الإثنين - الموافق 12 أبريل 2021م

(12) الدولة السعودية الثالثة 2-2.. بقلم الكاتب والباحث:محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين، على الجذور الفكرية للوهابية، ثم تطرقنا لنشأة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتنا هذه الثانية عن الدولة السعودية الثالثة 2-2.. لقد كان المشروع البريطاني كما رسمه المندوب السامي البريطاني في مصر (كيتشنير) في مذكرته التي رفعها إلى مجلس الوزراء البريطاني في الرابع عشر من شهر مارس 1915م يقوم على النحو التالي: “خلق مملكة مستقلة في شبه الجزيرة العربية تشتمل على مكة والمدينة، على أن تكون تحت رعاية بريطانيا، فقد كان أمرًا جوهريًا أن تكون كذلك لتتحقق لبريطانيا السيطرة على القيادة الروحية للعالم الإسلامي”. وفي ربيع سنة 1917م تخلى مسئولين بريطانيين عن حماستهم زمن الحرب لحاكم مكة، مقابل وضع منافسه عبد العزيز بن سعود، الذي دعمته حكومة الهند البريطانية طوال الوقت. كما تراجع المسئولون البريطانيون في مطلع سنة 1918م، عن تشجيعهم للشريف حسين بإعلان نفسه خليفة للمسلمين، بل وحذروه من خطورة هذه الخطوة، والتي سبق أن شجعوه عليها سابقا، إيمانا منهم بأن (القوة في الشرق لا تعني شيئًا، وإن الدين هو كل شيء). لقد قرر البريطانيون التخلص من الشريف حسين كزعيم للقضية العربية، لصالح ابنه فيصل الذي صار يدور في الفلك البريطاني، والذي انقطع عن والده وأسرته في الحجاز، طمعًا في حكم الشام، مما جعل والده يتهمه بالخيانة له، ولأمته، وشرفه. لقد حضرت بريطانيا مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919م، بعد توقف الحرب العالمية الأولى، وهي تسيطرعلى مشيخات الخليج العربي، التي جرى تنظيمها خلال الحرب، ولها وضع متميز في الجزيرة العربية، الذي ضمنه تحالف بريطانيا مع الحسين وابن سعود، وقد جعل منهما هذا التحالف حاكمين مشمولين بحمايتها. لقد قررت بريطانيا التخلص من الشريف حسين وإنهاء نفوذه بالحجاز بعد إلحاحه على بريطانيا تنفيذ وعودها له بإقامة (المملكة العربية المتحده) في الجزيرة والشام والعراق ليكون خليفة عليها، وبدأ التوجه البريطاني لحسم الموقف لصالح ابن سعود خاصة بعد تحرك فيصل بن الحسين للإعلان عن الجهاد لمواجهة فرنسا في الشام وهو الخط الأحمر الذي لن تقبل به بريطانيا نفسها، وفي سنة 1920م بعد أن أدرك الشريف فيصل بن الحسين أبعاد اتفاقية (سايكس بيكو) وأن سوريا قد أصبحت تحت الاحتلال الفرنسي قام بالدعوة إلى الثورة وإعلان الجهاد، وكتب إلى ابن سعود بذلك، وقد أخبر ابن سعود دكسون في لقاء تم بينهما في الأحساء بتاريخ 15 فبراير بما يلي:عن توجيه دعوة له لإعلان الجهاد ضد المسيحيين، وأن شعبه يؤيد هذه الدعوة، وأن أفضل حل لمواجهة هذه الدعوة التي يقودها فيصل ووالده في الحجاز يكون بدعم بريطانيا له هو، وأنه سيقف أمام علماء بلده بكل قوة إذا ما قرروا الوقوف مع الجهاد ضد الحلفاء.

بعد إعلان شريف مكة نفسه خليفة للمسلمين رغم تحذير بريطانيا التي سبق لهاأن دعمته ضد الدولة العثمانية،قررت بريطانيا إسقاط الشريف، وفي هذا الصدد كتب دكسون يقول “كان الملك حسين ملك الحجاز بعناده ورعونته يكتب نهايته بيده فعندما زار شرق الأردن وأعلن نفسه هناك خليفة في العالم الإسلامي أعلن ابن سعود عليه الحرب”. لقد تم بعد ذلك الإعلان الذي قام به الشريف حسين في شرق الأردن بإعادة الخلافة، عقد مؤتمر في الرياض في الخامس من يونيه 1924م جمع كبار رؤساء القبائل من الإخوان وعلماء الدين، وترأسه عبد الرحمن بن فيصل والد عبد العزيز بن سعود، وقد أصدر المؤتمر بيانًا أشار فيه إلى:”الاستفزاز الذي تمثل في تعيين الملك حسين نفسه خليفة”، وتحركت قوات الإخوان نحو الحجاز، واحتلت الطائف في شهر سبتمبر 1924م، وتقدم الإخوان ودخلوها دون مقاومة كبيرة، حيث انسحب الشريف من مكة إلى جدة،ويقول الكاتب والمؤلف البريطاني جون س”وكان يخوض حربًا خاسرة فقد استطاع أن يصمد لحصار جدة ولكن سقوط المدينة المنورة بأيدي قوات الإخوان بقيادة فيصل الدويش في سنة 1925م أدى إلى تنازله عن العرش”. كما نجح الإخوان بعد حصار جدة سنة كاملة من السيطرة عليها، وقد بدأ الإخوان حين سيطروا على الحجاز يفاوضون القنصل البريطاني والإيطالي والهولندي والإيراني في جدة ويتعهدون لهم بضمان الأمن لهم ولرعاياهم، وكما يقول جون س”كان الإخوان يسيطرون على الموقف تمامًا، فقد كان هؤلاء البدو غير المتحضرين يتعاملون بالفعل مع أعيان الحجاز وممثلي الدول الكبرى قبل وصول زعيمهم إلى المدينة”، في الوقت الذي كان ابن سعود في الرياض لم يتصور سرعة سقوط مكة على هذا النحو، وقد جاء من الرياض ليدخلها دخول الفاتحين في نصر كان “الأخوان هم الذين مكنوه من تحقيقه، ولكنهم لم يأخذوا مقابل ذلك سوى القليل، إن لم يكن شيئًا على الإطلاق، ومع ذلك لو فشل الإخوان لكان من السهل على ابن سعود الذي كان لا يزال في الرياض، أن يزعم أنهم هجموا على الطائف ومكة دون إذن منه أو علم له بذلك، وما داموا قد فعلوا ذلك فإن الله لم ينصرهم، وربما كان ذلك العذر مقبولًا أيضًا لدى أصدقائه البريطانيين، وقد استشعر الأخوان – كما يقول جون – فيما بعد أن ابن سعود لم يعترف على الملأ قط بالدور الذي لعبه الأخوان في الاستيلاء على الحجاز، وقد غضب الأخوان من المزاعم التي تقول إن ابن سعود وأسرته والقرويين من غير الأخوان هم الذين استولوا على الحجاز، مع أن هاتين المعركتين – الطائف ومكة – لم يشارك فيهما قروي واحد من القرويين المستقرين، والتسجيلات المدونة تؤكد ذلك”.

لم يأبه الوهابيون الجدد (الإخوان) كثيرا للطبيعة الديكتاتورية للنظام السعودي الجديد، والقائمة على القوة والقهر والغلبة، فقد كان ذلك جزءً من تراثهم الفكري السياسي، ولذلك لم يجدوا مانعًا من التعاون مع ابن سعود والقتال إلى جانبه وتعزيز سلطانه في مواجهة القبائل والشعوب والحكومات والطوائف غير الوهابية. ولكن طبيعة النظام الديكتاتورية قد حققت كل ما تريده من تطرفوإرهاب الإخوان، ولم تعد تحتاج منهج التكفير داخيًا إلا بالقدر الذي يحقق لهم تكميم الأفواه المعارضة أو المنتقدة للسلطة السعودية المستبدة الوليدة،كما كان الاستبداد هو الثغرة التي انقلب منها النظام عليهم وعلى الوهابية التكفيرية وقضى على فاعليتهم وتأثيرهم في مجرى الأحداث فيما بعد. وقد تمثل ذلك الانقلاب في التنكر للمباديء الوهابية كمبدأ الولاء والبراء، وانتهاج سياسة التبعية والتحالف مع الاستعمار الإنجليزي، ثم الانقلاب على أهم قوة وهابية وهم (الإخوان) الذين استعان بهم في تثبيت أركان حكمه. وقد بدأتالوحشة بين الطرفين مباشرة بعد احتلال الحجاز عام 1925م، حيث وجد (الإخوان) نوعًا من التناقض بين الشعار الذي دفعهم ابن سعود تحت ظله للحرب وهو “تحرير الحجاز من الكفار والمشركين” وبين سياسة المداهنة التي اتبعها مع الحجازيين وتأكيده لهم “بأنه لا يريد حكم البلاد حكمًا مباشرًا”، وتقديم الوعود بالسماح لهم بإدارة أنفسهم بأنفسهم عبر مجلس شورى، وقد قال ابن سعود في خطابه أمام قيادات مكة”لا أريد أن استأثر بالأمر في بلادكم دونكم وإنما أريد مشاورتكم في جميع الأمور”. وطلب من الحاضرين أن يجتمعوا لانتخاب من يمثلهم في مجلس الشورى الأهلي، في محاولة منه لتسهيل احتلال جدة والمدينة المنورة. وذهب إلى حد طرح فكرة تدويل الأماكن المقدسة. ورغم أن ابن سعود كان يستخدم تلك الوعود كوسيلة لتوطيد حكمه ومحاولة لتذليل العقبات امام فتح سائر المناطق والمدن الحجازية، إلا أنه أثار مخاوف (الإخوان) الذين وجدوا في تعامله مع الحجازيين كمسلمين، نوعًا من التناقض مع صفة الشرك والكفر التي كان يطلقها عليهم من قبل. وفهموا الدعوة التي وجهها ابن سعود إلى عقد مؤتمر إسلامي لإدارة الحرمين، على أساس أنها تفريط بالدين ومداهنة للكفار والمشركين. وقد زاد شعور (الإخوان) بالمرارة رفض ابن سعود لمطالب قادتهم فيصل الدويش وسلطان بن حميد بن بجاد اعتبار الحجاز غنيمة حرب وتعيينهما أميرين على مكة والمدينة. وربما كان ابن سعود يحاول تهدئة العالم الإسلامي، والإطلال عليه بوجه معتدل، أو يخضع لضغط حلفائه الإنجليز الذين كانوا يرفضون أن يطبق نهجه الوهابي المتشدد في الحجاز. ولكن سلوكه مع الحجازيين كان يبدو أشبه بموقف متراجع عن الوهابية، وينم عن قرار شخصي لا دور فيه للمقاتلين الذين فتحوا بسيوفهم ذلك الإقليم. وفي هذا السياق استنكر (الإخوان) وقوف ابن سعود أمام اندفاعتهم لمواصلة الحرب ضد (الكفار) في المناطق المجاورة كالعراق والأردن والكويت، وعقدوا اجتماعًا في شهر ديسمبر عام 1926م في هجرة (الأرطاوية) أكدوا فيه على الرغبة في مواصلة الحرب، واستغربوا منع ابن سعود لهم من التجارة مع الكويت، فإن رعاياها كما كانوا يرون، إما كفار يجب قتالهم، أو مسلمين ليس للحاكم أن يمنعهم من التعامل معهم. وأخذوا على ابن سعود السماح لقبائل شرقي الأردن والعراق “الكافرة” بإرسال مواشيهم لترعى في ديار “المسلمين”. كما أخذوا عليه تسامحه مع الشيعة في المنطقة الشرقية، الذين كان يجب برأيهم العمل على إدخالهم في الإسلام جبرًا، أو طردهم من البلاد. وطرحوا في اجتماعهم قضايا أخرى جزئية مثل إرسال عبد العزيز لابنه سعود إلى مصر”معقل الكفر”، وإرسال ابنه الآخر فيصل إلى لندن، وإدخال التلفون والتلغراف إلى الحجاز. ولكن الموضوع الرئيسي الذي كان يشغل بالهم هو موضوع منعهم من مواصلة الغزو، وهو ما عبر عنه زعيمهم فيصل الدويش في رسالة له إلى عبد العزيز بن سعود، حيث قال”… وقد منعتني من غزو البدو، وهكذا أصبحنا لا مسلمين نحارب الكفار ولا أعرابًا بدوًا يغير بعضنا على البعض ونعيش على ما ينهبه كل منا من الآخر، فمنعتنا من ديننا ودنيانا”. وكان منع ابن سعود للبدو الوهابيين (الإخوان) من ممارسة الغزو (أو الجهاد حسب اصطلاحهم) قد أوقعهم في مأزق كبير، اذ كان عليهم إما الالتزام بقرار ابن سعود وانتظار الموت جوعًا في الصحراء، أو التمرد على القرار ومواصلة (الجهاد) والفتوح والحصول على الغنائم. وهذا ما فعلوه في مؤتمرهم حيث قرروا مواصلة عملياتهم العسكرية ضد القبائل العربية(الكافرة) شمال الجزيرة العربية. في الوقت الذي كان يقوم عبد العزيز بن سعود حسب معاهدة دارين عام 1915م ومعاهدة جدة عام 1927م، بالمحافظة على علاقات الود والسلم مع الكويت والعراق والأردن والبحرين وقطر وساحل عمان، وعدم القيام بأي هجمات مسلحة على المستعمرات البريطانية. وبدا وكأن (الإخوان) لم يكونوا يعلمون شيئًا عن تلك المعاهدات التي وقعها ابن سعود مع البريطانيين والتي كانت ترسم له خارطة التحرك و(الجهاد). وعندما واجهوا الحقيقة تفجرت أزمة عنيفة بينهم وبين إمامهم ابن سعود، وحدث الاصطدام بين الفريقين. ولما كانت طبيعة النظام السياسي السعودي قائمة على القوة والقهر والغلبة، ولا تتضمن أي نوع من الشورى والمشاركة السياسية، فقد كان على (الإخوان) أن يذعنوا لقرار إمامهم مهما كان نوعه. إلا أن امتلاك (الإخوان) لقوة عسكرية هائلة لم يكن يسمح لابن سعود بفرض قراره عليهم بسهولة. وكان عليه أن يحاورهم، أو يناور معهم، تمهيدًا لإقناعهم بقراره أو فرضه عليهم في الوقت المناسب. ومن أجل ذلك دعا عبد العزيز بن سعود إلى اجتماع عام في الرياض عام 1927م ونجح في استصدار فتاوى من علماء الدين بتخويله فقط حق اتخاذ القرار بإعلان الجهاد. وقد جاء في إحدى فتاويهم ما يلي”من أعظم فرائض الإسلام التي جاء بها الرسول (ص): الجماعة، وأخبر (ص): أنه لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة إلا بالسمع والطاعة. وقد مَنَّ الله في آخر هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الإسلام، وظهر فيه الفساد في البر والبحر بفضله وكرمه بهداية غالب بادية أهل نجد، خصوصًا رؤساءهم، وجعل الله لك حظًا وافرًا في إعانتهم، وانتشر الإسلام في نجد جنوبًا وشمالًا. ورأينا أمرًا يوجب الخلل على أهل الإسلام ودخول التفرقة في دولتهم، وهو الاستبداد من دون إمامهم، بزعمهم أنه بنية الجهاد. ولم يعلموا أن حقيقة الجهاد ومصالحة العدو وبذل الذمة للعامة، وإقامة الحدود أنها مختصة بالإمام ومتعلقة به، ولا لأحد من الرعية دخل في ذلك إلا بولايته.. والذي يعقد لنفسه راية ويمضي في أمر من دون إذن الإمام ونيابته فليس من أهل الجهاد في سبيل الله. فالواجب عليك (يا عبد العزيز) حفظ ثغر الإسلام عن التلاعب به وأنه لا يغزو أحد من الهجر إلا بإذن منك وأمر منك ولو راعي مطية”. ولكن (الإخوان) رفضوا فتوى العلماء الوهابيين القائلة بأن الإمام وحده صاحب القرار في إعلان الجهاد، فقاموا في السادس من نوفمبر عام 1927م بشن هجوم على مخفر عراقي قرب الحدود السعودية وقضوا على جميع أفراده، وحصلوا على بعض الغنائم، مما فتح شهية بقية القبائل البدوية الجائعة التي تدفقت على ابن سعود تطلب الإذن بالجهاد وفتح العراق، ولكن ابن سعود رفض بقوة كل تلك المطالب وأعلن عصيان زعيم الإخوان (فيصل الدويش) ووضعه تحت الإقامة الجبرية في الأرطاوية. وأمام استمرار قيام الإخوان بغزواتهم على القبائل العراقية والأردنية، وهجومهم على مخفر البصية العراقي، لم يجد ابن سعود إلا دعوة قادة (الإخوان) وشيوخ العشائر وأشراف المدن وعلماء الدين، إلى مؤتمر عام في الرياض في السادس من ديسمبر 1928م حضره أكثر من ثمانمائة عنصر منهم، فوجه ابن سعود إليهم خطابًا استعرض فيه إنجازاته وخدماته وفضائله وحقه عليهم بأنه الذي هداهم للإسلام وأنه لا فضل لهم عليه في توسيع مملكته، وانتقد القبائل المخالفة له واتهمها بمحاولة تمزيق المملكة. وقال لهم مهددًا”لاتظنوا يا إخوان أن لكم قيمة كبيرة عندنا.. لا تظنوا أنكم ساعدتمونا وأننا نحتاج إليكم. قيمتكم يا إخوان في طاعة الله ثم طاعتنا فإذا تجاوزتم ذلك كنتم من المغضوب عليهم. أي والله، لاتنسواأن ما من رجل منكم إلا وذبحنا أباه وأخاه أو ابن عمه وما ملكناكم إلا بالسيف. والسيف لايزال بأيدينا إذا كنتم يا إخوان لا ترعون حقوق الناس. لا والله لا قيمة لكم عندنا في تجاوزكم. انتم عندنا مثل التراب..انتم ما دخلتم في طاعتنا رغبة بل قهرًا وإني والله أعمل بكم السيف إذا تجاوزتم حدود الله” وقال لهم بصراحة “لقد بنيت ملكي بعون الله وقوة ساعدي.. ولقد بلغني أن الكثير منكم غير راض عني وعن حكومتي، ولكني لست ممن يتخلون تحت الضغط والقوة عن عروشهم”.. وبعد نقاش طويل سألهم عبدالعزيز: ماذا تريدون؟ وقدم استقالته لهم قائلًا “أنا مستعد للتنازل عن الحكم والتخلي عن جميع سلطاتي لأي رجل تختارونه بدلًا مني”. ودعاهم “لانتخاب ولي أمر لهم يسير بهم حسبما يجتمعون عليه أمرهم في الخطة التي يرونها” ملقيًا اللوم عليهم في ما وصلت إليه الأمور من تدهور. ويبدو أن الاستقالة كانت أقرب إلى الطابع المسرحي منها إلى الاستقالة الحقيقية، وأنها كانت تهدف تأمين تأييد الحاضرين لسياسته واستنكار مواقف زعماء (الإخوان). في الوقت الذي كانت تعبر عن وجود أزمة عميقة تعصف بعلاقة ابن سعود مع الجيش الوهابي (الإخوان) وعدم قدرته على التوفيق بين الاتجاه السياسي الواقعي وشعارات (الإخوان) الوهابية. ولذلك فقد انفض الاجتماع بانسحاب (الإخوان) وإصرارهم على موقفهم المتمرد، حيث أعلنوا التعبئة العامة، وأعربوا عن عزمهم على مهاجمة العراق شاء ابن سعود أم أبى. ثم أغاروا على قبائل مالك العراقية فجر يوم الحادي والعشرين من شهر يناير 1929م وقتلوا ونهبوا. ولكن ابن سعود رفض قرارهم بشدة، وبادر إلى اعتقال بعض قادتهم، وأصدر أوامره إليهم بإعادة ما نهبوه من غزواتهم على القرى العراقية،فلم يعجب هذا الأمر (الإخوان). وقاموا بحملة دعائية واسعة النطاق ضده، مشيرين إلى أن قبوله بوجود المخافر على الحدود العراقية دليل على أنه قد باع حقوق بلاده إلى البريطانيين. و”أن إمامهم قد أصبح أداة في أيدي الانجليز. وتولد لديهم شعور “بأن ابن سعود يبغي الدنيا ويوالي من حاد الله ورسوله”. وقد وجدوا في قرار ابن سعود يإعادة الغنائم التي حصلوا عليها من الغزو، تناقضًا صارخًا مع مباديء الوهابية، وقالوا له بصراحة “أنت كإمام كنت  تدعو إلى الجهاد ضد الكفار والمشركين، ولطالما دعوت وكررت الدعوة إلى أن العراق كدولة شيعية يجب أن يُدمر، وأن كل ما يؤخذ من أهله حلال، ولطالما رددت قول القرآن الكريم لإثبات أن كل الأعمال التي يقوم بها المؤمنون ضد الكفار والمشركين يجب أن يُكافأوا عليها، والآن وبأمر من الإنجليز الكفار أنفسهم تدعونا نحن فرسانك المختارين سيوف الإسلام إلى إعادة ما أخذناه لأنك تعتبر ما فعلناه خطأ، فإما أن تكون أنت دجال منافق تحب ذاتك وتبحث عن منفعتك، وإما أن يكون القرآن كتابًا غير صحيح”. وكحلٍ للأزمة طالبوا بالاحتكام إلى علماء الشريعة ليبتوا في الأمر، مما بث الرعب في قلب عبد العزيز بن سعود، لأنه كان يعرف أنه في الحقيقة هو الخارج على مباديء الوهابية التي كانت تشجع على جهاد “الكفار والمشركين” وتستحل دماءهم وأموالهم. لقد كان ابن سعود في مأزق حقيقي فإما أن يعترف لجنده بأن شعاراته (الوهابية) كانت مخادعة وجوفاء ومؤقتة وأنه كان انتهازيًا، وإما أن يستجيب لهم ويمضي معهم. ولما كانت معاهداته مع بريطانيا أقوى من التزامه بالشعارات الوهابية، فقد كان عليه أن يمضي قدمًا في استخدم كل السبل لتطويع (الإخوان)، وسحب بساط الوهابية الإرهابية. فكتب عبد العزيز إلى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، الذي كان يقوم بدور الوساطة بينه وبين (الإخوان) المتمردين، بتاريخالثامن والعشرين من مارس 1928مرافضًا الصلح معهم ومطالبًا إياهم بالخضوع والتسليم،قائلًا”… إني لأتمم ما أوجبه الله ورسوله لهم علي وقررته أنت. وأما ما أوجبه الله لي من حق الولاية من السمع والطاعة وامتثال الأمر وعدم المنازعة، وما أوجبه الله للمسلمين في أداء حقوقهم من أموال ورقاب وبغي وغيره مما تحرمه الشريعة على المسلمين… والقبول من علماء المسلمين وعدم مخالفتهم والامتثال لنصائحهم وعدم التدخل في أمر الولاية وأمر الرعية مما يخالف بين المسلمين ويفسد الرعية على الراعي، ويفرق بينهم، وغير ذلك من جميع الأمور التي لا تقرها الشريعة ولا هي حق لهم، فإذا أعطوك ذلك فأنا معطيهم وجهي وأمان الله على دمائهم وأموالهم وأعراضهم .. أن لا أعمل إلا بحكم الشريعة”. وهنا قام رجال الدين الوهابيون بدور كبير في دعم سلطة ابن سعود وفرض الطاعة على (الإخوان) ورفض مبدأ المعارضة أو المشاركة في الأمور السياسية، فأرسل الشيخ عبد العزيز العنقري رسالة إلى كافة (الإخوان)، جاء فيها”معلوم عندكم: أن الله مَنَّ على أهل نجد بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وساعده على ذلك حمولة آل سعود، ونصروا هذه الدعوة الإسلامية، وكلما ضعفت أقام الله منهم من يحييها ويجددها. ومن أعظم من قام بإحيائها في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأهواء والبدع وعم فيه الشرك أكثر أهل الأرض: الإمام عبد العزيز. وبذلك صار له علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين من الحقوق ما يجب مراعاته، فإن السمع والطاعة لولاة الأمور دين من أعظم ما يدان الله به، وفي الخروج عليهم ومنازعتهم الأمر وشق عصا المسلمين أعظم الفساد في الأرض، فإن النبي (ص) أمر بطاعة ولاة الأمور ونهى عن معصيتهم وقال (اسمع وأطع أميرك وإن أخذ مالك وضرب ظهرك)، ولما ذكر (ص) أمراء الجور قال بعض الصحابة: ألا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال (ص): لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. فكيف وإمامكم ولله الحمد متمسك بالشريعة الغراء حاد في نصرة هذا الدين؟ فلا يجوز لأحد مخالفته ولا الاعتراض عليه في ولايته التي ولاه الله تعالى إياه”. ورفض ثمانية من كبار العلماء فتح باب النقد والمعارضة السياسية حتى في داخل الحركة الوهابية ووقفوا إلى جانب ابن سعود في صراعه مع (الإخوان)، فقالوا”الرعية إذا انفتح لها باب في الطعن على الولاية وعلى من قام بها بأسباب لا تخرجه عن الإسلام ولا توجب الطعن عليه، بل هي مصلحة للإسلام وأهله ودرء للمفاسد، انفتح باب الشر، وحدثت الفتن التي هي غاية مرام الكفار، وهي الفرقة بين المسلمين، ولا يتمكن أعداء الدين إلا بذلك. ونحن في زمن غربة، كما قال ابن القيم وهو في القرن السابع للإسلام: نحن في زماننا أغرب منه في يوم قوله (ص) لعمرو بن عبسة لما قال له: من معك؟ قال: حرٌ وعبد. فكيف بزماننا هذا؟ اشتدت الغربة وقلت البصيرة وضعفت القوة ونطقت الرويبضة في أمر العامة، وقلت البصيرة في دين الله ومعرفة ما يجوز وما يمتنع في حق من ولاه الله أمر المسلمين”.

وفي خطوة مهمة من أجل السيطرة على (الإخوان) قام عبد العزيز بن سعود بالهيمنة على الحركة الوهابية فكريًا ودينيًا، وذلك بتقييد حركة العلماء المعارضين وفرض هيئة من العلماء الموالين له، عليهم، فذهب إلى الأرطاوية وعزل إمام المسجد المعارض، وعزر وأدب عددًا من المطاوعة الإخوان. وأصدر أمرًا بمنع استقبال الهجر أي رجل دين وهابي من خارج إطار الكادر الرسمي. وصرف الموجودين منهم لديهم. وأرسل رسالة إلى أهل القصيم جاء فيها”قد بلغنا عن أناس يدعون أنهم على طريقته (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) أمورًا مخالفة لما هو عليه، وهي أنهم يتجاسرون على الإفتاء بغير علم، ويطلقون التكفير والتضليل بغير علم، بل بالجهل ومخالفة الدليل، ويتناولون النصوص على غير تأويلها، ويسعون في تفريق كلمة المسلمين ويتكلمون في حق من لم يساعفهم على ذلك من علماء المسلمين بما لا يليق… إننا إن شاء الله أنصار لمن دعا إلى ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قائمون بما قام به أجدادنا الذين نصروه. ومن خالف ذلك إما بتفريط أو إفراط فلا يلومن إلا نفسه. والله والله لأؤدبنه أدبًا يتأدب به الأولون والآخرون، ومن أنذر فقد أعذر”. ثم أرسل ابن سعود رسالة عامة إلى كافة الإخوان وهددهم بقوة قائلا”أنتم يا إخواننا صار معكم جهل زايد … فإن كان أمركم هذا بحثًا عن علو في الأرض، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهو إننا نهيناكم عن بعض هؤلاء المدعين الذين يأتونكم ويشبهون عليكم، فلربما أن بعضهم يخرجكم من دينكم وتكونوا في مفسدة أعظم مما كنتم عليه سابقًا، من الغلو والتشديد وإنزال آيات القرآن وربطها على غير ما أنزل الله، فهذا أمر عظيم. فهؤلاء مثل ما في الحديث(قد يأتي أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وعبادتكم عند عبادتهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، فاقتلوهم أينما وجدتموهم). وبالحقيقة: ان بعض هؤلاء المتطوعين مشابهون لهم، ونحن والحمد لله لسنا في شك من ديننا… وأما الإنسان الذي يرى أن ما على الدين إلا هو، أو ما انتهى إليه فقهه وليس مقلدًا إلا كل صاحب شبهة وغلو فنبرأ إلى الله منه، وهو خارج من ذمتنا وذمة المسلمين، فهذا ندين الله بجهاده. والذي ننهاكم عنه ثلاثة أمور: الأول: لا تسألوا ولا تمتثلوا بأمر أحد من طلبة العلم إلا بعد أن تراجعونا ونفيدكم بما يسركم لدينكم ودنياكم، ونظهر معكم الذي نعلم منه النصح للإسلام والمسلمين. أو فتوى أحد يرضاه علماؤنا الذين نحن على حقيقة من أمانتهم ونصحهم للاسلام والمسلمين وهم: والدنا الشيخ المكرم عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن عتيق،والشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عبد الله بن سليم، والشيخ عبد الرحمن بن سالم. فهؤلاء ما أفتوكم به فهو إن شاء الله حق وما رضوا لكم من طلبة العلم يصير معكم لتتعلموا منه، فأنا مجيز ما أجازوا. ومن حط عنده طالب علم أو سأل غير هؤلاء المذكورين أو أحدًا يجيزونه من طلبة العلم فأنا بريء الذمة منه ولا يأمن العتب أيضًا. فأما الإنسان الذي قصده طاعة الله فهذا مدخل المسلمين يدخل مدخلهم ويترك منه ما عدا ذلك، وأما الإنسان الذي يخالف هذا الأمر أو يتعدى ما ذكرنا فيكون عنده معلوم أننا إن شاء الله نعاقبه عقابًا ما ظن به ولا له عندنا حرمة ولا وقار، ومن جنى فلا يجني إلا على نفسه”. وقال في رسالة أخرى”مَن أشكل عليه شيء من الأمور فيرده إلى طالب العلم المسؤول عندكم بأمر الولاية ورضا المشايخ عنه، ونحن إن شاء الله نرجو أن ليس عندكم شيء يخالف ذلك، وأن قصدكم تحري رضا الله، ولشفقتنا عليكم أحببنا أن نبين لكم إنذارًا للمخالف والمتكلم بضده، فمن خالفه بقول أو فعل فذمتنا وذمة المسلمين بريئة منه ولا يأمن البطش به وبحلاله، ومن أنذر فقد أعذر”. ومع كل ذلك لم ينجح عبد العزيز في السيطرة الكاملة على (الإخوان) وتكميم أفواههم أو خنق أصواتهم الناقدة له. لذا فقد لجأ إلى السيف الذي اقام عليه مملكته. ولئن كان عدد هجر الإخوان في عام 1920م حوالي 52 هجرة في الجزيرة كلها، فقد ازداد في عام 1923 إلى 72 هجرة، وفي عام 1929 بلغ 120 هجرة تقريبًا . وكتبت جريدة (أم القرى) في مارس عام 1929 أن قبيلة عنزة أسست 7 هجر وشمر 16 وحرب 22 ومطير 12 وعتيبة 15 وسبيع 3 والسهول 3 وقحطان 8 والدواسر 4 وبنو خالد 2 والعجمان 14 والعوازم 2 وبنو هاجر 4 وآل مرة 4 وهتيم 3 والظفير1. ومن هنا لم يكن سيف ابن سعود في ذلك الوقت بأقوى من سيف (الإخوان)، خاصة بعدما لجأوا إلى الكويت والعراق، وكادوا يهددون نظامه بالسقوط، لولا تدخل بريطانيا التي وقفت إلى جانبه ضدهم، ولعبت دورًا كبيرًا في إنقاذ عرشه من الانهيار، حيث منعت حاكم الكويت من الوقوف إلى جانب (الإخوان) وقدمت لابن سعود أحدث الأسلحة، وأرسلت طائراتها لتهاجم مخيمات (الإخوان) وألقت القبض على زعيمهم فيصل الدويش، الذي لجأ إلى الكويت، وسلمته إلى ابن سعود.  وتحت الضربات العنيفة واستخدام أقصى درجات القوة خضع (الإخوان) لإرادة بن سعود ونظامة، وتم تصفية تنظيمهم العسكري، وقُننت بتيار موالٍ على الإطلاق للسلطة السعودية، بزعامة رجال دين من (آل الشيخ)،يؤدي للنظام السعودي بعض الوظائف الضرورية في السيطرة على المجتمع. إذ تحولت من حركة عقائدية طامحة إلى فتح العالم الاسلامي “المشرك” ونشر التوحيد فيه، إلى مؤسسة دينية تابعة للدولة السعودية، تمهيدا لتوظيفهم لمهام متجددة داخل وخارج الكيان السعودي الوليد، لتوطيد الاستبداد داخليًا، وتصدير هذا المنهج التكفيري خارج حدود الدولة السعودية، لإجهاض أي مؤثر خارجي من دول الجوار يدعم أو يدعوا إلى العقلانية أو الحرية أو حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية، بما اعتبروه تهديدًا لاستبدادهم وتوحشهم بل ووجودهم ذاته. وكذلك السعي لإجهاض حركات التحرر الوطني خدمة للحليف الإستراتيجي البريطاني، إضافة إلى اشعال الفتنة الطائفية المذهبية والدينية لإغراق بلادنا في ظلامات العصور الوسطى. ففي الوقت الذي كانت دول العالم تتسابق للحاق بقطار العصر الحديث، ومواكبة التطورات الهائلة في كافة المجالات، وتسعى جاهدة للتخلص من نير الاستعمار، وانتشار الأفكار والمباديء الإنسانية التي أتت بها الحضارة الحديثة والثورات الكبرى في القرن العشرين، نجد نشأة دولة دينية ثيوقراطية على عكس حركة التاريخ، متناغمة ومتوافقة مع أهداف الاستعمار الغربي في محيطها العربي وبلاد المشرق، ومتحالفة مع الوجه القبيح للرأسمالية الغربية، وهو الوجه الاستعماري العنصري، الذي يسعى جاهدًا إلى نهب ثروات الشعوب الأخرى في إطار المنافسة على الأسواق الخارجية لخدمة نمو وتطور الرأسمالية، وما يتطلبه ذلك من تطويع شعوب الدول النامية لأجل الحصول على المواد الخام الرخيصة وفتح أسواق جديدة. ولذا كان الكيان الوليد يقدم نموذجًا جديدًا للاحتلال الناعم أو المستتر، ولكنه فعال في تحقيق مصالح القوى الاستعمارية فيما عرف بعصر الامبريالية العالمية. ومن هنا كانت خطورة الكيان الوهابي الجديد على الشعب السعودي، وعلى شعوب المنطقة العربية والشرق أوسطية، لما تعهد والتزم به من أعمال هادمة لكل جهود التحرر التنوير والتقدم والاستنارة، حتى أصبحت الوهابية بثوبها الجديد أحد أهم معوقات نهضة دول الإقليم ومنها بالطبع أمتنا المصرية.. وهو ما سنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك