الخميس - الموافق 24 سبتمبر 2020م

نفحات إيمانية .. سجدة الشكر ..بقلم/ محمـــد الدكـــرورى

لقد أغدق الله عز وجل، نعمه على الإنسان، وأسبلها عليه ظاهرة وباطنة، وفي جميع نواحي حياته، فحيثما نظر، أو تفكر واعتبر وجد نعم الله سبحانه وتعالى في كل أمر من أموره، وفي كل شأن من شؤونه، وقد قال الله تعالى فى كتابه الكريم مخاطبا عباده ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) فى سورة النحل، ومن أعظم هذه النعم هو الهداية للإسلام، والانقياد لأوامره جل في علاه، ولقد شرع الله سبحانه وتعالى، العبادات للناس ليتقربوا بها إليه، وليشكروه عز وجل، على ما أنعم به عليهم من نِعم باطنة وظاهرة، فإذا حصلت للعبد نعمة مفاجئةٌ أو كانت غير متوقعة أو غير منتظرة، أو نجاه من كارثة حتمية فقد شُرع له أن يشكر الله على تلك النعمة بعبادات عاجلة أو آجلة، ومن العبادات المخصوصة لشكر تلك النعم أن يسجد المرء لله عز وجل، فيتوجه إليه ويشكره على ما أنعم به عليه.
فإن العبد أقرب ما يكون من ربه إذا سجد، وإن نعم الله سبحانه وتعالى منها الدائم الملازم، ومنها ما يمُن الله عز وجل، به على عبده بين الحين والآخر، ولما كانت النعم تقابل بالحمد والشكر والعرفان، والتزاما بقول الله عز وجل: ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد ) فى سورة إبراهيم، ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيفية من كيفيات شكر الله عز وجل، على نعمه، وهى بسجود الشكر، ومعنى سجود الشكر، هو أن السجود لغة من الانحناء والخضوع ووضع الجبهة على الأرض، وقد قال أبو عمرو: أسجد الرجل، إذا طأطأ رأسه وانحنى، وأما معنى السجود اصطلاحاً فهو وضع الأعضاء السبعة فوق ما يصلى عليه من أرض أو غيرها، والشكر هو لغة يأتي بمعان أربعة متباينة ما يهمنا منها ما وافق المعنى الاصطلاحي وهو الثناء.
والشكر هو أيضا يمعنى صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله، وللسجود أشكال متعددة، فمنه السجود في الصلاة المفروضة، وصلاة النوافل، والسجود عند قراءة أو سماع آية وردت فيها إحدى سجدات التلاوة المعروفة، وسجود الشكر لله سبحانه وتعالى، على نعمه، وبهذا السجود يكون العبد في قمة الخضوع لله عز وجل، والتذلل له مُعربا عن ضعفه وحاجته لخالقه في كل أوقاته وأحواله، وسجود الشكر من السنن التي غفل عنها الكثير من الناس، حيث يُشرع عندما يحصل للمسلم نعمة عامة أو خاصة، أو يُصرف عنه أمر سيئ، والمراد بالنعمة هي النِعم المُتجددة، فنعم الله واردة على الإنسان في كل لحظة، وأما عن سجود الشكر كيف يكون؟ وما هي مشروعيته؟ فسجود الشكر مثل سجود الصلاة سجدة واحدة.
ويقول فيها ما يقول في سجود الصلاة، وهو سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى ويحمد الله ويثني عليه على النعمة التي حصلت، ويدعوه عز وجل، ويشكره، وهذا سجود الشكر كون الإنسان بشر بأن الله عز وجل، رزقه ولدا أو بشر بأن أمه شفيت من مرضها أو أباه، أو بشر بأن المسلمين فتح الله عليهم ونصروا على عدوهم فإنه يشرع له السجود شكرا لله، ولو كان على غير طهارة ويقول في السجود مثلما يقول في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ويقول اللهم اغفر لي اللهم ارزقني الشكر على نعمتك، الحمد لله على هذه النعمة، ونحو ذلك، وأما عن كيفيّة أداء سجود الشكر، فسجود الشكر نفس سجود التلاوة، فلا يلزم فيه أي شرط من شروط الصلاة، فقط يخر المسلم ساجدا دون أن يُكبر، ثم يقول كما يقال في سجود الصلاة أو سجود التلاوة، ويشكر الله على نعمه.
ويدعوه بما يريد، وكل ذلك دون وضوء، أو تكبير، أو تشهد، أو تسليم، ولم يرد عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في سجدة الشكر قول أو دعاء مخصوص أو ذكر مُعين، بل يقول المسلم ما يُقال عند السجود، ويمكنه أن يجتهد بما يشاء من ذكر أو أي كلام فيه من شكر الله وتقديسه وتمجيده، ويجوز له إضافة تحميد، أو استغفار أو شكر، أو دعاء، كما أنه إذا بُشر المسلم بما يَسره وهو يُصلي فلا يجوز له أن يسجد سجدة الشكر، أو أن يصلي ثم يضيف سجدة للصلاة على أنها سجدة شكر فذلك يبطل الصلاة، حيث إن سبب سجوده ليس من الصلاة، ولا يجوز إضافة شيء في الصلاة ليس منها، أو زيادة ما لم يرد فيه نص عليها، وإذا طال الفصل بين سجدة الشكر وسببها فلا يشرع له السجود لانتفاء السبب، وأما عن أسباب سجود الشكر، فهى إذا طرأت على المسلم نعمةٌ ظاهرة.
فإنه يُشرع له أن يسجد شكرا لله عليها، ومثال النعم الظاهرة مثل أن يرزقه الله ولداً بعد أن يَئِس من ذلك، أو أن يدفع الله عنه نقمة، كأن يشفى له مريض أو يكون هو نفسه مريضا ويئس من البرء ثم يُشفيه الله تعالى، أو أن يجد ضالة فقد الأمل في العثور عليها، أو أن ينجو هو أو ماله من غرق أو حريق أو كارثة، أو أن يرى مُبتلى أو عاص، فيسجد لله تعالى شكرا على سلامته هو من مثل ذلك البلاء وتلك المعصية، وقد نص الشافعية والحنابلة بأنه يُسن السجود، سواء كانت النعمة الحاصلة أو النقمة المُندفعة خاصة به، أو عامة للمسلمين جميعا، كالنصر على الأعداء، أو زوال طاعون أو وباء ونحوه، ويرى الحنابلة في قول آخر لهم أنه يسجد للنعمة العامة فقط، ولا يسجد للنعمة الخاصة، ويجدر الإشارة إلى أنه عند الحنابلة والشافعية الذين أجازا سجود الشكر.
فإنه لا يُشرع عندهما السجود لاستمرار النعم فهي لا تنقطع، ولأن العاقل يُهنئ بالسلامة من عوارض الأمور، ولا يتم ذلك كل ساعة لجميع النعم الظاهرة والباطنة، وتدور تعريفات الفقهاء لسجود الشكر حول معنى واحد تقريبا، وهو شكر الله سبحانه وتعالى سواء كان على هجوم نعمة، أم كان على دحور نقمة، ومن هذه التعريفات له هو السجود الذي يؤدى عند حصول خير شكراً لله تعالى، وهو سجدة واحدة كسجود الصلاة، وقد اختلف الفقهاء فيما بينهم في حكم سجود الشكر ما بين سنيته وعدم مشروعيته، وقد ذهب علماء الحنفية إلى أن سجدة الشكر مسنونة، وهذا رأي الصاحبين، وعليه الفتوى، وأما الإمام أبو حنيفة فلا يراها مشروعة، واختلف علماء الحنفية في معنى ذلك بين من قال إن الإمام لا يرى سنيتها، وبين من قال لا يرى وجوبها، وكان حجة الصاحبين.
وهو ورودها عن الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بكر وعمر وعلي، وأما عند الإمام فنقل عنه في المحيط أنه قال: لا أراها واجبة، لأنها لو وجبت لوجب في كل لحظة، لأن نعم الله تعالى على عبده متواترة، وفيه تكليف ما لا يطاق، ونقل في الذخيرة عن محمد عنه أنه كان لا يراها شيئا، وتكلم المتقدمون في معناه، فقيل لا يراها سنة، وقيل شكرا تاما، لأن تمامه بصلاة ركعتين كما فعل عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، وقيل أراد نفي الوجوب، وقيل نفي المشروعية وأن فعلها مكروه لا يثاب عليه، بل تركه أولى، وعزاه في المصفى إلى الأكثرين، فإن كان مستند الأكثرين ثبوت الرواية عن الإمام به فذاك، وإلا فكل من عبارتيه السابقتين محتمل، والأظهر أنها مستحبة كما نص عليه محمد، لأنها قد جاء فيها غير ما حديث وفعلها أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبى طالب.
فلا يصح الجواب عن فعله صلى الله عليه وسلم بالنسخ، وأما المالكية فقد ذهبوا في مشهور مذهبهم إلى كراهة سجود الشكر، فقال الإمام ابن الحاجب رحمه الله تعالى: ويكره سجود الشكر على المشهور، وقد جاء في المدونة: قال ابن القاسم وسألت مالكا عن سجود الشكر يبشر الرجل ببشارة فيخر ساجدا؟ فكره ذلك ” وقد ذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى أن سجود الشكر مستحب، وقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: “وسن سجدة للشكر كسجدة التلاوة خارج الصلاة، عند هجوم نعمة كحدوث ولد، أو جاه، أو مال، أو قدوم غائب، أو عند اندفاع نقمه كنجاة من غرق، أو حريق” وقال الإمام المرداوي: “ويستحب سجود الشكر هذا المذهب مطلقا، وعليه الأصحاب” إلا أنه في قول عند الحنابلة أن سجود الشكر يكون لنعمة عامة للناس، وليس لنعمة خاصة بالفرد.
إلا أن الراجح عندهم أن سجود الشكر يسن لهجوم النعمة أو اندفاع النقمة سواء كانت عامة أم خاصة، وقال الإمام المرداوي: فائدة: الصحيح من المذهب: أن يسجد لأمر يخصه نص عليه وجزم به في الرعاية الكبرى، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب” وقد استدل الإمام أبو حنيفة على عدم مشروعية سجود الشكر بأن السجدة الواحدة ليست بقربة إلا سجدة التلاوة، وبأنها لو وجبت لوجبت في كل لحظة، لأن نعم الله تعالى على العبد متواترة بمعنى أنها لا تنتهي، وأما الإمام مالك فقد استدل، بأنه سجود الشكر ليس مما شرع في الدين فرضا ولا نفلا، إذ لم يأمر بذلك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا فعله، ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده، ولو كان لنقل.
إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ، وأن ما قص الله تعالى علينا من سجود داود عليه الصلاة والسلام بقوله: ( وخر راكعا وأناب ) وعن بعض الصحابة رضوان الله عليهم لا دليل فيه، إذ ليست سجدة شكر، وإنما هي سجدة توبة، وعلى فرض التسليم فهذا شرع من قبلنا، وقد استدل جمهور الفقهاء ممن ذهب إلى سنية سجود الشكر بالقرآن الكريم في قول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخيرلعلكم تفلحون ) من سورة الحج، وهذا أمر عام بفعل الخير وبالسجود فيدخل فيه سجود الشكر، وقال الإمام ابن حزم: مسألة: سجود الشكر حسن، إذا وردت لله تعالى على المرء نعمة فيستحب له السجود، لأن السجود فعل خير، وقد قال الله تعالى: ( وافعلوا الخير )
وكذلك قول الله تعالى: ( وخر راكعا وأناب ) وقال الإمام الشربيني رحمه الله تعالى: “بل هي سجدة شكر، لتوبة الله تعالى على داود عليه الصلاة والسلام، أي لقبولها، والسنة النبوية المطهرة، فقد ورد عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث التي روت سجوده عليه الصلاة والسلام شكرا لربه عز وجل، فقد ورد فعله من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما من أنه صلى الله عليه وسلم ” أنه كان إذا جاء أمر سرور أو بشر به خر ساجدا لله ” فقد حسنه الترمذي وصححه الحاكم، وكذلك ورد سجود الشكر عن أصحابه رضوان الله عليهم، وقد ذهب جمهور الفقهاء ممن استحب سجود الشكر إلى اشتراط الطهارة فيه، فقال الإمام البهوتي: “وصفة سجود الشكر وأحكامه كسجود التلاوة ”
وقال ابن حجر: “وهي أي: سجدة الشكر كسجدة التلاوة المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها، وواجباتها، ومندوباتها” فلا بد في سجود الشكر من تحقق شروط ستر العورة واستقبال القبلة، بالإضافة إلى الطهارة، وذهب بعض المالكية والظاهرية إلى أن سجود الشكر لا يحتاج إلى طهارة، وعلل من قال ذلك من المالكية بأن الإلزام بالطهارة عند عدم وجودها يفوت وقت السجود، قال الإمام الحطاب: “سجود الشكر على القول به يفتقر إلى طهارة، وهو كذلك على ظاهر المذهب، واختار بعض من لقيناه من القرويين عدم افتقاره، لما أنه إذا تركه حتى يتوضأ أو يتطهر أو يتيمم زال سر المعنى الذي أتى بسجوده له، ويجاب عن ذلك بأن الوقت الذي يستهلك في مصلحة العبادة لا يعد فاصلا كإجابة المؤذن والاجتهاد في القبلة، وستر العورة، وغير ذلك من سائر الكمالات المطلوبة منها لأجل الصلاة .
فإنه لا يضر حدوثها مراعاة لمصلحة الصلاة، وقال الإمام ابن حزم: ” إن قراءة القرآن والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله تعالى، هى أفعال خير مندوب إليها مأجور فاعلها، فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان” فالإمام ابن حزم يقول أن الأصل جواز سجود الشكر بلا مانع، والذي اشترط الطهارة وضع المانع بلا دليل، والذي نختاره من هذه الأقوال سالفة الذكر هو: أن سجود الشكر مستحب، ورد في الأحاديث فعله من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الصحابة من بعده، ولا مراء في ذلك، فالأحاديث في ذلك كثيرة، والأدلة حاضرة، وأن سجود الشكر عبادة بها وجه شبه بالصلاة، وشبه تام بسجود التلاوة، فلا بد لأدائها من الطهارة، والله تعالى أعلم.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك