السبت - الموافق 19 يناير 2019م

(18)الوهابية والدولة المصرية (مصر الناصرية 1-3).. للكاتب والباحث: محمد السني

 

ألقينا الضوء سابقًا، على الجذور الفكرية للوهابية في مقالتين متصلتين، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، وثلاث مقالات متصلة عن الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي، ومقالة عن التسلل الوهابي للأمة المصرية،ومقالة عن التطويق الوهابي للأمة المصرية وإجهاض المشروع التنويري المصري الأول، ومقالتنا هذه عن الوهابية والدولة المصري (مصر الناصرية 1-3).

شهدت مصر عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية العديد من الأزمات في مختلف وجوه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتمثلت أساسًا في قضية الاستقلال الوطني، والنهوض الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وأزمة فلسطين، وأزمة الديمقراطية، ولم يكن هناك من سبيل للخروج من هذه الأزمات المترابطة إلا بعملية تغيير سياسي تحرك المياه الراكدة. وكانت قضية الاستقلال أولى القضايا التي شغلت الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة، وكان الوفد هو رائد الحركة الوطنية والمطالب بالاستقلال بأسلوب المفاوضات، ففي الفترة بين الحربين العالميتين جرت ست مفاوضات ومباحثات مع الإنجليز للحصول على الاستقلال تعثرت جميعًا عدا معاهدة 1936م التي وقع عليها الوفد، وقبل فيها ببقاء القاعدة العسكرية البريطانية في مصر. فخلال الحرب العالمية الثانية زاد تسلط الإنجليز على البلاد سياسيا واقتصاديا طبقًا لما أملته المعاهدة السابقة من ضرورات الحرب، فلما انتهت الحرب تصاعدت مطالب الجلاء وإعادة النظر في المعاهدة، وفشلت حكومة السعديين وحكومة إسماعيل صدقي في تغييرها،فاتجهت مصر إلى مجلس الأمن الدولي ليتخذ قرارًا بجلاء القوات البريطانية عنها وعن السودان فلم يؤيدها إلا ثلاثة أعضاء، فلجأت حكومة الوفد إلى إلغائها في أكتوبر 1951م.كما شهدت فترة ما قبل ثورة يوليو أزمات اقتصادية أدت إلى اضطرابات اجتماعية وعمالية، وزاد حجم الإضرابات الاقتصادية والنقابية،فأضرب عمال الحكومة عن العمل، وأضرب المدرسون، وأضرب رجال الشرطة. وظهرت بعض القلاقل في الريفحيث كان المشهد غريبًا، إذ يملك 0.5% من الملاك أكثر من ثلث الأراضي الزراعية، وفي مواجهتهم أحد عشر مليونًا من الفلاحين المعدمين. وكانت الأزمات تحيط بالحكومات المتعاقبة ولا تجد لها مخرجًا، وهو ما يدل على عدم قدرة أطر النظام السياسي على استيعاب ما يواجهه من أزمات. وجاءت قضية فلسطين لتزيد حالة الاحتقان التي يعاني منها المجتمع والحركة السياسية في مصر، حيث انتهت حرب فلسطين بهزيمة عانى منها الجيش والسياسة المصرية عامة، وزاد تدهور الأوضاع في مصر مع حريق القاهرة في يناير 1952م، وعجز النظام السياسي القائم عن ضبط الأمور وممارسة الحكم. وعرفت الشهور الستة التالية للحريق أربع وزارات لم تكمل آخرها اليومين حتى جاءت حركة الجيش.

كان استواء جماعة الإخوان المسلمين في مسرح السياسة المصرية برعاية البريطانيين وملك السعودية، ثم برعاية وعناية مخابرات السفارة البريطانية في القاهرة بزعامة رالف ستيفنسن، حيث سعى الحلفالسعودي الوهابيالبريطانيإلى جعل الأوضاع في مصر تبلغ هذا المستوى من الانهيار، فانجلترا التي كانت ترى أن الأزهر له نفس أهمية الحرمين الشريفين عملت منذ البداية على السيطرة عليه وعلى علمائه وفق عملية الوهبنة المستمرة والمدعومة، هذا بالإضافة لرغبة السعودية للسيطرة على مصر كجزء من (تصفية الثأر) الذي لا زالت قائمة، ومن أجل تحريف المسار المصري التنويري والنهضوي والتحرري والريادي. فالإنجليز كانوا لا يطمئنون إلى الملك فاروق الذي يسخر من بريطانيا، وينكت عليها في مجالسه، ولم يخف سعادته بانتصار ألمانيا عليها. في حين كان عبد العزيز آل سعود سندًا كبيرًا للإنجليز، وبكلمات حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز آل سعود: “بقي ثابتًا كالطود ولاسيما في الأيام السود التي مرت بها بريطانيا”. وكما يضيف المستر فيلبي: “إن المملكة العربية السعودية، هي الوحيدة التي لم تسبب أي قلق للحلفاء ولو للحظة واحدة”. ومما يرويه الوزير البريطاني في جدة أنه لما غرقت إحدى قطع الأسطول البريطاني، عبر الملك عن حزنه قائلًا:”إني شعرت بأن أحد أبنائي هو الذي غرق”، وفي مناسبة أخرى قال:”إننا (العرب) كأوراق شجرة، فلو سقطت (بريطانيا) جفت أوراقها وتساقطت”. ونتيجة عملية التخريب الوهابية الإنجليزية الممنهجة التي أصابت عقل الشريحة الفاعلة من الطبقة الوسطى المصرية ووعيها واستنارتها ويقظتها الوطنية، فقدت الحركة السياسية زخم هذه الطبقة بعد أن تعرضت للتشويه الفكري والانحراف الوطني والظلامية الدينية، عن طريق الغزو الفكري للفاشية الدينية العميلة بقيادة جماعة الإخوان المسلمين الوهابية وسيطرتها على الجانب الأكبرمن هذه الطبقة الأهم في الحركة السياسية والثقافية والوطنية، وذلك بعد أن فقدت فاعليتها وأصبحت تقوم بدور سلبي في مسار الحركة الوطنية المصرية، واتسمت بميول استبدادية واقصائية وتكفيرية، تأثر بها قطاعات واسعة في مصر ومن ضمنهم بعض العسكريين. وكما أشرنا سابقًا لم تكن الطبقة الوسطى المدنية المصرية من النضوج والقوة والاستقلال الكافي لإحداث نقلة نوعية في طبيعة وأسلوب الحكم في مصر، في مرحلة التأزم الكبرى بداية النصف الثاني من القرن العشرين، لأسباب اقتصادية واجتماعية كثيرة كما ذكرنا سابقًا، ولعدم قدرة البرجوازية المصرية بقيادة الجناح الإقطاعي المحافظ، على انجاز الثورة الثقافية وقضية التنوير بالشكل الكامل الذي ينهي مظاهر العصور الوسطى، وذلك مثلما فعلت الطبقات الوسطى المستقلة الوليدة في دول أوروبا الغربية. كما تبنى أبناء هذه الطبقة غير الناضجة الأفكار العالمية كالليبرالية والماركسية والاشتراكية الديمقراطية، دون مراعاة للمرحلة التاريخية التي تمر بها مصر آنذاك،ودون رؤية نقدية وجدلية، وبشكل عقائدي لا إبداع فيه ولا ابتكار، ولا تبصر في مضمونه… وكأنها أديان. فأضحت غير قادرة على احداث النقلة السياسية النوعية التاريخية المنشودة.

أصبحت مصر على أبواب ثورة عارمة تقلب الأوضاع رأسًا على عقب.وكانتالمؤسسة العسكرية باعتبارها الجناح العسكري للطبقة الوسطى المصرية، قد غابت عن الحياة السياسية في مصر فترة جاوزت الخمسين عامًا منذ الاحتلال البريطاني لمصر، حيث تم تصفية الجيش من الضباط العرابيين، ثم غُيب الجيش في السودان، غير أن حركة الضباط بدأت تنشأ في أواخر الثلاثينيات من مجموعات من الضباط بأهداف عامة شائعة تمثل استجابة لروح العداء للاستعمار البريطاني، فبدأت بلقاءات شباب الضباط في معسكرهم في (منقباد) بصعيد مصر عام 1938م بزعامةجمال عبد الناصر. ثم ما لبث هؤلاء الضباط أن شكلوا حركتهم التنظيمية السياسية وآثروا الابتعاد عن الارتباط بالحركات الحزبية في المجتمع، وإن انتمى بعض الضباط الأحرار إلى تيارات سياسية وفكرية معينة، وتشكلت اللجنة التأسيسية لهم عام 1948م، وعقدت أول اجتماعاتها واتفقت على تكوين خلايا سرية في الجيش إعدادًا للانقلاب العسكري بعد ست سنوات. إلا أن الضباط عجلوا القيام بانقلابهم بسبب معرفة الملك ونظامه بحركتهم بعدما دخلوا في مواجهة علنية مع الملك فاروق في انتخابات نادي الضباط أسفرت عن فوز مرشحهم اللواء محمد نجيب على مرشح الملك لرئاسة النادي.حيث كان نجاح اللواء محمد نجيب في انتخابات نادي الضباط على غير رغبة القصر ذات تأثير كبير في الحياة السياسية، إذ عمل القصر على حل مجلس إدارة نادي الضباط، فاستقال اللواء نجيب، وتدخل رئيس الوزراء حسين سري لإنقاذ الموقف محاولًا تعيين نجيب وزيرًا للحربية، فلم يتمكن من ذلك فقدم استقالته، فاختار الملك محمد نجيب الهلالي لتشكيل الوزارة الجديدة في 22 يوليو 1952م، واُختير إسماعيل شريف الموالي للقصر وزيرًا للحربية. غير أن هذه الوزارة لم تكمل يومين حيث تقرر تعجيل موعد قيام الجيش بحركته، خاصة بعد تمكن الجهات الأمنية من كشف أسماء بعض الضباط الأحرار وغالبيتهم في اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار. واُختيرت ليلة 22 يوليو لها حتى تفاجيء الحكومة الجديدة التي يرأسها أحمد نجيب الهلالي، قبل أن يتمكن وزير الحربية الجديد من إصدار التعليمات والأوامر بالتصدي لها، ثم أجل جمال عبد الناصر الموعد ليلة واحدة ليتمكن من استطلاع رأي قيادة الإخوان المسلمين فيمساندة حركة الجيش. وكان عدد الضباط الأحرار الذين أسهموا فعلًا في القيام بحركة 23 يوليو حوالي تسعين ضابطًا، كان ثلثهم من الضباط صغيري الرتب من رتبتي النقيب والملازم، أما الثلث الباقي من الضباط فأعلاهم رتبة هو المقدم (البكباشي). ولم يكن للتنظيم أحد في السلاح البحري قط، وكان لديه أعداد يُطمئن إليها في سلاحي الفرسان والمدفعية والطيران. وتحرك الجيش بقيادة اللواء ، وسيطروا على بعض الأماكن العسكرية وقيادة الجيش، وأعلن المقدم أنور السادات البيان الأول للثورة يوم 23 يوليو، متضمنًا الأهداف الست المعروفة التي قامت الثورة من أجلها، وهي: القضاء على الاستعمار، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على سيطرة رأس المال، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين طبقات الشعب، وبناء حياة ديموقراطية سليمة، وبناء جيش وطني قوي. ولم يصدر الإخوان بيانًا مؤيدا لحركة الجيش إلا بعد تأكدهم من خروج فاروق من مصر، وقد صدر بيانهم في يوم 27 يوليو، وكان بيانًا في غاية الاقتضاب. أما الوهابية السعودية فقد رأت في البداية أن ضباط يوليو استمرارًا لمشروعها لعدة أسباب منها: أن العديد من الضباط الذين شاركوا في الثورة كانوا قريبين إلى جماعة الإخوان المسلمين. الأمر الثاني، أن الثورة عند بدايتها وضعت شخصيتين في مركز الصدارة، تعرفهما الأسرة السعودية، وأدى وجودهما إلى إزالة أي هاجس قد يعتريها تجاه الإنقلاب، وهما: على ماهر الذي شغل أول رئيس وزراء بعد الثورة، وهو الذي أعاد العلاقات المصرية السعودية إلى مجراها، فضلًا عن تعاطفه الشديدمع جماعة الإخوان المسلمين. أما الثانى فهو اللواء محمد نجيب والذين التقوا به حينما أدى فريضة الحج عام 1950م كما ارتبط بعلاقات وثيقة مع الأمير عبد الله الفيصل بصفة خاصة، ولقد بلغ حبه للأمراء السعوديين، أن ذهب إلى المطار بعد أن أصبح رئيسًا للجمهورية كي يستقبل الأمير مشعل وزير الدفاع استقبالًا رسميًا، مع أن الأمير المذكور لم يكن في زيارة رسمية، كما أنه يصنف على أنه أمير من الدرجة الثانية، وكذلك الأمير نواف، وكيل وزارة الدفاع مما يتعارض مع هيبة منصب نجيب كرئيس للجمهورية. بل إنه حينما ذهب إلى المملكة السعودية في شهر أغسطس 1953 ولم يجد الملك عبد العزيز في استقباله في مطار جدة، فذهب إليه في مدينة الطائف. الثالث: موقف الثورة المعادي من حلف بغداد والذي رأت فيه السعودية أنه مؤامرة مصرية للإطاحة بعرش السعودية لصالح الهاشميين. هذا بالإضافة لمشكلة (البريمي) التي بدأت تداعياتها عام 1949 حينما شرعت شركة البترول البريطانية في التنقيب عن البترول في تلك المنطقة جنوب شرق الجزيرة العربية باعتبارها أراضي تخص إماراتي أبو ظبي ومسقط الخاضعتين للحماية البريطانية آنذاك، وهذا كان يعني بدء تناقض بين السعودية وبريطانيا. وفى الوقت ذاته تنامي العلاقات بين السعودية وأمريكا، التي كانت لها في البداية موقفًا ايجابيًا من ثورة يوليو بشكل عام ويرجع تاريخ العلاقات بين البلدين إلى 14 فبراير 1945، حينما التقى الملك عبد العزيز آل سعود بالرئيس روزفلت، حيث أخذ يناديه بـ “شقيقي التوأم”. ثم أنه أخذ يلح، بعد ذلك، على السفير الأمريكي في جدة لإقامة علاقات عسكرية واقتصادية أوثق مع حكومته. وفي أحد المشاهد ظهر يوسف ياسين، رئيس الشعبة السياسية في وزارة الخارجية السعودية، وهو يطلب من قائد قاعدة الظهران، ومعاونيه، في حضور الملك: “أن يضعوا في حسبانهم أن المملكة السعودية جزء من أرضهم (أمريكا) عندما يقوموا بتطوير خططهم الدفاعية”. ولدى لقاءه بالمستر (ماكجي) مساعد وزير الخارجية، نبه الملك إلى: “أن يضع في تقديره أن المملكة السعودية والولايات المتحدة دولة واحدة”، مما يعني أن الملك قد قرر من تلقاء نفسه أن يؤدي دورًا تابعًا للولايات المتحدة، والتصرف ضمن إستراتيجيتها. بيد أن السعودية لم تفاجأ بالحدث الذي هز المنطقة بأسرها يوم 23 يوليو 1952. وحسبما ذكر الكاتب الصحفي (مصطفى أمين) فإن الأمير (فيصل) أخبره قبيل اشتعال الثورة: “بأن الملك فاروق قد تولد لديه إحساس بأنه لن يبقى مدة طويلة كملك، وأن أيامه معدودات. ووفقًا لما ذكره المستر فيلبي: “فإن الأسرة السعودية واجهت تداعيات الأحداث وخروج فاروق من مصر بعدم اكتراث”.

كان الاستيلاء على السلطة بالقوة سبيل الإخوان للحكم، لذا كانوا الأكثر سعيًا إلى تجنيد ضباط في الجيش منذ مطلع الأربعينيات، ونجحوا في خلق وجود تنظيميإخواني مستقل داخل صفوف الجيش. وقد أسسوا مجموعة (جنود الجيش الأحرار) التي أصدرت عددًا من البيانات التحريضية في عامي 1941 و1942. وفي عام 1944 شكل مكتب الإرشاد تنظيمانداخل الجيش والشرطة خارج نطاق التنظيم الخاص (المسلح). وقد عين حسن البنا الضابط صلاح شادي للإشراف على خلايا الإخوان في الشرطة، ومحمود لبيب في الجيش. لكن موجة القمع في عام 1948 ومقتل حسن البنا أدى إلى تقلص النفوذ الإخواني داخل الجيش. ونستطيع أن نقول إن العلاقة بين الإخوان المسلمين والضباط الأحرار كانت سابقة على ليلة 23 يوليو 1952، فقد سعى عبدالناصر للاتصال بالجماعة في مرحلة تكوين تنظيم الضباط الأحرار مثلما اتصل بغيرها من التنظيمات والجماعات السياسية، كما أن عددًا من قيادات تنظيم الضباط الأحرار كانوا على صلات متفاوتة بالجماعة في مراحل مختلفة قبل نجاح حركتهم. وتبقى شهادتان أساسيتان محل جدل وتركيز، من جانب المتصدين للتفتيش عن الهوية السياسية والإيديولوجية لجمال عبد الناصرالقائد الفعليللضباط الأحرار قبل يوليو 1952م. الشهادة الأولى للمستشار الدمرداش العقيلي، وكان عضوًا في التنظيم السري المسلح للإخوان، بقيادة عبد الرحمن السندي، وتدعي عضوية عبد الناصر للجماعة. أما الثانية فهي لعضو مجلس قيادة الثورة، خالد محي الدين، والصادرة في كتابه الشهير (والآن أتكلم)، وتجزم بأن عبد الناصر كان يساير التنظيم فقط، ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.هاتان هما الشهادتان محل التأويل من غالبية الباحثين عن علاقة الزعيم الراحل بالجماعة، وإن كانت الوقائع والأحداث فيهما تكشفان بوضوح أن عبد الناصر كان مع الإخوان بالترتيب لا التنظيم، أو كما يقول الباحث محمود عبد الحميد عرفات، في تحليله لشهادات عدة عن زعيم يوليو وعلاقته بالإخوان، ضمت كتاباتعبد اللطيف البغدادي، وأحمد حمروش، وحسين حمودة،ومأمون الهضيبي، وثروت عكاشة، ومحسن عبد الخالق، وصلاح شادي، وصالح أبو رقيق، وعبد المنعم عبد الرؤوف، ومحمد حامد أبو النصر، وكمال الدين حسين…وغيرهم، إن عبد الناصر تنقل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتميًا فكريًا لإحداها، فيما كان انتماؤه للإخوان كأقوى تنظيم موجود يتيح انضمام العسكريين، وبالتالي فهو لم يكن من الجماعة فكريًا، بل تنظيميًا دون الإيمان بها.وأخيرًا وبشهادة الإخوان، وفق الباحث، قطع عبد الناصر في صناعته للأحرار، الصلة بالإخوان والنظام الخاص (بقيادة عبد الرحمن السندي)، وعارض توجهاتهما الفكرية ورؤيتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال.ولنقرأ ما قاله الرئيس جمال عبد الناصر في نوفمبر1965مبالنص حول علاقة الثورة بالإخوان المسلمين: “أنا قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة في البلد، يعنى كنت أعرف الشيخ حسن البنا، ولكن ماكنتش عضو في الإخوان المسلمين. كنت أعرف ناس في الوفد وكنت أعرف ناس من الشيوعيين، وأنا أشتغل في السياسة أيام ما كنت في ثالثة ثانوي، وفي الثانوي اتحبست مرتين أول ما اشتركت في مصر الفتاة وده يمكن اللي دخلني في السياسة، وبعدين حصلت خلافات وسبت مصر الفتاة، ورحت انضميت للوفد، وطبعًا أنا الأفكار اللي كانت في راسي بدأت تتطور، وحصل نوع من خيبة الأمل بالنسبة لمصر الفتاة، ورحت الوفد وبعدين حصل نفس الشيء بالنسبة للوفد، وبعدين دخلت الجيش.. وبعدين ابتدينا نتصل في الجيش بكل الحركات السياسية ولكن ماكناش أبدًا في يوم من الإخوان المسلمين كأعضاء أبدًا، ولكن الإخوان المسلمين حاولوا يستغلونا فكانت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار موجودة في هذا الوقت، وكان معانا عبد المنعم عبد الرؤوف وكان في اللجنة التأسيسية، وجه في يوم وضع اقتراح قال إننا يجب أن نضم حركة الضباط الأحرار إلى الإخوان المسلمين .. أنا سألته ليه؟ قال: (إن دي حركة قومية إذا اتقبض على حد منا تستطيع هذه الحركة أنها تصرف على ولاده وتؤمن مستقبله). ولكن مش ممكن نسلم حركة الضباط الأحرار علشان مواضيع شخصية بهذا الشكل، وحصل اختلاف كبير.. صمم عبد المنعم عبد الرؤوف على ضم حركة الضباط الأحرار إلى الإخوان المسلمين وإحنا رفضنا .. كان طبعًا في هذا الوقت الشيخ حسن البنا الله يرحمه مات، وأنا كان لي به علاقة قوية ولكن علاقة صداقة ومعرفة.. زي ما قلت لكم ما كنتش أبدًا عضو في الإخوان المسلمين، وأنا لوحدي يمكن اللي كان ليه علاقة بحسن البنا وإخواننا كلهم مالهومش، ولكن كنت بأقول لهم على الكلام اللي يحصل معاه .. نتج عن هذا إن عبد المنعم عبد الرؤوف استقال وده قبل الثورة بستة شهور، استقال عبد المنعم عبد الرؤوف وأنا كانت لي علاقة ببعض الناس من الإخوان المسلمين كعلاقة صداقة .. وكان لهم تنظيم داخل الجيش، وكان يرأس هذا التنظيم ضابط اسمه أبو المكارم عبدالحي”.

تؤكد المصادر التاريخيةوجود ثلاثة شخصيات إخوانية بارزة، كانوا على علم بموعد الثورة،وهم صلاح شادي وعبد الرحمن السندي، وحسن عشماوي،وتم الاتفاق،وفق ريتشارد ميتشل، في كتابه الشهير (الإخوان المسلمون)، على الدور الذي يمكن أن تلعبه الجماعة يوم الثورة، والذي تضمن ثلاثة محاور أساسية، هى: إذا ما نجحت الثورة فعلى التنظيم المشاركة في تأمين الوضع في الداخل وحماية المنشآت الأجنبية وإثارة حماس الجماهير لها إذا ما احتاج الأمر إلى ذلك، على الإخوان أن يساعدوا في حماية الضباط الأحرار وتوفير سبل الهرب لهم إذا ما فشلت الثورة، التصدى لأي تدخل بريطاني محتمل الوقوع. وقد أكد كمال الدين حسين في مذكراته بمجلة المصور في عددها الصادر يوم 26 ديسمبر 1975م واقعة ذهابه مع عبدالناصر صباح يوم 22 يوليو إلى السيد صالح أبو رقيق حيث قال فيها بالنص: “وأخطرناه حسب اتفاقنا المسبق بموعد الثورة بهدف كسب تأييدهم لثورتنا كما اتفقنا معه على أن تقوم قوات من متطوعي الإخوان بالمعاونة مع وحدات الجيش للسيطرة على طريق السويس لصد أي هجوم انجليزي محتمل يستهدف الوصول إلى القاهرة صباح يوم الثورة.ولقد تأجل موعد قيام الثورة والتي كان مقررًا لها يوم 22 يوليو لمدة 24 ساعة أخرى حتى يصل رد المرشد العام المتواجد في الإسكندرية”. وقد أكد هذا الأمر عبداللطيف بغداديبقوله: “ولا جدال في أن عبد الناصر قد بذل كافة جهوده لضمان وقوف هذه القوة الشعبية إلى جانب حركة الجيش بمجرد قيامها لتؤازره في الداخل ولتسهم إلى جانب الجيش في الدفاع عن العاصمة في حالة تفكير الإنجليز في ارتكاب حماقة التدخل”.ويقول خالد محي الدين: “وفي هذه الأثناء كان جمال عبد الناصر منشغلًا بعدد من القضايا فقد اتصل بالإخوان ليبلغهم بالحركة وليطلب مساعدتهم في حالة تحرك الإنجليز ضدنا، وقبل التحرك أبلغني عبد الناصر أن الإخوان أُبلغوا باستعدادنا للتحرك فسألته هل ردهم إيجابي؟ فهز رأسه بالموافقة”.ويؤكد هذا ريتشارد ميتشل بقوله:وقبل وقت قصير من قيام الثورة، قام الضباط الأحرار مرة أخرى بتسليح وتدريب المتطوعين لكتائب التحرير وغالبيهم من الإخوان وهي الكتائب التي أُرسلت لمنطقة القناة. وكانت الإسماعيلية هي المقر المركزي لهذا النشاط، وكان الشيخ محمد فرغلي رئيس شعبة الإسماعيلية هو أداة الاتصال الأساسية.إلا أنه لم يصدر أي بيان رسمي بالتأييد عن الجماعة خلال الأيام من 23 إلى 26 يوليو يوم أن طُرد الملك من البلاد”. وبالفعل لم يصدر مثل هذا الإعلان، فقد بقي الهضيبي في الإسكندرية، ملتزمًا الصمت. فالعلاقة إذًا بين الإخوان ويوليو 1952، وفى القلب منها عبد الناصر كانت بالأساس علاقة نفعية من جانب التنظيم، ومحاولة من جانب الضباط لتأمين ظهير شعبي في الشارع.

عقب نجاح حركة الجيش وجه مجلس قيادة الثورة في 31 يوليو الدعوة إلى الأحزاب لتطهير نفسها، ولم تشمل الدعوة جماعة الإخوان المسلمين التيسارعت إلى إصدار بيان يحددون فيه مفهومهم للإصلاح المنشود في المرحلة الجديدة، وشنوا هجومًا عنيفًا قاسيًا على الحياة النيابية السابقة، وكافة القوى الليبرالية والاشتراكية، واندفع الإخوان في تأييد ثورة يوليو ووصفوها بـ (الثورة المباركة)، في بيانهم الذي نص على:”بسم الله الرحمن الرحيم.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..وبعد.. في الوقت الذي تستقبل البلاد فيه مرحلة حاسمة من تاريخها بفضل هذه (الحركة المباركة) التي قام بها جيش مصر العظيم، أهيب بالإخوان المسلمين في أنحاء الوادي أن يستشعروا ما يلقي عليهم الوطن من تبعات في إقرار الأمن وإشاعة الطمأنينة، وأخذ السبيل على الناكثين ودعاة الفتنة، ووقاية هذه النهضة الصادقة من أن تُمس روعتها وجلالها بأقل أذى أو تشويه، وذلك بأن يستهدفوا على الدوام مثلهم العليا، وأن يكونوا على تمام الأهبة لمواجهة كل احتمال.والإخوان المسلمون بطبيعة دعوتهم خير سند لهذه الحركة يظاهرونها، ويشدون أزرها حتى تبلغ مداها من الإصلاح، وتحقق للبلاد ما تصبو إليه من عزة وإسعاد.وإن حالة الأمن لتتطلب منكم بوجه خاص أعينًا ساهرة ويقظة دائمة، فلقد أعدتكم دعوتكم الكريمة رجالاً يُعرفون عند الشدة، ويلبون عند أول دعوة، فكونوا عند العهد بكم، والله معكم.وستجتمع الهيئة التأسيسية في نهاية هذا الأسبوع بإذن الله لتقرر رأي الإخوان فيما يجب أن تقترن به هذه النهضة المباركة من خطوات الإصلاح الشامل ليدرك بها الوطن آماله، ويستكمل بها مجده.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، والله أكبر ولله الحمد”.وفي يوم الخميس 7 أغسطس 1952 نظمت شعبة طلبة الإخوان المسلمين مؤتمر الجامعات بقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة فؤاد، حضره آلاف الطلاب والأساتذة وضباط الجيش، وكان شعار المؤتمر هو (حركة يوليو المباركة!!)، تولى سكرتارية المؤتمر محمود الفوال، وافتتح المؤتمر الدكتور أحمد حسام الدين السكرتير العام لجامعة فؤاد الأول، ثم تحدث فيه جمال السنهوري مندوبًا عن طلبة السودان،ومما جاء في كلمته: “نريد نظامًا غير النظام، ومنهاجًا غير المنهاج، ودستورًا غير الدستور.. نريد دستور السماء وشريعة الأنبياء، أما أنصاف الحلول، أما التردد في كلمة الحق فلن يقيم عثرة أو يقيم نهضة”.وتقدم بعده حسن دوح، فألقى كلمة حماسية، جاء فيها تأييد لحركة الجيش الباسل تأييدًا عمليًا بلغة الدم والحديد، والبذل بالنفيس، وتطبيق حكم القرآن، وطالب حسن دوح في كلمته بالإفراج عن المسجونين، والتحقيق في قضايا الشهداء حسن البنا، وعبد القادر طه، وأحمد فؤاد، وأحمد شرف الدين. وتحدث بعده مندوب القيادة من الضباط، وألقى كلمةً قويةً، قوبلت بالاستحسان.وانتهى المؤتمر بتلاوة القرارات التالية: يبعث المؤتمر بتأييده للحركة المباركة التي قام بها جيشنا الباسل، ويحيي اللواء محمد نجيب، ويتمنى له السداد والتوفيق.ويحمد المؤتمرون للمسئولين اتجاههم السليم نحو الإفراج عن الشباب الواعي، الذي كان في طليعة الجيش الباسل في مقاومة الفساد، وكان جزاؤهم التعذيب والسجن مع الأشغال الشاقة، ويأملون أن يتم إطلاق سراحهم فورًا.ويبارك المؤتمر الخطوة الموفقة في جعل قانون “من أين لك هذا؟” واقعًا مطبقًا من الآن، ويأمل أن يكون قانون محاكمة الوزراء رجعيًا حتى يتم التطهير المنشود.كما طالب المؤتمر بعقد جمعية تأسيسية في أقرب فرصة لوضع دستور جديد.وبذلك اتسمت فترةبداية أيام الثورة بوفاق كبير بين الضباط الأحرار والإخوان، فعبد الناصر زار قبر حسن البنا، كما يقول الدكتور رفعت سيد أحمد، في دراسة له بعنوان (الإخوان وعبد الناصر)، كما تمت إعادة التحقيق في مصرع حسن البنا، والقبض على المتهمين وتقديمهم للمحاكمة، وقد قضت المحكمة بالسجن خمس عشرة سنة على الأميرالاي محمود عبد الحميد مدير المباحث الجنائية الذي تم اتهامه بتدبير عملية الاغتيال، كما حكمت بمدد مختلفة على آخرين.وفي 11 أكتوبر 1952 صدر عفو خاص عن المحكوم عليهم من جماعة الإخوان المسلمين في قضية اغتيال المستشار الخازندار وقضية اغتيال النقراشي باشا وقضية قنابل المدرسة الخديوية، وجميعها قضايا وقعت في العصر الملكي، وقد خرج المسجونون من السجن إلى دار الإخوان المسلمين، كما صدر العفو عن المتهمين في قضية قنابل الإسكندرية.وطبقًا للوثائق التاريخية التي حصلت عليها جريدة الوطن، والمتطابقة مع (المستندات الموجودة بمكتبة الإسكندرية) من أرشيف الحكومة البريطانية، الصادرة عن السفارة البريطانية في مصر إبان الفترة بين 1952 و1954، تكشف الوثائق كواليس العلاقة بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة في تلك الآونة، فتشير الوثيقة الأولى التي تحمل الرقم المسلسل E1016/6 والتى تؤكد:”أن المجلس الذي تولى زمام الأمور بعد يوليو 1952، أصدر قرارًا بالعفو الشامل عن 934 من المعتقلين السياسيين وأغلبهم معتقلو الإخوان لكنه استثنى الشيوعيين من قرار العفو”. وحسب الوثيقة ذاتها، “فقد قامت السلطات المصرية بمحو ملفات لدى وزارة الداخلية تدين أعضاء بالجماعة، وفي السياق نفسه، تمت محاكمة إبراهيم باشا عبدالهادي رئيس الوزراء السابق وعدو الإخوان اللدود أمام محكمة الثورة، وحكم عليه بالإعدام ثم خُفف الحكم إلى المؤبد، ومن ضمن التهم التي وُجهت إليه تيسير قتل حسن البنا“. وتكشف وثيقة ثانية تحمل الرقم المسلسل 7/1016 أن “جماعة الإخوان ضغطت على مجلس قيادة الثورة قبل يناير 1953، من أجل حل كافة الأحزاب السياسية، وكان تحريض الإخوان للمجلس في ذلك الوقت سببًا في إصدار مجلس قيادة الثورة قرارًا بحل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها”، وحسب الوثيقة الثالثة التي أُرسلت في 16 يناير 1953 وتحمل رقم e، “… فيما استثنيت جماعة الإخوان التي كانت تقدم نفسها كجمعية دينية لا يعمل أعضاؤها بالسياسة.واستمرت العلاقة الودية بين الجماعة والضباط الأحرار ظاهريًا على الأقل في الشهور الأولى التالية لنجاح الحركة، وإن كانت البيانات التي صدرت بعد ذلك تشير إلى محاولات الإخوان فرض وصايتهم على ضباط يوليو”.

استمرتالعلاقة الودية بين الضباط والجماعة، حتى كشفت الجماعة عن نياتها ووجهها القبيح، محاولةوهبنة الثورة واستغلال الضباط الأحرارللوصول إلى الحكم، وبدأت بابتزاز الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وفي هذا الصدد يقول فضيلة الشيخ المرحوم أحمد حسن الباقوري عن خلافه مع جماعة الإخوان، وبين عبد الناصر والإخوان:”… وفي اليوم التاسع والعشرين من يوليو1952 تم لقاء بناء على طلب المرشد العام للإخوان المسلمين في منزل صالح أبو رقيق، حضره الرئيس جمال عبد الناصر والمرشد العام الذي طلب أن تطبق الثورة أحكام القرآن الكريم، وأجابه الرئيس عبد الناصر بأن الثورة قامت حربًا على الظلم والاستبداد السياسيوالاجتماعي والاستعمار البريطاني، وهي بذلك ليست إلا تطبيقًا لأحكام القرآن الكريم. فطلب المرشد أن يصدر قرارًا بفرض الحجاب حتى لا تخرج النساء سافرات، وأن تُغلق دور السينما والمسارح .. فرد الرئيس عبد الناصر – بعدما حسب الأمر – أنت تطلب مني طلبًا لا طاقة لي به .. فأصر المرشد على طلبه .. فقال الرئيس عبد الناصر: اسمح لي نتكلم بصراحة وبوضوح .. انت لك بنت في كلية الطب .. هل بنتك اللي في كلية الطب بتروح الكلية لابسة حجاب؟! أنا أعرف بأنها بتروح الكلية بدون حجاب، فإذا كنت في بيتكم مش قادر تخلي بنتك تطلع في الشارع حاطة الحجاب، حاتخليني أنا أطالب الناس كلهم وأقول لهم حطوا حجاب .. وبعدين هل بنتك بتروح السينما ولا ما بتروحش؟ بتروح السينما.. طيب إذا كان الراجل في بيته مش قادر يخلي أولاده أو بنته ما تروحش السينما ليه.. السينما إحنا علينا واجب أن نعمل رقابة عليها وعلى المسارح كمان حتى نحمي الأخلاق، ونحن سوف نمنع من يقل عمره عن 21 سنة من إرتياد الملاهي. لم يعجب المرشد هذا الكلام وطالب بمنع الناس كلها، فرد عليه الرئيس عبد الناصر قائلا: ولماذا لم تتكلم أيام فاروق؟!! وكانت الإباحة مطلقة وكنتم تقولون (أن الأمر لولي الأمر). ودار حوار طويل وبدا أن المرشد العام حدد موقفه من الثورة برفض التعاون ورفض الثورة، وهذا ما سيتضح فيما بعد، ولكن عبد الناصر كان يتبع سياسة النفس الطويل، ولا يريد أن يبدأ بالصدام بل فضل أن تتفاعل الأحداث”.وهذا ما تؤكدهالوثائق البريطانية التي أشرنا إليها سابقًا،فوفقًا للوثيقة الرابعة التي حملت رقم E1016/9 من الوثائق العشرين التي حصلت عليها جريدة الوطن، دوّن عبدالناصر بخط يده أسفل ورقة المطالب التي تقدم بها المرشد العام جملة:”لن نسمح بتحويل الشعب المصري إلى شعب يعيش حياة بدائية في أدغال إفريقيا”، واستنكر عبدالناصر، حسب الوثيقة ذاتها، من المرشد العام إقدامه على تقديم مثل هذه المطالب، وقال “لماذا بايعتم الملك فاروق خليفة للمسلمين ولم تطالبوه بهذه المطالب عندما كانت هذه الأشياء مباحة بشكل مطلق؟ ولماذا كنتم تقولون قبل قيام الثورة (إن الأمر لولي الأمر)”.

عندما شكل محمد نجيب وزارته الأولى في 7 سبتمبر 1952 خلفًا لوزارة علي ماهر، ضمت الوزارة الشيخ الباقوري وزيرًا للأوقاف، وكان مجلس قيادة الثورة على استعداد لأن يمنح الإخوان ثلاث حقائب وزارية إلا أن الخلاف حول الأسماء أدى إلى الاكتفاء بالشيخ الباقوري فقط، الذي سارعت الجماعة بفصله بعد دخوله الوزارة!.. وعندما تم تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد، ضم التشكيل ثلاثة ممثلين للإخوان في اللجنة هم: عبدالقادر عودة وصالح عشماوي وحسن عشماوي، في الوقت الذي كان حزب الأغلبية الذي يحظى بالشعبية، حزب الوفد ممثلا بأربعة أعضاء فقط، وكل من حزبي الأحرار والسعديين بعضوين لكل منهما.وعندما صدر في 16 يناير 1953 مرسومًا بحل الأحزاب ومصادرة أموالها واستمرار لمحاباة مجلس الثورة للإخوان تم استثناء جماعة الإخوان المسلمين رغم تقديمهم إخطار تكوين حزب عندما صدر قانون الأحزاب في 9 سبتمبر 52 لوزارة الداخلية.فبعد صدور قانون حل الأحزاب في 16 يناير 1953م حضر لمجلس قيادة الثورة وفد من الإخوان ضم الصاغ صلاح شادي والمحامي منير الدلة ليقولا لجمال عبد الناصر، إنه الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا جماعة الإخوان، ولهذا فإنهم يجب أن يكونوا في وضع يليق بدورهم وبحاجة الثورة لهم، ليرفض عبد الناصر المطلب بدعوي أن الثورة ليست في محنة أو أزمة، لكنه سألهما عن المطلوب لاستمرار تأييدهم للثورة، فردا: “نطالب بعرض كل القوانين والقرارات التي سيتخذها مجلس قيادة الثورة قبل صدورها على مكتب الإرشاد لمراجعتها من ناحية مدي تطابقها مع شرع الله والموافقة عليها وهذه هي سبيلنا لتأييدكم إذا أردتم التأييد”، ليرفض عبد الناصر الأمر قائلًا: “لقد قلت للمرشد في وقت سابق إن الثورة لا تقبل أي وصاية”. ورفض مجلس قيادة الثورة هذه المحاولات دون أن تنقطع حبال الود بين الطرفين. ولنقرأ ما قاله الرئيس جمال عبد الناصر في نوفمبر1965 بالنص في هذا الخصوص: “… وفي أول يوم من قيام الثورة جالي بالليل عبد الرؤوف ومعاه أبو المكارم عبدالحي، وطلبوا إننا نديهم أسلحة علشان الإخوان يقفوا جنبًا إلى جنب مع الثورة .. أنا رفضت إن إحنا نديهم سلاح، وقلت لهم إن إحنا مستعدين نتعاون .. وبدأ التعاون بيننا وبين الإخوان المسلمين وقلت لهم يشتركوا في الوزارة بعد كده، ورشحوا عدد من الناس للاشتراك في الوزارة، ولكن جه بعد كده تصادم.. اتحلت الأحزاب كلها، وما حليناش الإخوان المسلمين”.حين شعرت الجماعة بأن مجلس الثورة شديد الوعي بأطماعها، بدأوا في التخطيط للإطاحة به، من خلال الاتصال بالسفارة البريطانية والسفارة الأمريكية بالقاهرة، ليعربوا لهما عن رفضهم لمباديء الثورة، وإدانتهم للعمليات الفدائية المدعومة من مجلس قيادة الثورة ضد القوات البريطانية في القنال، وعدم ممانعتهم لإقامة سلام مع الدولة الصهيونية. متوازيا مع هذه الأنشطة، كان نشاط الإخوان المسلمين في أوساط الجيش والبوليس وطلاب الجامعات مستمرًا، وهو ما زاد التوتر في العلاقة بين الجماعة ومجلس قيادة الثورة.وفي هذا الصدد يقول الشيخ الباقوري:”إن العملية كلها منذ جاء المرحوم على باشا ماهر، وتحرك جماعة من الإخوان مثل الأستاذ عبد الحكيم عابدين وآخرين دون علمي لمقابلته، وأنا عضو في مكتب الإخوان العام، ولابد أن يكون لي وجهة نظر معينة إذا ما أراد الواحد منهم أن يلتقي برئيس الوزراء، ثم التقوا لقاء غريب بالإنجليز .. أنا شعرت أن هذه العملية لعب، وأنهم يلعبون بنا .. وجمال عبدالناصر رحمة الله عليه كان زعلان منهم، لأنه في ليلة القيام بثورة 23 يوليو كان قد اتفق مع بعض الإخوان المسلمين أن يشاركوا.. والذي حدث أنهم لم يحضروا في الموعد المحدد ورفضوا التحرك ولم يتعاونوا – كما يزعمون – واعتبر عبدالناصر موقفهم هذا هروبًا ربما يكون قد فكر في أكثر من الهروب .. بالخيانة مثلاً، ولكن لم يقل شيئًا سوى أنهم خذلوه!!…

يقول اللواء فؤاد علام مفتش النشاط الديني بمباحث أمن الدولة الأسبق في مذكراته المنشورة بجريدة عالم اليوم في 20 أغسطس 1995 قال: “… وفي الثامن من أغسطس سنة 1952، كتب سيد قطب أحد أقطاب الإخوان المسلمين، مقالة في جريدة الأخبار في شكل رسالة للواء محمد نجيب قال فيها: (إن الدستور الذي لم يسمح بكل ما وقع من فساد الملك وحاشيته فحسب، ولكن فساد الأحزاب ورجال السياسة وما تحمل صحائفهم من أوزار. إن هذا الدستور لا يستطيع حمايتنا من عودة الفساد إن لم تحققوا أنتم في التطهير الشامل الكامل الذي يحرم الملوثين من كل نشاط دستوري، ولا يبيح الحرية السياسية إلا للشرفاء .. لقد احتمل هذا الشعب ديكتاتورية طاغية باغية شريرة مريضة على مدى خمسة عشر عامًا أو تزيد أفلا يحتمل ديكتاتورية عادلة نظيفة ستة شهور، على فرض قيامكم بحركة التطهير يعتبر ديكتاتورية بأي وجه من الوجوه؟). وتسجل هذه الفترة سبعة لقاءات تمت بين جماعة الإخوان المسلمين والسفارة البريطانية في القاهرة، وكانت هذه الاتصالات مرصودة من جهازين في الدولة، الأول إدارة المباحث العامة والثاني القسم الخاص بالمخابرات العامة، الذي كان هو نواة هيئة الأمن القومي في المخابرات العامة بعد ذلك – كان التنسيق والتعاون كاملًا بين هاتين الإدارتين في متابعة النشاط الداخلي شكلًا وموضوعًا لدرجة أن القسم الخاص كانت مكاتبه في نفس مقر المباحث العامة لكي يكون الاتصال الشخصي أيضًا ميسر وسهل دون إضاعة للوقت. تم لقاءين من هذه اللقاءات مع السفارة البريطانية في منزل الدكتور محمد سالم بالمعادي وحضرهما من جماعة الإخوان المسلمين كل من منير دلة وصالح أبو رقيق ومن الجانب البريطاني المستر إيفانز المستشار الشرقي بالسفارة البريطانية بالقاهرة في ذلك الوقت. كما تمت مقابلتين في منزل إيفانز حضرهما منير دلة وصالح أبو رقيق لتناول الشاي، ثم مقابلة خاصة في منزل المرشد العام حضرها الهضيبي ومنير دلة وحسن عشماوي وإيفانز”.ويضيف اللواء فؤاد علام: “أن السفير الأمريكيجيفرسون كافري قدم تقريرًا عن اجتماع مع أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين – لم يذكر اسمه- ووصفه بأنه ابن أحد مشايخ الأزهر، وقدم عضو الإخوان المسلمين المعلومات التالية عن موقف الإخوان: قرر أن الثورة أبلغت الإخوان بأنها سوف تحارب القوات البريطانية في الوقت المناسب، وأنهم يعتقدون بأن الثورة جادة في شن حرب في منطقة القنال .. وأن الإخوان سيلتزمون بالمشاركة في مثل هذه الحرب من الناحية الأدبية فقط. وأشار إلى وجود مخازن سلاح سرية يمكن الاستيلاء عليها، ولا تعرف الثورة عنها شيئا، وهي عبارة عن أسلحة أوتوماتيكية متنوعة بدلًا من النوعيات التي عفى عنها الزمن، وأنه شخصيًا عاين أكثر من 100 قطعة سلاح، لكنه تهرب أكثر من مرة من تحديد موعد هذه الحرب. وقرر أكثر من مرة بأن صدامًا سوف يحدث قبل أكتوبر 1953، سواء ضد الثورة أو الإنجليز، وأكد أن شعورًا عامًا بالاستياء سوف يعم المواطنين. وأشار إلى أن الإخوان الذين اعتقلتهم الثورة ليسوا في الحقيقة إخوانًا، وإنما شيوعيون تستروا بالإخوان كغطاء لإخفاء نشاطهم”.ويضيف اللواء فؤاد علام: “أنه في 27 يوليو 1953 عقد اجتماع لمدة ثلاثة ساعات بين حسن الهضيبي ومستر التنج السكرتير السياسي للسفارة الأمريكية بالقاهرة.. وتحدث فيه الهضيبي عن موقف الإخوان المسلمين من مجلس قيادة الثورة، مشيرًا إلى أن الإخوان يعلمون أن النظام حسن النية، وأنهم كإخوان ضد تحديد ملكية الأراضي الزراعية، ويسعدهم إزالتها، وأنهم يرغبون في إزاحة بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل ناصر، وأنهم يخططون لعزل العسكريين من السلطة، وإحلال مجموعة مختارة محلهم من الأحزاب، وأن على المعارضة أن تنسق جهودها لتتعامل بالقوة مع الظروف إذا ما سقط النظام. وأكد الهضيبي أن حكومة الثورة سوف تسقط في وقت قريب، لأنها تبنت أحلامًا كبيرة لن تستطيع أن تحققها مثل إخراج الإنجليز من القنال، وإصلاح الأوضاع الاقتصادية. وقال أن مجلس قيادة الثورة أرتكب خطأً فاحشًا بتبنيه رسميًا للعمليات العسكرية ضد الإنجليز، فقد كان واجبهم أن يتركوا آخرين يفعلوا ذلك !!، وأن يتوقفوا عن التصريحات الرسمية التي جعلتهم في فوهة المدفع .. كان يمكن للحكومة أن تعمل بشكل سري ضد الإنجليز دون التورط الرسمي. هذه عينة من التقارير التي تتضمن اتصالات الإخوان بالأمريكان والتي تؤكد أن المعلومات التي قدمها الإخوان للأمريكان في مختلف الشئون السياسية والعسكرية والاقتصادية تخضع لوصف الخيانة العظمى في قانون أي دولة.ثم يتصلون بالأمريكان من وراء ظهر حكومتهم، وكان هدفهم الرئيسي هو الوصول إلى الحكم، وكانوا يخاطبون كل جهة من هذه الجهات حسب هواها.. والأغرب من ذلك أنهم طلبوا تسوية سلمية مع إسرائيل .. وهنا يثور أكثر من تساؤل حول علاقة الإخوان بالصهاينة، وقد اعترف علي عبده عشماوي العضو القيادي في جماعة الإخوان المسلمين بوجود علاقة بين الإخوان والصهاينة منذ نشأة الإخوان، وكان الإخوان يتصورون أن اللواء محمد نجيب مستعد لعقد اتفاقية سرية مع اليهود، ولكن العقبة كانت جمال عبد الناصر. ثم عُقد لقاءين آخرين في شهر يناير سنة 1954 بين حسن عشماوي والمستر كروزويل الوزير المفوض بالسفارة البريطانية بالقاهرة، وهاتين المقابلتين تمتا على فترتين، الفترة الأولى من السابعة صباحًا حتى الظهر، والثانية في نفس اليوم من الرابعة بعد الظهر حتى الحادية عشر مساءً. تمت هذه المقابلات السبعة في الفترة من مارس1953، وخلال أشهر أبريل ومايو 1953 ويناير1954، وكانت الموضوعات التي أثيرت في هذه اللقاءات هي مناقشة موقف جماعة الإخوان المسلمين من ثورة 23يوليو، والقضية الوطنية، والمفاوضات مع الإنجليز حول جلاء القوات البريطانية عن مصر. وكان رأى الإخوان المسلمين أن عودة الإنجليز إلى القاعدة في القناة يكون بناءً على رأي لجنة مشتركة مصرية بريطانية، وأن الذي يقرر خطر الحرب هي الأمم المتحدة، وهو الرأي الذي تمسك به الإنجليز طوال مراحل المفاوضات، وهو في نفس الوقت الشيء الذي لم تقبله ثورة 23يوليو1952، التي كان مطلبها واضحًا ومحددًا في الجلاء الكامل والسيادة الكاملة على الأراضي المصرية، وأن يكون القرار نابعًا من ثورة 23يوليو فيما يتعلق بجميع شؤون مصر، وقد تم التحقيق في هذا كله خلال محاكمات الإخوان المسلمين أمام محكمة الشعب. هذا علاوة على ما اُكتشف في هذه الفترة من اتصال عبد المنعم عبد الرؤوف بالسفارة الأمريكية بالقاهرة، حيث أبلغهم أنه يتحدث باسم الإخوان المسلمين وأنهم يسعون لقلب نظام الحكم، وأنهم أي الإخوان المسلمين على استعداد للاشتراك في حلف عسكري ضد الشيوعية، وأن هذا الحلف لن يتحقق ما دام جمال عبد الناصر على قيد الحياة.متوازيًا مع هذه الأنشطة والمواقف فقد كان نشاط الإخوان المسلمين في أوساط الجيش والبوليس مستمرًا، ولم يتوقف منذ أن ترك عبد المنعم عبد الرؤوف الجمعية التأسيسية للضباط الأحرار قبل قيام الثورة بستة شهور، وكان المسئول عن الجهاز العسكري مع أبو المكارم عبد الحي، كما كان المسئول عن البوليس الصاغ صلاح شادي، وكان الأب الروحي لهم محمود لبيب (ضابط سابق)، هذا علاوة عن تنظيم عسكري ثالث كان عماده الصولات وضباط الصف، وكان تجنيد هذا القطاع يعتمد على إقناعهم بأنهم هم الأحق بالقيادة في مجال القوات المسلحة والبوليس باعتبارهم عصب العمل في هذه المؤسسات الحيوية. ولما ظهر هذا النشاط الأخير على السطح استدعى الرئيس عبد الناصر، حسن عشماوي وقابله في مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، وقال له أن لدينا معلومات بنشاط لكم في أوساط الجيش والبوليس وصارحه بالتفاصيل، فلم يرد حسن عشماوي ولكنه وعد بأن يبلغ المرشد العام بالأمر، ولما سأله الرئيس جمال عبد الناصر عن معلوماته هو عن هذا النشاط – باعتبار أن هناك علاقة شخصية بين عبد الناصر وبينه تسمح بأن يسأله مثل هذا السؤال خارج الإطار الرسمي، فنفى حسن عشماوي علمه بأي شيء عن هذا النشاط السري العسكري. واستمر النشاط، بل اتسع أيضا في مجال طلبة الجامعات في جامعتي القاهرة والإسكندرية، وفي يوم ذكرى الشهداء أقيم احتفال في جامعة القاهرة، وبرز بشكل واضح نشاط الجماعة بقيادة حسن دوح، وكان المسئول عن التنظيمات الشبابية والنشاط الجامعي عبد الحكيم عابدين، صهر حسن البنا والسكرتير العام للإخوان المسلمين، واستمر التبليغ عنه من الأجهزة المعنية في المباحث العامة والقسم الخاص بالمخابرات العامة، وقد حضرت مع زغلول كامل مدير مكتب رئيس المخابرات العامة ورئيس الخدمة السرية فيما بعد وآخرين، بعض لقاءات ضباط الجيش والبوليس، وكان أغلبها يتم في منزل أحد ضباط البوليس (كمال صقر) في مصر الجديدة، وتم الإبلاغ عن تفاصيل ما كان يدور في هذه اللقاءات وأسماء المشاركين، ومحاولات تجنيد بعض الحضور ممن يظهر منهم تجاوب مع ما كان يدعون إليه، وكانت العملية تبدأ بالدعوة للصلاة جماعة ثم تتدرج المناقشات إلى الدخول في الأوضاع العامة وهكذا إلى أن يتم نوع من أنواع غسيل المخ ثم التجنيد لصالح ما يريدون تنفيذه من أنشطة. واستدعى الرئيس عبد الناصر حسن عشماوي للمرة الثانية وسأله ماذا فعل؟ وهل أبلغ المرشد العام؟ وماذا كان رد المرشد؟ فرد بأنه أبلغ الدكتور خميس حميدة نائب المرشد العام”.

يوضح محمد نجيب في مذكراته أن الإخوان حاولوا التواصل معه في ديسمبر 1953م، وبالفعل وافق على ذلك، ولكن عبر مندوب يلتقي ممثلين عنهم في (اجتماعات سرية). ويروي نجيب أنه عبر من انتدبه لحضور تلك الاجتماعات، أكد لممثلي الإخوان أنه يريد إنهاء الحكم العسكري، وعودة الجيش إلى ثكناته، وإقامة الحياة الديمقراطية البرلمانية، وعودة الأحزاب، وإلغاء الرقابة على الصحف، إلا أن الإخوان لم يوافقوا على الأمر بل طالبوا ببقاء (الحكم العسكري). ويتابع في سرده حول الأمر أن الإخوان عارضوا إلغاء الأحكام العرفية، وطالبوا باستمرار الأوضاع كما هي، على أن ينفرد محمد نجيب بالحكم وإقصاء جمال عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأن يتم أيضًا تشكيل حكومة مدنية لا يشترك فيها الإخوان، ولكن يتم تأليفها بموافقتهم. وينوه بنقطة خطيرة وهي طلب الإخوان تعيين أحد الضباط المنتمين للجماعة قائدًا عامًا للقوات المسلحة، بالإضافة إلى تشكيل لجنة سرية استشارية يشترك فيها بعض العسكريين الموالين له، وعدد مساوٍ من الإخوان، بحيث يتم عرض القوانين على هذه اللجنة قبل إقرارها، كما تعرض على هذه اللجنة سياسة الدولة العامة وأسماء المرشحين للمناصب الكبرى. ويعقب محمد نجيب قائلًا: “كان الإخوان يريدون بذلك السيطرة الخفية على الحكم دون أن يتحملوا المسئولية”. يبدو أن جماعة الإخوان أدركت أن جمال عبد الناصر يدرك حقيقة نياتهم، وأنه العقبة الكؤود الكبري أمام طموحاتهم في الاستيلاء على السلطة، فقرروا التخلص منه.إلى أن تفجر الموقف في 12 يناير 1954 في احتفال الجامعة بذكري شهداء معركة القناة، حينما وقعت اشتباكات بين طلبة الإخوان والطلبة الآخرين، ورد مجلس قيادة الثورة على ذلك بإصدار قرار في 14 يناير بحل الجماعة، وهو القرار الذي صوت ضده محمد نجيب وحده. وأصدر المجلس بيانًا يتهم فيه الجماعة بالسعي للوصاية على مجلس قيادة الثورة، وتجنيد رجال من الجيش والشرطة، وإجراء اتصالات مع السفارة البريطانية. واقترن صدور البيان باعتقال الهضيبي و450 عضوًا من الجماعة.وهذا ما تحللهالوثيقة البريطانيةالتي تحمل الرقم المسلسل E1016/10، وهي تقرير صادر عن شعبة الأبحاث الأفريقية بالسفارة البريطانية في مصر، مرسل إلى رئيس الوزراء البريطانى نيفيل تشامبرلين، يوضح التقريرأن الهضيبىوافق على اقتراح تقسيم جماعة الإخوان إلى قسمين، الأول سياسي يخضع لقانون الأحزاب السياسية، ويرأسه الهضيبي لمدة عامين، والآخر ديني واجتماعي يرأسه الهضيبي مدى الحياة. وكما تقول الوثيقة:”… فقد استطاع عبدالناصر النيل من الجماعة بسبب خطوتها تلك، (التي وصفها التقرير بأنها غير محسوبة)، حيث صار بمقدور السلطات تطبيق قرار مجلس قيادة الثورة السابق صدوره بحل الأحزاب السياسية على جماعة الإخوان بوصفها (حزب سياسي يخضع لقانون الأحزاب ويرأسه الهضيبي لعامين) فأصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا في 14 يناير 1954، يقضي بحل الجماعة بعد أزمة طويلة سادت العلاقة بين ثورة 23 يوليو 1952 والإخوان”. والوثيقة السادسة من ذات السجلات البريطانية تؤكد أنه:”تم قمع الإخوان بعد قرار حل جماعتهم وترتب على ذلك محاولات إخوانية لتوطيد علاقاتهم مع أشخاص من داخل الجيش والشرطة لاختراقهما”، وتذكر الوثيقة أن ليس ثمة دليل حتى وقت إعداد تلك التقارير على مدى نجاح الجماعة في ذلك المخطط، لكن ثمة شواهد تجمعها الوثيقة حول محاولات الإخوان الإطاحة بنظام الثورة، ومنها عثور الشرطة على كميات من الذخيرة والأسلحة في منزل حسن العشماوي، القيادي الإخواني البارز، وأن الإخوان بررت حيازة ذلك السلاح لاستخدامه في المقاومة ضد الإنجليز في منطقة القناة. ووفقا لتلكالوثائق البريطانية:”لكن الحكومة واجهت الجماعة وأفرادها أمنيًا بعنف بعد ذلك، ومنعتهم من التجمع داخل المساجد والزوايا”.

التعليقات