الإثنين - الموافق 12 أبريل 2021م

(14) الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي 2-3..بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين، على الجذور الفكرية للوهابية، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، ومقالتنا هذه الثانية عن “الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي”.. وكنا قد أوضحنا سابقًا تباين المسارين على جانبي البحر الأحمر، ففي حين اتخذ الكيان الوهابي مسلكًا تكفيريًا إرهابيًا وظلاميًا،وحرمت الوهابية تدريس العلوم الحديثة باعتبارها بدعة، وحاربت المبدعين والمفكرين والمبتكرين واتهمتهم بالذندقة والإلحاد، واتخذت موقفًا عدائيًا واستعلائيًا ضد الحضارة الحديثة بشكل عام، وقصرت التدريس على العلوم الشرعة وقيدت تلك العلوم بالمذهب الحنبلي وامتداده التيمي الوهابي التكفيري.ووثقت علاقاتها مع الاستعمار البريطاني لبلادهم طبقا لمعاهدة دارين عام 1915م، ومعاهدة جدة عام 1927م، واللتان كرستا الهيمنة البريطانية الشاملة على الكيان الوهابي الجديد (الدولة السعودية الثالثة)، كما تفاعلت الوهابية مع البريطانيين مجتمعيًا عن طريق عصابات الوهابية والوهابيون الجدد (الإخوان)، وتشاركت معهم في بسط شبكة المصالح الاستعمارية البريطانية في الوطن العربي والشرق الأدنى، وسعت لكتم أنفاس التحرر قدر استطاعتها على محيطها الإقليمي.نجدالأمة المصرية الناهضة رغم الاحتلال، تسلك كل الطرق وتبذل كل الجهود للحاق بمنظومة العلوم والآداب الحديثة،والسعي الدؤوب لمواكبة حضارة العصر الحديث، والسير في طريق التقدم والتطور، والاتصال بمنابع الفكر الحديث في الغرب. كماكانت الأمة المصرية تمهد لتفجر ثورة 1919م، كواحدة من أعظم الثورات الشعبية في تاريخ الشعب المصري، وإحدى أهم الثورات في التاريخ الإنساني، والتي أولجت بمصر إلى القرن العشرين، لتستكمل بناء نهضتها التاريخية وتنجب جيلًا فريدًا من الساسة الليبراليين الثوريين بقيادة سعد زغلول (1859-1927). كما أدى نشأة وتطور البرجوازية المصرية كما أوضحنا سابقًا إلى ميلاد جيلًا منالمفكرين والمثقفين والأدباء والسياسيين يعبرون عن تلك البرجوازية الوليدة، وكان أبرزهمالشيخ الإمام محمد عبده، الذي أدت آرائه التجديدية والتقدمية إلى ميلاد حركة تنويريةووطنية وفكرية شاملة وفريدة، وقد ألقينا الضوء على بعض ملامحها سابقًا، وامتدت آثارها لبعد وفاته، وضمت تلك الحركة رجالًا من كافة التيارات السياسية والفكرية والدينية والفلسفية والاجتماعية والعلمية، أدت إلى الزخم الفكري والثقافي والتنويري في هذه الفترة الهامة والحيوية من تاريخ بناء وعي ووجدان الشعب المصري، وإدراكه لذاته.

فبينما كانت الوهابيةتكرسالعادات والتقاليد الاجتماعية البالية، وتنتقص من مكانة المرأة، وتحجبها عن التفاعل مع المجتمع، والمشاركة في الحياة العمليةوالعامة، وتشرعن التفرقة الجنسية، وتكرس النظام الاجتماعي القبلي العنصري، التي كانت أهم مظاهر سوءات العصور الوسطى، وتعيش في مستنقعات البؤس والتخلف.ظهر في مصر جيلًا عظيمًا من المصلحين الاجتماعيين المستنيرين،فظهرت الكتابات والحركات الاجتماعية المطالبة بتغيير العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية البالية والمعوقة للتقدم والتطور، وكذلك تركيز الضوء على قضية تحرير المرأة والارتقاء بمستواها التعليمي ومشاركتها في بناء المجتمع، وهي امتداد لجهود رائد التنوير المصري رفاعه التهطاوي، وتبلورت هذه المفاهيم الاجتماعية الجديدة في شخصيةقاسم أمين (1863-1908)، وهو أحد رجالات الإصلاح المنتمين لمدرسة الإمام محمد عبده، الذين يؤمنون بالإصلاح التربوي التدريجي الذي من شأنه أن يبني جيلًا مثقفًا مستنيرًا قادرًا على القيام بأعباء التغيير والتحول بعد أن يتمرس تدريجيًا ويجد في نفسه القدرة على ذلك، وركزت جُل كتابات قاسم أمين على قضية تحرير المرأة وتغيير النظرة إليها ومساواتها الكاملة في كافة المجالات، وخاصة في كتابيه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة”، وما قصده قاسم أمين بكلامه عن تحرير المرأة هو إصلاح الوضع الذي تعيش فيه، أي إحداث تغيير في العادات والتقاليد، وإعادة النظر في فهم الشريعة الإسلامية لجهة نصوصها المتصلة بالنساء، فضلًا عن رفع يد الجهل عنهن، وإنهاء عهد استبداد الرجال بهن، ونهضت هذه الدعوة الجديدة آنذاك على قاعدة الترابط بين صلاح وضع الأمة وصلاح حال المرأة. ومن الأدلة التي يعرضها قاسم أمين على المكانة التي منحتها الشريعة الإسلامية للمرأة: “أن أباحت لها أن تكون وصية على الرجل وأن تتولى وظيفة القضاء والإفتاء، أي وظيفة الحكم بين الناس بالعدل”، ويتراءى لقاسم أمين أن المرأة الغربية هي نموذج التقدم الذي عرفه تطور النساء، معلنًا أن: “لا شيء يمنع المرأة المصرية من أن تشتغل مثل الغربية بالعلوم والآداب والفنون الجميلة والتجارة والصناعة إلا جهلها وإهمال تربيتها”، وانطلق قاسم أمين من دعوته إلى تعليم المرأة وتربيتها من اعتبار أن صلاح حال الأمة يتوقف بالدرجة الأولى على تربية المرأة، التي أصبحت ضرورية: “فليس تربية المرأة من الكماليات التي ينتظر بها مرور الزمان، ويجوز الإبطاء في إعداد الوسائل لها كما يتوهمه كثير من الناس، وإنما هي من الحاجيات بل من الضروريات التي يجب البدء بها والعناية بتوفير ما يلزم لها من المعدات، وهي الواجب الخطير الذي إن قمنا به سهل علينا كل إصلاح سواه”، ويذهب قاسم أمين إلى القول إن تربية المرأة هي الأداة لأن تقوم بدورها في المجتمع والعائلة، عن طريق التربية العقلية، والأدبية، والصحية. وكان الاتجاه المدني والعلماني واضح وجلي عند قاسم أمين، ذلك أن مبادئ التشريع الوضعي المستندة إلى العقل والعلم هي ركائز بنيان التقدم الذي دعا إليه، والمتمثل بتحرير المرأة وإصلاح ما هي عليه لإصلاح الأمة، مكرسًا نمطًا جديدًا من التفكير، فحواه الحكم على الأشياء في ضوء المبادئ الوضعية، كما يتبين من النظر الموضوعي أن الأصالة لا تبدو خالصة عند قاسم أمين، فهو لا يعود إلى الأصول الإسلامية يستخرج منها حلولًا لقضية تخلف المرأة، إنه يوظف هذه الأصول من آيات وأحاديث وتاريخ لنصرة ما يذهب إليه، مقدمًا طرحًا جديدًا تمثل في طريقة المعالجة، وفي المخارج التي أوجدها كي يكتب لدعوته أن ترى طريقها إلى حيز التنفيذ، ومحاولًا في الوقت نفسه ألا يخرج في هذا الطرح عن هوية المجتمع وشخصيته التي يشكل الإسلام أحد أبرز مكوناتها، ولم يتنكر قاسم أمين لتاريخ الآباء والأجداد وعاداتهم، بل انتقد ما في هذا التاريخ والعادات من الشوائب، داعيًا إلى التخلص منها، واستلهام ما بلغه الغرب في هذا المضمار. إن الدعوة للاقتباس عن الغرب لا تحمل في طياتها إقرارًا بالدونية، بل إقتناعًا لا مراء فيه بتفوق الغرب وتقدمه فيما بلغته المرأة من شأن. وإن الأصالة والتغريب يلتقيان عند قاسم أمين في إتجاهه العلماني، إزاء قضية تقدم المرأة والأمة على حد سواء عند نقطة الجمع بين الأخذ عن الغرب مع مراعاة أصول الإسلام كما وردت في القرآن والسنة، على قاعدة إعادة النظر في تراث السلف لمصلحة مجاراة روح العصر وضرورة الأخذ بناصية التقدم.

في حين ذهب الدكتور منصور فهمي (1886 – 1959م) إلى القطيعة مع التراث، حيث كانكتابه “أحوال المرأة في الإسلام” عام 1913م،يعيد إلى الذهن الميراث الفكري الاعتزالي الذي تحتل فيه المرأة وضعية خاصة، مقارنة بوضعيتها لدى أصحاب التيار السلفي التقليدي‏. كما أحدث نقلة نوعية جديدة، حيث يقدم في كتابه استقراءً تاريخيًا لأحوال المرأة قبل الإسلام وبعده، ناقضًا الأسس التاريخية والاجتماعية والدينية التي انبنت عليها وضعية المرأة العربية عبر مراحل تاريخية عديدة. لقد مايز فهمي في تناوله وضعية المرأة في الإسلام، بين الديني والدنيوي وبين الروحي والزمني، وفق منهج علم الاجتماع(المنهج السوسيولوجي)،يتبنى بشكل كلي منهجية “علم الاجتماع” التي تؤدي بالبحث إلى استنباط نتائج حقيقية.‏ وقد توصل فهمي عبر هذا المنهج إلى نتائج جريئة وصادمة للحساسية الدينية،‏ والعادات والتقاليد الشرقية الراسخة‏. فهو مثلا لم ينظر إلى الماضي نظرة التقديس الملازمة لكل بحث ينطلق من فكرة أن ذلك الماضي هو “ماضيه” الذي ينتمي إليه، ومن ثم يجب إضفاء نزعة القداسة عليه عند بحثه وتداوله علميًا. وهنا رأى فهمي أن هذه النزعة قد أضفتها الطبقات العربية المهيمنة طوال تاريخها، لخدمة مصالحها التي يستمر استقرارها وتناميها ورسوخها باستمرار حراستها للماضي والظهور بمظهر المدافع عنه‏. مشيرًا إلى أن التقليديين كانوا دائما: “لا يخافون عدم التدين”، فهو بادٍ بشكل يومي وعبر تجليات عديدة،‏ فردية ومؤسسية، فيقول: “إنما يخيفهم إعلان عدم احترام المناخ العام المحيط بالتدين”.لقد أخضع منصور فهمي كل الظواهر الاجتماعية والسلطة الدينية (الثيوقراطية) التي تخص وضع المرأة آنذاك‏ إلى التحليل التاريخي‏.‏ فربط بين الواقع الاجتماعي للعرب قبل الإسلام والنظام الأبوي ‏(‏القبيلة- العائلة)‏ وبين أوضاع المرأة.‏ وقد طبق المنهج نفسه‏،‏ وفق رؤية اجتماعية زمنية، على النصوص القرآنية المتعلقة بالمرأة وحقوقها وواجباتها، أي أدوارها الاجتماعية. ويتطرق فهمي إلى قضايا عديدة، مثل تعدد الزوجات، مستعرضا علاقة الرسول (ص) بالمرأة، والتي كانت مضرب المثل للزوجات الأخريات عند حدوث خلافات بينهن وبين أزواجهن، مشيرًا إلى ما تحلى به الرسول الكريم (ص) من لطف ورقة وعطف في معاملتهن‏. حيث يدخل فهمي عبر كتب السيرة والحديث والوثائق التاريخية إلى عمق حياة النبي، في بيته، ووسط زوجاته. ويدرس عزلة المرأة في علاقتها بالمفاهيم الدينية التي ترى المرأة ضمنًا “موطن الشرور والخطيئة”.‏ ويُرجع فهمي عزلة المرأة آنذاك أيضا إلى البناء الاجتماعي الذكوري البطريركي الذي رسخه الإسلام بمنطق “القوامة‏”،‏ كما يناقش قضية الحجاب والسفور، مشيرًا إلى الجذور الاجتماعية الأولى – غير العربية – للحجاب‏،‏ ومؤكدًا على أن الإسلام سمح للمرأة بظهور وجهها ويديها‏،‏ بينما لا يُسمح لها بذلك الآن في بعض الدول العربية،‏ وهو ما يدفع المرء إلى التعجب والسؤال‏. ويستنتج فهمي من مصادره التاريخية الوقائع الضرورية للإمساك بخيط العلاقات فيما بينها، مشيرًا إلى عدد من الصلات التي تربط بين عزل النساء ونظام العبودية، للتمييز بين حرائر النساء وبين الجواري منهن‏. ويرصد التأثير الاجتماعي لسلوك العرب قبل الإسلام في تكوين المؤسسات الإسلامية، وفي طبيعة تصورها للمرأة، معتمدا على العديد من المعطيات الاجتماعية والدينية، حيث يعود إلى التاريخ العربي قبل الإسلام، للبحث في تلك المعطيات للتنوير عن وضع المرأة في عصر النبوة، وما تلاه من عصور إسلامية‏. وهو هنا يعتبر ذلك التاريخ القديم رواقًا تمهيديًا، أو مدخلًا إلى زمن الرسول (ص)وخلفائه الراشدين‏.. وحول ثورية الإسلام الذي غير وجه الجزيرة العربية بمجيء محمد (ص)، يرى فهمي أن هذه الثورة التي انتقلت بالمجتمع العربي، سارت في اتجاهين‏،الأول‏‏ هو الرغبة في تدمير الماضي كله، والثاني‏‏ الرغبة في الحفاظ على الشواهد. وهو ما مثل نزعة ثنائية لازمت العديد من الأعمال الإسلامية، وأثرت في صياغة العديد من أفكاره المؤسسة‏، في ظل مجتمع عربي تلعب العائلة والقبيلة فيه دورا رئيسيا‏، وبه كثير من العادات والتقاليد المتغيرة والمشوهة والمغمورة.‏ ولا يندهش فهمي من التناقض البادي في السلوك العربي آنذاك، وبخاصة تجاه المرأة، مشيرًا إلى “السلطة الأبوية” التي كانت سمة عامة في التاريخ الإنساني القديم الذي تشاركت مجتمعاته في سمة ثانية أيضًا، ألا وهي إزاحة النساء لصالح الورثة الذكور‏.‏ حتى جاء الإسلام وأعطاها جزءً منه‏. فقد سمحت الحياة العربية بوجودٍ ما للمرأة، على الرغم من وضعها المتدني‏.‏ فالتاريخ الإسلامي يشهد من خلال العديد من الوقائع على تفوق المرأة ونشاطها، فقد شاركت في الغزوات، وعملت بالتجارة.‏ كما كان لها حرية اعتناق الدين الذي يناسبها، دون أن تتبع إرادة زوجها سلبيًا. ويوكد منصور فهمي على رغبة الرسول الشديدة في حماية المرأة وصيانتها، لكن المؤسسات وقوانين السلطات الدينية، وما نتج عنها، ساعدت في انحطاط المرأة‏، حين حولت سلطة الأب، أو رب العائلة، إلى سلطة مقدسة هي سلطه الله‏.‏ وقد تحول المجتمع العربي إلى نظام ملكي يعطي فيه الحاكم نفسه مهمة نشر العدالة حسب تلك القوانين الثابتة،‏ حيث تنجرد عليه قدسية تلك القوانين شيئا فشيئا‏. هذا الوضع الاجتماعي ومن ثم الديني، جعل البيت هو عمل المرأة الوحيد، وأن عليها أن تنزوي فيه‏.‏ وهو ما صنع حالة من العزلة ساهمت في انحطاط المرأة. ويربط فهمي بين “العزلة والحجاب والطبقة الاجتماعية” للمرأة، مشيرًا إلى أن العزلة والحجاب لم يكونا مفروضين على الجواري مثلا‏. وكان في العزلة والحجاب تمييز للحرائر كشرف لبنات الطبقات الراقية.‏ وقد تطورت هذه الفكرة من ميراث عزل المرأة بعيدًا عن الحرب القبلية‏،‏ حتى لا تُؤخذ سبية، أو تُخطف كغنيمة ثمينة‏.‏ وقد كانت الأذهان العربية آنذاك مهيأة لقبول فكرة عزل المرأة لأسباب اجتماعية واقتصادية عديدة. كما يربط فهمي أيضا بين نهوض المرأة بأدوار اجتماعية وعملية وبين نهوض وحركية المجتمع العربي الإسلامي ككل، فيشير إلى الذبول الذي اعترى شخصية المرأة المسلمة النشيطة وإلى تلاشي وزنها الاجتماعي بعد انتصار الفتوحات الإسلامية، واستقرار المؤسسات السلطويةالدينية. وهنا يمكن النظر إلى هذا الكتاب في سياق ما شهدته بدايات القرن العشرين من صعود لتيارات فكرية وثقافية عديدة، ساهمت في الإجابة عن سوال التنوير والنهضة، ومثلت على اختلافها وتعدد زوايا نظرها إلى الماضي، جدلًا خلاقًا كان من شأنه لو نما وترسخ أن يؤدي إلى عدد من التمايزات الاجتماعية، الضرورية‏‏ لتأسيس مستقبل حديث وتنويري بالفعل، وفي شتى المجالات.

وإذا كانت الوهابية قد احتكرت الحقيقة باسم الدين، وحاربت الفكر والمفكرين، وكفرتهم، ووصمتهم بالزندقة، مما جرف المجتمع في شبه الجزيرة العربية فكريًا وثقافيًا، وحرمتة من نعمة التعدد والتنوع الفكري الصحي والإيجابي، وأنكرت قيمة والوطنية والمواطنة،وإذا كان الأصولى جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى كتب يروج لمقولة (الرابطة الدينية) مستبعدًا الانتماء لأي وطن، وذلك كما أوضحنا سابقًا في المبحث الأول من هذه الدراسة، مثل قوله:”إن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا فيدينهم واعتقادهم” (العروة الوثقى – 26/7، 14/8/1884م).فإن مصر شهدت في تلك الحقبة التاريخية الهامة، كوكبة من أهم مفكري الأمة المصرية في العصر الحديث،مثل طه حسين الذي امتلك شجاعة الرد على هذا الزعم، الذيينفي ويُدمر انتماء أي إنسان لوطنه، فكتب:”من المحقق أن تطور الحياة الإنسانية قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان للوحدة السياسية ولا قوامًا لتكوين الدولة” (صحيفة السياسة 31/12/1923). وفي الفصل الأول من كتابه (من بعيد) الصادر عام 1935م، بعنوان (بين العلم والدين) ناقش فيه طه حسين العلاقة بينهما. وهل هناك خصومة بينهما أم لا؟ فكتب:”الحق أن هذه الخصومة بين العلم والدين ستظل قوية متصلة، ما قام العلم وما قام الدين، لأن الخلاف بينهما جوهرى لا سبيل إلى إزالته ولا إلى تخفيفه، إلا إذا استطاع كل واحد منهما أن ينسى صاحبه نسيانًا تامًا ويعرض عنه إعراضًا مطلقًا”، وفي شرحه لأسباب هذه الخصومة كتب:”إن الدين يرى لنفسه الثبات والاستقرار، بينما العلم يرى لنفسه التغير والتجدد، فلا يمكن أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما عن شخصيته.. والمسألة في حقيقة الأمر ليست في أن الخصومة واقعة أو غير واقعة، وإنما هيفي أن الخصومة ضارة أو نافعة. أو بعبارة أدق: المسألة هي أن نعرف هل كُتب على الإنسانية أن تشقى بالعلم والدين، أم تسعد بهما ؟ … وسبيل ذلك عندنا: أن تُرغم السياسة على أن تقف موقف الحيدة بين هذين الخصمين” واختتم دراسته قائلا:”نحن متصلون – رضينا أم أبينا – بأمم الغرب المتحضرة. ونحن حريصون على أن نظفر، لا أقول بعطف هذه الأمم، بل أقول بإكبارها لنا واحترامها لمنزلتنا السياسية والاجتماعية. وإذن فنحن مضطرون أن نساير هذه الأمم ونعيش كما تعيش. نحن نريد أننظفر من الاستقلال بما يقفنا من إنجلترا وفرنسا موقف الند من الند. نحن مضطرون إلى أن نعيش، ولن نستطيع أن نعيش إلا إذا اتخذنا أسباب الحياة الحديثة.. والعلم وحده سبيلنا إلى ذلك، على أن ندرسه كما يدرسه الأوروبيون، لا كما يدرسه آباؤنا منذ قرون. وويل لنا يوم أن نعدل عن طب باستور وكلود برنال إلى طب ابن سينا وداود الأنطاكي. وهذا العلم الحديث الذي لا نستطيع أن نستغني عنه، لا يمكنه أن يعيش ولا أن يثمر إلا في جو كله حرية وتسامح. فنحن بين اثنين: إما أن نؤثر الحياة، وإذن فلا مندوحة عن الحرية، وإما أن نؤثر الموت، وإذن فلنا أن نختار الجمود” (الشركة العربية للطباعة والنشر–الطبعة الثانية – نوفمبر 1958). كماأن طه حسين امتلك شجاعة نقد اللجنة التى وضعت دستورسنة 1923م بسبب المادة رقم (149) التى نصت على أن”الإسلام دين الدولة” فكتب مقالًا في مجلة الحديث فبراير1927مذهب فيه إلى أن النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة:”مصدر فرقة، لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين فقط، من أهل مصر، وإنما نقول إنه مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهــم، فهم لم يفهموه على وجه واحد، وأن النص على دين الدولة يتناقض مع حرية الاعتقــاد، لأن معنى ذلك أن الدولة مكلفة أن تمحو حرية الرأى محوًا في كل ما من شأنه أن يمس الإسلام من قريب أو من بعيد .. إلخ”. وعن دفاعة عن الحضارة المصرية ذكر طه حسين:”إن اليونانيين كانوا في عصورهم الأولى الراقية يرون أنهم تلاميذ المصريين في الحضارة، وفي فنونها الرفيعة بنوع خاص.. وأن العقل المصري منذ عصوره الأولى إن تأثر بشئ فإنما بالبحر الأبيض المتوسط” (مستقبل الثقافة في مصر- دار الكاتب اللبنانى عام 1973م ص 21، 22). وفي عام 1933م كتب مقالة في صحيفة كوكب الشرق ذكر فيها: “إن المصريين خضعوا لضروب من البُغض وألوان من العدوان جاءتهم من شعوب شتى من بينهم العرب”. وفي حديث صحفي عن القومية العربية قال:”مصر اليوم هي مصر الأمس، أي مصر الفراعنة. المصري فرعوني قبل أن يكون عربيًا. ولا تطلبوا من مصر أن تغير فرعونيتها.. إلخ) (المجلة الجديدة – ديسمبر1938). كما قرن طه حسين تحقق الحرية بالعلم وتجديد العقل، ورأى ارتباطًا وثيقًا بين العقل والحرية، كون هذه الحرية لن تتحقق بدون قيام العلمانية التي ترتبط بدورها بتحديث الدولة وإشاعة الديمقراطية، ويشير في مقطع معبر عن وجهة نظره في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” حيث يقول: “إن النظام الديمقراطي يجب أن يكفل لأبناء الشعب جميعًا الحياة والديمقراطية والسلم”، وقوله:”وما أظن الديمقراطية تستطيع أن تكفل غرضًا من هذه الأغراض للشعب إذا قصرت في تعميم التعليم الأولي، وأخذ الناس جميعًا به طوعًا أو كرهًا، فلأجل أن تكفل الديمقراطية للناس الحياة يجب قبل كل شيء أن تكفل لهم التصرف في هذه المذاهب المختلفة التي تمكن الفرد من كسب قوته… ومن الطبيعي أن الحياة التي يجب أن تكفلها الديمقراطية للناس إنما هي الحياة القابلة للتطور والرقي من ناحيتها المادية ومن ناحيتها المعنوية، فيفرض عليها أن تمنح أفراد الشعب وسائل الكسب التي يسعون بها في الأرض ويلتمسون بها الرزق، وأن تزيل من طريقهم ما قد يقوم فيها من العقبات التي تنشأ عن الجور والظلم، وعن التحكم والاستبداد وعن مقاومة الطبيعة نفسها لتصرف الإنسان”..كما برز في تلك الحقبة”أحمد لطفي السيد” أستاذ الجيل وأبو الليبرالية والقومية المصرية، وأحد رواد التنوير المصري في النصف الأول من القرن العشرين، وهو شخصية موسوعية آمن بمصر والأمة المصرية فعمل على النهوض بها، وآمن بالليبرالية أو مذهب الأحرار، كما كان يسميه، فعمل على نشره والدعوة إليه باعتباره أفضل الوسائل لتحقيق نهضة الأمة المصرية، وتبنى المفهوم الغربي لليبرالية خلال القرن التاسع عشر مناديًا بتمتع الفرد بقدر كبير من الحرية وبغياب رقابة الدولة على المجتمع ومشددًا على ضرورة أن يكون الحكم قائمًا على أساس التعاقد الحر بين الناس والحكام، وهو صاحب المقولة الشهيرة: “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”، ونادى بتحديد مفهوم للشخصية المصرية رافضًا ربط مصر بالعالم العربي أو تركيا أو العالم الإسلامي سياسيًا، وربط بين الجنسية والمنفعة، وكان أهم ما طرحه في هذا الشأن الدعوة إلى القومية المصرية كأساس لانتماء المصريين، كما نادى بتعليم المرأة، وتخرجت في عهد رئاسته للجامعة أول دفعة من الطالبات عام 1932م، كما طالب باستقلال الجامعة، وقدم استقالته حين تم إقصاء طه حسين عن الجامعة سنة 1932م، كما قدم استقالته مرة أخرى حين اقتحمت الشرطة حرم الجامعة عام 1937، كما كان ضد إنشاء المدارس الدينية سواء إسلامية أو إرساليات مسيحية إضافة لرفضه إنشاء المدارس الأجنبية في مصر، ودعا إلى استعمال اللغة العامية المصرية بدلًا من العربية الفصحى، ودعا إلى دراسة الفلسفات اليونانية، والاقتباس منها، وتشجيع تلامذته على ذلك، كما ترجم بعض كتب أرسطو إلى العربية.. كما انجبت مصر في تلك الحقبة التاريخية الهامة عملاق الفكر المصري والعربي “عباس العقاد”، الذي آمن بالفكر وبحريته ونالت الحرية بمعناها الواسع الكثير من إهتمامه، سواء في أعماله الفكرية أو في مواقفه العملية، وهذا مادفعه لمساندة طه حسين في معركته الفكرية على أثر صدور كتابه “في الشعر الجاهلي”، فرغم اختلافه الدائم مع طه حسين إلا أنه لم يتنكر لمبادئه، وأولها الإيمان بحرية الفكر، تلك التي تتيح للكاتب أن يكون حرًا فيما يبدي أو يكتب، لذلك انبرى مؤيدًا للدكتور طه حسين داعيًا إلى مزيد من حرية الفكر، كما أيد العقاد الأفكار التي طرحها الشيخ علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، والذي أوضح فيه أن الإسلام لم يكن إلا رسالة دينية ولا شأن له بنظم الحكم، والتي يراها عبد الرازق رهنًا بتطورات المجتمع مختصرًا دعوته في أن الإسلام دين لا دولة، وكان العقاد يرى أن حرية الفكر هي شيء أعم من حرية الأراء كما نفهمها، فكان يقول: “حرية الفكر هي حرية التعبير عن الشخصية الإنسانية بكل ما تشمل من حُسن وإدراك وخلق ومزاج ومجهود. حرية الفكر بهذا المعنى هي شيء لا يختلف عن حرية الحياة أو حرية الوجود. فسيان أن تمنع الإنسان أن يحيا وأن تمنعه أن يفكر، وسيان أيضًا أن تمنع التفكير وأن تمنع التعبير عن التفكير، لأن الفكرة التي لا ترى ضوء الشمس هي فكرة ميتة، أو هي فكرة حية ولكن حياتنا هي سبب الألم والكبت والفساد”، ولقد وصف كاتبنا الروائي نجيب محفوظ “العقاد” بأنه: “الحرية بكل ما تعني الكلمة من أبعاد، فهو الحرية إذا التمسنا لشخصيته فكرة يُرمز بها إليه” ذلك لأن الحرية عند العقاد هي كل شيء في حياته الفكرية، فهي الجمال في فلسفته، وهي الديمقراطية في سياسته، وهي الفردية في رأيه الاجتماعي.

وبينما انتهجت الوهابية التفكير الغيبي، وآمنت بالخرافات التي ورثوها من مرتذقة تلفيق وسبك الأحايث،واتخذت منالجهل والتخلفسبيلًا للحياة والتفكير داخل الكيان الوهابي الجديد خلال مراحل تكوينه المختلفة.نجد أن اتجاهات التفكير العلمي ازدهرت في مصر إبان نفس الحقبة، ونشط دعاة الدعوة إلى نبذ الخرافات واتباع الطريق العلمي سبيلًا للتقدم، عوضًا عن التفكير الغيبي، ويُعتبر المفكر والمصلح الاجتماعي شبلي شميل (1850-1917) رائد الدعوة إلى التفكير العلمي في مصر والوطن العربي، كما أنه واحد من ملامح الفكر التنويري ورجالات النهضة الثقافية والفكرية والعلمية المصرية والعربية الذين ساهموا في المعركة النضالية من أجل إرساء مجتمع العلم والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ومن الداعين إلى احترام العقل.وأصدر شميل مجلة “الشفاء” لينشر الثقافة الطبية، وفي العام 1869م كتب خطابًا مطولًا إلى السلطان عبد الحميد بعنوان “شكوى وآمال” ذكر فيه أن الأمم الناهضة لا تقوم إلا على دعائم ثلاث، وهي الحرية والعدالة والعلم، وأن شمس المدنيات تأفل بغياب إحدى هذه العمد، وفي عام 1898م تحدث عن آفات الثقافة الشرقية فذهب إلى أن تخلف شعوب بعض البلدان يرجع إلى عشوائية الأنظمة وإنحطاط المعارف العقلية وغياب الروح العلمية، وحارب الجهل والتخلف والظلامية والخرافة والتعصب بأشكاله كافة، ووقف ضد الظلم والقهر والاستبداد وانحاز إلى الحداثة والمعاصرة والعلمانية، ودعا إلى تحرير العقول من ضيق الأفق العقلي واحترام حرية المعتقد والفكر والتعبير، وآمن بمقولة “الدين لله والوطن للجميع”، ورأى في المدنية الغربية بمفاهيمها ومنجزاتها العلمية، المثال الذي يجب أن يُحتذى إذا ما أرادت المجتمعات العربية النهوض وتحقيق التقدم العصري والحضاري والتخلص من حالة التخلف والتآكل والانكماش والتقهقر التي تنتابها، وطالب بتحقيق مصالحة بين التيارات الفكرية والمذهبية والأيديولوجية المختلفة،وفق مبادئ العقل والفلسفة والعلم: “إن الجيد والرديء لا يوجدان مجردين في الوجود الكلي، بل هما كذلك نسبيان بالنظر إلى ظروف الزمان والمكان، فلا يتأتى لنا والحالة هذه، أن ننفي عن شيء صفة الموافقة والملائمة نفيًا مطلقًا، إذ إنها لم تتجرد عنه إلا بالنظر إلى حالة من الحالات أو موجود من الموجودات مع موافقته حالات أخرى وموجودات أخرى، لقد أراد شميل تطبيق القوانين الطبيعية على المجتمع، وعلى قواعد تطوره، محاولًا استخلاص قوانين من الطبيعة تطبق بشكلآليعلى حركة المجتمعات الإنسانية، فيأخذ الارتقاء في نظرية شميل شكله التدريجي فتنتقل من حال إلى حال ومن شكل إلى شكل وتسير بخط تقدمي نحو الأفضل، ففي كل مرحلة من مراحل التدرج أو الارتقاء، تكتسب الأشياء صفات جديدة مغايرة للتي سبقتها لكنها أفضل منها وأرقى، وهذا التدرج والارتقاء يكون متصاحبًا مع تطور العلوم الطبيعية التي من شأنها أن تدفع بعجلة الارتقاء في خط سريع، وهذا ما يميز المجتمعات الأوروبية عن المجتمعات الشرقية التي تسير ببطء المتخفي الخائف من التغيير، ولا يخفي شميل حتمية الارتقاء في قوله: “إن التحول آت لا ريب فيه وإن الارتقاء ضرورة حتمية” لذا فالنهضة لا تحصل عبر الثورة بل بالتدرج، في خط تقدمي إما أن تبطيء خطاه أو تسرع، ويرى أن ما يحول دون تقدمها بعض الصفات التي تستفحل في النفوس، كالأنانية والجهل، وقلة الشهامة والجرأة، وغياب الإرادة وحب التعاون، والتعصب الديني والاجتماعي، وكذا الاستبداد في الحكم والسلطة الدينية والشرائع الزائفة التي تنبع من العلوم الإنسانية الزائفة، وإهمال العلوم الطبيعية، وبالتالي الفوضى. وهنا يميز شميل بين نمطين للإصلاح، النمط السلمي والنمط الثوري، أما السلمي هو النمط الطبيعي الذي تسير عليه الطبيعة في تحسين كائناتها وهو أسلوب من أساليب التوعية والنضال لتغليب مبادئ الفكر العلمي على ما زرعته الشرائع الفاسدة في أذهان الناس، وهذا النمط يفضي إلى تغيير تدريجي في المجتمع البشري وهو يتطلب إرادة قوية، وقد لا يكون ممكنًا غالبًا بسبب ترسخ المبادئ والشرائع الفاسدة، ويظهر شميل تفضيله لهذا النمط من الثورة. أما النمط الثاني فهو النمط الثوري وهو يمثل عند شميل خروجًا عن القاعدة الأساسية في الإصلاح، وهذا النمط في الإصلاح قد يؤدي إلى أخطار جسيمة في الظروف الطبيعية تهدد المجتمع البشري في وجوده، ولكنه ليس مضرًا دائمًا بل يصبح في بعض الظروف حاجة ماسة، حيث تكون تعبيرًا صريحًا عن إرادة الشعب، يقفز فيها التقدم قفزات سريعة واسعة، فالارتقاء هو النمط الطبيعي في الإصلاح وأي نمط آخر يعد غير طبيعي وخروج عن القاعدة الأساسية للإصلاح وهي النضال السلمي، الذي يستهدف العقول والمعتقدات البالية ليحل مكانها العلوم الطبيعية والشرائع الطبيعية، ولعل شميل يقترب كثيرًا من قوانين المادية الجدلية التي ترى أن القوانين الطبيعية هي التي تتحكم في حركة المجتمع من اللحظة الأولى لنشأة المجتمعات الإنسانية وفي مختلف مراحل تطورها.

ونتيجة لنشأة الطبقة العاملة الحديثة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من خلال التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المصري، والقضاء المتنامي على علاقات السخرة في الريف والمدن، وهيمنة سوق العمل الرأسمالي المتزايدة، حيث شكل الفلاحون المعدمون في الريف الرافد الأول للطبقة العاملة المصرية، إضافة إلى عمال الطوائف وخاصة بعد انهيار نظام الطوائف المهنية، وكذا تدفق آلاف العمال الأجانب على مصر في أوائل القرن العشرين بسبب الظروف القاسية في أوروبا الجنوبية آنذاك، وكان لهؤلاء العمال الأجانب دورًا بالغ التأثير في تطور ونمو الحركة العمالية لما حملوه معهم من خبرات نقابية وسياسية وثقافية من بلدانهم، جعلت منهم قيادة طليعية للحركة العمالية المصرية في بداية تشكلها، وتركز نشاطهم في رفع الأجور، وتخفيض ساعات العمل، وتحسين شروط العمل القاسية، والمطالبة بالاعتراف بنقاباتهم وحقها في التفاوض باسمهم، ونظموا العديد من الإضرابات من أجل ذلك، وكان أشهرها الإضرابات التي قام بها عمال الترام والسكك الحديدية وإضراب عمال شركة قناة السويس في مايو ويونيو عام 1919م، والتي مهدت لتفجير ثورة 1919م. كماواكب تلك التطورات ولادة ثقافة جديدة تعبر عن تلك الطبقات، وفي مقدمتهم الفكر الاشتراكي العلمي، الذي تمثل في أفكار وآراء كوكبة من المفكرين والفلاسفة الذين ربطوا بين قضية التحرر الوطني وبين الحريات بمفهومها الواسع وقضية العدالة الاجتماعية. وضمت تلك الكوكبة من المفكرين سلامة موسى (1887-1958) وهو من أعلام الفكر الموسوعي التنويري والعلماني في النهضة العربية المعاصرة ومن مؤسسي المشروع الثقافي المعرفي النهضوي وحاملي راية اليقظة الفكرية الداعين إلى المساواة والعدل الاجتماعي والديمقراطية وحرية الفكر والرأي والتعبير والكفاح من اجل بناء المجتمع المدني الديمقراطي والحضاري الذي يضمن حرية وكرامة الإنسان،ويُعتبر سلامة موسى من الشخصيات الهامة والغنية في الحياة الفكرية والثقافية العربية الحديثة، وهو إنسان مثقف عميق ومفكر شفاف أدهش الناس بحلمه الجميل واصالته الملتزمة بالإنسان، وجمع بين النبرة الفلسفية وسطوع الفكرة وعفوية التناول، وشغلته الهموم الشعبية المختلفة واهتم بالطبقات الشعبية الفقيرة والبائسة ولم يغمض عينيه عن القضايا الاجتماعية، وحارب المفاهيم السلبية في المجتمع ودعا إلى بناء العلاقات الإنسانية على قواعد وأسس سليمة خالية من المسلكيات الخاطئة، وحض على الحب والمودة والتكاتف والتكافل الاجتماعي وتحطيم قيود القهر والظلم، وعالج مختلف القضايا والموضوعات الاجتماعية والأدبية والفكرية ملتزمًا بمنطلقات الفكر العلمي ووضوح رؤياه. كما كان لانتصار الثورة البلشفية الكبرى عام 1917م وقيام ثورة 1919 في مصر بعدها بسنتين، حدثين هامين في إنضاج الظروف لقيام “الحزب الاشتراكي المصري” عام 1921م، على أيدي خليط من المثقفين المؤمنين بالفكر الاشتراكي وفي مقدمتهم سلامة موسى، وصفوان أبو الفتح (الأزهري)، وروزنتال (الجواهرجي) السكندري، وبعض الشوام مثل فؤاد الشمالي الذي تم إبعاده وأسس بعد ذلك (الحزب الشيوعي السوري)، ومارون أنطون الذي مات في السجن بعد قيامه بإضراب طويل عن الطعام في الإسكندرية، ونص برنامج الحزب الاشتراكي المصري على “تحرير مصر من الاستعمار الأجنبي وإقصاء ذلك الاستعمار عن وادي النيل بأسره… والعمل على إلغاء استغلال جماعة لأخرى ومحو الفوارق بين طبقات المجتمع في الحقوق الطبيعية وإخماد استبداد المستغلين والمضاربين والسعي إلى إنشاء مجتمع اقتصادي يقوم على دعائم المبادئ الاشتراكية… وجعل التعليم حقًا سائغًا لجميع أفراد الأمة نساء ورجال وجعله مجانيًا ملزمًا والعمل على نشر التعاليم الديمقراطية الصحيحة بين جميع طبقات الأمة، والعمل على تحسين حال العمال بتحسين الأجور وتقرير المكافآت والمعاشات حين العجز، والعمل على تحرير المرأة الشرقية وتربيتها تربية سليمة منتجة”، وأكد التزامه على “تحقيق تلك الأهداف بالوسائل السلمية عن طريق البرلمان والمجالس المحلية والبلدية والعمل على تعميم حقوق الانتخاب والنيابة للرجل والمرأة… وجعل قناة السويس ملكًا للأمة… وتعديل الدستور وقانون الانتخاب حتى تصبح الأمة مصدر السلطة الحقيقية… والاعتراف بالنقابات العمالية وتنظيم العمال غير المنظمين وإقرار قانون الـ 8 ساعات عمل في اليوم وتنظيم فقراء الفلاحين في نقابات وإلغاء نظام ملكية العزب وإلغاء ديون الفلاحين الذين يملكون أقل من عشرة أفدنة من الضرائب… الخ”، وهو ما أُطلق عليه بعد ذلك “برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية”. وأُعلن رسميًا إنضمام الحزب الاشتراكي المصري إلى الأممية الاشتراكية الثالثة في يناير 1923م، واتصف الحزب الاشتراكي المصري بالارتباط المباشر بالطبقة العاملة المصرية، ونجح في إقامة العديد من النقابات العمالية وساهم بدور رئيسي في إنشاء الاتحاد العام لنقابات العمال الذي تشكل عام 1921م من ثلاثة آلاف عامل في إحدى وعشرين نقابة وإنضم إليه العديد من النقابات العمالية، وتبني مطالب العمال في الحق في مكافئة نهاية الخدمة، وتوفير الخدمات الطبية، والتعويض عن إصابات العمل، وتصاعدت حدة الإضرابات والاعتصامات وأُعتبر مقر إتحاد العمال مقرًا رسميًا للحزب لشدة التداخل بين أعضاء الحزب وأعضاء الاتحاد حتى وصلت عضوية أعضاء الحزب بالاتحاد حوالي عشرين الفًا، وإمتد نشاط الحزب إلى العديد من الأقاليم المصرية، وتمتع الحزب الاشتراكي المصري بالعلنية، وهي العلنية التي حُرمت منها الحركة الاشتراكية العلمية في مصر حتى قيام ثورة 25 يناير 2011م، فكانت أخبار الحزب ولائحته وبرنامجه تُنشر في الجرائد المصرية اليومية، ويعقد اجتماعاته بشكل علني، وتتسابق الجرائد اليومية في نشر أخباره، وتميز أيضًا بوحدة الحركة الاشتراكية، ولكن أُخذ عليه رفعه لشعارات تتجاوز الواقع المصري الاجتماعي والسياسي آنذاك، والانحراف اليساري، مما تسببت في صدامه المبكر مع حزب الوفد الممثل للوطنية المصرية بزعامة سعد زغلول صاحب الشعبية الطاغية، والتي أدت في النهاية إلى حل الحزب في مارس 1924م، وحذر نشاطة واعتقال جميع قياداته وكوادره وتفكيك كل خلاياه، وتم في نفس الوقت حل إتحاد نقابات العمال.. كما أسس إسماعيل مظهر في عام 1929م “حزب الفلاح” الذي ضم في صفوفه الفلاحين والعمال، وحدد أغراض الحزب حسب ما ورد في كتاب علاء الدين وحيد “إسماعيل مظهر- رجل الفكر وعاشق الحرية”، في الاستقلال التام لمصر والسودان، وأن تكون قناة السويس مصرية، والقضاء على الاستعمار البريطاني وكافة النزعات الاستعمارية في جميع بلدان العالم، وتحرير الطبقات العاملة في مصر من عمال وفلاحين مع تقليل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وجعل هذه الفوارق قائمة على أساس الاجتهاد والمنفعة للمجتمع، وبث الأفكار الديمقراطية وروح المساواة العامة في الشعب. ولكن تلك المحاولة لم تكلل بالنجاح..كما يُعتبر إسماعيل مظهر (1891-1962م) من أهم رواد التفكير العلمي، وعلم كبير من أعلام الفكر في تاريخ مصر الحديث، وكان من أوائل ما قام به تأكيدًا لنزعته العقلانية، ترجمته لكتاب “أصل الأنواع” لداروين بجزئيه عام 1918م، الذي كان بمثابة فتح معرفي جديد، وحدث خطير في الثقافة العربية، بمثل ما كان فتحًا جديدًا للذهن البشري، يطرح مفاهيم جديدة في مجالات دراسة علوم الإنسان والحيوان والطبيعة تقوم على التعليل المبني على العلم، ويرجح فيها أن الكائنات المختلفة يمكن أن تكون من أصل واحد، وفق نظرية “النشوء والارتقاء” التي تؤمن بالنمو الذاتي للكائنات، وبأنه لا وجود لشيء من العدم، وبأن الطبيعة تقوم على الحركة لا على السكون وهذه الحركة هي التي خلقت التطور الذي فتح الآفاق أمام العلم والمعرفة، ودحضت الخرافة التي تنسب الظواهر إلى قوى غيبية تفتقد البرهان، وكذا ما تضمنه كتابه “ملتقى السبيل في النشوء والارتقاء” الذي صدر في عام 1923م، من أن عقل الإنسان ونفسه ثمرة حياته الاجتماعية، وأن العادات والأخلاق منهج في السلوك، يتوقف على هذا العقل لا على الغيبيات، حتى تصبح من الصفات المتوارثة. وأصدر إسماعيل مظهر مجلة “العصور”، وكان عددها الأول في سبتمبر عام ١٩٢٧م، وكان شعارها “حرر فكرك من كل التقاليد والأساطير الموروثة، حتى لا تجد صعوبة في رفض رأى من الآراء أو مذهب من المذاهب اطمأنت إليه نفسك وسكن إليه عقلك إذا انكشف لك من الحقائق ما يناقضه”.وهذا إلى جانب اهتمامه الاستثنائي بالمرأة وبدورها في التاريخ القديم والحديث لا سيما في بلداننا، وفي مطلع كتابه المهم (المرأة في عصر الديمقراطية) يقول مظهر:”بلغت المرأة في مصر القديمة مرتبة الملك، وكفى بذلك دليلًا على أنها بلغت في مصر، وفي فجر التاريخ البشري، منزلة السلطة العليا… إن الكلام في حقوق المرأة حديث جديد في المدنية. فبعد أن سقطت المرأة عن عرشها المتواضع الذي تربعت من فوقه في العصر الروماني، غشت عليها غشاوة القرون الوسطى، فقبعت راضية حتى أدركتها العصور الحديثة، فهبت من غفوتها تطالب بحقوقها السياسية، تلك الحقوق التي ساوت فيها الرجل مساواة تامة. أما بداية جهادها في سبيل ذلك فيرجع إلى ما قبيل الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، إذ بدأت تحتل مشكلتها العالمية مكانًا في آداب الأمم الغربية”.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك