الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

(10) جذور الفجوة الحضارية.. “عصر التنوير الأوروبي [3-5]” بقلم الكاتب محمد السنى

هكذا؛ أعاد فلاسفة عصر الأنوار الاعتبار للعقل، والذكاء البشري، مستهدفين القضاء على المعالم الفيودالية للنظام الإقطاعيالبائد، وجعل حد لهيمنة الفكر الأسطوري الغيبي، والاستعباد الذي كانت تكرسه الكنيسة.
وأوضح هؤلاء المفكرون أن العالم تحكمه قوانين استطاع الإنسان اكتشافها، وقد دعم الكثير من الحكام هذه الحقيقة، كما اقتنع بها العلماء والمفكرون الذين أجروا بعض البحوث والتجارب وتمكنوا من اختراعات مهمة، مما أحدث نقلة حضارية تاريخية تقدمية، وتشكل عصر جديد في تاريخ البشرية، أُطلق عليه عصر التنوير الأوروبي، وهو مرحلة تاريخيةثانية في مسيرة تطور المجتمع الرأسمالي الأوروبي، والذي أعقب عصر النهضة الأوروبية كماأوضحنا سابقًا.
لذا؛ أنتج عصر التنوير الأوروبينظريات فلسفية نقدية،وتيارات فكرية، ومذاهب سياسية، وحركات اجتماعية تقدمية جذرية، شملت جميع أوروبا، وكان في مقدمتها فلسفة التاريخ، وفلسفة القانون، ونظريات العقد الاجتماعي، والاشتراكيات الطوباوية، وغيرها، والتي وضعت أسس تاريخ الفكرالاجتماعي الحديث في أوروبا.
وقد تميز عصر التنوير الأوروبي بالعديد من (الخصائص) في كافة مجالات الحياة، وهو ما نود إلقاء الضوءعليه بشيء من التفصيل،مع التنويه للقارئ الكريم؛ بأننا قد نستشهدبآراء بعض الفلاسفة،أو المفكرين، أو العلماء، أو المصلحين الدينيين،والاجتماعيين، فيما يخص المجالات التي سنتطرق إليها تباعًا، وهذا لا يُعد تكرارًا، ولكن لتوضيح الرؤية، وحتى يكتمل السياق، وذلك دون الخوض في مجمل أو تفاصيل منجزاتهم كما فعلنا سابقًا.
ففي (مجال الفلسفة)ارتكزت المفاهيم الفلسفية في عصر التنوير على أسس عقلانية ونقدية، وكان مبدأ(المنطق) في مقدمة تلك الأسس الفلسفية، حيث اعتقد فلاسفة عصر التنوير أن التفكير العقلاني المنطقي يمكن أن يؤدي إلى تحسين حياة الإنسان، وقد رأوا القدرة على استخدام المنطق باعتباره أكبر قدرة بشرية،ويمكن للمنطق أن يساعد العقل البشري على التحرر من الجهل واللاعقلانية، كما أن تعلم التفكير بشكل منطقي يمكن أن يعلم البشر التصرف بشكل معقول،ومن ثم بدأ الأوروبيون بالاعتماد على (المنطق العقلي) من أجل التفكير.
وظهر (المذهب التجريبي) في هذه الفترة، والذي كان يهدف إلى إجراء التجارب من أجل التأكد من صحة العلوم، والمعلومات التي يتلقاها الأشخاص ويصل إليها العقل، وكان من أهم مميزات هذا المذهب؛ الاعتماد على (الحواس)، وعلى التجارب الحسية من أجل الوصول إلى الحقيقة المطلقة، وكان من أهم رواد هذا المذهب جون لوك، وديفيد هيوم، كما أوضحنا.
اعتمد فلاسفة عصر التنوير مبدأ (الشك المنهجي) الذي يبرز لتحقيق معرفة معينة،وقد ساهم هذا المبدأ الذي وضعه رينيه ديكارت في تقدم العلوم في ذلك الوقت،حيث آمن رواد هذا العصر بأن كل شيء في الحياة قابل للنقض، والشك، والتجربة، ويجب التحري من أجل التأكد من صحة الأمور، وسلامتها من أي أخطاء،وبدلًا من أن يكون المحتوى مشوبًا بالإيمان الأعمى؛ أراد مفكرو التنوير إثبات أن هناك شيئًا ما حقيقيًا،ووفقًا لمجلة ستانفورد للفلسفة، اختبر مفكرو التنوير المفاهيم الشعبية مع التجارب الخاضعة للرقابة العلمية والخبرة الشخصية.
كان فلاسفة عصر التنوير (يشككون)في الحق الإلهي للملوك، والمَلَكيات بشكل عام، والادعاءات العلمية الخاصة بالعالم الطبيعي، وطبيعة الواقع، والعقيدة الدينية، حيث أراد علماء اللاهوت إصلاح إيمانهم خلال عصر التنوير مع الحفاظ على إيمان حقيقي بالله،وقد أصبحت الحركة الربوبية شائعة خلال عصر التنوير، وتعني الربوبية أن الله موجود لكنه لا يتدخل على الأرض، فالكون يمضي وفقًا للقوانين الطبيعية والقائمة على أساس علمي، وكان العديد من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ربوبيين كما أوضحنا سابقًا، بما في ذلك توماس جيفرسون.
كما اعتمد فلاسفة عصر التنوير فكرة مفهوم(حرية الأشخاص المطلقة)، حيث لا يستطيع أي شخص، ومهما كانت سلطته إجبار أي شخص آخر على أمر معين،وارتبط التسامح التنويري للدين بتأكيد مبدأ(الحرية الشخصية)؛حيث يفترض هذا المفهوم أن الله (أو الطبيعة) أعطت الإنسان جميع حقوقه الأساسية، وأن البشر يجب أن يكونوا أحرارًا في التصرف دون قيود قمعية،وقد أكد هؤلاء الفلاسفة أن الحكومة ليس لديها سلطة على ضمير الفرد، وإن للأفراد حقوق، وجميع الرجال متساوون، والقوة السياسية الشرعية مبنية على موافقة الشعب ومُلزّمة بأن تكون مُمثّلة لإرادة الشعب.
وفي مقابل التفكير المنطقي النقدي، ومنهج الشك والتحقق، والمذهب التجريبي، وحرية الأشخاص المطلقة، إبان عصر التنوير الأوروبي؛ نجد على امتداد أراضي إمبراطورية الظلام العثمانية، ومنهم بالطبع مصر، قد شاع الجهل والتخلف في تفسير ظواهر الكون، وتشكيل الطبيعة، والاعتماد على العاطفةوالموروثات اللاعقلانية واللامنطقية في تفسير الظواهر الطبيعية، وفهم سلوك الإنسان، ونزعاته، وميوله، ودوافعه، ورغباته، وسادت روح التشاؤمية القدرية، والنظرة السلبية للمستقبل، وتأصيل فلسفة الموت وما بعده، بدلًا من تقديس الحياة والأيمان بالمستقبل.
وفي (مجال العلوم)؛ نجد أنها لعبت دورًا مهمًا في الخطاب والفكر التنويري،وكان للعديد من الكتاب والمفكرين في عصر التنوير خلفيات علمية، وربطوا التقدم العلمي مع الإطاحة برجال الدين والسلطة التقليدية الرجعية،لصالح تطوير حرية التعبير والفكر،وساعد على ذلك توسع ثقافة الطباعة، ومن ثم ازدياد أهمية معرفة القراءة والكتابة عند الأوروبيين.
وتشمل الاكتشافات العديدة للثورة العلمية إبان عصر التنوير الأوروبي، الممتدة منذ عام 1543؛ قوانين يوهان الثلاثة للحركة الكوكبية عام 1609م، ونظريات جاليليو جاليلي للحركة والجمود، ورأي تيكو براهي الجديد من النجوم وكيفية عملها،وتعمقت الثورة العلمية باكتشافات إسحاق نيوتن المتعددة وفي مقدمتها قانون الجاذبية،واكتشافه القوانين الفيزيائية للميكانيكا الكلاسيكية في أواخر القرن السابع عشر، وقد كان هناك تقدم حاسم في الفيزياء والجيولوجيا.
وتم اختراع العديد من الأدوات العلمية خلال هذا العصر ومن أهمها التلسكوب، والمجاهر، ومضخات الهواء، والثيرموميتر،وتضمن التقدم العلمي خلال عصر التنوير اكتشاف ثاني أكسيد الكربون (الهواء الثابت) من قبل الكيميائي جوزيف بلاك، و(حجة الزمن السحيق) من قبل الجيولوجي جيمس هوتون والتي تعارضت مع اساطير الكنيسة، وتم اختراع (محرك البخار المكثف) بواسطة جيمس واط،واستُخدمت تجارب لافوازييه لإنشاء أول مصانع كيميائية حديثة في باريس، ومكنتهم تجارب الأخوين مونغولفييه من إطلاق أول رحلة مأهولة في منطادالهواء الساخن في 21 نوفمبر 1783م.
وتضمنت المساهمات واسعة النطاق لليونهارت أويلر في الرياضيات نتائج رئيسة في التحليل ونظرية الأعداد والطوبولوجيا والتوافقيات ونظرية البيان والجبر والهندسة (من بين مجالات أخرى)، وفي الرياضيات التطبيقية، قدم ليونهارت أويلرمساهمات أساسية في الميكانيكا والهيدروليكا والصوتيات والبصريات وعلم الفلك،كذلك كان هناك مساهمات أخرى لعدد لا بأس به من المفكرين والعلماء مثل بليز باسكال، وليبنيز، وجون لوك، وفرانسيس بيكون، وديفيد هيوم، من بين آخرين.
ومع كل اكتشاف علمي جديد، تغير الفهم (اليهودي – المسيحي) المُتفق عليه للكون،واحتضن المفكرون النموذج الكوبرنيجي النيوتوني تدريجيًا،ويقول هذا النموذج أنه بينما خلق الله الكون، وضّح العلم هذا الكون، ومن خلال هذا العلم يمكن للبشر أن يفهموا الكون، وقد بدأ المفكرون في رؤية الكون على أنه ربما لانهائي ومليء بالحركة، وقد مهد هذا النموذج الطريق لفلسفة التنوير واحتضان أفكار العقل البشري.
وفي القرن الثامن عشر قُسِمت دراسة العلوم تحت عنوان الفلسفة الطبيعية؛ إلى الفيزياء، وتكتل يجتمع فيه الكيمياء، والتاريخ الطبيعي، وتضمنت علم التشريح، وعلم الأحياء، والجيولوجيا، وعلم المعادن، وعلم الحيوان،وقدم الفلاسفة للجمهور العديد من النظريات العلمية، وعلى الأخص من خلال الإنسيكلوبيدي (موسوعة أو قاموس مرشد للعلوم والفنون والمهن)، والترويج للنيوتونية بواسطة فولتير، وإميل دو شاتليه. كما شهد القرن الثامن عشر تطورات كبيرة في ممارسة الطب، والرياضيات، والفيزياء؛ وتطوير علم التصنيف البيولوجي؛ وفهم جديد للمغناطيسية والكهرباء؛ ونضج الكيمياء كنظام ومنهج علمي، وإرساء أسس الكيمياء الحديثة.
وبعد عام 1700م أُسِسَ عدد هائل من الأكاديميات والجمعيات العلمية الرسمية في أوروبا،وسيطرت تلك الجمعيات والأكاديميات على العلوم خلال عصر التنوير، وبحلول عام 1789م كان هناك أكثر من سبعين جمعية علمية رسمية،وحلتإلى حد كبير محل الجامعات كمراكز للبحث العلمي والتطوير،وكانت العمود الفقري لنضج المهنة العلمية،فصاغ برنارد دي فونتينيل مصطلح (عصر الأكاديميات) لوصف القرن الثامن عشر، حيث تطور تعميم العلم بين السكان المتعلمين بشكل متزايد.
بينما درج العثمانيون منذ سنة 1447م، على تحريموتجريم العلوموالتكنولوجيا الغربية، حيث أُثير الأمر فى بلاط السلطان العثماني بايزيد الثاني، ثامن سلاطين بني عثمان، والذي حكم خلال الفترة 1481-1512م، بغرض استيراد (الطباعة) من أوروبا، إلا أن فقهاء الدولة العثمانية وقفوا للفكرة بالمرصاد، واعتبروها من كبائر الذنوب، بل أصدروا فتوى بتكفير من يقوم باستخدامها، والحكم بالإعدام على من يستخدم ذلك الاختراع الشيطاني، وكانت حجتهم فى ذلك أنهم خافوا من تحريف القرآن!!!.
وتلك الواقعة توضح المسافة الشاسعة التي كانت تفصل ولايات إمبراطورية الظلام العثمانية عن عصر العلوم والتكنولوجيا الحديث.فإذا كان هذا موقفهم من استيراد الطابعة؛ فما بالكم بالاختراعات العلمية نفسها، واستكشاف قوانين الكون والطبيعة، وما يتطلبه ذلك من حرية الفكر، وخاصة التفكير العلمي، والمنطقي، والشك في القيم البالية، والتحرر من التفكير الغيبي، والاعتماد على مبدأ التجريب في كافة العلوم!!!.
وفي(المجال السياسي)؛ تطورتالعلوم السياسية، وبدأ الفلاسفة يتساءلون حول أصل السلطة، وأشكال المؤسسات المدنية، وماهية التشريعات، فكانوا بذلك يمهدون ببطء لتفتح الأفكار الثورية،وانتقد بعض فلاسفة عصر الأنوار المَلَكية المطلقة، ورفضوا مبدأ كون الملك ظل الله في الأرض، وسيد رعاياه؛ باستطاعته أن يحكمهم كيفما يشاء، ومثلما يشاء، وطالبوا بمَلَكية ذات صلاحيات محدودة.
وبذلك جلب التنوير (التحديث السياسي) إلى الغرب، فمن حيث نظريات الحكم؛ أسند جون لوك فلسفته المتعلقة بالحكم إلى نظرية (العقد الاجتماعي) كما أوضحنا سابقًا، وهو موضوع تغلغل في الفكر السياسي لحركة التنوير، ونادى جون جاك روسو بإعطاء السيادة للشعب؛ لأنه مصدر كل السلطات، وما الدولة إلا مجرد خادم لمصالحه،ووضع لوك وروسو نظريات العقد الاجتماعي في رسالتين في الحكم المدني ومقالة في اللامساواة، على الترتيب، وإن اختلفت أعمالهما اختلافًا كبيرًا، إلا أن لوك وروسو اتفقا على أن عقدًا اجتماعيًا [تكون فيه سلطة الحكومة رهن موافقة المحكومين] يكون ضروريًا للإنسان حتى يعيش في مجتمع مدني.
وتستند نظريات العقد الاجتماعي الخاصة بكل من روسو ولوك على التسليم جدًلا بالحقوق الطبيعية، والتي ليست نتيجة للقانون أو العرف، ولكنها خواص امتلكها جميع البشر في مجتمعات ما قبل السياسة، وبالتالي فهي عالمية وراسخة (أي غير قابلة للتصرف).
واكب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز هذا النقاش الجديد بعمله اللفياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة) عام 1651م،ووضع هوبز أيضًا بعض أساسيات الفكر الليبرالي الأوروبي مثل حق الفرد، والمساواة الطبيعية بين جميع البشر، والخاصية المفتعلة للنظام السياسي (التي أدت لاحقًا إلى التمييز بين المجتمع المدني والدولة)، والرأي القائل بأن كل سلطة سياسية شرعية يجب أن تكون (تمثيلية) ومنبثقة من موافقة الشعب، وتخريج ليبرالي للقانون الذي يترك الشعب حرًا في فعل ما لا يحظره القانون صراحة، كما طالب مونتسكو بضرورة الفصل بين السلطات.
جادل فلاسفة عصر التنوير القول بأن وضع أساس تعاقدي للحقوق من شأنه أن يفضي إلى تشكيل آلية السوق،والرأسمالية، والمنهج العلمي والديني، والتسامح، وتنظيم الدول في جمهوريات حكم ذاتي من خلال الوسائل الديمقراطية،ومن وجهة النظر هذه؛ فإن ميل الفلاسفة بالذات لتطبيق العقلانية على كل مشكلة هو التغيير الأساسي.
وعلى الرغم من هيمنة منظري العقد الاجتماعي على معظم الفكر السياسي للتنوير، فقد انتقد كل من ديفيد هيوم وآدم فيرغسون هذا المعسكر، إذ يجادل مقال هيوم حول العقد الأصلي بأنه نادرًا ما تظهر الحكومات المُستمدة من الموافقة، وأن الحكومة المدنية ترتكز على سلطة الحاكم وقوته المعهودتان،وتوافق الرعية ضمنيًا على سلطة الحاكم، وذلك لسبب محدد ألا وهو أن سلطته تكون على حساب هذه الرعية، ويقول هيوم إن الرعية:”لن تتخيل أبدًا أن موافقتها جعلته حاكمًا”، بل إن السلطة فعلت ذلك.
وبالمثل. لم يؤمن فيرغسون بأن المواطنين يبنون الدولة، بل إن نظم الحكم تنشأ من التنمية الاجتماعية،وفي مقالته عام 1767م حول تاريخ المجتمع المدني يستعين فيرغسون بالمراحل الأربع للتقدم، وهي نظرية كانت شائعة جدًا في إسكتلندا في ذلك الوقت، لشرح كيف يتقدم البشر من مجتمع الصيد وجمع الثمار، إلى مجتمع تجاري ومدني، دون “توقيع” عقد اجتماعي.
لم يكن قادة التنوير ديمقراطيين بالضرورة، إذ غالبًا ما رأوا في الملوك المطلَّقين مفتاحًا لفرض الإصلاحات التي أعدها المثقفون، ازدرى (فولتير) الديمقراطية وقال إن الملك المطلق يجب أن يكون مستنيرًا ويجب أن يتصرف وفقًا لما يمليه العقل والعدالة؛ بعبارة أخرى أن يكون “ملكًا فيلسوفًا”.
وفي العديد من الدول الأوروبية؛ رحب الحكام بقادة التنوير في البلاط، وطلبوا منهم المساعدة في إعداد قوانين، ومخططات لإصلاح النظام، وعمومًا لبناء دول أقوى،ويطلق المؤرخون على هؤلاء الحكام:”طغاة مستنيرون”، كان من بينهم فريدريك العظيم ملك بروسيا، وكاترين العظيمة إمبراطورة روسيا، وليوبولد الثاني ملك توسكانا، وجوزيف الثاني ملك النمسا.
حيث رأى فريدريك العظيم، ملك بروسيا، الذي حكم من عام 1740م إلى عام 1786م، رأى في نفسه زعيمًا لعصر التنوير، ورعى الفلاسفة والعلماء في بلاطه في برلين،وكان فولتير الذي تعرض للسجن وسوء المعاملة من قِبل الحكومة الفرنسية؛ حريصًا على قبول دعوة فريدريك للعيش في قصره،وأوضح فريدريك: “وظيفتي الأساسية هي محاربة الجهل والتحامل … تنوير العقول وغرس الأخلاق وإسعاد الشعب بالقدر الذي يناسب ويلائم الطبيعة البشرية، وبما تسمح به الوسائل المتاحة لي”، وكان جوزيف الثاني ملك النمسا متحمسًا للغاية لقيم التنوير، وأعلن عن العديد من الإصلاحات،وحكم كبار الوزراء أيضًا مثل الماركيز الأول لبومبال في البرتغال، ويوهان فريدريش ستروينسي في الدنمارك،وفقًا لمُثل التنوير،وفي بولندا؛ عبّر نموذج دستور عام 1791م عن مُثل التنوير، ولكنه سرى لمدة عام واحد فقط قبل تقسيم الأمة بين دول الجوار.
وبذلك ساهم مفكرو عصر التنوير في إغناء التراث الأوروبي والإنساني بنظريات جديدة خاصة في ميدان الفكر السياسي، وقد استفادت البرجوازية من هذه النظريات فتزعمت حركة التغيير خصوصًا في أواخر القرن الثامن عشر، سواء داخل أوروبا أو خارجها، كما كان عصر التنوير وما أنتجه من أفكار وضعية وعقلانية وخصوصًا الفكر السياسي ملهمًا لعدد من الثورات الاجتماعية والسياسية شهدتها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وفي طليعتها الثورة الفرنسية، والتي أسفرت عن قيام ونشأة مفهوم الدولة الحديثة.
وفي مقابل هذا الزخم الهائل في تطورات الفكر السياسي الأوروبي،وتلك التطورات النوعية علىطريق الدولة الحديثة،طيلة القرنين السابع عشر والثامن العشر؛ لا يوجد لدى الأمة المصرية إبان حقبةالاستعمار العثماني البغيض، أي تطور لنرصده، أو تقدم لنعرفه، أو ضوء لنتتبعه، أو حدث سياسي ذو بال لنقره، أو نقلة حضارية لنستشعرها، أو قيمة إنسانية تبهرنا، أو مُثُّل إنسانية عليا تأثرنا،فتاريخ مصر في القرنين الأولين من الفتح العثماني ليس به شيء من الأخبار الهامة، ولا يشتمل غالبًا على غير سلسلة من الولاة لا يكاد الواحد منهم يُعيَّن حتى يُعزَّل، ولم يشتغل أغلبهم بشيء سوى التزود من المال قبل أن تنقضي مدة ولايته.
كانت السلطة الفعلية إبان الاستعمار العثماني البغيض؛ في أيدي الحامية العسكرية كما أوضحناسابقًا، الذين طغوا وأفسدوا غير مراعين لحقوق أو حرمات الشعب المصري، حيث قام الجنود العثمانيون بالكثير من الجرائم ضد المصريين، من نهب السكان، ومهاجمة البيوت للاستيلاء على ما فيها، ومهاجمة الأسواق وخطف أمتعة الناس، وكانوا يسلبون جمال وحمير السائقين التي تنقل المياه إلى المنازل،ويذكر الجبرتي حادثة لتعسف الجنود التركمان، حيث شرب أحد جنود الأرناؤود شربة عرقسوس لم يدفع ثمنها، مما أدى إلى حدوث شجار أدى إلى تدخل جنود آخرين، وكانت النتيجة موت تسعة أشخاص من عامة الشعب في شربة عرقسوس!!!.
أوضح الجبرتي أن السلطان العثماني رسخ نظام الطوائف الذي كان قائمًا فى البلاد، سواء كانت طوائف دينية، أو مذهبية، أو مهنية، أو حرفية، أو عرقية، وهو نظام كان يضم أبناء كل طائفة تحت رئاسة شيخ يختارونه، ويتولى رعاية أبناء الطائفة، ويقوم بهمزة الوصل بينهم وبين الوالي، مشيرًا إلى أن الطائفة كانت بمثابة (الوطن) الذي يعيش فيه أبناؤه، ويخلصون له ويعملون من أجله، الأمر الذي جعل فكرة (الدولة) والوطن الأم غائمة.
كما أدت طريقة تنصيب الوالي من قبل السلطان العثماني إلى استمرارتدهور الأوضاع، حيث كان الولاة العثمانيون على مصر محدودي المدة كما أوضحنا سابقًا، ما جعلهم يصبّون اهتمامهم على جمع المال عن طريق الضرائب التى فرضوها على المصريين والحصول على أكبر قدر من المنافع، ولم يشغلوا أنفسهم بما يمكن وصفه بتحقيق تنمية وتطوير حقيقي؛ مما أثر بالسالب على أدائهم فى رعاية مصالح البلاد، وأثقلوا المصريين بالضرائب، وعمدوا إلى جمع المال بكل وسيلة لإرضاء الباب العالي ليبقيهم ولاة على مصر، فضلا عن تأمين مستقبلهم بجمعهم المال لينفعهم بكل الطرق، وابتزاز التحف والهدايا من الناس بعد عزلهم؛فلم يكن يعنيهم القيام بأي أعمال أو إنشاءات تخلد ذكراهم، فهم راحلون إلى أوطانهم عما قريب.
أضف إلى ذلك الانفصال الطبقي الذي كان بين الخلفاء والمجتمع، فلم يعد الخليفة رمزًا سياسيًا مرموقًا يمكن للرعية التوجه إليه واللجوء لأمراءه ومسؤوليه لو أشكل عليهم أمر ما، مما أدى إلى حنق الرعية على الخلافة العثمانية وتمني زوالها.
وفي (مجال الفنون)؛تأثرت أفكار التنوير حول الفن، والإبداع بالتبجيل المعاصر للعقل، والتجريبية، والكلاسيكيات، وتم تصوير عمل الفنان على أنه محاكاة للطبيعة، وبقدر ما يتعلق الأمر بالفن الرفيع، يجب أن تكون عملية المحاكاة مستنيرة، ويرافقها فهم ذكي للعمليات المستخدمة لإنتاج الفن الكلاسيكي، وكان يُنظر إلى القدماء وفنونهم؛ كنماذج في الاختيار لأجمل العناصر التي تمت ملاحظتها في الطبيعة، مما خلق أشكالًا من الطبيعة المثالية، التي ظهرت عبر عملية الفلترة، واختيار أفضل الأشياء، وتصفية العيوب المادية. وشهد هذا العصر تطورًا في مجال المسرح، والموسيقى، والفنون المعمارية، والبصرية، وكان الجمال والتناغم والتناسب والتناسق التي هي الجوهر الحقيقي للعالم والإنسان،وتُقارن هذه الفترة بالباروكية المتأخرة والعهود الكلاسيكية في الموسيقى، والعهد الكلاسيكي الجديد في الفنون.
بينما انحسرت المبانيوالعمارة الجميلة والبديعة التي تزينت بها مصر سابقًا، وأثرت الحالة الاقتصادية السيئة إبان حقبة الاستعمار العثماني بشكل سلبي على العمارة المصرية في ذلك العصر، فقد كان فيها كثير من الاقتصاد من حيث المساحة ومن حيث الزخرفة، كما قلت الدقة في البناء، لقلة الثروة من ناحية وتقهقر الصناعات من ناحية أخرى، فلم يكن الولاة العثمانيين يعنيهم القيام بأي أعمال أو إنشاءات تخلد ذكراهم، فهم راحلون إلى أوطانهم عما قريب.
ومن نتائج الاقتصاد في مباني هذا العصر أيضًا أن صارت السُّبُل والمكاتب تُبنى لها أبنية قائمة بذاتها بعد أن كانت من ملحقات الجوامع،وليس من آثار هذا العصر ما يُلاحَظ عليه آثار الدقة إلا القليل،وهي أقل رونقًا ودقة من آثار المماليك، وسواء في ذلك المباني أو الترميمات؛ فإن هذه الترميمات لم تتناسب في أي أثر رُمِّم في هذا العصر مع جمال البناء الأصلي، وكثيرًا ما تكون أشبه بالرقع الخرقة في الثوب الجميل.
واستحدث العثمانيون في بناء الجوامع بمصر الشكل التركي، وهو مُتخَذ من شكل كنائس (بيزنطة) القديمة، وأهم شيء في أوضاعه اتخاذ القباب بدلًا من السُّقُف المستوية، فصارت القبة في كل جامع هي المركز الذي يدور عليه البناء بعد أن كانت إشارة إلى الأضرحة والمقابر في الزمن السابق، ومن سمات هذه المباني أيضًا اتخاذ (القاشاني) المُحلَّى بالأشكال البيزنطية، وبناء المنابر الأسطوانية الشكل أو المنشورية الكثيرة الأضلاع جدًا حتى تقرب من الأسطوانية، وتنتهي غالبًا بمخروط أو هرم كثير الأضلاع يُتَّخذ من الخشب،ومن هذه الأشكال البيزنطية في هذه الحقبة؛ جامع الملكة صفية بالداودية الذي تم بناؤه سنة ١٦١٠م.
وفي(الجانب الثقافي)؛ أصبحت الثقافة في أوج عظمتها إبان عصر التنوير الأوروبي، حيث حقق الفن،والأدب، والمسرح، واللغة، أقصى درجات الروعة، كما كانت هناك تغيرات كبيرة لها صلة بتقاليد المجتمع في جميع المجالات،ومهد هذا العصر الطريق أمام الحركة الرومانسية من أجل الانتشار في أواخر القرن الثامن عشر،فبدأت الحركة الرومانسية في الأدب والفن تعطي أهمية كبرى للمشاعر الإنسانية، ولأول مرة، كان الإنسان مهتمًا بالسعادة،وقد امتدت رياح التنوير إلى كافة النواحي الثقافيةفي جميع أنحاء أوروبا، حيث صدرت أعمال أدبية، وفنية، ومسرحيات نقدية، وتُرجمت أمهات الكتب الإغريقية، كما صدرت مجلات أدبية وعلمية وفلسفية.
بينما نهب المستعمرون العثمانيون منذ اليوم الأول للغزو آثار مصر، وسرقوا الكتب من المدارس والمساجد، مثل مؤلفات السخاوي والمقريزي، والكثير غيرها، ونقلوا حقول المعرفة العامة من القاهرة إلى القسطنطينية عاصمة الاستعمار العثماني، حيث تم نهب خزائن الكتب والمكتبات، فحُرمت مصر من كنز كبير من كنوز المعرفة، التي حظيت بها على مدار قرون عديدة.
وكان الأزهر والكتاتيب النافذة التثقيفيةوالتعليمية الوحيدة، والتي اقتصر دورها على العلوم النقلية دون العلوم العقلية، التي تذكي روح الإبداع والابتكار، وانحطت اللغة العربية نتيجة استخدام اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد، ولم تنجب مصر طيلة هذا العصر علماءً، أو فلاسفة، أو مفكرين، أو أدباءً، أو شعراءً، حتى بمقاييس العصور الوسطى البالية.
وشاع الاعتقاد في السحر والخرافات وراجت أسواق المشعوذين والدجالين، ويحكي شحاتة عيسى إبراهيم في كتابه (القاهرة)، عن إشاعة راجت في أحد الأيام من عام 1735م، أن يوم البعث سيكون يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي الحجة، وأخذ الناس يودع بعضهم البعض الوداع الأخير، ويهيمون على وجوههم في الحقول والطرقات، وانقضى اليوم ولم تقم الساعة، والناس مازالوا أحياءً يرزقون، فشاع بينهم مرة أخرى أن السيد أحمد البدوي والسيد الدسوقي والإمام الشافعي تشفعوا للناس عند الله أن يؤجل لهم قيام القيامة، فقبل شفاعتم!!.
أما في المجال الديني، فقد حارب رواد عصر التنوير الأوروبي تجاوزات الكنيسة، وخاصة الكنيسة الكاثوليكية، ودافعوا عن حقوق الإنسان ضد الظلم وعدم المساواة التي كرستهما الكنيسة، وكانت فكرة (حرية الاعتقاد) من أهم الأفكار التي ظهرت خلال هذا العصر، والتي كانت تهدف إلى التأكيد على أن كل إنسان حر في اختيار ديانته،فقد حاربفلاسفة التنوير التعصب الديني واللاتسامح، اللذين سادا أوروبا طيلة عقود طويلة، ودعا الكثير منهم إلى توظيف التحليل العلمي للظواهر الكونية عوضًا عن التفسيرات الدينية التي كانت سائدة، ومع ثورة المعرفة التي ولّدها عصر التنوير نُظر إلى الدين من منظور جديد،مما أدى إلى تراجع الكنيسة واختفاء محاكم التفتيش المقدسة.
كذلك رأى فلاسفة التنوير أن من المهام الضرورية؛ تنقية الدين المسيحي من الخرافات والأفكار غير العقلانية، التي التصقت بتعاليم المسيح البسيطة على امتداد تاريخ الكنيسة، ودعا هؤلاء الفلاسفة إلى ما يُسمّى بالدين الطبيعي، وساد الاعتقاد بفكرة التأليه الطبيعي، حيث اُختزل مفهوم الإله إلى كائن أعلى تتجلى آثاره في الطبيعة بما تشتمل عليه من تنظيم وقوانين، وهو يشبه تقريبًا(المحرك الأول) أو (الإله الفلسفي) في فلسفة أرسطو، وعلى الرغم من الشك في المؤسسات الدينية، اعتقد العديد من مفكري عصر التنوير أنه ينبغي أن يكون الناس أحرارًا في العبادة حسب رغبتهم.
بينما ظل التفكير الغيبي، والرؤى الميتافيزيقة للكون، والانتماء الطائفي،والتعصب الديني والمذهبي، ظل سائدًا منذ الاحتلال العثماني لمصر، واستمر طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشرالميلاديين. وقد أطلق الجبرتي على العلماء والمشايخ لفظ المتعممين، وكوّنوا طائفة من طوائف المجتمع المصري على رأسها شيخ الأزهر، وقد انتظموا في مراتب تعارفوا عليها، فكان هناك مشايخ من الطبقة الأولى، وآخرون من الطبقة الثانية والثالثة،وكان الجبرتي نفسه ينتمي إلى هذه الهيئة العلمية المتماسكة، وبرز فيها وأخذ مكان الصدارة، وكان لهذا الفضل الأكبر فيما كشفه في مؤلفه (عجائب الآثار) عن التطورات والاتجاهات التي كانت تموج في أوساط رجال الدين وعلماء الأزهر.
كشف الجبرتي عن مبدأ مهم كان سائدًا لدى طائفة العلماء والمشايخ، وهو مبدأ وراثة الابن أو الأخ لمكانة العالم ومناصبه، حتى وإن لم يكن من آل بيته من درس بالأزهر أو تلقى تعليم إسلامي،والظاهرة اللافتة للنظر أنه في أواخر القرن الثامن عشر تحول الكثير من العلماء والمشايخ إلى شريحة فعالة في النشاط الاقتصادي، عندما صارت لهم حقوق النظارة على الأوقاف الخيرية، مثال على ذلك الشيخ السادات الذي أثرى من هذه الوظيفة.
ازداد انتشار التصوف بمفهوم الدروشة، وكثر أصحاب الطرق الصوفية، فأدى ذلك إلى تدهور الصوفية، فبعد أن كانت فلسفة دينية ذات مسحة روحانية، ونزعة إنسانية، وتعبيرًا عن الصفاء النفسي؛ تحولت إلى دروشة من خرافات، وبلغ عدد الطرق الصوفية حوالي الثمانين، منها الرفاعية، والقادرية، والأحمدية، والبرهانية، والشاذلية، والنقشبندية، والحسينية، وغيرها، أما الخصائص التي ميزت هذه الفرق عن بعضها، فقد كانت قليلة، أولها ما يختص بالزي، وثانيها ما يتعلق بالذكر والعبادة، ولكل فرقة شيخها، فعُرفت الأحمدية بالزي الأحمر، والبرهامية بالزي الأخضر، والرفاعية بالأسود، ويؤكد الجبرتي أن التصوف في مصر العثمانية، قد استشرى في الفساد، ولعل انحلال الأخلاق ساعد على انتشار الدجل والشعوذة، وحظي كثير من الدجالين على شهرة واسعة مثل الشيخ صادومة السمنودي.
ونقل العثمانيون التعصب الديني إلى طبقات الشعب في مصر والذي خلق حالة من الفوضى في المجتمع.
تكونت الأقليات الدينية من مسيحي القبطالمصريين (السكان الأصليين)، وقد بلغ عددهم وقت دخول الفرنسيين ما يتراوح بين 150 – 200 ألف نسمة، إضافة إلى مسيحي الشوام ، واليهود، وكان من المفترض أن يتمايز المسيحيون واليهود بملابس معينة؛ بحجة التفرقة بينهم وبين المسلمين،ومثال على ذلك ما فُرض على مسيحيي مصر من لبس ألوان قاتمة (الأزرق- الأسود)، وإظهار الصليب وتعليقه طوال الوقت، وحُرّم عليهم ركوب الخيل وحمل السلاح عدا الرهبان، وعدم شراء واقتناء الجواري والعبيد، والسير في جهة اليسار تاركين الجهة اليمنى للمسلمين، ولا يسمون أبناءهم باسماء الأنبياء.
وقد بلغ عدد اليهود المصريين في أواخر القرن الثامن عشر ما يقرب من خمسة آلاف نسمة،وانقسموا إلى فئتين كبيرتين؛ اليهود الإسرائيليون (الربانيون) وهم الأكثر عددًا، واليهود(القرائين) وكانت أقل عددًا وعارضت باقي اليهود، كما كان لها معبد منفصل،وشملت العديد من القيود أيضًا اليهود، ففي عام 1580م أمر الوالي حسن باشا أن يلبس اليهود قبعات مخروطية حمراء، ثم تغيرت إلى اللون الأسود في عهد الشريف محمد باشا في عام 1590م، فضلًا عن قيام اليهود والنصارى بتعليق جرس حول رقبتهم عند دخولهم الحمامات العامة ليُعلم أنهم غير مسلمين!!.
وحسبما يذكر كتاب (تاريخ مصر) للمؤرخ ساويرس بن المقفع، بأن بداية دخول الجبايات والجزية المدفوعة للدولة العثمانية بدأ فى مصر فى عهد السلطان العثماني محمد الأول (1730- 1754م)، حيث أصدر في أغسطس 1734م ثلاث فرمانات إلى السلطة الحاكمة في مصر بخصوص تنظيم ضريبة الجوالي، ويقضي الفرمان الأول بأخذ الجوالي من الملتزمين المماليك ويُعطى لأمانة الباشا العثماني، وقضى الفرمان الثاني بتقسيم النصارى واليهود إلى ثلاث فئات، الأولى تدفع 400 بارة (عملة عثمانية)، والوسطى 200 بارة، والأخيرة 100 بارة.
وفي (المجال الاجتماعي)، أكد رواد عصر التنوير على ضرورة الحد من امتيازات النبلاء،وإلغاء العبودية، وتحسين معاملة المجرمين،واضعين تراتبية المجتمع القديم موضع المساءلة، وناضل العديد من فلاسفة التنوير من أجل أن تتمتع المرأة بحقوق مساوية للرجل وعندما اندلعت الثورة الفرنسية اضطلعت النساء خلالها بدور شديد الفعالية في مكافحة النظام الإقطاعي القديم،وظهرت الحركات الأولى المدافعة عن حقوق المرأة،وطالب فلاسفة عصر الأنوار بالحرية والمساواة أمام القانون الوضعي، كما طالبوا بتعميم دفع الضرائب، وربطها بالدخل الفردي.
وكان (التقدم)سمة أساسية إبان عصر التنوير؛ حيث تميزت القرون التي سبقت عصر التنوير بالتغيرات السريعة، من اكتشافات الثورة العلمية إلى استكشاف العالم، والتقدم في التقنية الفنية خلال عصر النهضة، وبسبب هذا؛اعتقد مفكرو التنوير أن(حالة الإنسان الاجتماعية) تتحسن مع مرور الوقت،ووفقًا لموسوعة ستانفورد للفلسفة، فأن الفلاسفة أمثال ديفيد هيوم وآدم سميث ربطا مبادئ التنوير بالسياسة والسياسات الاقتصادية وغير ذلك، وظهرت العديد من النظريات التي تتحدث عن علم النفس والأخلاق،وكذلك أيضًا قوانين التطور الاجتماعي، وأكدواأن الاستخدام الصحيح للعقل، يمكن أن يكون أحد وسائل التقدم غير المحدود للمعرفة والتقنيات والأخلاق، وهذا الاعتقاد سوف تتناوله وتعززه كافة المذاهب الاجتماعية الوضعيةلاحقًا.
بينما لم يكن للعثمانيين دور في الحياة الاجتماعية في مصر إلا تنظيميًا بحتًا، حيث اهتموا بتنظيم أعمال السوق، وتعيين الرقباء عليه، وقد أدت الحروب المتتالية التي شهدتها الدولة إلى التوجه العام لأمور الحكم والسيطرة على سواها، وبالطبع جمع الضرائب والجباية، وكان لهذا الأمر أثر كبير على تفشي الانحلال بين طبقات المجتمع،وكان العثمانيون يحتكرون ويمتلكون كل شيء،واستقروافي القاهرة والمدن الكبرى، واحتفظوا بزيهم العثماني، وامتازوا بالتكبر وعدم اختلاطهم بالسكان؛ على اعتبار أنهم سادة البلاد،وقد مثّل هذا العنصر في مصر جنود الأوجاقات العثمانية، وكذلك أصحاب الوظائف في الدواوين، واشتغلت قلة قليلة منهم بالتجارة والصناعة، كما قاموا بامتلاك الأراضي.
كان المجتمع المصري إبان حقبة الاستعمار العثمانيانعكاسًا لنظام الحكم الأوتوقراطي، فكان مجتمعًا طبقيًا حادًا،حيث انقسم المجتمع المصري إلى طبقتين؛طبقة أرستقراطية، وهي طبقة التركمان العثمانيين، والبيكاوات المماليك، وتركزت كافة السلطات في أيديهم،وتحتل مكان الصدارة في الإدارة والجيش وشؤون الحكم، وينصب اهتمامهم في جمع الثروة من حصيلة أملاكهم، منشغلين بالمكايدات السياسة وصراع السلطة.
ومماليك هذا العصر [كمن سبقهم من المماليك] لم يمتزجوا بالسكان الأصليين، بل عاشوا مترفعين في معزل عنهم، واستولوا على جميع الأملاك، وقد غالى المماليك طيلة العصر العثماني في ابتزاز الأموال من الأهالي، وانغمسوا في الترف في مسكنهم وملبسهم ومعيشتهم، على غير عاداتهم الأولى المبنية على الخشونة والسذاجة في كل شيء، وصارت حُلَّة البيكمنهم تقدر بمبالغ طائلة، ولا يمتطون إلا الخيول العربية الأصيلة الباهظة الثمن،ولم يكن ذلك قاصرًا على البياكوات أنفسهم، بل إن مماليكهم الذين لم يرتقوا بعد إلى مراتب الرياسة كانت ركائبهم مُزيَّنة بأفخر الحرائر، ومُزرقَّشة من كل جانب بالذهب والفضة، على حين أن المصريين الأصليين (أقباط مصر) لم يُسمح لهم إلا بركوب البغال والحمير،وصار أهل البلاد هم العبيد الحقيقيون، و(البيكاوات) هم السادة.
والطبقة الثانية؛ هي الطبقة الدنيا، وهم الأكثرية من الفلاحين وصغار الحرفيين وعامة الناس، وقد عانت هذه الطبقة الفقر والظلم وانتشار المجاعات وتفشي الأوبئة والأمراض والبطالة والتشرد،وظهر في عهد الواليأويس باشا (١٥٨٧-١٥٩١م) وباء شديد، فصار يغتصب أموال المتوفين لنفسه كأنه الوارث للناس،ولم يكن هذا الوباءالوحيد من نوعه في هذا العصر، بل حدث غيره طواعين كثيرة، وكانت تصحبها غالبًا المجاعات [وتلك سُنة معتادة في التاريخ المصري إبان الاستعمار العثماني]. ومن أوبئة هذه الحقبة طاعون حدث سنة ١٦٠٣م الذي فتك بكثير من القرى والأمصار، وآخر تفشى بالبلاد سنة ١٦١٩م فاشتد بطشه حتى أُقفلت الأسواق وتعطلت الأعمال، وفي سنة ١٦٢١م حدث غلاء عظيم أعقبه وباء آخر بقي يفتك بالبلاد نحو ثلاثة أشهر، ولم يكد يُنسى هذا حتى حدث سنة ١٦٢٥م وباء أنكى من السالف، وأعظم من هذا كله وباء حدث سنة ١٦٤٢م لم يُسمع بمثله من قبل، كثرت فيه الوفيات حتى صارت الموتى تُدفن بلا صلاة، وخُربت به مائتي وثلاثين قرية، وأعقبه قحط وغلاء.
وقد استحوذت تلك الطبقة البائسة على الكثير من حديث الجبرتي في كتاباته، فهو وإن كان من سكان المدن إلا أنه ورث عن أبيه أرضًا بقرية (أبيار) بمحافظة الغربية، وهذا ساعده على الإلمام بأحوال الريف، فذكر أن الفئات التي قطنت الريف قُسمت إلى الفلاحين [المسلمين والأقباط]، والقبائل العربية المستقرة أو المتجولة داخل الريف، إضافةً إلى فئة قليلة من المماليك والأتراك الذين اقتضت ظروفهم الإدارية والزراعية التواجد في الريف، وكانت القرية المصرية وحدة إنتاجية مُكتفية ذاتيًا، يُحدد طبيعة الحياة فيها مجموعة من التقاليد، ولم تتأثر بكثير من الأحداث التي تقع خارج حدودها، اللهم فيما يتصل بسكان القاهرة بشكل مباشر، واقتصرت علاقة القرية بالسلطة على سداد الضرائب المقررة على الأرض، وما ارتبط بها من ضرائب إضافية.
كانت طبقة العبيد تشكل جزءًا مهمًا لا غنى عنه في المجتمع العثماني، وكانت هذه الطبقة تتألف من الصبية والبنات الأوروبيين الذين يخطفهم القراصنة، أو يتم سبيهم خلال المعارك والحروب، ومن الأفارقة الذين كان يخطفهم تجار الرقيق من قراهم جنوب الصحراء الكبرى.
قسم الجبرتيالمجتمع المصري في الحقبة التي عايشها إلى الأمراء، وأولاد البلد، ومساتير الناس، والزعر، والحرافيش، والفلاحين، والأعراب، ولم يحاول العثمانيون تنمية المجتمع بأي طريقة، وإنما كانوا ينظرون للمصريين بنظرة تعالي واحتقار، وقصروا الوظائف الإدارية على نفس عنصرهم التركماني وعنصر المماليك كما ذكرنا، لذلك انحط المستوى الاجتماعي للشعب المصري، وشاع الاعتقاد في السحر والخرافات وراجت أسواق المشعوذين والدجالين. وأدى تردي الأحوال المعيشية وفقر ذات اليد إلى التهاء كل فرد بالمجتمع بنفسه، وإمكانية إعالة نفسه وأهل بيته. وسادت روح اللامبالاة التي عاشها الشعب نتيجة الحروب والغزوات المستمرة التي شهدتها البلاد.
ولم يحدث أي تطور في دور المرأة في المجتمع الذي أشرنا إليه سابقًا أثناء الحديث عن عصر النهضة الأوربية، ولم يطرأ أي تغيير في النظرة إلى قيمة المرأة، بل زادت أوضاعها سوءًا، وأصبحت مصيبتها مزدوجة، فهي تعيش كل البؤس والقهر الذي يعيشه الرجال، وتستحوذ بمفردها على سحق المجتمع الذكوري للنساء.
كانت الطبقة الوسطى محدودة للغاية،وتشمل الأعيان، وكبار التجار، وعلماء الأزهر، والحرفيين في المدن، وظلت تبعيتهم للسلطة السياسية بشكل تام، ولم تشهد تطورًا طيلة الحكم العثماني، بل دازت تدهورًا على كافة المستويات، الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية، والثقافية، وكان ذلك سببًا رئيسًا في انعدام الحراك الاجتماعي، ومن ثم البطء الشديد في التطور والتقدم، لافتقادهم لروح المبادرة والابتكار والاختراع، واقتصار تطلعاتهم في رضاء الحكام عنهم، فافتقدوا الحيوية الاجتماعية والسياسية.
وذلك على خلاف الطبقة الوسطى الأوروبية الحديثة، التي نشأت في غضون صراع طويل، ومرير، وعنيف في أغلب الأحول، ضد الطبقات الاجتماعية السائدة، وخاصة ضد الإقطاعيين والكنيسة، وما يمثلهم من قيم فيودالية إقطاعية بالية، فكانت بذلك طليعة التقدم، والتطور، والنهوض، والتنوير، داخل مجتمعاتهم، ثم أصبحوا البديل الطبقي لقيادة المجتمع الرأسمالي الجديد، على أنقاض الطبقات القديمة البالية….. ونستكمل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك