السبت - الموافق 03 ديسمبر 2022م

نظرية أعمال السيادة .. بقلم الدكتور عادل عامر

تعد نظرية أعمال السيادة مجرد نظرية استثنائية و أحوال خاصة تغل يد القضاء الإداري عن النظر فيها. و هي فكرة أو حيلة قررها القضاء الفرنسي في أحوال خاصة و في زمن بعيد وتلقفتها الكثير من الدول واستخدمتها في الظروف الراهنة بما يتماشى ومصالح حكامها و مسؤوليها شانها شان نظرية الضرورة. أعمال السيادة سمة لطائفة من التصرفات التي تباشرها السلطة التنفيذية، ولا تخضع في خصوصها لأي رقابة قضائية سواء من جانب القضاء العادي أم من جانب القضاء الإداري.

فهذه الأعمال لا تكون في الواقع محلاً لإلغاء أو تعويض أو وقف تنفيذ أو فحص مشروعية. ومن ثم يقف القضاء أمامها عاجزاً، معلناً فقط عدم اختصاصه بنظرها حتى لو كانت تمس حقوق الأفراد وحرياتهم. وهكذا يمكن القول: إن أعمال السيادة تعدّ ـ على عكس كل من نظرية السلطة التقديرية ونظرية الظروف الاستثنائية ـ استثناءً حقيقياً وخروجاً صريحاً على مبدأ المشروعية، ولهذا وصفت بأنها نقطة سوداء في جبين هذا المبدأ.

ورغم أن الكثير من الفقه الإداري والدستوري يرى أن مبرر منع الولاية عن رقابة القضاء ليس له أساس قانوني على اعتبار أن حق الدولة ليس أقوى من حق الفرد وان كلا من الحقين مستمد من القانون.

ولا يمكن التذرع بمفهوم أعمال السيادة من اجل استبعاد تطبيق حكم القانون وإبعاد تدخل القضاء. لأنه في دولة القانون لا احد فوق القانون حكاما كانوا أو محكومين.

ولاشك أن التوسع في فكرة الضرورة والأعمال السيادية يؤدي إلى تعطيل حكم القانون. وترفع يد القضاء عن رقابة كثير من تصرفات الإدارة تحت ذريعة الأعمال السيادية. يتنافى مع ضمانات الحقوق والحريات الأساسية. وسيادة القانون المنصوص عليها في الدستور و مكرسة في وقوانين الدولة مع أن الإدارة في جميع الحالات تملك هامشا من حرية ملائمة تصرفاتها لمواجهة الظروف.

إلا انه يتعين عليها في هذه الحالة أن تستند إلى حكم القانون. أي يجب أن تكون هناك صلة بين التصرف وبين القانون. وإلا خرجنا من باب ممارسة السلطة أو الصلاحيات إلى دائرة الاعتداء المادي . فمبادئ الشرعية والمشروعية والمساواة يجب أن تسود في جميع تصرفات الإدارة. ولا ينبغي أن تبقى نظرية إعمال السيادة إلا في اطار ضيق جدا.

الأصل أن حق التقاضي وسلوک سبل الطعن مصون بالقانون ومن ثم لا يمکن حرمان أحدهم هذا الحق.

وعلى ذلک تختص محاکم القضاء بالنظر في جميع المنازعات التي يمکن أن تقع فيما بين الأفراد أو بين الأفراد والإدارات وفق قواعد الاختصاص بين جهتي القضاء العادي والإداري.

غير أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها حيث تنشأ وتوجد قضايا تکون بمعزل عن رقابة القضاء وهو ما يعبر عنها بأعمال السيادة أو أعمال الحکومة وهي أعمال على کلٍ مختلفة عن الأعمال الإداري وتحکمها اعتبارات قانونية.

وتعد أعمال السيادة من أهم المفاهيم في العالم المعاصر التي تتناقض إلى حد کبير مع مبدأ المشروعية أو خضوع الدولة للقانون. حيث نجد مع هذا المصطلح تراجع خضوع الدولة لرقابة القضاء من خلال نزع صلاحيته أو مباشرة اختصاصه بالنظر في المنازعات المتعلقة بها. ومن ثم فهي تعمل من خلاله فوق کل المؤسسات وقد تلغي الحريات أو تقيدها کما قد تعتدي على حق الملکية وتقيد التصرفات دون أن تخضع لرقابة أو محاسبة. وذلک استناد إلى مصلحة أولى بالرعاية والحماية من کل المصالح الفردية أو الفئوية.

لذلک فسنبين من خلال هذا البحث مفهوم أعمال السيادة والتعاريف المتداولة لها وطبيعتها والمعيار الذي تقوم عليه وتطبيقاتها القضائية کونها قيداً على الحرية وعلى اختصاص المحاکم الخاضعة للقانون المنظم لأعمال السلطة القضائية.

هذا وتقر الشريعة الإسلامية کما يقر التشريع الوضعي بسمو أعمال الدولة على أعمال الفرد عندما تتصرف من أجل الحفاظ على کيان الأمة وحفظ المصالح العليا لها وعلى هذا الأساس يمکن لنا أن نقول أن أعمال السيادة هي الأعمال التي تباشرها سلطة الحکم في الدول من أجل الحفاظ على کيان الأمة من أرض وشعب وسلطة لمواجهة الأخطار الخارجية أو الداخلية. نتبين بوضوح أن أعمال السيادة وبالرغم من كونها واقعا قضائيا قائما؛ لا يمكن إنكاره فهي المؤثر البالغ الخطورة على حريات الأفراد وحقوقهم، وإذا كان الأصل أن تخضع كل القرارات الإدارية للرقابة على اختلاف أنواعها حسبما يقتضيه مبدأ المشروعية من حيث النتائج المنبثقة عنه، فإن أعمال السيادة وعلى خلاف التصرفات والأعمال الصادرة عن السلطة التنفيذية؛ غير معنية بالرقابة القضائية إلى حد كبير وهو الأمر الذي أجمع عليه غالبية الفقهاء حسب هذه الدراسة، لكن وجدنا أن التوجه القضائي الجديد وخاصة في فرنسا نحو الحد من طائفة أعمال السيادة وإخضاع جل الأعمال الحكومية لرقابة القضاء،

فكان أن أخضع بعض الأعمال المحسوبة على الأعمال الحكومية إلى الرقابة القضائية من خلال قضاء التعويض، دون الإلغاء، والمتبصر في شؤون القضاء الإداري يدرك لا محالة بمدى تناقص فئة أعمال السيادة عن سابق عهدها، بل ويذهب البعض إلى بداية عهد عزلها، ومن خلال دراستنا هاته أمكننا التوصل إلى النتائج التالية: •

انعدام وجود تعريف حقيقي وجامع لأعمال السيادة حتى الوقت الحاضر، وهذا إنما يرجع إلى الظروف التي ميزت وجودها، وأيضا إلى الخلاف الفقهي الواضح بشأنها. • نظرية أعمال السيادة هي من صنع القضاء، ولا توجد نصوص صريحة في كل التشريعات بداية بالتشريع الفرنسي، تحدد بدقة ما هي عليه، أو حتى تحديد معيار واضح لتحديد نطاقها كاملا. تكمن في الحاجة للتعرف على حكم قرارات الإدارة التي يترتب عليها ضرر ومدى التوازن بين حرية الإدارة باتخاذ ما تراه من إجراء بذريعة أنه من أعمال السيادة وبين احترام حرية الأفراد وعدم الاعتداء عليها أو الضرر الذي يلحق بهم .

وهنا تظهر الإشكالية من أن حصانة أعمال السيادة من التعويض والإلغاء يثير إشكالاً حول مدى إمكانية حصر الأعمال السيادية التي لا تخضع لرقابة القضاء ومدى إمكانية التعويض دون الإلغاء عن هذه الأعمال . منهج الدراسة : المنهج الوصفي المقارن والمنهج التطبيقي . أهم النتائج : 1- أن أعمال السيادة صادرة من السلطة التنفيذية وتكون محصنة من التعويض والإلغاء وقد نشأت في فرنسا ومرت بعدة مراحل ولها العديد من المعايير، ربما أسهلها القائمة القضائية . 2- الفقه والقضاء انقسم بين مؤيد ومعارض لها واستقرت بعض الأنظمة الديمقراطية في التعويض عنها على أساس المخاطر والمساواة أمام الأعباء العامة . 3- غالبية الفقه الإسلامي لا يقر أعمال السيادة وإن كان البعض يرى مشروعيتها إلا أنهم وضعوا ضوابط للتعويض عن الضرر وعدم مخالفته أحكام الشريعة. 4- النظام والقضاء السعودي يأخذان بهذه النظرية .

أهم التوصيات : 1- نوصي بالاستعاضة عن نظرية أعمال السيادة بنظريات أخرى كنظرية الضرورة والظروف الاستثنائية . 2- نوصي بإعادة النظر في نص المادة (14) من نظام ديوان المظالم ، التي تستثني نظر منازعات أعمال السيادة ونطالب بالتعويض عنها كحد أدنى . 3- نوصي بضرورة سعى القضاء للحد من نطاق أعمال السيادة .

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك