الثلاثاء - الموافق 13 نوفمبر 2018م

منهجية صناعة الامل بقلم :- الدكتور عادل عامر

يمكنك صناعة الأمل عندما يشتد الألم ويطوقك تماماً، ولو حفرت بالإبرة بحثاً عنه في تنظيف ذاتك من الداخل وتحفيزها للحياة فلولا الأمل ما بني بان، ولا غرس غارس، ولولا الأمل لما تحققت كل الإنجازات التي وصلت إليها البشرية. وذلك لأن المخترع لم يتمكن غالبا من تحقيق انجازه من أول مرة.

 أديسون بعدما أخطأ 999 مرة نجح في صنع أول مصباح كهربائي. وإلا فما يدفع الزارع لي الكد والعرق ويرمي بحبات البذور في الطين؟ إنه أمله في الحصاد وجني الثمار. وما الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر ومفارقة الأهل والأوطان؟

إنه الأمل في الربح. وما الذي يدفع الطالب إلي الجد والمثابرة والسهر والمذاكرة؟ إنه أمله في النجاح. وما لذي يحفز الجندي إلي الاستبسال في القتال والصبر على قسوة الحرب؟ إنه أمله في إحدى الحسنيين إما نصر وإما شهادة. وما الذي يجعل المريض يتجرع الدواء المرير وربما في ببعض الأحيان أن يقطع من جسده في عملية جراحية؟ إنه أمله في العافية. وما الدافع الذي يجعل المؤمن يسلك سلوكا تكرهه نفسه وبه يخالف هواه ويطيع ربه؟ إنه أمله في مرضاة خالقه والجنة. فالأمل قوة دافعة تشرح الصدر وتبعث النشاط في الروح والبدن، واليأس يولد الإحباط فيؤدي إلى الفشل.

الباحث في أصل معنى الأمل سيجد أنه يحمل لغويًا شقه السلبي، والذي يطلق على ما يكاد يكون مستحيل حدوثه وهو ما أُشير إليه في القرآن في قوله تعالي: “ويلههم الأمل” أو ما يقال عليه طول الأمل، وأن الأوقع في الاستخدام كلمة الرجاء لكن اتسع استخدام الأمل للإشارة إلى التفاؤل بالخير في الظاهر، وفي الباطن يحمل شقيه المستحيل حدوثه والمتوقع حدوثه كذلك.

لذا كان اهتمامنا بالتوضيح ليحدث التفريق بين ما ندعوا إليه من أمل نسميه “الأمل المنهجي” أو بالمصطلح الأصولي “الرجاء” ليشير بوضوح إلى شق الأمل الإيجابي، وما نرفضه من تعويل على ما لا يحدث تحت اسم “طول أمل” كشق سلبي.

أما اليأس فهو على النقيض من ذلك بشقيه فهو يشير إلى القنوط من حدوث ما يمكن حدوثه وما لا يمكن حدوثه أو الإيمان بعدم الحدوث على الحالين أو كما يقول د. محمد راتب النابلسي عنه: “هو انطفاء جذوة الأمل في الصدر، وانقطاع خيط الرجاء في القلب، هو العقبة الكؤود، والمعوق القاهر الذي يحطم في النفس بواعث العمل، ويضعف في الجسد دواعي القوة”.

أن اليأس والكفر متلازمان والأمل والإيمان متلازمان، فالأمل عبادة لله، نأمل في رحمته فنستغفره، ونأمل في كرمه فندعوه، ونأمل في معيته فنذكره، ونأمل في جنته فنترك معاصيه، ونأمل في حبه فنتقرب إليه بالفرائض والنوافل، ونأمل ظل عرشه فنحب إخوانا لنا فيه. وكل عبادة يصحبها أمل في أن يتقبلها الله، ولا أمل إطلاقا لمن لا عمل له.

إن الأمل في ديننا فرض يا سادة لكن على أن يكون بحقه المرتبط بالمسارد التي أسلفنا ذكرها، فارفعوا راية الإيمان تعلوا بها رايات الأمل ويندثر اليأس تحت أقدامكم هيبة ومخافة، لتستمر رسالتكم الجليلة وتتوج بتباريح الفجر وأهازيج الانتصار. حقاً إن للأمل صُناع، وله فن، وصوره متنوعة ذات ألوان بديعة، تسُر العيون، وتخلب العقول، وتبهر البصائر والأبصار. ولابد للأيام أن تدور وبدورانها تتغير الامور، فيوماً نكون بسعادة ونشاط وفرح ويوماً بهم ويأس وإحباط ولنتقلب على الدوران المستمر للحياة لابد أن نتقن صناعة الأمل، صناعة تغيير حياة الإنسان من يتقنها، يتقلب على امواج الايام بمركب عنوانه الأمل لا تستطيع الامواج ايقافه ولا يمكن أن تجرفه الدوامات لأن الأمل قوة وطريق واضح، لذلك نحتاج جميعاً أمل نحيا به نعيش من اجله يدفعنا إن توقفنا، وينهضنا إن سقطنا، ويشجعنا إن أُحبطنا.

لهذا كانت صناعة الأمل وما أجمل وقود الحياة إن كان من النفس ذاتها، إن الإنسان من دون أمل كالسيارة من دون بترول، كيف سيعيش وكيف سيسير وكيف سيفكر وكيف سيعرف إلى أين هو ذاهب وماذا يُريد، الامل ولد معنا منذ أن أبصرنا ولمست أيادينا وجوه الاشياء، تعيش طفولتك بأمل الشباب يوماً وتعيش الشباب بأمل تحقيق أماني الطفولة. وتعيش الرجولة بأمل

التعلم من أخطاء شبابك، وتعيش الشيخوخة بأمل إنك عملت صالحاً، هكذا هي الحياة بأمل. آمالنا ضوء يصيب الجميع، ألا ترى أن كل السياسيين يجمعهم الأمل على قدر اختلافاتهم، فالأمل جمع النقيضان، السياسي الفاسد أمله استمرار الفساد والسياسي المصلح أمله الإصلاح. نختلف في النية والوسيلة ونتفق إننا نحمل أملاً. فلا يسلبك من كان هذا الأمل فهذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم صنع الأمل في أحلك الظروف يوم الأحزاب وقلوب المؤمنين بلغت الحناجر خوفاً وخشيه عندها تجلت صناعة الأمل فيبشرهم الحبيب صلى الله عليه وسلم بفتح فارس والروم. وذاك الناصر صلاح الدين الأيوبي صنع الأمل بعودة القدس منذ ان وحدت مصر والشام وهدفه غايته ان يوصل منبر نور الدين الى المسجد الاقصى فجسد قول الطغرائي: أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

لماذا تسلم نفسك للانهزام؟ اصنع الأمل في حياتك دون أن تعتمد على الآخرين في بلوغ غاياتك، الانهزامية لا تورث إلا التكاسل، لا تكن متقاعسا تغلق أبواب الحياة في وجهك وأنت لا تزال تتنفس، تعلم فنون المثابرة وتجاوز العراقيل فتلك هي الطريقة الوحيدة لتشعر بالمعنى الحقيقي للسعادة.

يجب أن تعلم أنّ الأمل ليس مجرد حالة نفسية تعتورك بعض الوقت ثم ما تفتأ أن تختفي لتحل محلها حالة نفسية أخرى هي حالة اليأس. فالأمل إيمان راسخ لا يتزعزع، وليس مجرد عاطفة عابرة. إنّ رسوخه أقوى من رسوخ الجبال وأصلد من الفولاذ والحجر الصوان.

وأنت الذي ترسخ الأمل في نفسك. إنّك بتربية نفسك تقوى الأمل لديك. وأوّل درس في هذه التربية الذاتية هو الإيمان بأنّ المستقبل أفضل من الحاضر.

 فالشخص المتفائل ينظر باستبشار إلى المستقبل. إنّه يعتقد أنّ جوهر الشخصية موجود بداخلها وليس موجوداً بخارجها. فجوهر شخصيتك لا يتبدل بتبدل الخارج. فلا فقر ولا مرض ولا شيخوخة يمكن أن تؤثر في ذلك الجوهر.

الأمل الفسيح هو الذي يدفع كل إنسان أن يستيقظ صباحا مفعما بالطاقة والحيوية للعمل والجد والاجتهاد، وبدون الأمل تتثاقل خطى الإنسان نحو عمله، ولا يهتم أو يسعى اليه، لذلك نجد في الدول التي يقل فيها معدل الأمل؛ تقل فيها إنتاجية الموظفين والعاملين حتى تصل الى دقائق معدودة في اليوم، لأنهم يذهبون الى أعمالهم وهم كارهون، لا يرون فيها أملا، ولا يتعشمون من ورائها أملا، وليس في حياتهم ذاتها أمل… وقد وصف أحد معدومي الأمل في بلادنا حياته بأنها… (حياة من قلة الموت).

وصناعة الأمل تتعلق بالوعى الجمعي للمجتمع، تحفزها حقائق واقعية، وتدفع لها طموحات منطقية قابلة للتحقق، وليست طموحات خيالية مستحيلة التحقق تقود للاكتئاب أو الانحراف، وأولى وسائل صناعة الأمل وجود رؤية سياسية للدولة تحشد الشعب نحو تحقيقها فيكون فيها الأمل، وتكون هي الأمل، وبعد ذلك يأتي المناخ الثقافي العام في المجتمع؛ فهو الذى يصنع الأمل أو يصنع انعدام الأمل، فإذا كان المشهد الثقافي في الإعلام والفنون بأنواعها يركز على قصص النجاح، وحكايات السعادة، وأغاني البهجة والبسمة الواسعة، هنا تكون صناعة حقيقية للأمل؛ وإذا كان المشهد الثقافي العام يركز على الأزمات والمشكلات، والحوادث والانحرافات، والقتل والتدمير والخراب، هنا يضيع الأمل، وتنتشر حالة اليأس والاكتئاب وفقدان الأمل وتصبح الحياة ضرورة لعدم توافر الموت.

ومن ينظر في المشهد الثقافي والإعلامي والفني في بلادنا يجد أن وسائل الإعلام التي تدخل كل بيت؛ سواء من خلال الفضائيات، أو وسائل التواصل الاجتماعي تنتشر فيها أخبار الخريف العربي المشؤوم، الذي دمر دولاً كاملة، ويكفي الإنسان أن يشاهد ما يحدث في دول الجوار ليصاب بحالة بؤس وحزن وفقدان أمل، أو يصاب بحالة بلادة وتياسة وجمود، وهنا أيضاً يفقد الأمل. ثم إذا أراد أن يتابع مسلسلاً تليفزيونياً أو فيلماً سيجد قصص الغدر والخيانة والانتقام، والجشع والطمع، وكل القيم التي تقنعه أن الحياة صارت غابة، وأنه إذا كان فيه بقية إنسان فعليه أن يعتزلها أو يتركها، وإذا أراد أن يسمع أغنية ستصم أذنيه كلمات بائسة، وموسيقى متخصصة في حرق الأعصاب، وإصابة الإنسان بالتوتر… واقعنا يسير عكس صناعة الأمل، لذلك لابد من التحرك بقوة وسرعة وصرامة نحو خطة لصناعة الأمل.

 

التعليقات