السبت - الموافق 19 يناير 2019م

معالم قاهرية لا تنسى بقلم :- نسمة سيف

بقلم :- نسمة سيف – باحثة دكتوراه بكلية الآداب جامعة القاهرة

إذا أردت أن تسترد لحظات من زمن جميل مضى ، وألا تكتفى بالذكريات ، وأن تمسك ببعض من سنوات غادرت ، اختر إحدى أمسيات الشتاء حين تقل حركة الناس والسيارات بشوارع وسط القاهرة وتمتع بعمارة القاهرة الخديوية التي من أهم ملامحها عمارة الايموبيليا ومطعم جروبي. في
منتصف الثلاثينات من القرن العشرين قرر احمد عبود باشا إقامة “عمارة الايموبيليا” أشهر عمارات القاهرة في ذلك الوقت ، وتقع يتقاطع شارعي
شريف وقصر النيل ، وكانت المفوضية الفرنسية تشغل مساحتها التي تبلغ حوالي خمسة آلاف و خمسمائة متر مربع ، ووضع تصميمها المهندسان “ماكس ادرعي وجاستون روسيو” وهي مكونة من برجين الأول يطل على شارع قصر النيل وبه ثلاثة أجنحة بكل منها 14شقة ، أما البرج الآخر فيطل على شارع شريف وبه جناحان يضم كل منهما من 12 شقة إلى 14 شقة ، ويبلغ إجمالي إجمالي عدد الشقق 370 شقة ، وكان بها 27 اسانسير صنعت لثلاث مهام ، الأولى للسكان والثانية الخدم والثالثة للأثاث ، كما كان بها نظام للتدفئة المركزية يمد جميع الشقق بالمياة الساخنة ، بالإضافة إلى نظام مركزي لحرق القمامة ، فقد كانت نفايات الشقق توضع مواسير ضخمة تصل لبدروم العمارة حيث يتم حرقها ، وكانت نظافة عمارة الايموبيليا تتم مرتين شهريا بواسطة عربات الإطفاء ، وقد بلغت تكلفة إنشائها مليون ومائتي ألف جنيه وهو بمبلغ هائل بمقاييس تلك الأيام .
وقد استمدت عمارة الايموبيليا سحرها من عاملين أولهما تصميمها المعماري الانسيابي المجرد من التفاصيل الكلاسيكية التي كانت تتميز بها المباني في ذلك العصر ، وثانيهما مشاهير الساسة والفنانين الذين اتخذوا منها مسكن لهم أو مقر ادارى لشركاتهم مثل فكري أباظة ، وتوفيق الحكيم ، ومحمد عبد الوهاب ، ونجيب الريحاني ، وانور وجدي وليلى مراد بعد زواجهما ومحمود المليجي والمخرج كمال الشيخ وغيرهما كما كان من بين سكان العمارة عدد كبير من الأثرياء منهم ريمون شملا صاحب محلات شملا والخواجة ريمون أشهر تاجر مجوهرات والموردين الخاص لمجوهرات الملكة نازلي
وأما جروبي فقد تم افتتاحه في 12 مارس 1925 ففي حفل أنيق افتتح جياكو مو وابنه اكيلي مطعم جروبي الأشهر وقاعة الشاي جروبي سليمان باشا أسفل واحدة من أشهر عمارات القاهرة الخديوية على طراز الباروك الأوروبي ، ولم يكونا يدريان ان المطعم والمقهي سيتحولان إلى قطعة من تاريخ. القاهرة ، فمن خارج المكان تستقبلك كلمة جروبي بحروف عربية و لاتينية وعام التأسيس —1924 — وتصميم يرجع إلى القرن التاسع عشر يجعلك. تشعر بأنك أمام موقع قاهري قادم من زمن جميل ،لم يكن جروبي مجرد موقع يضاهي الأماكن الباريسية المماثلة ، وإنما كان كان مشروعا أسس ليرسي فكرا عصريا جديدا في الترفيه ،حيث كان سيتقدم الفرق الموسيقية من كل أنحاء العالم ، ويقيم الحفلات ، ويعرض في حديقته الخلفية الأفلام السينمائية على شاشة كبيرة ليكون بذلك أول من ادخل السينما الصيفية بمصر ،كما كان جروبي نجما في عدد من الأفلام السينمائية والأعمال الأدبية .حيث دارت أحداث الأعمال الفنية به.
وفي عام 1926 عاد جياكو مو جروبي إلى سويسرا ، وترك إدارة أعماله بمصر لابنه اكيلي الذي ادخل تعديلات على العمل ، وادخل العديد من الابتكارات حتى أصبح المورد الرئيسي لمأدب العائلة الملكية في مصر .
وفي عام1928 وبعد عودته من معرض بالولايات المتحدة الأمريكية ادخل لأول مرة صناعة الآيس كريم في مصر واستورد الآلات الخاصة بذلك مقدما أنواعا عديدة منه
وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 استمر جروبي يؤدي دوره في الحياة الإجتماعية المصرية، وفي تجهيز الولائم الرسمية الكبرى ، وفي عام1981 باع ورثة جروبي مشروعهم إلى الشركة العربية للأغذية التي حافظت على الطابع الخاص الكلاسيكي له ليبقى بمرور الزمن جزء من زمن جميل بما شاهده من تاريخ .

التعليقات