الأحد - الموافق 17 يناير 2021م

وجهان لعملة واحدة ..بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي

ترددت كثيراً على غير العادة .. قبل أن أكتب حول انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب هذه المرة .. لا لشيء إلا لاقتناعي الكامل .. بأن الكتابة في مثل هذه القضايا المتشعبة تحصيل حاصل .. خصوصا أن واقع الأمر ليس فيه جديد يُذكر فهذه الانتخابات شغلت الرأي العام كالعادة ، وكثرت فيها الاتهامات المتبادلة ، وحامت حولها الشكوك كما حامت على غيرها من الانتخابات السابقة .. لكن ولأن للكتابة سبع فوائد أهمها تفريغ الأفكار ، وتعميم الفائدة ، وتسجيل المواقف سطر قلمي هذا المقال المتواضع .. ولعلى بهذا أكون أبديت رأيي في هذا المقام ، وأديت واجبي نحو أم الأوطان التي لا مثيل لها بين البلدان .
وحتى نكون على بينة من أمرنا علينا جميعا أن نعرف أولا قبل أي شيء آخر .. أن الدساتير ، والقوانين ، والأعراف السائدة حول العالم كله .. تؤكد على حق الحاكم والأجهزة الوطنية المختصة في تقييد الحقوق المكتسبة متى دعت إلى ذلك الضرورة الوطنية ، كما تؤكد أيضا على حق الحاكم في تحديد الضوابط المناسبة في أية قضية عامة إذا تطلبت ذلك المصلحة العليا للدولة .. خاصة إذا كانت المشاركة السياسية واجب ، وحق ، ورغبة شعبية في دولة محورية تمر بمرحلة مفصلية كما هو الحال في مصرنا الحبيبة .. ولسنا في حاجة إلى القول أن الدساتير والقوانين والأعراف الدولية إنما منحت الحاكم هذه الحقوق الاستثنائية .. ذلك لأنه بحكم موقعه على قمة هرم المسئولية يرى الصورة من جميع جوانبها الظاهرة والخفية وبناء على هذه الرؤية الشاملة يرسم معالم الخريطة السياسية المناسبة .
وتأسيسا على ما تقدم وانطلاقا منه أقول إذا كان القانون أعطى الحق للأحزاب والائتلافات السياسية في تكوين قوائم انتخابية .. فمن حق الدولة أيضا ممثلة في الهيئة العليا للانتخابات والأجهزة الأخرى المعاونة أن تغربل هذه القوائم وتسقط منها الوجوه القديمة التي شاركت في إفساد الحياة السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية .. على مدى الثلاثة عقود الماضية ، وانتفخت كروشها من نهب الأموال العامة .. ثم عادت عقب ثورة 25 يناير الشعبية الخالدة بمنتهى البجاحة وكأن شيئا لم يكن البتة .. والطامة الكبرى أن هذه العناصر الفاسدة شاركت في معركة الانتخابات البرلمانية الحالية ، كما شاركت في الانتخابات التي سبقتها .. مسلحة بالمال السياسي لتشتري أصوات الغلابة بمنتهى الوضاعة والوقاحة .
للأسف الشديد عادت هذه الوجوه غير المرغوب فيها من جديد .. لتتصدر المحافل السياسية ، وتتقدم الصفوف الوطنية ، وتحتل المقدمة في القوائم الانتخابية …… وعلى رأسها القائمة الوطنية من أجل مصر التي تربعت بدورها على عرش القوائم الانتخابية في هذه الانتخابات .. وتتكون من 12 حزب …… بالإضافة إلى ائتلاف سياسي جديد يطلق عليه تنسيقية شباب الأحزاب ….. حيث خاضت القائمة الوطنية من أجل مصر هذه الانتخابات تحت قيادة حزب مستقبل وطن الذي احتل الترتيب الأول بين الأحزاب السياسية دون منازع …… والمعروف بقربه من الحكومة .. والذي يتهمه البعض بأنه امتداد طبيعي للحزب الوطني الفاسد المنحل البائد … والذي فاز بنحو 70 % من مقاعد مجلس الشيوخ …… وتؤكد المؤشرات الانتخابية على أنه سيمثل الأغلبية في مجلس النواب القادم .
ومن المعروف أن القائمة الوطنية من أجل مصر تحالف انتخابي فقط وليس تحالفا سياسيا ممتدا ، ومن الطبيعي أن ينتهي هذا التحالف بمجرد انتهاء الانتخابات .. والحق يقال أن هذه القائمة يحسب لها أنها شكلت تنوعا سياسيا غير مسبوق وقدمت للناخب لأول مرة توجهات وأيديولوجيات مختلفة تحت سقف واحد …. أما إجمالي الأحزاب السياسية التي شاركت في هذه الانتخابات فقد بلغ عددها 36 حزبا ….. ومن الملاحظ هنا أن هذه المعركة تميزت عن المعارك التي سبقتها بمشاركة عدد كبير من أحزاب المعارضة لعل أبرزها حزب التجمع ، والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي ، وحزب العيش والحرية …….. حيث فضلت هذه الأحزاب المشاركة بعدما كانت تدعوا للمقاطعة في الانتخابات السابقة .. وهي خطوة إيجابية تضاف إلى أرصدتها الوطنية .
وهكذا عاد الفلول ، والبلطجية ، وناهبي الأموال العامة إلى الصدارة مرة أخري … ولم يبق إلا عودة القتلة ، والعملاء ، والخونة … حتى تكتمل الخيبة ، وتزيد الطين بلة …… ونحن إذ ننتقد الهيئة العليا للانتخابات كونها لم تستبعد الوجوه المستفزة لكن يحسب لها أنها استبعدت من انتخابات مجلس النواب في مرحلتها الأولى أربع قوائم انتخابية ألا وهي : قائمة الاختيار ، وقائمة صوت مصر ، وقائمة التيار الوطني ، وقائمة في حب مصر ….. وذلك بسبب عدم استكمال الأوراق اللازمة للترشح …. كما استبعدت أيضا عددا من المرشحين على المقاعد الفردية لعدة أسباب من بينها عدم أداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها وتعاطي المخدرات لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ألا وهو … لماذا لم تستبعد الهيئة الوطنية للانتخابات من هذه المنافسة الفلول ومن يحوم حولهم من الحرامية والبلطجية ؟ .
ألا تعلم الهيئة العليا للانتخابات أن هذا الشعب الصبور سئم من هذه النماذج المتسلقة للعهود ، العابرة للعصور من مخلفات الحزب الوطني الفاسد المنحل البائد …… ولم يعد قادرا على تقبل مثل هذه الوجوه الكئيبة التي أكل عليها الزمن وشرب فترة زمنية طويلة ؟ …… ثم هل غاب عن الهيئة العليا للانتخابات أننا نعيش في مرحلة تاريخية خطيرة تحتاج فعلا إلى دماء وطنية جديدة خصوصا أن التجارب البرلمانية السابقة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن هذه النماذج المستهلكة ليس لديها ما تقدمه من أفكار ذات قيمة تصب في مجرى المصلحة العامة للدولة ولا يهمها شيء في هذه الدنيا إلا مصالحها الخاصة ؟ .
فإذا كانت الجماعة الإرهابية المنحلة مسئولة عن العنف والإرهاب …. فان الفلول مسئولين عن زيادة معدلات الفقر ، وانتشار البلطجة ، وتدمير الاقتصاد .. وإذا كانت المطالبة بالعزل السياسي ، ومصادرة الأموال المنهوبة سقطت من حسابات هذه الأمة لأسباب عدة …. لكن هناك مطالب شعبية مهمة مازالت قائمة .. لعل أهمها تطهير المؤسسات الوطنية من عناصر الجماعة الإرهابية المنحلة … وتوسيع دائرة المشاركة السياسية .. والاستفادة من الكفاءات الوطنية المدفونة .. ولن يتحقق ذلك ما لم تلتزم المؤسسات الوطنية المختصة بتطبيق معايير الموائمة السياسية ، والأخذ بضوابط الملائمة الاجتماعية في اختيار من يحتلون المقدمة في المجالات كافة ، واستبعاد النماذج المتخلفة التي تتقدم خطوة وترجع بنا للوراء الف خطوة .. مما يؤدي إلى تدني مستوى الأداء العام ، ويؤثر سلبا على المصلحة العامة .. وبالتالي يشوه الصورة الكلية لهذه المرحلة التاريخية التي نبني فيها بيد ونقاتل باليد الأخرى على الجهات الأربعة .. والتي تمثل لنا -بلا أدنى مجاملة- طوق نجاة حقيقي وسط هذه الأمواج المتلاحقة من التحديات والمخاطر الداخلية والخارجية غير المسبوقة .. تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي يقود حربا شرسة ضد الفساد والإرهاب وحقق منذ وصوله إلى سدة السلطة إنجازات كبرى لا ينكرها إلا جاحد أو فاسد أو حاقد .
لذلك نحن في حاجة لبرلمان قوي قادر على القيام بدوره جنبا إلى جنب المؤسسات الوطنية الأخرى في هذه المرحلة الفارقة … أما هذا البرلمان إذا نظرنا إليه بغرفتيه الشيوخ والنواب (بتشكيله الحالي والمتوقع) لرأينا العجب العجاب …. وهل هناك أعجب من اختيار الأجهزة المختصة لهذه الثنائيات المبكية المضحكة … (الأب وابنته والرجل وأخيه والزوج وزوجته) سواء من خلال التعيين أو الترشيح ؟ !! … حتى بدا هذا البرلمان في خيال المتابعين للشأن العام ، الغارقين في هموم الأوطان .. كما لو كان عزبة ، أو نادي ، أو دوار عمدة … وليس برلمان دولة محورية واعدة بحجم وعظمة وتاريخ مصر المحروسة !! .. فهل نضب معين هذه الأمة وذهب القول المأثور “مصر ولادة” إلى غير رجعة ؟ !! .
وكي تتضح لنا الصورة أكثر لابد أن نعلم .. أنه رغم أن القانون رقم 141 لسنة 2020 في المادة 28 منه أعطى رئيس الدولة الحق في تعيين 100 عضو في مجلس الشيوخ .. وكذلك أيضا نصت المادة 27 من القانون رقم 46 لسنة 2014 …. المعدل بالقانون رقم 140 لسنة 2020 على حق الرئيس في تعيين 28 عضوا .. في ضوء الترشيحات المقدمة من المجالس القومية ، والعلمية والبحثية ، والنقابات المهنية … لكن نظرا للمهام الجسام التي تنوء بحملها الجبال الملقاة على عاتق رئيس الدولة ……. فإن دوره في مثل هذه الحالات غالبا ما يقتصر على الاعتماد والتصديق …. أما مهمة الاختيار والبحث والتدقيق ومراعاة الضوابط الخاصة بالموائمة والملائمة فلا شك هي مسئولية الأجهزة المختصة .
وخلاصة القول نحن لا نتكلم هنا عن عزل سياسي للحرامية والخونة ، حيث أن المطالبة به أصبحت غير ذات جدوى ، ولا نفكر حتى في مصادرة الأموال المنهوبة .. فكما نعلم جميعا أن العزل والمصادرة من جملة الحقوق الشعبية الضائعة أو بمعنى أكثر دقة الحقوق الشعبية التي اُريد لها أن تضيع .. بعدما توحدت مخاوف الفلول وأتباع المعزول وتشابكت مصالحهم الخاصة …. وهكذا تحالف لصوص المال العام مع تجار الأديان تحت شعار “لا تعزلني ولا أعزلك الهم طايلني وطايلك” .. وهذا ليس غريبا على الحرامية والخونة الذين ما أن وصلوا إلى قمة السلطة تباعا حتى تعاملوا مع الدولة بمنتهى الخسة والشراسة كما لو كانت فريسة سهلة أو تركة ليس لها ورثة .. وكأنهم عصابة محترفة تسلقت أسوار قصر مهيب في موقع جغرافي فريد ….. فريق منها لا هم له إلا النهب والسرقة ، أما الفريق الأخر فلا غاية له إلا الهدم والتدمير وتغيير الهوية ……. فوقعنا ضحية بين طلاب الثروة والسلطة .. الحرامية من ناحية والخونة من الناحية الأخرى …. وهكذا اكتشف أبناء هذا الشعب المطحون بعدما نُهبت مقدراتهم ، وذادت معاناتهم ، وساءت أحوالهم ، واستفحلت مشاكلهم المزمنة …… أن الفلول وأتباع المعزول وجهان لعملة واحدة .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك