1954 نشرت جريدة (الأهرام) اعترافات كل من محمود عبداللطيف وهنداويدويدار بارتكاب محاولة الاغتيال، ولكنهما طلبا العفو والسماح من الحكومة، لأنه قد تم تضليلهما وخداعهما من قبل التنظيم السري. كما نقلت الوثيقتان اعتراف يوسف طلعت بأنه المسؤول عن تفجير كوبري أبوسلطان في منطقة قناة السويس، كمحاولة لإحباط الاتفاق (المصرى- البريطاني) في 27 يوليو. كما كشفتااعتراف كل من هنداويدويدار، والمحامي إبراهيم الطيب عن وجود اتصالات بين الجنرال محمد نجيب، والهضيبي، بعد أن قرر الإخوان استخدام نجيب لتهدئة الشعب عقب محاولات وخطط الاغتيال التي تمت. ولقد أنكر الهضيبي معرفته بمحاولة اغتيال جمال عبدالناصر، وقال إن يوسف طلعت قام بزيارته في مكان اختبائه بالإسكندرية قبل يومين من تلك المحاولة وأنكر أي نقاش دار حول تلك المؤامرة أو أنه أعطى أوامره بالقيام بها، سواء لإبراهيم الطيب أو لهنداويدويدار وأن كليهما كاذب بشأن هذه الادعاءات بتحريضهما على اغتيال جمال عبدالناصر..أشارت الوثيقة التاسعة عشرة، وقبل الأخيرة، إلى: “تحذيرات جمال عبدالناصر للإخوان في منتصف عام 1953، وذلك لإيقاف عمليات التدريب والتسليح التي يقومون بها، بالإضافة لمحاولة الجماعة تكوين خلايا سرية داخل البوليس والقوات المسلحة، إلا أنهم لم يستجيبوا لتلك التحذيرات”. وعندما بدأت وقائع محاكمة حسن الهضيبي، في 22 نوفمبر 1954، تم تقديم دليل مهم وحيوي تذكره الوثيقة ذاتها (E1016/24) من قبل لواء شرطة سابق يدعى حسين أحمد حمودة (وهو أحد أفراد المجموعة الأولى من تنظيم الضباط الأحرار، والذي تم فصله لمحاولته تكوين خلايا إخوانية داخل التنظيم العسكرى)، واعترف أنه قام بمقابلة الهضيبي وآخرين من ضمنهم يوسف طلعت، ولواء شرطة صلاح شادي وأن الهضيبي خطط لاغتيال عبدالناصر، ولكنهم أدركوا أنه من الصعب تنفيذها حينها. كما نصح طلعت بالانتظار حتى يصبحوا قادرين على التنفيذ، غير أنه قد تم إحباط خطتهم بالقبض على حسين حمودة في 18 يناير 1954″. وأما ما هو أخطر فجاء في الوثيقة ذاتها المسلسلة بالرمز (E1016/24)، حيث ذكرت “أنسيد قطب، المفكر المنضم حديثًا للإخوان لعب دور الوسيط بين الإخوان والمجموعات الشيوعية لتقريبهم من الجماعة، وذلك بخلاف أن الهضيبي أخبره أنه بمجرد عودته من سوريا في أغسطس 1954، فإن اللواء محمد نجيب سوف يقود جزءً من الجيش للتخلص من مجلس قيادة الثورة ونقل السلطة إلى المدنيين من خلال حركة داخل الجيش”. وتقول نفس الوثيقة: “وفي 23 نوفمبر قدم يوسف طلعت قبل المحاكمة دليلًا عن خطة تهدف لإجبار رئاسة مجلس الثورة على التنحي عن الحكم من خلال تنكر 40 من الإرهابيين في زي بوليس حربي لاغتيال رئيس الوزراء جمال عبدالناصر”. وبناءً على الدليل الذي قدمه أحمد حسين حمودة في الوثيقة نفسها من أن ثمة خطة دبرها المرشد العام شخصيًا، وفق الوثيقة، منذ يناير عام 1954، فإن الهضيبي”طالب أولًا بتنفيذ خطته التي تقضي باغتيال ناصر لكنه تراجع عندما اقتنع بفكرة يوسف طلعت بأن التنظيم السري ليس قويًا بالقدر الكافي للقيام بذلك، خصوصًا بعدما ناقش الفكرة مع سيد قطب في أغسطس عام 1954 وهي خطة للإطاحة بمجلس قيادة الثورة والإمساك بزمام السلطة بالتعاون مع اللواء محمد نجيب، ولكن من خلال مظاهرات سلمية، بحيث يتحول التنظيم السري للإخوان إلى منظمة تحريرية تطالب بالحريات”. وخفف اعتراف يوسف طلعت الحكم الواقع على المرشد العام حسن الهضيبي بالتحريض على قتل جمال عبدالناصر من الإعدام إلى السجن أشغالًا شاقة مؤبدة. إلا أن أبرز الأحكام كانت الإعدام بحق سبعة من قيادات الجماعة هم: محمود عبداللطيف، يوسف طلعت، إبراهيم الطيب، هنداويدويدار، محمد فرغلي، عبدالقادر عودة، والمرشد العام الهضيبي الذي تخففت عقوبته للأشغال المؤبدة. الوثيقة الأخيرة جاءت بعد وقت قصير تقرأ المشهد في مصر وتحمل الرمز الأرشيفى (E1016/25)، حيث ذكرت:”ولقد أدى استكمال هذه المحاكمات أيضًا إلى توطيد موقف مجلس قيادة الثورة في الشارع، حتى مع احتمالات تكرار محاولات الاغتيال التي تضم قائمتها أسماء كثيرة من النظام، حيث نجح مجلس قيادة الثورة في إحداث خلل كبير داخل صفوف الإخوان كقوة سياسية كانت منظمة، وتم تدعيم ذلك الموقف باعترافات المتهمين وما تم ضبطه من الأسلحة والذخيرة”. وتختم الوثيقة الأخيرة بالقول:”استفاد النظام من تلك المحاكمات للدفاع أمام الرأي العام عن المعاهدة (المصرية – البريطانية) وغض الطرف عن الانتقادات التي وُجهت إليها”. ورغم أن الاتصال بين الإخوان واللواء محمد نجيب لا يعني بالضرورة أن نجيب كان على دراية بمؤامرة الاغتيال، إلا أن الفرصة كانت سانحة لمجلس قيادة الثورة لإزاحة محمد نجيب من السلطة على أن يبدو ذلك خدمة للصالح العام للدولة، وهو ما ألمحت إليه الوثيقة..وهكذا وصل الصدام الأخير مع مجلس قيادة الثورة إلى نهايته، وأسفر عن: أولًا عزل محمد نجيب من رئاسة الجمهورية. ثانيًا: حل الأحزاب السياسية، ووضع قادتها في السجون، ثالثًا: إغلاق صحيفة المصري، التي لعبت دورًا كبيرًا، في أزمة مارس. رابعًا: حل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال ومحاكمة قادتها. خامسًا: فشل محاولات الانقلاب العسكري، وانتهاء التنظيمات العسكرية المستقلة، أو التابعة للقوى السياسية الخارجية داخل الجيش. سادسًا: حل نقاباتي الصحفيين والمحامين، وتعيين لجان مؤقتة لهما موالية لمجلس قيادة الثورة. وبذلك انتصر الجانب المسلح، من الطبقة الوسطى، بعد أن وجهت ضربة قاضية للإقطاع. وانتهت سنوات التصادم بانتصار كامل للعسكريين. وبدأت مواجهتهم لمشاكل المجتمع تحدد خط سيرهم، في المستقبل القريب والبعيد. إلا أن القمع وحده لا يكفي في الحقيقة لتفسير الانهيار الذي حدث في قوة ونفوذ ووجود الإخوان خلال الحقبة الناصرية.ولا يمكن فهم ما حدث دون فهم طبيعة النظام الناصري والسياسات التي تبناها، التي لعبت دورًا كبيرًا في استيعاب القاعدة الاجتماعية للإخوان، أي الطبقة الوسطى الحديثة، وكسب تأييدها للنظام.. وهو موضوع مقالتناالقادمة.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك