الأربعاء - الموافق 02 ديسمبر 2020م

نفحات إيمانية ومع مسلم بن عقيل ( الجزء الثانى ) إعداد/ محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع مسلم بن عقيل، وقد وقفنا عندما وصلت الرسالة ومعها رسائل أخرى، قد أرسلت من أهل الكوفة أيضا، ومن أهل البصرة تدعو الحسين بن على، وفور وصول الرسائل له، كلف مسلم بن عقيل بالذهاب إلى الكوفة والإطلاع على حال أهلها واستعداد المدينة لاستقبال الحسين، وقد تحرك ابن عقيل من مكة حاملا معه رسالة الحسين إلى أهل الكوفة، وأخذ معه دليلين من أهل الكوفة، لكنهما تاها بالطريق ولقيا حتفهما من العطش، إلا أن مسلم وصل سالما إلى الكوفة، وقد استقبل الكوفيون مسلم بن عقيل بكثير من الحفاوة، وتلا ابن عقيل عليهم كتاب الحسين فخنقتهم العبرات وتعالت نداء المناصرة للحسين، فتروي المصادر أن عدد المبايعيين في ذلك اليوم للحسين بن على قد وصلت إلى ثمانى عشر ألف، فأرسل مسلم برسالة للحسين يطلب منه القدوم إلى الكوفة، وكانت هذه الأحداث تصل إلى مسامع والي الكوفة الأموي.
وكان هو النعمان بن بشير، فلم يكن يقوم بشيء غير نصح الناس على المنبر بترك مبايعة الحسين، وكان الأمويين من أهل الكوفة يرون أن النعمان إما ضعيف أو أنه يتظاهر بالضعف بفعل عدم اتخاذه اجراءات عسكرية ضد الملتفين حول ابن عقيل، حتى وصل الأمر أن اتهموه وهو على المنبر بالضعف فأجابهم “أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله” فقام بعض أهل الكوفة بإرسال رسالة إلى يزيد بن معاويه يخبرونه بمجريات الأمور وبما رأوه تقاعسا لأميرهم من والي الكوفة، ومع وصول هذه الكتب إلى يزيد، أشار سرجون، وهو أحد مستشاري يزيد بن معاويه وكان مساعدا لمعاوية، إلى يزيد بعزل النعمان بن بشير، عن ولاية الكوفة وتأمير عبيد الله بن زياد عليها، لوسع حيلته وتدبيره وكان أميرا على البصرة، فسارع يزيد بالأخذ بنصيحة سرجون وعين عبيد الله بن زياد.
أميرا للكوفة وأمره بالتحرك إليها بسرعة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، ولم يضيع عبيد الله بن زياد كثيرا من الوقت، فترك على حكم البصرة أخاه عثمان بن زياد، ودخل إلى الكوفة متلثما يلبس عمامة سوداء مقلدا ملابس الحسين ولا يكلم أحدا ويصحبه بضع من أصحابه، وكان أهل الكوفة ينتظرون الحسين فلما رأوا عبيد الله ظنوه الحسين واستقبلوه بالورود، فتحرك الموكب حتى وصل القصر عندها كشف عن هويته الحقيقة لحراس القصر فدخل دار الإمارة وعزل النعمان بن بشير، وما أن علم أهل الكوفة به حتى أصابتهم كآبة وحزن شديد، وقد قام ابن زياد بالخطبة بالناس محذرا إياهم من ما سماه الفتنة وحذر المناصرين للحسين بالقتل والسجن والملاحقة الشديدة، ثم بعد ذلك بدأ بعملية بث الجواسيس داخل المدينة للوصول إلى مسلم بن عقيل المختبئ هناك، فأرسل شخصا يدعى معقل، ومعه ثلاثة آلاف درهم.
وكان يحملها إلى مسلم بن عقيل ويتظاهر بأنه أجنبي جاء من خارج الكوفة، فاستطاع أن يصل إلى مسلم بن عقيل الذي كان موجودا في بيت هانئ بن عروة وهو أحد أنصار الحسين، فأعطاه المال وغادر المكان متجها إلى ابن زياد ليبلغه بمحل اختباء مسلم بن عقيل، وقد شك ابن عقيل بالرجل فغادر بيت هانئ، وما هي إلا فترة قليلة وأصبحت الدار محاصرة بالشرطة الذين لم يجدوا في الدار إلا هانئ فاعتقلوه، وقد استجوب عبيد الله هانئ بن عروة لمعرفة مكان مسلم بن عقيل إلا أن هانئ لم يفصح عن مكانه قائلا “والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه” فأمر مسلم بن عقيل رجاله بالنهوض فنهض معه أربعة آلاف توجهوا جميعهم إلى القصر وحاصروه، فأمر عبيد الله أنصاره بإثارة الشائعات في الكوفة وإخبار الناس حول جيش أموي جرار قادم من الشام سيفتك بكل من يقف ضد الدولة، كما قام برشوة زعماء بعض القبائل.
وذلك ليقوموا بتخذيل أقاربهم عن نصرة مسلم وبالفعل حدثت بلبلة كبيرة في الكوفة، وبدأ الناس بالتفرق من حول مسلم، حتى إذا حان الليل أغدى وحيدا ليس معه أحد، وصار يتجول في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، وظل مسلم يمشي وحيدا ليس معه من يدله على بيت يختبئ فيه وقد بلغ به الحزن مبلغه فوصل إلى دار امرأة تدعى طوعة، فطلب منها الماء وبعد حديث دار بينهم عرفت أنه مسلم بن عقيل فضربت رأسها من الصدمة وأقسمت على حمايته فاستقبلته في دارها، وكان للمراة ابن من أنصار الأمويين فرأى مسلم في البيت وعرف أوصافه فأسرع لإبلاغ الشرطة بذلك، ولم يمر وقت طويل قبل أن يحاصر منزل ابن عقيل فخرج ابن عقيل يقاتل الجنود حتى لم يقدروا عليه على كثرة عددهم، فعرض عليه محمد بن الأشعث الأمان مقابل أن يرمي سلاحه فقبل ابن عقيل ذلك، فادمعت عيناه عند اعتقاله فهون ابن الأشعث عليه.
فقال له “إني والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حسين” واقتادوا ابن عقيل إلى قصر الإمارة حيث عبيد الله بن زياد الذي لم يكثرت للأمان الذي وُعد به ابن عقيل فأمر بقتله ورموه من فوق القصر وكان ذلك في التاسع من شهر ذي الحجة سنو ستين من الهجره، وتقول الكتب إن مسلم بن عقيل هو أول من استشهد من أصحاب الحسين بن على فى الكوفة، وقد عرف فيما بعد بأنه سفير الحسين، وقد بعث الإمام الحسين رضوان الله عليه، مسلم ابن عمه سفيرا للكوفة وبعث معه رسالة قال فيها “وقد بعثت لكم أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتى”، وكانت مهمة مسلم التي عهد بها إليه هي أخذ البيعة من الناس والتعرف على مجريات الأحداث هناك، فعندما علم بنى أمية بوجود مسلم بن عقيل وأنه يدعو الناس لاتباع الحسين، كالعادة اتخذوا موقفا عنيفا.
وهو السعى لقتل مسلم بن عقيل، وبالتالى دس بنو أمية على، مسلم حتى عرفوا مكانه، فخرج الرجال المدججين بالسلاح ضد رجل واحد، فحاصروه فى الكوفة، بينما هو وحيد لا مأمن له، وعندما عثروا عليه ظل يقاومهم وحده، ولما أجهدتهم بسالته طلب منه قائدهم محمد بن الأشعث أن يتوقف عن القتال ويمنحونه الأمان، فألقوا القبض عليه، وبعد ذلك تنكروا لهذا الوعد وألقوا به من فوق قصر بن زياد فاشتشهد، وظل التاريخ محتفظا له بمكانته، وقد تزوج مسلم بن عقيل رضى الله عنه، من السيده رقية بنت الإمام على رضى الله عنه، فولدت له عبدالله وعلي، وكان له ابن يسمى محمد وهو من أم ولد، وأما ولداه، مسلم وعبدالعزيز لم يعيّن ابن قتيبة أمهما، وقيل أن له بنت اسمها حميدة وكانت أمها هى السيده أم كلثوم الصغرى بنت الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، وحيث لا يصح الجمع بين الاختين فلابد من فراق احداهما أو موتها.
وقد تزوج السيده حميدة بنت مسلم، ابن عمها وابن خالتها عبدالله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وأمه زينب الصغرى بنت الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، وكان شيخا جليلا محدثا فقيها وقد عده الشيخ الطوسي من رجال الامام الصادق رضى الله عنه، وقد جزم الترمذي بصدقه ووثاقته، وقد خرّج حديثه في جامعه، كما احتج به أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود وابن ماجة القزويني وقد مات سنة مائه واتنين وأربعين من الهجره، وقد ولدت السيده حميدة، بنها محمد، وقد أعقب محمد من خمسة أولاد وهم، القاسم وعقيل وعلي وطاهر وابراهيم، وقد كانوا أولاد مسلم الذكور خمسة أولاد وهم، عبدالله ومحمد، وقد استشهدا يوم الطف، واثنان قتلا بالكوفة، ولم نقف على شيء من أمر الخامس، وكان من حديث المقتولين بالكوفة ما يحدث به الشيخ الصدوق.
عن رجاله قال، اسر طفلان من عسكر الحسين، فجيء بهما الى ابن زياد، فدفعهما الى رجل، وأوصاه بالتضييق عليهما حتى في الطعام والشراب، فمكثا في الحبس سنة فقال أحدهما للآخر، لقد طال الحبس بنا ويوشك أن تفنى أعمارنا، فاذا جاء الشيخ، فأعلمه بمكاننا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعله يوسّع علينا، ولما جاء الرجل سألاه هل تعرف رسول الله محمد بن عبدالله؟ قال هو نبيي، ثم سألاه عن جعفر الطيار، فقال لهم إنه الذي أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة، فسألاه عن علي بن أبي طالب، فقال لهم، إنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا له نحن من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبيك، ومن أولاد مسلم بن عقيل وقد ضيّقت علينا حتى في الطعام والشراب، فانكبّ الرجل عليهما يقبّلهما، ويعتذر من التقصير معهما مع مالهما من المنزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهما، اذا جنّ الليل أفتح لكما باب السجن.

التعليقات


Fatal error: Allowed memory size of 41943040 bytes exhausted (tried to allocate 8192 bytes) in /home/alfaraen/public_html/wp-includes/cache.php on line 652