الأحد - الموافق 21 أكتوبر 2018م

هذه مصر وقيمتها العالمية:- أسرار ومفارقات تحكى قصة كتاب “وصف مصر”

كتب/ أيمن بحر
• تعد سنوات الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) بقيادة نابليون بونابرت من أبرز وأهم فترات تشكيل التاريخ المصرى الحديث لكونها وضعت البلاد فى مفترق الطرق السياسية والعسكرية والإجتماعية والعلمية.
ولايزال الموقف التاريخى من أثر الحملة الفرنسية على مصر قضية خلافية، رغم مرور أكثر من مائتى عام على نزول الجيش الفرنسى أرض مصر، فمع إتجاه يراها غزواً عسكرياً إستعمارياً خلف آثارا سلبية فى حياة المصريين، يعدها آخرون “فاتحة خير أدخلت البلاد عصر النهضة الحديثة” بفضل إنجازها العلمى وانتشلتها من “ظلمات” ثلاثة قرون من الحكم العثمانى للبلاد.
جاء بونابرت الى مصر يرافقه أكثر من 160 عالما وفنانا، إختارهم بعناية بالتعاون مع الجنرال كافاريللى، تألفوا من مهندسين وفنيين وفلكيين ومعماريين وكيميائيين وعلماء فى التاريخ الطبيعى والمعادن ورسامين وموسيقيين وشعراء ومستشرقين، وأسس فور وصوله “المجمع العلمى المصرى” بغية حل مشكلات الجيش الفرنسى فى مصر.
لم يمكث بونابرت قائداً لحملته العسكرية فى مصر أكثر من عام واحد بسبب تصاعد الحراك السياسى فى القارة الأوروبية ضد مصالح فرنسا، فتخلى عن حلمه بتأسيس إمبرارطورية فى الشرق تاركاً البلاد ومصير جيشه لواحد من أهم قادته، الجنرال كليبر، الذى واجه مستقبلاً مجهولاً وتركة ثقيلة خلفها بونابرت.
أدرك كليبر منذ اللحظة الأولى لتوليه القيادة العامة للجيش فشل الحملة عسكرياً، لذا سعى الى التشبث بمكسب علمى أكثر إستمرار والإستفادة من جهود العلماء المصاحبين لحملة “جيش الشرق”، كما تعرف إصطلاحا فى الوثائق الفرنسية.
كانت أولى خطوات التجديد البارزة لكليبر تأسيس لجنة علمية إضافية، الى جانب لجنتين أخريين أسسهما بونابرت، فى 19 نوفمبر/تشرين الثانى 1799 كلّفها كليبر بدراسة مصر القديمة والحديثة، لاسيما التشريع والأعراف الدينية والمدنية والإدارة والشرطة والحكم والتاريخ والحالة العسكرية والتجارة والصناعة والتاريخ الطبيعى والسكان والآثار والنقوش والأزياء والجغرافيا.
ويقول المؤرخ الفرنسى هنرى لورانس، فى دراسة متخصصة عن “الحملة الفرنسية فى مصر وسوريا” إن الهدف من اللجنة يبرز إهتمام كليبر بالمؤرخين “وعلى اللجنة إعفاء الأجيال القادمة من البحث، تحت أطلال قرون من الإعتقادات، عما كانت عليه مصر فى الزمن الذى إنتقل فيه الفرنسيون من الحكم الملكى الى الحكم الجمهورى”.
ويعتبر المؤرخون كليبر مؤسساً لهذا الإرث العلمى الفرنسى، الذى سماه العلماء أنفسهم نصاً “وصف مصر أو مجموعة الملاحظات والأبحاث الموضوعة فى مصر أثناء حملة الجيش الفرنسى والمنشورة بأمر صاحب الجلالة الامبراطور نابليون المعظم”، وفقا لماً ورد فى الصفحة الأولى من الطبعة الإمبراطورية.
إتخذ كليبر القرار التأسيسى فى 22 نوفمبر/تشرين الثانى عام 1799، وكتب الى حكومة الديركتوار (الإدارة) بتاريخ 8 يناير/كانون الثانى 1800، حسبما جاء فى وثيقة وردت فى صحيفة الحملة الفرنسية “كورييه دى لاجيبت” فى عددها رقم 54:
“إن هذا المشروع الأدبى الذى سوف ترحب به كل حكومات أوروبا، سوف يكون محل تقدير أكبر بكثير فى بلد يشجع حرية جميع الفنون، كما أن الكتّاب الذين يؤلفون هذا العمل الجمعى إنما يتطلعون الى شرف منح عملهم طابعاً قومياً، وهم يعرضون مشروعهم عليكم بشكل محدد”، وأضافت الوثيقة : “إن الأبحاث المتعلقة بالحالة الراهنة لمصر إنما تقدم موضوعاً مهما للفلسفة والسياسة، كما أن القوانين والعادات والتاريخ والحكم والصناعة والتجارة وإيرادات هذا البلد تستحق دراسة أشمل لا يمكن إنتظارها من الرحالة الفرنسيين أو الأجانب الذين سبقونا، لقد جمعت الأشخاص الذين بدوا لى أكثر ملاءمة للتنافس فى هذا العمل، ومنحتهم كل السلطة والإمكانات التي يحتاجون إليها”.
وبعث كليبر رسالة أخرى الى المجمع العلمى المصرى بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثانى 1799 تلاها العالم جوزيف فورييه على الأعضاء جاء فيها: “إن المرء لا يسعهاإلا أن يظهر إعجابه بذلك النشاط العظيم، وذلك التعاضد الذى ظهر من أعضاء اللجان لتبادل ثمار البحوث العديدة التى أعدوها، ومن دواعى الإعجاب ذيوع فكرة تهدف الى جمع كل تلك الآثار فى كتاب واحد”.
تشجع بونابرت للفكرة وإنتظر عودة جيش الشرق الى فرنسا وأصدر قرارا بتاريخ 6 فبراير/شباط 1802 يلزم الحكومة بنشر الكتاب، على أن تتكفل الخزانة العامة بكافة النفقات، مع إستمرار صرف رواتب العلماء التى كانوا يتقاضونها فى مصر، ومنحهم حق الحصول على أرباح طبع الكتاب.
شكل جان-أنطوان شابتال، الكيميائى البارز ووزير الداخلية فى ذلك الوقت، لجنة من ثمانية أعضاء مهمتها نشر “وصف مصر”، برئاسة برتوليه، وكلفت فورييه بتحرير مقدمة الكتاب، كما كلفت اللجنة العالم كونتيه وفريقه بإختيار وتجميع النصوص ومراجعتها وإجراء التعديلات اللازمة.
ويشير روبير سوليه فى دراسة خاصة عن “علماء بونابرت فى مصر” الى أنه: “وفقاً لما كان يتمناه كليبر، فإن وصف مصر يجب أن يكون منقطع النظير ولا مثيل له، بل ويرقى على كل ما تقدم قبله، لذا كرست ست آلات طبع خاصة، يتوافر لها نوع خاص من الورق لا يصنع فى أى مصنع ورق فى أوروبا”.
بدأ العمل فى عام 1803 ولم ينته الا عام 1828، توقف خلالها خمس مرات بسبب إضطرابات سياسية ومالية، فضلاً عن وفاة كونتيه، مندوب اللجنة والمباشر للعمل فى عام 1805، أما العالم لانكريه، سكرتير اللجنة، الذى خلفه فقد توفى أيضاً بعده بعامين، فحل محلهما جومار، أحد أبرز العلماء، وعهد اليه بمهمة التحرير حتى الإنتهاء من العمل.
ظهر وصف مصر في طبعتين، الأولى يطلق عليها الطبعة “الإمبراطورية” والثانية طبعة “بانكوك”، وثمة بعض الفروق بين الطبعتين، إذ جاءت الطبعة الأولى مكونة من 9 كتب نصفية للنصوص، يصل كل منها إلى 800 صفحة، و 11 كتابا للوحات، تتضمن إجمالاً أكثر من 3000 رسم، بعضها ملون، فضلاً عن خريطة لمصر وفلسطين جاءت فى 47 صفحة، وطبع من هذه الطبعة ألف نسخة فقط ما بين 1810 وحتى 1826، وهي مهداة إلى “الإمبراطور نابليون المعظم”، لاسيما الأجزاء الأولى.
أما الطبعة الثانية وهى طبعة “بانكوك”، التى أصدرها ناشر حصل على تصريح إصدار طبعة تتميز بسهولة الإستعمال وأقل ثمناً، فقد تكونت من 26 كتابا للنصوص أصغر حجماً من الطبعة الإمبراطورية، و11 كتابا نصفياً للوحات، ولم يصدر منها أكثر من الفى نسخة فقط خلال الفترة من 1821 الى 1826، وهى مهداة الى الملك “لويس الثامن عشر”، وحل مكان تمجيد نابليون، لوحة تتسم بالحيادية، كما حذفت من مقدمة العمل إيماءات عن بونابرت.
واحتلت مقدمة فورييه كتابا كاملاً وصورت فيها مصر بإعتبارها “أكثر متاحف الدنيا ثراء فى العالم أجمع”، أما الحملة الفرنسية فوصفها بأنها “المشروع الذى أرجع الى ضفاف النيل، العلوم التى أبعدت عنه منذ زمن”.
يقول سوليه فى دراسته إنه لا يمكن إعتبار وصف مصر عملاً مكتملاً، إذ يشوبه عدم التنسيق بسبب ظروف الإعداد فضلاً عن إفتقاره لوجود فهرس وعدم وجود قائمة بالموضوعات، ويضيف : “إن هذه الدراسة الموسوعية تبدو ناقصة، لأن العلماء والفنانين لم يكن لديهم الوقت الكافى لإستكشاف البلد بأسره، أو دراسة الواحات النائية وكافة الحيوانات والنباتات، كما إرتُكب خطأ كبير عند تحديد تعداد سكان مصر بـ 2.5 مليون نسمة، فى حين أن بعض الدراسات الدقيقة للفترة تقدره بنحو أربعة ملايين نسمة:.
إاستطاع الرسامون نسخ آلاف الرموز والعلامات المستخدمة فى الكتابة المصرية القديمة، الهيروغليفية، دون أن يفهموا معناها، لذا أحياناً كانوا يضيفون علامات لملء فراغ غير مستعمل أو زخرفة جزء معمارى، أو إستعارة بعض الكتابات من معبد مجاور، لذا عندما إنتهى العمل بوصف مصر، كان العالم جان-فرانسوا شامبليون قد إنتهى فى نفس الوقت من حل لغز الكتابة المصرية القديمة فأبطل الكثير من تفسيرات العلماء بشأن الآثار المصرية وإعتبرها طرائف وأخطاء.
من أجل تنظيم وترتيب الكتب فائقة الضخامة للطبعة الإمبراطورية، صممت اللجنة المعنية قطعة أثاث خاصة، رسمها جومار بنفسه، ونفذها أحد نجارى الأثاث المشهورين وهو موريل، كما تكفل بزخرفة الخشب النحات دانتان، والحق بها ركائز ذات أعمدة مصنوعة من خشب البلوط الهولندى، وزينت بإفريز مصرى الطراز، وهى مكونة من 14 رفاً، توضع كتب اللوحات أفقياً، مع إمكانية تحريك الجزء العلوى.
ويقول سوليه إنه على الرغم من بعض الأخطاء، فإن هذا المؤلف الهائل الضخامة، يعتبر غير مسبوق فى مجال تاريخ العلوم، ويطرح سؤالا : هل كان الفرنسيون قادرين على دراسة بلدهم بجهد مماثل لهذا الجهد الذى بذله علماء بونابرت فى مصر؟ مشيراً الى أن “وصف مصر يبدو وكأنه الإنجاز الفعلى لعصر التنوير”.
ويجيب فورييه عن السؤال، فى مقدمة كتاب “وصف مصر” فى الطبعة الثانية “بانكوك” للكتاب: “لم يسبق لأى بلد آخر أن خضع لأبحاث بمثل هذا الشمول والتنوع، كما أنه لا توجد بلاد أخرى جديرة بأن تكون موضوعاً لأبحاث كهذه، فمعرفة مصر أمر يهم كل الأمم المتحضرة فى حقيقة الأمر، نظراً لأن هذه البلاد هى مهد الفنون والنظم الدينية، وبإمكانها اليوم أن تصبح مركزاً للعلاقات الدولية وتجارة الإمبراطوريات، كما ترك الشعب الذى كان يسكنها آثارا تدعو للإعجاب بعظمتها وقوتها ونفوذها”.
ويقول جون-مارى كارى فى دراسته “رحالة وكتّاب فرنسيون في مصر” التى نال عنها جائزة الأكاديمية الفرنسية التى تحمل إسم جائزة “جوبير” الكبرى عام 1933: “قبل ظهور وصف مصر بنحو قرن، كانت مصر مدفونة غارقة فى ظلمات آلاف السنين، وكانت بلاد فارس والهند والصين معروفة أكثر منها، ولا يوجد من الرحالة الا نحو 12 فرداً خاطروا بركوب النيل وكتبوا كتابات غير مكتملة عن رحلاتهم معظمها تقريبية، الآن تغير كل شئ فى عام واحد، وأضاءت العبقرية الفرنسية أعماق التاريخ وأخرجت لأوروبا بقايا تاريخ تليد غامض، أصبحت بفضلها مصر محور دراسة علمية للباحثين فى المستقبل”.
حرص بونابرت على إختتام حملته ببيان ورد فى مراسلاته بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثانى 1801 يذكّر فيه بذلك “المطمح الحضارى” لحملته أورده هنرى لورانس فى نهاية دراسته قائلاً:
“لقد تركوا (الفرنسيون) لمصر ذكريات لا تموت، لعلها تفضى يوماً ما الى بعث الفنون والمؤسسات الإجتماعية هناك، وعلى أية حال لن يورد التاريخ موارد النسيان ما فعله الفرنسيون لنقل حضارة ومعارف أوروبا الى هناك، وسوف يروى (التاريخ) بأية درجة من الإنضباط حافظوا عليها طوال تلك الفترة وقد يأسف على ضياعها كنائبة أخرى المت بالجنس البشرى”.
ولعل التركة الأساسية لتلك الحملة الفرنسية على مصر تتلخص فى ذلك الإرث العلمى والفكرى والإيدولوجى الذى خلفه الفرنسيون، ويدين تاريخ مصر الحديث بلاشك لهذا الإرث وذلك الأثر المهم المتمثل فى موسوعة “وصف مصر” التى تعد ثمرة جهود دؤوبة لعلماء جاءوا من فرنسا مع حملة عسكرية، أثمرت على نحو غير مباشر بإرث علمى لمصر.
هذه وجهة نظر غزاه لمنطقتنا، علينا دراسة منطقتنا علمياً، والبحث والتنقيب لتطويرها ذاتياً دون ولوج وخوض المستعمر لأراضينا الذى تسبب فى تخلفنا من الإستعمار العثمانى الى الفرنسى والإنجليزى، والإستيطانى الصهيونى.

 

التعليقات