السبت - الموافق 23 يناير 2021م

* مسلمٌ بوجداني – عربيٌ بلساني – مصريٌ باختياري * بقلم أحمد العش

كنت أستحث الخُطى على بر حاضر التاريخ ، يمنةً ويسرةً فى الأرض يبساً ، سالكاً سبلاً فجاجاً وطرائق قدداً ، آملاً فى الظفر بجملة مفيدة ، تترنم بها شفتاى معنىً ومغزىً وإعراباً ، فما قرت لى عين بمثل ما تمنيته يئساً ، فراودنى بحر التاريخ الأعظم ، لأسبح فيه سبحاً طويلاً ، ولئن لمُلئت من هوله وغوره رعباً ، وإن غشيني موجه من فوقه موجٌ سطحاً وعمقاً ، ففى ملكوته كنوزاً لا يعلم قدرها وعددها إلا الله فرداً ، ولئن كنت سباحاً ماهراً ، وغواصاً متمكناً ، فلن أبلغ ساحله أبداً ، ولو بريت أشجار الأرض أقلاماً ، والبحر مداده سبعة أبحر ، لنفدت أقلامي ، وما نفدت لآلىء بحر التاريخ وسرائره المكنوزه ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ،،،
ولا جرم أن بحر التاريخ كان رهواً ، فركبت السفينة له طوعاً ، تلعب بي الأمواج يميناً وشمالاً ، لا أبالى إلا إنجاز مهمتي ، وإن حُفت بي المخاطر والصعائب فتكاً ، ولئن أرهقتني الرحلة من أمرى عسراً ، فإني حصدت من فيض البحر ، ومن زبده كنوز عجباً ،،،
لقد طابت نفسي بثلاثية عظيمة من كنوز هذا البحر المملوء ، ثلاثية وضاءة ظفر بها ملايين البشر قبلي ، فرجوت ربي أن أسير على دربهم بالفوز بها ، فلا أضل ولا أشقى ،،،
من بحر التاريخ اللجي الندي ، أمسكت بالثلاثة النوادر ، وتطوقت بهم فنعم الفواخر ، ثلاثُ حُلياتٍ جواهر ( عقود الجمان ، وقلائد العقيان ، وحجر المرجان ) ، فأولاهم هى الديانة الاسلامية ، وثانيتهم اللفظة العربية ، وثالثتهم الأرض المصرية ، وبين الثوالث علاقة شديدة الوثاق ، عميقة الوفاق ،،،
طوبى لكل امرىء ولد على الإسلام ، وعاش ومات عليه ، ثم طوبى ثم طوبى لمن عاش مسلماً بلسانٍ عربىٍ مبين ، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن لبس من الإسلام سربالاً ، وحذق العربية تبياناً ، وعلى الأرض المصرية كان ماراً ، أو وافته المنية على ثراها ،،،
ويقسم التاريخ ، أن الإسلام ومصر والعربية ، جمعتهم القواسم المشتركة ، بروابط وثيقة خالدة تالدة إلى يوم الدين ، فقد خلدت الكتب السماوية اسم مصر ، وحسبك والقرآن العظيم فى مواضع عديدة براقة ، أكثرها نصوعاً ونصوحاً قوله سبحانه ( ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) ،.. إنها مصر التى اشتق حرفها بازغاً عتياً ، أبياً ثرياً من اسم حفيد نبي الله نوح عليه السلام ، أول أولي العزم الخمسة ، داعياً لحفيده مصرايم ( اللهم أسكنه الأرض المباركة ، التى هى أم البلاد وغوث العباد ، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا ، واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض ، وذللها لهم وقوهم عليها ) ،،،
كذلك تبدو عظمة مصر بثوب الإسلام القشيب ، واللغة العربية الآسرة ، فقد أخذت بمصر بنواصي أنبياء الله ورسله تترى ، فهذا كليم الله موسى وأخوه هارون ، يرتبطا بمصر وأهلها ردحاً من الزمن عظيماً ، كلم الله نبيه وعبده موسى فى جانب الطور بمصر ، وأسداه من المعجزات شتى ، على أرض مصر ، ونصره على عدوه فرعون وملأه بمصر ، وأنزل الله فيها على موسى التوراه ، وعلى بني اسرائيل المن والسلوى ، وكذلك بزغت فى الأفق المصرية ، آسيه زوجة فرعون ، التى أدرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بين الأربعة الكوامل من النسوة ، وكذلك ماشطة ابنة فرعون التى كلمها ابنها فى المهد ، وكذلك أسلم سحرة فرعون برب هارون وموسى ، وهم بالألوف من كل حدب وصوب ، وهى مصر التى كانت لنبي الله يوسف مستقراً ومستودع ، وفى إحدى مدنها العتيقة ، حفر بحراً لايزال حاملاً اسمه بالفيوم ، ومن عظمة مصر بمكان ، ورفعة شأنها بعنوان ، أن من رحمها المكنون ، ولدت هاجر زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام ، وعنها قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً معشر العرب ( تلك أمكم يا بني ماء السماء ) ، ولله در القائل أمهاتنا أربعة ( حواء وهاجر وعائشة وأمنا التى ولدتنا ) ،،،
ما أروع رحم أمنا مصر ، وهى تنجب هاجر أم إسماعيل ، ومارية القبطية أم إبراهيم من صلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،،،
ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها ، فنفخ الله من روحه ، فأنجبت غلاماً ذكياً ، جاءت به إلى مصر هرباً من بطش اليهود به ، فمكثت به فى مدينة المنيا بصعيد مصر ، هنيهة من الزمن بلغت سبع سنين ،،،
ما أروع مصر بلسانها العربي وثوبها الإسلامي ، وهى تغيث مسلمى العالم فى زمن عمر بن الخطاب ، لما حلت بهم المسغبة فى عام ثماني عشر من الهجرة ، فلما صدح بصوت جهوري إلى عمرو بن العاص والي مصر ( واغوثاه – واغوثاه – واغوثاه ) قال عمرو بن العاص ( والله لأرسلن له قافلة من الأرزاق أولها فى المدينة وآخرها عندي فى مصر ) ، فأرسل إليه بألف بعير تحمل الدقيق ، وبعث فى البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن ، وبعث إليه بخمسة آلاف كساء ) ،،،
لله در مصر صانعة مزخرفة مرسلة كسوة الكعبة المشرفة عهوداً ساطعة ،،،
ومثلما شرفت مصر بأسفار الأنبياء منها وإليها ، ها هي تشرف بمقابر الصحابة والتابعين فى أكثر مدنها ، وحسبك وقرية البهنسا بمحافظة المنيا ، وكم تآوي أرضها بحوالى من خمسة آلاف مقبرة للصحابة والتابعين ، إبان الفتح الإسلامي المجيد ،،،
كما ضمت مصر مقابر أفذاذ الصحابة ، مثل عمرو بن العاص وعبدالله بن حذافة ، ومعاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد الأنصارى ، وعقبة بن عامر الجهنى بيرقدار رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، ومن التابعين أكاثر كُثر فى مقدمتهم محمد بن أبي بكر الصديق وغيره ،،،
ألا أنبئكم بمن تعلقا بمصر حتى الثمالة ، وهما من الذائعين صدقاً وعلماً وعدلاً ، عمر بن عبدالعزيز بن مروان رحمه الله ، الخليفة الراشد العادل الذى ولد بحلوان بمصر ، ومحمد بن إدريس الشافعي صاحب الدر المنحوتة فى حب مصر ( لقد أصبحت نفسى تتوق إلى مصر – ومن دونها أرض المهامة والقفر _ فوالله لا أدرى الفوز والغنى – أساق إليها أم أساق إلى القبر )
كم أنت عظيمة يا مصر بثوب الإسلام ، وإيواء الأعلام ، والبوء بلغة العرب وخير الأنام —-

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك