الإثنين - الموافق 12 أبريل 2021م

(16) عصر الدول المستقلة “الدولة الأيوبية 4-5”.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا على المفهوم التقدمي للاستقلال الوطني في مقالة بعنوان “الثورة والاستقلال الوطني”، ثم تطرقنا إلى كل من نشأة الأمة المصرية قبل التاريخ في مقالة بعنوان “أهل مصر.. أمة قبل التاريخ”، وعصر الأسر الفرعونية في ثلاث

مقالات متصلة، ومقالتين متصلتين عن “مصر البطلمية”، ومقالتين متصلتين عن “الاحتلال الروماني”، ومقالتين متصلتين عن “العصر القبطي والقومية المصرية”، ومقالة عن الحكم العربي، وثلاث مقالات متصلة عن عصر الدول المستقلة، ومقالتي هذه هي الرابعة عن عصر الدول المستقلة بعنوان ” عصر الدول المستقلة.. الدولة الأيوبية 4-5″.

في غضون تناولنا لعصر الدول المستقلة في مصر، نجد أن الدولتين الطولونية والإخشيدية جاؤوا من داخل عباءة الدولة العباسية، وأغرتهم مصر بإمكاناتها الهائلة بالاستقلال بها، وتمكنوا بدورهم من تحقيق الاستقلال الوطني الكامل لمصر، وتمكنت مصر على أيديهم من تحقيق نهضة كبرى مستفيدة من مواردها وثرواتها التي كانت تُنهب إبان الحكم العربي ومرورًا بالدولة الأيوبية والعباسية، بينما نجد أن الدولة الفاطمية جاءت من خارج سياق الدولة العباسية، وإن تماثلت معها في بعض الأمور، إلا أنها تميزت عنها في كثير من النواحي، حيث كانت أكثر قربًا من ثراث مصر وحضارتها، وأكثر تناغما مع طبيعة الشعب المصري المتقدمة والمتحضرة آنذاك، واستطاعت الدولة الفاطمية بعد ضم مصر ونقل عاصمتهم من المنصورية إلى القاهرة التي أنشأؤوها، أن يبنوا دولة عظمى بمقاييس زمانها وذلك كما أسلفنا سابقًا. في حين انبثقت الدولة الأيوبية من داخل الدولة العباسية في مرحلتها شديدة الرخاوة، واستطاع نور الدين محمود زنكي حاكم دمشق من دخول مصر في فترة اضمحلال وضعف الدولة الفاطمية وسيطرة الوزراء على الحكم، وهي الظروف التي أتت بأحد فرسانه المرافقين لقائد جيشه (أسد الدين شيركوه)، وهو صلاح الدين الأيوبي، صاحب القدرات والمهارات القتالية والإدارية الفذة، والحنكة السياسية، وكثيرًا من الحكمة والفطنة، فكان بذلك مثالًا حقيقيًا لرجل الدولة القوي في ذاك الزمان. وفي حين تمثل التحدي الأساسي للدول الثلاثة السابقة المستقلة (الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية) في الصراع الخارجي مع الإمبراطورية البيزنطية، فإن التحدي الأساسي الذي واجه الدولة الأيوبية تمثل في حملات الفرنج، والتي استحوذت على جل اهتمام صلاح الدين حتى وفاته. وسنحاول هنا التطرق إلى هذه الشخصية الفريدة في إطار الظروف التاريخية واللحظة الحضارية التي وجد فيها، حتى لا نقع في فخ التقليل من قيمته، بعدم التركيز على ما يعتبر في عصرنا الحالي خرق لحقوق الانسان، أو جرائم حرب، أو إبادة جماعية، أو استبداد فج، وخاصة أن هناك حقائق وأسانيد تاريخية قوية وثابته تؤكد تلك الوقائع. وأيضا البعد عن تقديسه لخطورة ذلك على أي محاولة موضوعية لدراسة تلك التجربة المتميزة والثرية بأحداثها ومدلولاتها، ولخطورة هذا التقديس والتعظيم على الثقافة المصرية والعربية الغارقة في تقديس الشخصيات والأحداث التاريخية بشكل يصل بأصحابه في كثير من الأحيان إلى غياب العقل والمنطق والتفكير العلمي والنظرة النقدية للأمور، ونمو نزعة عبادة “البطل الفرد”، والنظرة المثالية للماضي، ومن ثم التطرف والإرهاب بكافة أشكاله الفكري والمسلح. وسنبتعد بقدر الإمكان عن اسقاط تلك التجربة على أي أحداث أو قضايا حضارية أو سياسية معاصرة، لعدم صدق تلك الإسقاطات وما تحتويه من خداع وتضليل، وعدم فهم لحركة التاريخ بالشكل الذي يخرج أصحابها عن زمانهم ومحيطهم ويدخلهم في غيابات الجهل والانحطاط، غير مدركين لحالتهم المستعصية، وسبل معالجتها والخروج منها وتجاوزها لآفاق التقدم والتطور ومواكبة حضارة العصر الحديث. حيث أن بداية التحرر تكون بالتخلص من إدمان الأساطير الزائفة التى تــُمجّد فى عبادة الفرد، والوعى بمصريتنا وبمواردنا الطبيعية باعتباره التحدى أمام الثقافة السائدة البائسة فى مصر. هذا الوعى هوالبديل إذا أردنا صناعة مستقبل أرقى من واقعنا البائس، ومستقبل مُتحضر بروح مصرية وعلى مبادىء العلمانية.

في سنة 1162م، وخلال عهد الخليفة الفاطمي الثاني عشر الظافر بدين الله، حدث أن طُرد وزير للدولة الفاطمية يُدعى شاور بن مجير السعدي من مصر، فلجأ هذا الوزير إلى نور الدين محمود الزنكي حاكم دمشق السني والتابع للدولة العباسية، وطلب منه عونًا عسكريًا يمكنه من استعادة السيطرة على مصر، شريطة أن يعطيه ثلث خراجها. ووافق نور الدين، وأرسل حملةً بقيادة أسد الدين شيركوه سنة 1163م استطاعت أن تمكن شاور من وزارة مصر. إلا أن شاور نقض اتفاقه مع نور الدين، ولم يدفع له شيئًا من خراج مصر، فأرسل نور الدين حملةٌ جديدةٌ بقيادة شيركوه تمكنت من استعادة مصر سنة 1166م، وكان ممن شاركوا في هذه الحملة صلاح الدين الأيوبي. ولأن نجم صلاح الدين قد برز أثناء هذه الحملات وحروب أخرى في الشام، فقد ضغط الزنكيون لتعيينه وزيرًا بالدولة الفاطمية، وكان لهم ما أرادوه، فأصبح صلاح الدين وزيرًا للخليفة الفاطمي الرابع عشر والأخير العاضد لدين الله.

بتولي صلاح الدين منصب الوزارة في مصر، كآخر وزير سني في الدولة الفاطمية، وصل المد السني الذي بدأه السلاجقة في الشرق قبل نحو مائة سنة، وأكمله ورثتهم الزنكيون، إلى مصر. وجرى من الأحداث في مصر، بعد تولية صلاح الدين منصب الوزارة، أن البلاد كانت تجتاز مرحلةً خطيرة في تاريخها. فالدولة الفاطمية لا زالت موجودة يساندها الجيش الفاطمي وكبار رجال الدولة، والخطر الفرنجي لا يزال جاثمًا على مقربة من أبواب مصر الشرقية، فكان عليه أن يثبت أقدامه في الحكم، ليتفرغ لمجابهة ما قد ينشأ من تطورات سياسية. ولم يلبث أن أظهر براعة ومقدرة كبيرة في إدارة شؤون الدولة، وهو عازم على الاستئثار بكافة الاختصاصات حتى التي تخص منصب الخلافة، ونفذ عدة تدابير كفلت له الهيمنة التامة، فأخضع مماليك عمه أسد الدين شيركوه، وسيطر بشكل تام على الجند، بعد أن أحسن إليهم، وقوى مركزه بما كان يمده به نور الدين محمود من المساعدات العسكرية، وقد أدت تلك التدابير إلى تقوية قبضته على مقتدرات الدولة المصرية، وزادت من تراجع نفوذ الخليفة العاضد لدين الله.

أدرك عموري الأول ملك مملكة بيت المقدس خطورة الوضع بعد أن تمكن نور الدين الزنكي من توحيد مصر والشام تحت سلطانه، وشعر الفرنج أنهم وقعوا فعلًا بين فكي الكماشة، فلجأ إلى الإمبراطورية البيزنطية طالبًا مساعدة قيصر الروم الإمبراطور عمانوئيل الأول كومنينوس. وكان الإمبراطور سالف الذكر أشد حماسًا من الفرنج لغزو مصر، ولم يكن أقل انزعاجًا لاتحاد مصر والشام تحت راية الزنكيين، ما أدى إلى انقلاب خطير في توازن القوى بالمشرق، فعرض على عموري الأول تعاون الأسطول البيزنطي في الحملة التالية، فوافق الملك عموري على هذا الاقتراح، وكان صلاح الدين قد تلقى تحذيرًا مبكرًا بالغ الكفاية عن الحملة، فاستعد لمواجهتها بأن حصن الإسكندرية والقاهرة وشحن بلبيس بالعساكر ولكنه بقي في القاهرة خشية قيام مؤامرة فاطمية ضده. وحتى يكفل الأمن لنفسه أمر صلاح الدين بإلقاء القبض على مؤتمن الخلافة السوداني وإعدامه، وإن كان في تعيين سوداني لهذا المنصب الرفيع الذي يعادل وزير الداخلية الآن دلالة على رفعة وعدالة الفاطميين حيث لم يرى العاضد مانعًا من تولية أسود لحمايته، وهم الذين كانوا في زمن الأمويين وعند العباسيين في بغداد يوصفون بالموالي والعبيد، ثم عزل صلاح الدين موظفي القصر من السودان المعروفين بولائهم للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، وأحل مكانهم رجالًا من أتباعه. وفي هذا الصدد يقول ابن الأثير الذي عاصر صلاح الدين وتناول سيرته بموضوعية واحترافية فنقل معاركه وانتصاراته كما نقل إخفاقاته وهزائمه، فيروي ابن الأثير “فلما علم به صلاح الدين أرسل إليه جماعة، فأخذوه، وقتلوه، وأتوه برأسه، وعزل جميع الخدم الذين يتولون أمر قصر الخلافة، واستعمل على الجميع بهاء الدين قراقوش، وهو خصي أبيض، وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا بأمره وحكمه، فغضب السودان الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة، ولأنه كان يتعصب لهم، فحشدوا وجمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألفا، وقصدوا حرب الأجناد الصلاحية، فاجتمع العسكر أيضا، وقاتلوهم بين القصرين… وكثر القتل في الفريقين، فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة، فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين، فركبهم السيف، وأخذت عليهم أفواه السكك، فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل، فأُجيبوا إلى ذلك، فأُخرجوا من مصر إلى الجيزة، فعبر إليهم شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين الأكبر في طائفة من العسكر، فأبادهم بالسيف، ولم يبق منهم إلا القليل الشريد”..(الكامل في التاريخ لابن الأثير 9/346). أما الفرسان البيض في الجيش الفاطمي من الأرمن وغيرهم فلم يتحركوا للمشاركة في التمرد، وصاروا فيما بعد جزءً مهمًا من جيش صلاح الدين، وبعد أن وصل البيزنطيون إلى دمياط يوم 25 نوفمبر سنة 1169م، يقول ابن الأثير”فأرسل إليها صلاح الدين العساكر في النيل وحشر فيها كل من عنده، وأمدهم بالأموال والسلاح والذخائر، وأرسل إلى نور الدين يشكو ما هم فيه من المخافة، ويقول: إني إن تأخرت عن دمياط ملكها الفرنج ، وإن سرت إليها خلفني المصريون في أهلها وأموالها بالشر، وخرجوا عن طاعتي، وساروا في أثري، والفرنج  من أمامي، فلا يبقى لنا باقية. وهو ما يدل على ادراك صلاح الدين في تلك الأثناء لخطورة الإجراءات التي اتخذها لتصفية النظام السابق بقصوة، وخشيته من عمليات انتقامية ضده من الفاطميين. ويبدو أن هذا التخوف لازمة طويلًا حيث ينقل عن ابن واصل أنه قال عن المصريين “أعداء وإن قعدت بهم الأيام. وأضداد وإن وقعت عليهم كلمة الإسلام”. وعلى الرغم من الاستعدادات الكثيرة والتحضيرات الكثيفة، فشلت الحملة المشتركة في تحقيق أي هدف من أهدافها، فاضطر ملك الفرنج وقيصر الروم أن يطلبا الصلح، وانسحبا عائدين إلى بلديهما يوم 12 ديسمبر سنة 1169م، أي بعد أن مكثا بجيوشهما أمام دمياط أكثر من خمسين يومًا. بعد هذا النصر، أرسل نور الدين الزنكي إلى صلاح الدين إنذارًا نهائيًا في شهر أغسطس سنة 1171م يأمره بإسقاط الخطبة للخليفة الفاطمي العاضد، وإقامتها للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله، وألزمه إلزامًا لا فسحة له في مخالفته. وقد حكى ابن الأثير ذلك بقوله “فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية، فامتنع صلاح الدين، واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار المصرية عليه لميلهم إلى العلويين، كما كان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم، ويريد بقاءهم خوفا من نور الدين، فإنه كان يخافه أن يدخل إلى الديار المصرية يأخذها منه، فكان يريد أن يكون العاضد معه، حتى إذا قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه، فلما اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره، وألح عليه بقطع خطبته، وألزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته. وفي النهاية رأى صلاح الدين أن يستجيب لطلب سيده في دمشق، وجاءت الخطوة الحاسمة في 10 سبتمبر سنة 1171م، عندما قطع صلاح الدين الخطبة بمصر للخليفة الفاطمي وأقامها للخليفة العباسي، وأعاد السواد شعار العباسيين. ولم تكد تمضي أيام على قطع الخطبة للفاطميين حتى توفي الخليفة العاضد لدين الله، ويروي ابن إياس عن أسباب موت العاضد بقوله “فلما قطع الخطبة عن اسمه حصل له قهر عظيم وصار مع صلاح الدين كالمحجور عليه، ولا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين، فما أطاق العاضد ذلك. فقيل إنه ابتلع فص ألماس فمات من يومه”. وفي غضون تصفية السلطة السابقة قام صلاح الدين في عام 1172 باعتقال 63 أميرًا من أفراد الأسرة الفاطمية، وعزل ذكورهم عن اناثهم حتى يفنوا تمامًا، وقد كان.

ما إن تقلد صلاح الدين الأيوبي مقاليد الحكم في مصر حتى بدأت الوحشة بينه وبين نور الدين زنكي، حيث أدرك نور الدين أن صلاح الدين يعمل للاستقلال بحكم مصر دونه. وبينما كان نور الدين يرى أن بلاد الشام يجب أن تكون بمنزلة الأرض الرئيسية للمعركة ضد الفرنج، كان صلاح الدين مقتنعًا نتيجة للصراع بين القوى الثلاثة الإسلامية والفرنجية والبيزنطية حول مصر بأن هذا البلد يشكل في الوقت الراهن مركز الثقل في العمليات العسكرية، وأن مصر مؤهلة لريادة الدولة الوليدة. وبعد وفاة نور الدين زنكي، بدأ صلاح الدين في بناء جيش خاص به على حساب الجيش الفاطمي، ويقول المقريزي “في مستهل عام 1171م ومع القضاء على الخلافة الفاطمية جرى عرض عسكري اشترك فيه مختلف صنوف الجيش الصلاحي قديمها وحديثها بأسلحتها وخيولها وعدتها الحربية، وقد دُعي إلى مشاهدة العرض رسل البيزنطيين والفرنج”، ويضيف “في عام 1181م قام صلاح الدين بالنظر في أمور جيشه لمعرفة الزيادة والنقصان الحاصلة في جنده، واستقرت العدة على ثمانية آلاف وستمائة وأربع في عدد جنده، وستة آلاف وتسعمائة وستة وسبعين طواشيًا، أما القراغلامية فكان تعدادهم ألفًا وخمسمائة وثلاثة وخمسين”. وكان لصلاح الدين قوتان، قوة مصرية يستخدمها لدى الحاجة الشديدة إليها وللدفاع عن مصر ضد أي عدوان خارجي محتمل، ويتكامل معها جيش الشام تحت قيادة شيركوه، ثم قوة أخرى شامية تحت تصرفه المباشر، وهي التي ترافقه في تحركاته العسكرية، وكان مركزها دمشق، وضمت هذه القوة بالدرجة الأولى قوات جيش نورالدين محمود. وشكل صلاح الدين جيشه من المماليك الأسدية القدماء، وسائره من الأحرار الأكراد الذين دخلوا مصر في حملة شيركوه الثالثة، فضًلا عن المماليك التركمان الذين اشتراهم لنفسه وسماهم الصلاحية نسبة إلى اسمه وعهد بقيادتهم إلى الأمير أبي الهجاء، وصار الصلاحية والأسدية الحرس الخاص لصلاح الدين، ولم يفكر صلاح الدين في تجنيد المصريين في جيشه، وأنشأ صلاح الدين ديوانًا للجيش، وجعله مسؤلًا عن الشؤون الخاصة بالجيش، فكان هذا الديوان بمثابة وزارة الدفاع في وقتنا الحاضر. واتخذ صلاح الدين عدة خطوات اصلاحية لتدعيم جيشه، ولجأ إلى تعميم نظام الإقطاع الحربي، أي أنه صار لكل من كبار الأمراء والقادة إقطاع مقابل ما يقدمونه من العساكر، وقد سمي الديوان الذي يشرف على شؤون الجيش بديوان الإقطاع، وهذا يدل على مدى اعتماد التنظيم العسكري الأيوبي على النظام الإقطاعي. كما اهتم صلاح الدين بالأسطول البحري فأنشأ له ديوانًا خاصًا للإنفاق عليه باسم ديوان الأسطول، وخصص للديوان موارد هامة، حيث كانت تصنع السفن في مصر في الفسطاط والإسكندرية ودمياط، وبفضل هذا الاهتمام أصبح الأسطول الأيوبي قوة كبيرة مزودة بالأبراج والقلاع، وأصدر صلاح الدين مرسومًا يقول فيه “إن مرسومنا الشريف اقتضى الاجتهاد في حفظ السواحل والموانيء والاهتمام بأمرها”.

أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على مصر والشام بعد أن ضم جل مدنها بموافقة الخليفة العباسي في أواخر عام 1175م. وفي عام 1185م اتجه صلاح الدين للموصل فحاصرها، وانتهى الحصار بإعلان الأمير عز الدين مسعود تبعيته لصلاح الدين. وبذلك تحققت لصلاح الدين وحدة الدولة الأيوبية من الفرات إلى النيل. ثم ضم اليمن وبلاد النوبة لتأمين حدود الدولة الأيوبية الجنوبية، ويحكي ابن الأثير ذلك بقوله “فجهز شمس الدولة (توران شاه) وسار إلى أسوان، ومنها إلى بلد النوبة، فنازل قلعة اسمها أبريم، فحصرها، وقاتله أهلها، فلم يكن لهم بقتال العسكر الأيوبيين قوة – لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب، فسلموها، فملكها، وأقام بها، ولم ير للبلاد دخلًا يرغب فيه وتحتمل المشقة لأجله، وقوتهم الذرة، فلما رأى عدم الحاصل، وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب والمشقة، تركها وعاد إلى مصر بما غنم، وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري”.. (الكامل لابن الأثير 9/380). وحكى ابن الأثير مشهد من معركة اليمن فيقول “فقاتلهم شمس الدولة (توراه شاه) ومن معه، فلم يثبت أهل زبيد (بلدة في اليمن) وانهزموا، ووصل الجيش الأيوبي إلى سور زبيد، فلم يجدوا عليه من يمنعهم، فنصبوا السلالم، وصعدوا السور، فملكوا البلد عنوة ونهبوه وأكثروا النهب”..(المصدر السابق)، وهذا يوضح أن فكر الغزو بكل ما تحملة من مآسي وبشاعة إنسانية كانت منهجًا للأيوبيين، ورغم أن زمانهم كان يتقبل ذلك في اطار أن السيادة للغلبة، وأن الغلبة غير مشروطه إلا بالقوة، هذا علاوة على أن الأيوبيين جاؤوا من بيئة مليئة بالصراعات والغزوات والقتال والفتن والحروب المتواصلة، وهي بيئة نمت فيها المذهبية والطائفية بكل اشكالها وفي أعظم درجاتها.

تطلع صلاح الدين منذ استلامه مقاليد الحكم إلى تحصين مصر أمام موجات حملات الفرنج المتعددة، فقام بإحاطت القاهرة والفسطاط بسور واحد حصين بعد أن تهدم أكثره. ثم قرر بناء قلعة ضخمة على جبل المقطم تكون مركزًا للحكام. وبعد أن تمكن صلاح الدين من تأليف دولة قوية ومتحدة تمتد من الفرات شرقًا إلى برقة غربًا، ومن الموصل وحلب شمالًا إلى النوبة واليمن جنوبًا، ومركزها مصر كما أراد، وجه اهتمامه لمحاربة الفرنج. وكانت بداية الصراع الأيوبي مع الفرنج عام 1177م عندما هاجم الفرنج بعلبك وأطراف دمشق، فقام صلاح الدين بمهاجمة غزة وعسقلان، ووقعت بين الأيوبيين والفرنج بقيادة بلدوين الرابع معركة في تل الصافية القريب من الرملة انتهت بهزيمة صلاح الدين، وفيها يقول صلاح الدين “لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما أنجانا الله سبحانه منه إلا لأمر يريده سبحانه، وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر”. وفي عام 1178م سار بلدوين الرابع لغزو دمشق، فأرسل صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فرخشاه على رأس جيش كبير استطاع من الحاق الهزيمة بالفرنج. وفي عام 1180م عقد ملك بيت المقدس وصلاح الدين هدنة لمدة سنتين، شملت جميع المدن التي كانت بيد الفرنج ماعدا طرابلس وانطاكيا، لكن أرناط صاحب الكرك نقض الهدنة وقام بحملة بحرية على شبه الجزيرة العربية، فقاتلهم صلاح الدين قتالًا شديدًا وانتصر عليهم، وحمل من أسر منهم وعرضوا في شوارع القاهرة راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق. وفي 1181م عقد صلاح الدين صلحًا مع الامبراطور البيزنطي الكسيوس كونتين الثاني، كفل بها عدم مساهمة الأسطول البيزنطي في أية حركة هجومية على مصر، ومن ذلك الوقت استمرت العلاقة بين مصر والبيزنطيين علاقة ود وتعاون حسنة دون حرب. ثم في عام 1184م وقع الفرنج هدنة مع صلاح الدين مدتها أربع سنوات. ولكن ظل صلاح الدين يتحين الفرصة لتحرير بيت المقدس، وفي 4 يوليو سنة 1187م اشتبك الجيشان في “حطين”، وانتهت المعركة بانتصار الجيش الأيوبي، وأسر الملك غي دي لوزينيان وأخاه أمالريك، أما أرناط فقد قتله صلاح الدين. وبذلك فتح انتصار صلاح الدين في حطين أمامه الطريق لاسترداد المدن الساحلية الواقعة جنوبي طرابلس، فأسرع مستغلًا الموقف وذلك ليقطع الصلة بين الفرنج وبلاد الشام وبين أوروبا، فاسترد عكا، ويافا وقيسارية، بعد ذلك تحرك الجيش إلى الساحل اللبناني، فواصل سيره نحو صيدا التي استسلمت له، ثم استسلمت بيروت وجبيل. وتوجه صلاح الدين إلى غزة، واقتحمها وهزم حاميتها، ثم استولى على عسقلان بعد ذلك، وفي عام 1187م اتجه صلاح الدين صوب القدس، وعسكر أمام المدينة، وبدأ هجومه، وبعد حصار دام أيامًا، اتفق صلاح الدين وباليان على تسليم المدينة، ودخل صلاح الدين القدس في 2 أكتوبر سنة 1187م، وبهذا سقطت مملكة بيت المقدس بيد صلاح الدين. ولم يتبق بأيدي الفرنج في بلاد الشام سوى صور وأنطاكية وطرابلس. ولكن يؤخذ بعض المؤرخين على صلاح الدين أنه بعد هذا النصر الكاسح بادر بطلب الهدنة والصلح مع الفرنج، كما تنازل للفرنج عن حيفا ويافا وقيسارية ونصف اللد وعكا وصور، أي فلسطين عدا قلة قليلة، وهو ما أعتبره البعض موقف غريب على منتصر في أي حرب.

كان لسقوط القدس في يد صلاح الدين رد فعل كبير في أوروبا، وقد بشر البابا كليمنت الثالث بحملة جديدة لاستعادة القدس وهي ما عرفت بحرب الفرنج الثالثة، وبادر الفرنج بالهجوم على عكا وحصارها بعد فشل المفاوضات، وتدفقت امدادات الفرنج من ميناء صور، واستمر الحصار اثنين وعشرين شهرًا حتى استسلمت عكا في عام 1191م، وبتأمين عكا وصور تدفقت الجيوش الفرنجية على طول السواحل، واحتل ريتشارد حيفا وعسقلان، وفي عام 1192م عادت الحرب بين الطرفين بعد توقف وتقدم ريتشارد نحو القدس ولكنه لم يستطع احتلالها. تجددت المفاوضات وتمت اتفاقية بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد سميت بصلح الرملة، وبموجبه اتفق الطرفان على أن يكون للصليبيين المنطقة الساحلية من صور شمالًا إلى يافا جنوبا بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف، وتكون عسقلان بأيدي الدولة الأيوبية على أن يجري تخريبها، يتقاسم الأيوبيون والفرنج اللد والرملة مناصفة، ويحق للمسيحيين زيارة بيت المقدس بحرية، وللمسلمين والمسحيين الحق في أن يجتاز كل فريق منهم بلاد الفريق الآخر، وكانت مدة المعاهدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. وبعد أن تم الصلح، مالبث أن مرض وتوفي صلاح الدين في 4 مارس 1193م.

تعرضت الدولة الأيوبية التي كانت تضم مصر والشام وفلسطين واليمن إلى التقسيم بعد وفاة صلاح الدين، فقُسمت المملكة بين أبنائه الثلاثة الكامل محمد على حكم مصر، والمعظم عيسى على دمشق وما حولها، والأشرف موسى على باقي الشام، وكانت الكرك والشوبك من نصيب العادل أخو صلاح الدين، واحتفظ سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين باليمن وجزيرة العرب، كما استقل أولاد عم صلاح الدين ببعض مدن الشام واليمن، فأخذ الملك الأمجد مجد الدين بهرامشاه بن فرخشاه بعلبك وأعمالها، واستمر الملك منصور الأول محمد بن تقي الدين عمر في حكم حماة. وتنافس كل من العزيز والأفضل ابني صلاح الدين على السيطرة على بيت المقدس فقسمت بينهم، ولم يكد يتوفى العادل أبو بكر حتى انهال الفرنجة على الشام ومصر وخصوصًا مصر في ثلاث حملات فرنجية متتابعة جعلت الكامل محمد على أن يتنازل طواعية عن بيت المقدس للفرنج بزغامة للملك فريدريك الثاني سنة 1228م. اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ في الشام والجزيرة ووقعت بينهما الكثير من المشاكل والاضطرابات كرست الفتنة وعمقت أسباب الخلاف ومهدت لمزيد من التخبط وفتحت طريق سقوط الدولة. وُلي بعد وفاة الكامل محمد أخوه الصالح أيوب وذلك سنة 1239م، والذي استرد بيت المقدس ودمشق وعسقلان بعد تحالفه مع القوات الخوارزمية الهاربة من الغزو المغولي. وفي آخر حياة الصالح أيوب هجمت حملة الفرنجة السابعة على مدينة دمياط يقودها لويس التاسع ملك فرنسا سنة 1249م، فرابط الصالح أيوب بالمنصورة، وهناك أصيب بمرض شديد تفاقم عليه حتى مات، فأخفت زوجته أم خليل الملقبة بشجرة الدر خبر موته وأرسلت لولده الأمير توران شاه وكان بالشام، فقاد الجيوش المصرية وحقق انتصارًا كبيرًا على الفرنج، وأسر ملكهم لويس التاسع. ولكن بعد أن حقق توران شاه انتصاره على الفرنج استدار إلى زوجة أبيه وباقي قادة الجيش وكانوا جميعًا من المماليك البحرية، وخطط للتخلص منهم وعزلهم، جعلت هذه الأمور شجرة الدر تتآمر مع المماليك على قتل توران شاه، فهاجموه في ليلة 2 مايو سنة 1250م وقتلوه، وبذلك انتهت الدولة الأيوبية.

كان سلطان الأيوبيين على البلاد التي تحت أيديهم سلطانًا مطلقًا، ولم تكن للخلافة العباسية عليه أية نفوذ، ولكن سلاطين الدولة الأيوبية حرصوا دومًا على الحصول على تفويض من الخلافة العباسية، وكان الناصر صلاح الدين أول سلاطين مصر الأيوبيين. وكان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقر من خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل الدولة. كما استحدث السلاطين الأيوبيون وظيفة “نيابة السلطنة” لأول مرة في التاريخ الإسلامي، واستمرت قائمة بعد ذلك حتى نهاية عصر المماليك. كما اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية فى مصر وزراء لم يحددوا سلطتهم، ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف وأرفعها. واعتبرت الدولة الأيوبية أن جميع الأقاليم متساوية في التبعية، وانحصر تعيين ولاتها بين أفراد الأسرة الأيوبية، فأخذ أولاد صلاح الدين الأقاليم المهمة والحساسة مثل مصر ودمشق وحلب، والأقاليم الثانوية كانت من نصيب إخوة صلاح الدين وأولادهم، وقد أطلق على جميع أصحاب الأقاليم لقب الملك أو السلطان دون تفريق بين إقليم وآخر. أما الجهاز الإداري فقد اعتمد على مجموعة من الدواوين على رأس كل منها موظف كبير يسمى ناظرًا أو رئيسًا، ومن أهم الدواوين الأيوبية ديوان الجيش، وديوان الأسطول، وديوان المالية، وديوان الإنشاء، وديوان الأحباس، بالإضافة لعدد آخر من الوظائف الإدارية مثل والي القاهرة، ووالي الفسطاط. ولأسباب متعددة تتعلق بطبيعة الأسرة الأيوبية ونشأتهم البدوية وحياة الرتحال وامتهان الفروسية والغزو في كثير من الأحيان، والبعد عن كل ما هو حضاري وجمالي، لذا قل اهتمام الأيوبيين بالحياة العلمية، وتجلى هذا في إحراق صلاح الدين لمكتبة دار الحكمة والتي احتوت على قرابة 2 مليون كتاب، بما فيها من كنوز ونفائس علمية وفلسفية لا تقدر بثمن. مما دفع البعض بإعتبار هذا بحد ذاته جريمة حرب لا تختلف كثيراً عما فعله التتار في بغداد حين رموا بكل كتبها ونفائسها الفكرية في نهر دجلة الذي يقال بأنه بقي سبعة أيام أسود اللون بسبب حبر الكتب التي صبغته، كما قام صلاح الدين بتدمير الكثير من معالم مصر الحضارية والتاريخية العظيمة كأهرامات الجيزة حتى لم يتبقى منها سوى الأهرامات الكبرى الثلاث، باعتبارها أصنامًا، وهو الذي أصدر الأمر بقتل الفيلسوف الحلبي الحر السهروردى وطارد الفيلسوف الأندلسي ابن سابين. وفى عهده تعرضت كل مراكز العلم الشيعية للقضاء عليها..  ومن الناحية الاقتصادية، كانت الدولة الأيوبية إحدى الدول القوية ذات الاقتصاد القوي، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم، وورثت عنهم نظم الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية الأسرى، وفي كتابة (الكامل في التاريخ) كتب ابن الأثير “أن صلاح الدين أحرق وخرب ونهب هو وجنوده المدن التالية : الإسماعيلية ، عسقلان ، الكرك وشوبك وطبرية. وأرسل إلى ولده الأفضل يأمره أن يرسل قطعة صالحة من الجيش إلى بلد عكا، ينهبونه ويخربونه. ونهب المسلمون (من جنود صلاح الدين) ما جاورهم من البلاد. وغنموا وسبوا وعادوا سالمين” (هيئة الكتاب المصرية – عام 1998 ص 38، 44، 131، 132)، واستخدمت الدولة جزءً كبيرًا من هذه الموارد على تسليح الجيش وإعداده، وبناء القلاع والحصون. وذكرالمقريزى “تسلم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب القصر بما فيه من الخزائن والدواوين وغيرها من الأموال والنفائس، وكانت عظيمة الوصف واستعرض من فيه من الجوارى والعبيد فأطلق من كان (حرًا) ووهب واستخدم باقيهم وأطلق البيع فى كل جديد وعتيق، فاستمرالبيع فيما وُجد بالقصرعشر سنين. وأخلى القصور من سكانها وأغلق أبوابها ثم ملكها أمراءه. وأخذ أصحابه دور من كان يُنسب إلى الدولة الفاطمية، فكان الرجل (من جنود صلاح الدين) إذا استحسن دارًا أخرج منها سكانها ونزل بها” (الخطط – مجلد 2 ص 284). ويذكر الدكتور محمود إسماعيل في كتابه (سوسيولوجيا الفكرالإسلامى – ابن سينا للنشرعام 1992) أن صلاح الدين إختص نفسه وأسرته وأجناده بأجود الأراضي الزراعية. وقال المقريزى “وأما ما كان في أيام صلاح الدين إلى أيامنا هذه فإن أراضي مصر كلها صارت تُقطع للسلطان وأمراؤه وأجناده، مصداق ذلك إقطاعه أباه الإسكندرية ودمياط والبحيرة. كما أقطع أخاه شمس الدين توران شاه قوص وعيذاب. وأقطع أخاه العادل حلب والكرك والشوبك والبلقاء فضلا عن بعض قرى مصر” (ص 38)، وأن حكم صلاح الدين “إتسم بالتعصب الدينى والمذهبى وتعرض أهل الذمة للاضطهاد وتعرض الشيعة والمتصوفة للبطش والتنكيل” (ص62)، وأن القاهرة “شهدت إبان حكم صلاح الدين شغبًا من العوام على العسكر الأيوبي. لكن صلاح الدين لم يتقاعس عن محق المشاغبين بإحراق أحيائهم والبطش بنسائهم وأطفالهم. كما نجحت بعض قيادات الشيعة الإسماعيلية في إثارة العوام في مناطق الأطراف كالإسكندرية والنوبة، فقاموا بانتفاضات قمعها صلاح الدين بوحشية وقسوة، إذ صلب الثوارعلى الأشجار” (ص 161، 162). ومن الناحية التجارية نشطت التجارة وأصبحت مصر آنذاك همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد السلطان العادل معاهدة تجارية مع البندقية فى سنة 1208م، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية فى الموانئ المصرية، خاصة الإسكندرية، فى مقابل أن يمنعوا الفرنج من التقدم نحو مصر، فلما ولي السلطان الكامل حكم البلاد أقر ما اتفق عليه السلطان العادل مع أهل البندقية. كما اقتصرت الصناعة في العصر الأيوبي على إنتاج البلاد من المواد الخام، والتي كانت في أغلبها زراعية، أما عدا ذلك من المواد المصنعة فكانت قليلة كالمصنوعات الحديدية والحريرية التي كانت تعتمد على الحرير الشامي الخام، ويعد النسيج من أهم صناعات مصر في ذلك العصر، واحتلت المنسوجات الكتانية مكانة مرموقة بسبب وفرة الكتان، وازدهرت في القاهرة صناعة الحفر على الخشب، وتمثل ذلك في رائعة قبة الإمام الشافعي، ومحراب ضريح الملك نجم الدين أيوب، ومن الصناعات التي راجت في العصر الأيوبي صناعة الورق، كما ازدهرت صناعة المعادن والفسيفساء. ولكن مرت مصر بانتكاسة اقتصادية فى عهد السلطان العادل نتيجة انخفاض مياه نهر النيل الذي ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وتفاقم الموقف وازداد خطره حين وقع زلزال مروع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المبانى وأزهق أرواحًا لا تحصى فى مصر والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة 1204م، فزادت الغلال وخفت المجاعة.. ولم يطرأ تغيير كبير على النظام المالي الذي كان سائدًا في مصر منذ العصر العباسي، وبالرغم من تعدد إيرادات الدولة وتنوع مواردها إلا أن أبواب المصروفات كانت عديدة بسبب الحروب مما أدى إلى وقوع البلاد في أزمات مالية عديدة، وفي هذا العصر تركز الاهتمام على الإنفاق على القضايا العسكرية التي تخدم المعارك. ورغم محاولات صلاح الدين المتعددة للإصلاح مثل إصدار عملة ذهبية كاملة العيار وغيره، مما أحدث بعض الاستقرار ولكنه لم يدم طويلًا بسبب أعباء الحروب المضنية بين الفرنج والأيوبيين وضخامة الإقطاعات المعفاة من الضرائب. ورغم التكشف الذي سارت عليه أغلب مراحل الدولة الأيوبية مراعاة لظروف الحرب، يُحدِّثنا المقريزي أن بعض خلفاء صلاح الدين أسرفوا أحيانًا في مد الأسمطة الكبرى لأعيان الدولة، ذُبحت فيها آلاف الأغنام والبقر والإبل.

عمدت الدولة الأيوبية منذ إنشائها إلى القضاء على المذهب الشيعي، ومحو أثره وتدعيم ونشر المذهب السني في كافة أنحاء البلاد، وذلك بعد أن بلغ الصراع الديني المذهبي في الإسلام ذروته في تلك الفترة، امتدادًا لتعصب السلاجقة في الشام للمذهب السني، فأنشأ صلاح الدين المدارس لمكافحة المذهب الشيعي، وتهيئة عقول المسلمين لفكرة الجهاد، وفى سنة 1168م افتتح الناصر صلاح الدين مدرستين لتدريس الفقه، وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعي، وجعل الأخرى للفقه المالكي، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلًا منهم قضاة من الشافعية السنة، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام الشافعي. وفي المقابل قام صلاح الدين في بدايات حكمه لمصر بإلغاء العديد من احتفالات الشيعة مثل الاحتفال بيوم عاشوراء وغيره، وقد تجلت ظاهرة التصوف والإكثار من بناء منازل للصوفية عرفت باسم “الخوانق”، قال عنها الرحالة ابن جبير في هذه الفترة “وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأن قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرغ خاطرها لعبادته من الفكر في أسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم بالجنان”، ومن ثم انتشر المذهب الشافعي فى مصر وما يتبعها من أقاليم. كما افتتح صلاح الدين عهده في الوزارة بطرد الموظفين الأقباط واليهود من مناصبهم، وصار لزامًا عليهم أن يتزينوا بزي خاص بهم. ولكن تحسنت ظروف أصحاب الديانات تدريجيًا بعد صراع الأيوبيين مع الفرنج وما أظهرته من عداء شديد بين مسيحي الشرق والفرنج وتلاحم مسيحي الشرق مع العرب والمسلمين في صراعهم مع الفرنج، حيث تشير الروايات إلى أن السيوف الفرنجية لم تفرق بين المسلمين والمسيحيين واليهود العرب فى مجزرة بيت المقدس وغيرها، فقد كانت النظرة الفرنجية الدينية تقوم على أساس تكفير المسلميين والمسحيين الشرقيين واليهود.. فرضت ظروف الحروب مع الفرنج وغيرهم وسائل معينة للتسلسة في المجتمع الأيوبي مثل الخروج للصيد، إذ كان الأيوبيون يهتمون بصيد الحيوانات وفق ترتيب كأنه ترتيب الحرب، ومارسوا رياضة الرمي بالبناق التي انتقلت إليهم من العراق، كما مارسوا لعبة الكرة والصولجان التي مارسها السلطان صلاح الدين بشغف، وحظيت رياضة الفروسية باهتمام الملوك والسلاطين.. مثل العصر الأيوبي اهتمامًا بالغًا بالعمران والبناء، فيصف القلقشندي المجتمع المصري في العصر الأيوبي بقوله “وزخرت القاهرة بالدور الضخمة، والمباني الرهيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة، وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت، مفروشة الأرض بالرخام… ولأهلها الميل إلى تعلية المساكن، فارتفعت بعض الدور طبقتين وأربع طبقات، وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها”. ولم يقتصر هذا الاهتمام العمراني على القاهرة دون سواها، فقد ذكر ابن جبير في وصفه بعض مدن الصعيد “إنها كانت ممتازة حسنًا ونظافة وبنيانًا وصفًا”. وتطور بناء الأسوار والاستحكامات والقلاع بتأثير ما عرفه المسلمون عند الفرنج، حيث أمر صلاح الدين سنة 1167م ببناء سور يحيط بالقاهرة ومصر (القطائع والعسكر والفسطاط)، وبتشييد قلعة الجبل وجعل الإشراف على هذا البناء للأمير بهاء الدين قراقوش، وجلبت مواد البناء من بعض أهرام الجيزة وساعد في العمل ألوف من أسرى الفرنج، ويقول ابن جبير الذي زار مصر عام 1182م “المسخرون في بناء هذا السور والمتولون لجميع اهتماماته ومسئوليته العظيمة كنشر الرخام، ونحت الصخور وحفر الخندق المحدق بالسور، هم الأسرى من الفرنج وعددهم لا يحص كثرة”. وكانت البيوت الأيوبية خالية من الزخارف، وغلب عليها طابع البساطة والتقشف من حيث الزخرفة بسبب حالة الحرب، ولكنها تميزت بالمتانة والقوة وإتقان التصميم والاعتماد على مادة الحجر، وإتقان نحته واستخدامه بمقاييس كبيرة، كذلك حدث تطور ملحوظ على العمارة العسكرية، حيث فاقت الأبراج والأسوار بحجمها وارتفاعها ومتانتها كل ما هو معروف من قبل ومن بعد.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك