الخميس - الموافق 28 مارس 2024م

ماّساة هشام جعفر  بقلم : كارم يحيى

 

هذا ليس برجل يحمل أفكار سيد قطب في التطرف وتكفير الدولة والمجتمع .وهو لا يؤمن بجاهلية العصر. إنه في حبس قارب على عام كامل من دون محاكمة . ويزيد من معاناته ومأساته تدهور حالته الصحية بصرا وبروستاتا .

وثمة في مواجهته قسوة غير مبررة .فقد ضغط زملاؤه بنقابة الصحفيين حتى دفعوا الى نقله وآخرين من سجن العقرب شديد الحراسة إلى مستشفي قصر العيني في مارس الماضي . وهاهو يعاد الى السجن نفسه شاكيا من أنه لم يتلق العلاج، ولم تجر له جراحة ضرورية . ثم يظهر حاملا قسطرة البول ومضربا عن الطعام أمام المحكمة في 25 أغسطس ليتجدد حبسه احتياطيا 45 يوما. مشهد لايليق بمصر صاحبة حضارة تمتد الى آلاف السنين .ولا يليق بالقرن الحادي والعشرين الذي نعيش.

اتحدث عن الزميل الصحفي هشام جعفر .وهو أيضا باحث مرموق . التقينا آخر مرة مصادفة في أكتوبر 2013 عندما ذهبت للقاء الصديق الطبيب المثقف حنا جريس بمقهى ريش لأحاوره في سياق اعداد كتابي «خريف الإخوان : كيف فشل حكم الجماعة في مصر»؟. فوجدته كعادته وقورا دمثا . وتناقشنا فيما يجرى في مصرنا الحبيبة فلمست كما عاهدت فيه اعتدالا و حرصا على المجتمع والدولة ومؤسساتها . بل كان كما في كتب قبل ثورة يناير ضمن كتاب مشترك بعنوان «أزمة الإخوان المسلمين» ناقدا للجماعة

. ولقد راجعت سيرته الذاتية .فوجدت الى جانب مشاركته في صياغة بعض وثائق الأزهر التي تتسم بالوسطية والساعية الى توافق وطني والداعمة لمدنية الدولة مستشارا لمؤسسات دولية تعمل على أهداف السلام والتآخي والحوار. وبعضها متخصص في منع الحروب والنزاعات المسلحة والعنف.ومن بينها مركز الحوار الانساني بسويسرا. وهو مؤسسة تقول إنها مستقلة وتعمل في مجال الدبلوماسية غير الرسمية على الحوار والوساطة بين الأطراف المتحاربة أو التي توشك على الانزلاق الى الحرب . كما تصف نفسها بانها بعيدة عن التجاذبات السياسية . وهذا فضلا عن ان هشام جعفر عمل مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( اليونسيف) في مشروعات تخدم المجتمع المصري.ناهيك عن جهده الصحفي الإعلامي و البحثي المتميز مهنية ورصانة . كما تعرف جدران مؤسسة الأهرام ونشاط مركزه للدراسات الاجتماعية والتاريخية مساهماته ونقاشاته ، وبما في ذلك عن القانون والمجالس العرفية .

ويصعب على المرء وعلى نفسي شخصيا تصور ان يدور رجل بهذا التاريخ والصفات والجهود في دائرة الحبس الاحتياطي ، وربما كان الرجل ضحية وشاية كاذبة أو أحد التقارير الأمنية الطائشة . وربما كان السبب في الزج به الى هذه المعاناة والمأساة ـ كما يخمن البعض ـ وثيقة فكرية سياسية عمل على اعدادها في نهاية ابريل 2015. أي قبل القبض عليه في 15 أكتوبر الماضي .وتحمل عنوان : من أجل تقوية مجال سياسي ديمقراطي تحكمه قواعد اخلاقية متفق عليها . وهي وثيقة ومن فقرتها الأولي تنادي بتطوير المجتمع وتعزيز حقوق المواطنة ومنع خطر العنف والحفاظ على مؤسسات الدولة المصرية واصلاحها ودعم موقع بلدنا الإقليمي والدولي. وتحدد وسائل تحقيق أهدافها في العمل السياسي السلمي والارتقاء بادارة الخلافات بين المصريين . وتشدد على الامتناع عن دعوات العنف والتحريض على التكفير والتخوين ،وتغذية النعرات العنصرية والطائفية والقبلية ، والتشهير والتحقير والتعريض بالحياة الشخصية للخصوم . كما تشدد اكثر على مكافحة الإرهاب وعدم استخدام دور العبادة لأغراض سياسية حزبية. وهي أيضا ترفض عزل أو اقصاء اي تيار فكري أو سياسي من المجال العام ومن المشاركة السياسية .كما تضع اجراءات وصفتها بأنها أولية لضمان عملية انتخابات شفافة ونزيهة . ومنها اعتماد واحترام مدونة سلوك تضبط كل جوانب مشاركة الأحزاب والمترشحين . ناهيك عن تقوية الدور التشريعي والرقابي للبرلمان .

أقول ربما .ولعل هناك أكثر من ربما .لكن هشام جعفر يقينا يستحق وفي الحد الأدني محاكمته مطلق السراح لأسباب عدة من بينها حالته الصحية.

وحقيقة انني اخشي على الجميع والمجتمع بأسره من بذر بذور التطرف والعنف . لذا أكتب هنا متضامنا مع هشام جعفر وكل زملائي. وبخاصة هؤلاء الذين ينظرون برعب الى مصير مواطنين ماتوا في المحابس متهمين بقوائم طويلة من الادعاءات ثم صدرت أحكام براءتهم بعدما غادروا الدنيا كلها قبل ان يستردوا حريتهم

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك