الإثنين - الموافق 28 نوفمبر 2022م

مصر وقضايا التغير المناخي ..بقلم الدكتور عادل عامر

تواجه مصر تحديًا كبيرًا في مجابهة أزمة التغيرات المناخية وتداعياتها على العديد من القطاعات الرئيسية، والأكثر تأثيرًا في الاقتصاد المصري، والتي يأتي على رأسها قطاعي الزراعة والسياحة. ويُعد قطاع الزراعة من أكثر القطاعات تأثرًا بأزمة التغيرات المناخية في مصر، فقدرة القطاع على تجاوز ضغوطات التغيرات المناخية ضعيفة، خاصة بالنسبة للمجتمعات الريفية التي تعتبر من أكثر المجتمعات تضررًا من التغيرات المناخية لضعف البنية التحتية القادرة على التكيف مع تلك التقلبات أو مواجهة انعكاساتها السلبية، سواء عبر تبني سياسات استباقية ووقائية، أو من خلال مدى قدرتها على تنويع المحاصيل ومواسم الزراعة، أو عن طريق استحداث أساليب جديدة في الزراعة والري تكون أكثر تكيفًا وكفاءة في التعامل مع التحديات المناخية المتنوعة.

تُعد مصر، بصحاريها الشاسعة ودلتاها الخصبة وسواحلها الممتدة ومدنها الضخمة التي يمثل النيل شريان حياتها، وما تتسم به من قلة الأمطار وارتفاع في حرارة فصول الصيف، شديدة التعرض للتأثر بتغيّر المناخ. وتزداد حالة عدم اليقين بشأن توافر إمدادات المياه بشكل كبير في ظل تغير المناخ، وهو ما يحتم على مصر الاستعداد للتعامل مع هذا الوضع الجديد، وعليها أن تبدأ هذا الاستعداد من الآن.

في واقع الأمر، لا يقتصر التصدي لتغيّر المناخ على إدارة المخاطر فحسب، بل يتعلق أيضاً باغتنام ما يُتاح من فرص جديدة – وحفز القطاع الخاص على المشاركة على نطاق واسع. فالأسواق في جميع أنحاء العالم تشهد تغيرات سريعة، وتفضل السلع منخفضة الكربون، وتتجه أيضاً نحو مسارات تنمية أكثر مراعاة للبيئة وقدرة على الصمود. وسيتطلب تمكين التحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون وقادر على الصمود في وجه تغير المناخ اتخاذ إجراءات لدعم القطاع الخاص للاضطلاع بدور أكبر في هذا المجال، حيث يمكنه أن يلعب دوراً مهماً – بوصفه ممولاً للسلع والخدمات غير الضارة بالمناخ، ومبتكراً لها، بل ومورّداً لها.

وتبدي مصر التزامها بأجندة العمل المناخي، فهي تضع اللمسات الأخيرة على الاستراتيجية الوطنية لتغيّر المناخ بغية دعم خطة التنمية التي وضعتها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030. وأيضاً تعكف البلاد حالياً على التحضير لاستضافة الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.

ويقدم البنك الدولي الدعم لمصر في مشاريع تهدف إلى تحسين مستوى حياة المواطنين، مع ضمان تقوية القدرة على تحمل آثار تغير المناخ والحد من الانبعاثات.

وكان لمصر قصب السبق في إصدار أول سند سيادي أخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – بقيمة 750 مليون دولار – مغتنمة بذلك فرصة اهتمام المستثمرين بالعائدات المالية والبيئية. ويوضح أول تقرير لها عن تأثير تلك السندات أن 46% من حصيلتها مخصصة لقطاع النقل النظيف (مشروع مونوريل القاهرة)، و54% لإمدادات المياه المستدامة وإدارة مياه الصرف الصحي. وبوصفه رائداً في مجال السندات الخضراء، قدم البنك الدولي المشورة لوزارة المالية والوزارات التنفيذية في مصر. وتساعد السندات الخضراء في تمويل العمل المناخي، ويستخدمها المصْدِرون من القطاعين العام والخاص على نطاق واسع.

وتتعلق بعض مشروعات البنك الدولي الرئيسية في مصر بقطاع النقل والهواء النظيف، حيث يهدف مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى، الذي تبلغ تكلفته 200 مليون دولار، إلى جعل الهواء الذي يتنفسه السكان نظيفاً. ويعمل هذا المشروع على تقليل الانبعاثات، بما في ذلك غازات الاحتباس الحراري (الدفيئة) المنبعثة من عمليات حرق المخلفات الصلبة في الهواء الطلق أو بسبب احتراق الوقود الأحفوري في محركات السيارات، مما يؤدي إلى تلوث الهواء بسبب الجسيمات الدقيقة. ويقوم المشروع حالياً ببناء منشأة متكاملة لإدارة المخلفات الصلبة، كما سيقوم بغلق أحد مكبات النفايات القديمة وإعادة تأهيله. بالإضافة إلى ذلك، يقوم المشروع بتجريب مكون له يهدف إلى إدخال أتوبيسات تعمل بالكهرباء في أسطول النقل العام في القاهرة. وسيدعم المشروع أيضاً عمليات رصد ملوثات المناخ، حتى تتمكن مصر من وضع أهداف كمية ملموسة لخفض غازات الاحتباس الحراري، ووضع خطة متكاملة لإدارة تغير المناخ وجودة الهواء.

وتمكّن مشروع الإدارة المستدامة للملوثات العضوية الثابتة، الذي اُنجز مؤخراً بتكلفة قدرها 8.1 ملايين دولار، من التخلص الآمن من 1090 طناً من مبيدات الآفات المتقادمة شديدة الخطورة في مصر، وأيضاً 1000 طن من مركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلورينات من المحولات الكهربائية. وأدى التخلص من مبيدات الآفات في محافظة السويس ومناطق أخرى إلى القضاء على المخاطر التي تشكلها على صحة نحو 383 ألفاً من السكان. وقام المشروع ببناء قدرة مصر على إدارة المواد الكيميائية الخطرة، وأكد على أهمية أنظمة الرصد والتتبع. كما يقدم نموذجاً يمكن لبلدان أخرى في المنطقة أن تحذوا حذوه.

وتعمل الحكومة المصرية والبنك الدولي أيضاً على تعزيز الفرص على صعيد العمليات للعمل من أجل دعم كل من المناخ والتنمية الشاملة.

يعمل مشروع التطوير والسلامة بسكك حديد مصر على تعزيز سلامة الخدمة وجودتها في خط سكة حديد الإسكندرية – القاهرة – نجع حمادي لنقل الركاب. وسيسهم هذا المشروع أيضاً في التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه في المناطق الريفية ولدى سكان الريف الذين يعانون من نقص الخدمات، مع التحول إلى وسائل نقل عام أفضل وبتكلفة معقولة وأكثر مراعاة للبيئة. وسيعمل المشروع على تحديث نظام الإشارات على طول خط الإسكندرية – القاهرة – نجع حمادي، وسيساعد في تحسين مستويات السلامة في محطات مختارة باستخدام نهج أنظمة السلامة، بما ذلك اعتبارات توفير قدر أكبر من الأمن والسلامة للنساء والفتيات في وسائل المواصلات العامة، ومشاركة المواطنين، واحتياجات ذوي الإعاقة. وسيكون بمقدور نحو 1.4 مليون راكب يستقلون السكك الحديدية يومياً الاستفادة من خدمة أكثر أمناً وانتظاماً. ومن شأن الاستثمار في وسيلة نقل منخفضة الكربون أن يدعم الأهداف التي وضعتها مصر من أجل التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه.

ويتضمن برنامج التنمية المحلية في صعيد مصر سياسات محددة تهدف إلى تعزيز قدرات أجهزة الحكم المحلي على إدارة المخلفات الصلبة، وإجراء تقييمات لمخاطر تغير المناخ، ووضع خطط عمل للتصدي لتغير المناخ على المستوى المحلي لمواجهة مخاطره وتخفيف تعرض المواطنين والاقتصاد المحلي لها. ويجري تنفيذ البرنامج حالياً في محافظات قنا وأسيوط وسوهاج والمنيا، ومن الممكن أن يتوسع في جميع أنحاء صعيد مصر. وستكون زيادة نطاق العمل المناخي على المستوى المحلي أمراً بالغ الأهمية لنجاح مساعي مصر الشاملة للتصدي لتغير المناخ.

وتتيح مبادرة “حياة كريمة”، وهي مبادرة وطنية للتنمية، فرصة رائعة لإحراز تقدم في الجهود التي تُبذل على المستوى المحلي لمواجهة تغير المناخ. وتوجد أيضاً فرص لتوسيع نطاق العمل المناخي على مستوى المناطق السكنية. ويدعم برنامج التمويل العقاري الشامل المبادرات الخضراء الأساسية عن طريق التوثيق من خلال نظام الهرم الأخضر لتقييم المباني. ويتضمن هذا النظام مقاييس لاختيار الموقع، والتصميمات ومواد البناء المستدامة، واعتماد بعض تجهيزات السباكة والأدوات الموفرة للكهرباء.

ويسير نظام الهرم الأخضر لتقييم المباني على الطريق الصحيح نحو توثيق 25 ألف وحدة إسكان اجتماعي في جميع أنحاء مصر بحلول ديسمبر/كانون الأول 2024، مما يُعد إضافة كبيرة للمخزون القائم من الوحدات السكنية التي يعتمدها. ويهدف هذا النظام إلى استخدام العزل الحراري والتهوية الطبيعية، والتكيف مع موجات الحر، وإعادة استخدام مياه الصرف، واستخدام المرشحات في الصنابير، وهو تدبير تكيفي من أجل المنازل التي لا تحصل على إمدادات كافية من المياه النقية. ويجب أن يساعد البرنامج في تدريب المزيد من الخبراء على أعمال التصميم والتدقيق والتوثيق التي ينفذها نظام الهرم الأخضر لتقييم المباني، ومن ثم، يصبح له تأثير على المدى الأطول.

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك