الإثنين - الموافق 18 يناير 2021م

نظرة تأمل مع غزوة خيبر (الجزء الرابع) إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء الرابع من غزوة خيبر وقد توقفنا عندما قدم المسلمون خيبر، وروحهم المعنوية كأفضل ما يكون، سموا وبذلا وتضحية في سبيل الله وكان قدومهم ليلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قوما بليل، لم يُغر، بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، وقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عنصر مفاجأة اليهود، حين رأوا جحافل الجيش الإسلامي مرابطة أمام مدينتهم فأوقع ذلك الاضطراب بينهم، وارتدوا إلى حصونهم هاربين فزعين، وقد حاصر المسلمون حصون خيبر متأهبين لقتال اليهود، وقد أخذوا أسلحتهم وأعدوا عدتهم لذلك، وقد وضح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لصحابته شرطين رئيسين للحصول على النصر بإذن الله وهما حب الله تعالى ورسوله، والثبات في المعركة وعدم التولي في الزحف، وقد تطلع الصحابة رضوان الله عليهم إلى نيل هذا الشرف، وتمناه كل واحد منهم.
فقد روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه “فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال “أين علي بن أبي طالب؟” فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال “فأرسلوا إليه” فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ” ثم سلَّمه الراية، وأوصاه بدعوة اليهود إلى الإسلام قبل مداهمتهم وقتالهم، فالدعوة إلى الله ليست في حال السلم فقط، بل قد تكون والمسلم في قلب المعركة، فالمسلم داع إلى الله تعالى قبل أن يكون مقاتلا، والدعوة إلى الله هي الأصل، والهداية خير من القتل، فقال له صلى الله عليه وسلم “انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حُمر النعم” وهذه الوصية تظهر مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الناس ودخولهم في الإسلام حتى لو كان ذلك سببا في تفويت الغنائم على المسلمين، وقد التقى الجمعان.
وأبدى المسلمون من ضروب الشجاعة والتضحية في سبيل الله ما أذهل اليهود، وجعلهم يستميتون في الدفاع عن أنفسهم وعن حصونهم، وإن السبب الأول لهذه الغزوة هو أن يحقق المسلمون السلام والأمن والهدوء في المدينة المنورة وما حولها ويوقفوا سلسلة الدم التي استمرت فترة ليست قصيرة من الزمن، وأن يهود خيبر كانوا العقل المدبّر الذي حرض الأحزاب على الهجوم على المدينة المنورة، وهم من عقدوا الاتفاق مع غطفان لتشارك في الحرب بجيش قوامه ستة آلاف مقاتل مقابل أن يعطونها تمر خيبر لمدة عام، وأيضا بسط سيطرة المسلمين على المدينة المنورة وتعزيز الثقة بأنفسهم وكسر شوكة اليهود المتحصنين في حصون خيبر، والاستمرار في نشر الدين الإسلامي وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، التي خرج المسلمون على كل الغزوات في سبيلها، وكذلك الاستفادة من القدرة الاقتصادية لخيبر وخاصة تمور خيبر.
وقد تابع المسلمون اقتحام الحصون في غزوة خيبر مهاجمين حصن الصعب الذي كان شديد المناعة أيضا، فهاجمه المسلمون بقيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، وحاصر المسلمون الحصن ثلاثة أيام، وفي اليوم أمر سول الله الجيش باقتحام الحصن، فكان للمسلمين من كان حيث فتحوا حصن الصعب أيضا بعد حصن ناعم، فانتقل اليهود إلى من الحصون وتمركزوا في قلعة الزبير، وهي قلعة عالية منيعة لا تطالها الخيول ولا يصل إليها الرجال، فحاصرها رسول الله ثلاثة أيام قبل أن يجيء إليه رجل من اليهود ويقول له “يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم شرابا وعيونا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك” ففعل رسول الله ما قال هذه الرجل وقطع عن اليهود في قلعة الزبير الماء، فاضطروا إلى الخروج وحدثت معركة عنيفة على باب القلع.
وقد انتهت بانتصار جيش المسلمين وفتح القلعة بفضل الله تعالى وقوته، وبعد قلعة الزبير نقل اليهود تمركز قواتهم إلى قلعة أبي، فحاصرها المسلمون، فطلب رجلان من اليهود المبارزة مع رجال المسلمين فكان لهم ما كان وقتلا على يد رجلين من المسلمين وكان أحد هذين الرجلين أبو دجانة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء الذي أسرع إلى اقتحام قلعة أبي بعد قتله اليهودي في المبارزة فدخلها جيش المسلمين بعد قتال عنيف دام ساعات، وقد انتصر فيه المسلمون على اليهود، وهرب اليهود من قلعة أبي إلى حصن النزار وهو الحصن الأخير في القسم الأول من خيبر، وقد حاصر المسلمون حصن النزار حصارا شديدا، وعندما عجز المسلمون على اقتحام حصن النزار أمر رسول الله بضرب الحصن بالمنجنيق، فضعفت جدران الحصن من ضربات المنجنيق ففر رجال اليهود من حصن النزار تاركين أطفالهم ونساءهم للمسلمين.
وبهذا الفتح سيطر المسلمون على القسم الأول من خيبر، وقد هرب اليهود من الحصون الصغيرة بعد فتح الحصون الكبيرة على يد المسلمين وتحصنوا في القسم الثاني من خيبر، وبعد أن استقر القسم الأول من خيبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، اتجه جيش المسلمين في غزوة خيبر إلى القسم الثاني من المدينة، وهو القسم الذي فيه حصن القموص، وحصن بني أبي الحقيق، وحصن الوطيح والسلالم، وكل هذه الحصون تحصن بها اليهود تحصنا منيعا، فحاصرها جيش المسلمين أربعة عشر يوما كاملة، وعندما لم يجد الحصار نفعا، هم جيش المسلمين بنصب المنجنيقات لضرب الحصون، فطلب أهل خيبر الصلح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل اليهود في الحصون ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصالح ليحقن دم من في الحصون من اليهود، مقابل أن يخرج اليهود من حصونهم ويخرجوا من خيبر كلها.
ويتركوا للمسلمين الأراضي والرزق والذهب والفضة وكل شيء، فتم الصلح وتم فتح خيبر بأمر الله تعالى وكان من أبرز الدروس والعبر المستفادة من هذه الغزوة، هو الإخلاص في القتال في سبيل الله، حيث برهنت هذه الغزوة على ضرورة الإخلاص في القتال ليتحقق النصر للمسلمين، فالقتال الطويل على الحصون في غزوة خيبر يحتاج إلى قلب نقي صادق مخلص مع الله تعالى، وصبر عظيم سيتحقق بعده النصر بإذن الله، وإن من الدروس التي أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة في هذه الغزوة هو تحريم أكل لحوم الحمير مهما كان الظرف اضطراريا، فقد جاء في السنة النبوية الشريفة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمر الأهلية، وأذن في لحومِ الخيل” وعن جابر بن عبد الله قال ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم خيبر عن لحوم الحُمر الأهلية ورخص فى الخيل ” .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك