الأربعاء - الموافق 17 أغسطس 2022م

مقومات الأمن الاجتماعي .. بقلم الدكتور عادل عامر

يعتبر الأمن الاجتماعى الركيزة الأساسية لبناء اﻟﻤﺠتمعات الحديثة وعاملاً رئيساً فى حماية منجزاتها والسبيل إلى رقيهّا وتقدمها؛ لأنه يوفر البيئة الآمنة للعمل والبناء ويبعث الطمأنينة فى النفوس ويشكل حافزاً للإبداع والانطلاق إلى آفاق المستقبل، ويتحقق الأمن بالتوافق والإيمان بالثوابت الوطنية التى توحّد النسيج الاجتماعى والثقافى الذى يبرز الهوية الوطنية ويحدد ملامحها ، حيث يكون من السهل توجيه الطاقات للوصول إلى الأهداف والغايات التى تندرج فى إطار القيم والمثل العليا لتعزيز الروح الوطنية وتحقيق العدل والمساواة وتكافؤ الفرص وتكامل الأدوار .

ومن الجدير بالذكر أن استتباب الأمن يساهم فى الانصهار الاجتماعى الذى يساهم فى إرساء قواعد المساواة فى الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والعرق والمذهب. مع الإبقاء على الخصوصيات الثقافية التى تجسد مبدأ التنوع فى إطار الوحدة، وفى هذا صون للحرية واحترام لحق الإنسان فى الاعتقاد والعبادة بما لايؤثر على حقوق الآخرين فى هذا السياق .

أبعاد الامن الاجتماعي

على ضوء المفهوم الشامل للأمن ، فإنه يعنى تهيئة الظروف المناسبة التى تكفل الحياة المستقرة .

من خلال الأبعاد التالية : –

أولاً / البعد السياسى ، والذى يتمثل فى الحفاظ على الكيان السياسى للدولة ، وحماية المصالح العليا ، واحترام الرموز الوطنية والثوابت التى أجمع عليها غالبية أفراد اﻟﻤﺠتمع ، وعدم اللجوء إلى طلب الرّعاية من جهات أجنبية أو العمل وفق أجندة غير وطنية مهما كانت المبررات والذرائع ، وممارسة التعبير وفق القوانين والأنظمة التى تكفل ذلك، وبالوسائل السلمية التى تأخذ بالحسبان أمن الوطن واستقراره.

ثانياً / البعد الاقتصادى ، والذى يهدف إلى توفير أسباب العيش الكريم وتلبية الاحتياجات الأساسية ، ورفع مستوى الخدمات ، مع العمل على تحسين ظروف المعيشة ، وخلق فرص عمل لمن هو فى سن العمل مع الأخذ بعين الاعتبار تطوير القدرات والمهارات من خلال برامج التعليم

والتأهيل والتدريب وفتح اﻟﻤﺠال لممارسة العمل الحر فى إطار التشريعات والقوانين القادرة على مواكبة روح العصر ومتطلبات الحياة الراهنة .

ثالثاً / البعد الاجتماعى، والذى يرمى إلى توفير الأمن للمواطنين بالقدر الذى يزيد من تنمية الشعور بالانتماء والولاء ، والعمل على زيادة قدرة مؤسسات التوجيه الوطنى لبث الروح المعنوية ، وزيادة الإحساس الوطنى بإنجازات الوطن واحترام تراثه الذى يمثل هويته وانتماءه الحضارى واستغلال المناسبات الوطنية التى تساهم فى تعميق الانتماء ، والعمل على تشجيع إنشاء مؤسسات اﻟﻤﺠتمع المدنى لتمارس دورها فى اكتشاف المواهب ، وتوجيه الطاقات ، وتعزيز فكرة العمل الطوعى لتكون هذه المؤسسات قادرة على النهوض بواجبها كرديف وداعم ومساند للجهد الرسمى فى شتى اﻟﻤﺠالات .

رابعاً / البعد المعنوى أو الاعتقادى، وذلك من خلال احترام المعتقد الدينى بصفته العنصر الأساسى فى وحدة الأمة التى تدين بالإسلام وتتوحد مشاعرها باتجاهه ، مع مراعاة حرية الأقليات فى اعتقادها ، كما أن هذا البعد يتطلب احترام الفكر والإبداع ، والحفاظ على العادات الحميدة والتقاليد الموروثة بالإضافة إلى القيم التى استقرت فى الوجدان الجمعى ، ودرج الناس على الإيمان بها .

خامساً / البعد البيئى، والذى يهدف إلى حماية البيئة من الأخطار التى تهددها كالتلوث وبخاصة فى التجمعات السكنية القريبة من المصانع التى تنبعث منها الغازات التى تسهم فى تلوث الهواء ، والإضرار بعناصر البيئة الأخرى من نبات ومياه ، إضافة إلى مكافحة التلوث البحرى الذى يضر بالحياة المائية والثروات السمكية التى تشكل مصدراً من مصادر الدخل الوطنى . وهذا ما تنص عليه التشريعات المتعلقة بحماية البيئة والإجراءات المتبعة للحد منمصادر التلوث .

ومما يلاحظ أن الأبعاد الأمنية المشار إليها تعالج وفق مستويات أربعة هى: أمن الفرد وأمن

الوطن وأمن الإقليم والأمن الدولى ، حيث يسعى الفرد إلى انتهاج السلوك الذى يؤمنه من

الأخطار التى تهدد حياته أو أسرته أو ممتلكاته من خلال ما يملك من الوعى ، وباتباع

الإجراءات القانونية لدرء هذه الأخطار ، واللجوء إلى القانون لتوفير الأمن مع الحرص على حياة

الآخرين وعدم التعدى والتجاوز ، كما أن من مقومات الحماية الفردية توفير مستلزمات السلامة

العامة .

أما أمن الدولة فهو منوط بأجهزتها المتعددة التى تسخر كل إمكاناتها لحماية رعاياها

ومنجزاتها ، ومرافقها الحيوية من الأخطار الخارجية والداخلية ، وتكون مسئولية الجماعاتوالأفراد التعاون مع أجهزة الدولة فى تنفيذ سياستها .

ويتحقق الأمن الإقليمى من خلال التعاون مع الدول التى ترتبط بوحدة إقليمية لحمايةمصالحها ، تحددها الاتفاقيات والمواثيق ويكون التنسيق على مستوى مواجهة الأخطار الخارجيةوالداخلية ، ولعل مجلس التعاون الخليجى خير مثال على التعاون الإقليمى لحفظ الأمن إضافة إلى التعاون فى اﻟﻤﺠالات الأخرى .

أما الأمن الدولى فهو الذى تتولاه المنظمات الدولية سواء من الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولى وما يصدر عنهما من قررات وما يتم إقراره من اتفاقيات ومواثيق للحفاظ على الأمن والسّلم الدوليين .

عوامل تهديد الامن الاجتماعي

سبق وأن أشرنا إلى أن الأمن الاجتماعى يقع ضمن مفهوم الأمن الوطنى ( القومى ) إلاّ أنه يرتبط بالعوامل الداخلية المؤثرة وهو بهذه الحدود يعنى حماية اﻟﻤﺠتمع من الجرائم الواقعة والمتوقعة .

وأن القصد من الأمن الاجتماعى هو تحقيق الاستقرار ، كما أنه احترام حقوق الآخرين وصون الحرمات، كحرمة النفس والمال والأعراض بما يساهم فى خلق التوافق وبخاصة الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم » إذا انعدم الظلم وساد ميزان العدل حيث ورد فى محكم التنزيل ومن هنا يأتى الربط بين الأمن والإيمان ، فمن مقومات « بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون

الأمن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لحفظ النظام العام والعمل بأوامر الإسلام ، ويعرف د.

محمد عمارة الأمن الاجتماعى بأنه الطمأنينة التى تنفى الخوف والفزع عن الأفراد والجماعات

الأمن أهنأ عيش » : فى سائر ميادين العمران الدنيوى والمعاد الأخروى. وقد قال بعض الحكماء

وعليه فإن الظلم من أبرز عوامل تهديد الأمن الاجتماعى ونقض دعائمه. « والعدل أقوى جيش

الآفات والامراض التي تهدد الامن الاجتماعي

١ – الانحراف: وهو الابتعاد عن المسار المحدد وانتهاك القواعد والمعايير ومجانبة الفطرة السليمة واتباع الطريق الخطأ المنهى عنه حكما وشرعاً ويأخذ الانحراف أشكالاً عديدة منها:

ما يتعلق بجرائم الاعتداء على النفس، ومنها جرائم الاعتداء على الممتلكات، ومنها ما يتصل بالجرائم المنافية للأخلاق كما أن بعض أشكال الانحراف تستهدف النظام الاجتماعى كالحرابة والاحتكار .

٢ – الغلو: ويعنى التجاوز اﻟﻤﺠانب لحد الاعتدال .

ولعل أخطر أشكال الغلو هو الغلو في الاعتقاد الذى يعتمد المنهج التكفيرى لمن سواه ، مما يبيح له ارتكاب الجرائم بحقه ومنابذته ومعاداته.

كما أن الغلو فى التفكير والزعم باحتكار الحقيقة يولد الضغائن والأحقاد ويوقع القطيعة بين أبناء اﻟﻤﺠتمع الواحد؛ مما يدفع إلى تقويض الأمن الاجتماعى وزعزعة أركانه .

٣ – اﻟﻤﺨدرات: وهى من أخطر الآفات التى تهدد اﻟﻤﺠتمع وتعبث بكيانه واستقراره لما تتركه من آثار سلبية على صحة الأبدان والعقول ، وتبديد للطاقات والثروات ، وما تورثه من خمول واستهتار ، تفسد معه العلائق الاجتماعية ، وتشكل بوابة لارتكاب جرائم أخرى كالسرقة

والاغتصاب ، وأحيانا القتل .

٤ – الفقر : يعتبر الفقر من أبرز المشكلات الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث يؤدى الحرمان والعوز إلى بروز حالات الجنوح التى تدفع أصحابها إلى السرقة والانتقام، وتشكل بيئات الفقر مناخاً مناسباً للانحراف الاجتماعى الذى يهدد قيم اﻟﻤﺠتمع ويبث الخوف والقلق ، وبخاصة لدى الأطفال الذين يحرمون من مقومات الحياة من المأوى والرعاية والتعليم حيث تظهر حالات التشرد والعدوان؛ مما يشكل إخلالاً فى توازن البنية الاجتماعية ودافعاً إلى العنف والتدمير .

المكونات الاساسية لمكافحة الآفات التي تهدد الامن الاجتماعي

يمتلك اﻟﻤﺠتمع القدرة على تفعيل أدوات الضبط الاجتماعى ومعالجة الاختلالات الناشئة من خلال دراسة الظواهر الاجتماعية السلبية ، والنفاذ إلى أسبابها ، ووضع الحلول الناجحة لها؛ حيث تتولى الدولة بما تملك من أجهزة وقدرات التصدى لكل الأخطار ، وتتبع من الوسائل والأساليب ما يكفل معالجة الاختلالات عن طريق وضع الخطط الاستراتيجية فى رسم صورة المستقبل وتحسين الأوضاع المعيشية ، فالخطط التنموية ترصد الجانب المعيشى وتسعى إلى زيادة معدلات الدخل ، والأخذ بيد الفئات الأقل حظاً؛ لتنال نصيبها من الرعاية ، كما تقوم المؤسسات التربوية بإعداد النشء اجتماعياً ونفسياً ومعرفياً ليكونوا مواطنين صالحين ، وفيما

يتعلق بالتصدى للجرائم فإن الدولة بما تملك من جهاز قضائى وأمنى قادرة على تجفيف منابع الجريمة ، إضافة إلى الإجراءات للتخفيف من آثارها. على أن هذا الدور الأساسى للدولة فى تحقيق الأمن الاجتماعى والتصدى للآفات التى تهدده لابد وأن يحظى بمساندة مؤسسات اﻟﻤﺠتمع المدنى الدينية منها والخيرية والشبابية والتطوعية ، ومنها يبرز دور المسجد فى تهذيب الأخلاق والحث على المكارم ، والتحذير من الفتن؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والصوم جُنة ، والذكر غذاء الروح ، ومبعث الطمأنينة ، وهنا يأتى دور الوعاظ فى التوجيه والإرشاد وتعريف الناس بالأحكام والحلال والحرام .

كما تشكل النوادى والجمعيات الخيرية داعماً رئيساً فى مكافحة الآفات الاجتماعية عن طريق توجيه طاقات الشباب إلى العمل النافع والابتعاد عن رفاق السوء من خلال الانخراط فى النشاطات الهادفة والأعمال التطوعية التى تعود عليهم وعلى اﻟﻤﺠتمع بالنفع والفائدة .

ولابد فى هذا المقام من إبراز دور أجهزة الإعلام المطبوع منها ، والمسموع والمرئى والتى تساهم بشكل فاعل فى خلق الرأى العام، والتوجيه بما لديها من حضور ، وقدرة على الانتشار ومما تملك من سلطة معرفية ومعنوية .

وتبقى الأسرة الحاضن الأول وحجر الأساس فى البناء التربوى، فالتربية الصالحة المسئولة تقدم للجميع أفراداً أسوياء قادرين على المشاركة فى بنائه بكفاءة ، واقتدار ، وأما إذا ما أخلّت الأسرة بواجبها ، وعانت التفكك ، فإن اﻟﻤﺠتمع بكامله سيدفع الثمن.

وتكمّل المدرسة والجامعة ما بدأت به الأسرة من الإعداد والصقل وغرس القيم والفضائل ، وتزويد الأجيال بالمعرفة والخبرة ليكونوا أعضاء صالحين فى مجتمع صالح تسوده العدالة والمساواة تحت مظلة الأمن والأمان .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك