الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

مستشار دكتور محمد جبريل إبراهيم يكتب :- أثر الأعمال الفنية علي السلوك الإجرامي

 

من المستقر عليه أن المساهمة الجنائية في ارتكاب الجرائم ، لا يلزم لها أن تكون يد بيد أو كتف بكتف ، ولكن المشاركة في ارتكاب الجرائم قد تتم بمجرد الإيعاز أو الإشارة أو عرض الفكرة .

ومن الملاحظ أن أغلبية الأعمال الفنية في السينما، وفي المسرح، وفي التلفزيون ، وفي الإذاعة تطرح وبعمق طرق ارتكاب الجرائم وأدق تفاصيل تنفيذ الجريمة ، فهي تعتمد بشكل أساسي على طرق ارتكاب الجريمة وكيفية إتمامها ، حيث تقوم القصة والحبكة الدرامية علي جريمة ما ، وتركز علي البطل فيها والذي يتفنن في إظهار قدراته علي إتقان التنفيذ ، وكل بطل من ابطالها له صلة بجريمة ما بشكل أو بآخر، فهو إما أنه ينوي ارتكاب جريمة و يسعي و يخطط لها تخطيطاً يحاول أن يكون محكماً حتى ينكشف أمره ، ولا يقع في الفخ ، و إما أن يكون قد ارتكب جريمة ويحاول أن ينجو منها ويخطط للإفلات منها ، وإما أنه يكون قد تورط في الوقوع في الجريمة فعلاً ، ويدور العمل الفني والدرامي حول الكشف عن الجريمة وحل ألغازها ومحاولة الإمساك بمرتكبيها ، ثم عرض تفاصيل المحاكمة بعد ذلك ومرافعات المحامين والنيابة العامة .

ومنذ أن كنا صغار وتفاصيل الجرائم تحيط بنا ، فقد أدمنا أفلام توم وجري ، فاعتدنا علي انتقام الفأر من القط بقطع رأسه أو سلخ جلده ، ثم كبرنا علي أفلام الانتقام وكتائب الاعدام ، وما تلاها من أفلام الرعب والموت وما علي شاكلتها ، فوقر في ضمائرنا سهولة إزهاق الروح ، ويسر إراقة الدماء.

ويرجع ذلك إلي تكرار عرض هذه المشاهد عشرات المرات أمام أعييننا ، وفي الحقيقة فإنه من غير المنكور أن عناصر الجريمة تضفي على العمل الدرامي تشويقاً وإثارة للمشاهد ، ولكن المغالاة في عرض تفاصيل الجريمة تصوير كل مراحل ارتكابها في الأعمال الفنية الدرامية تسبب أضراراً بالغة بالمجتمع ، أبسطها أنها تجعل المُشاهد يعتاد منظر الجريمة ، ويألف مشهد الدماء والعنف ، فتصبح الجرائم أمراً مألوفاً ومتوقعاً لديه، هذا فضلاً عن أن الأساليب المبتكرة للجريمة التي يتفنن فيها مُعدّو هذه الأعمال تثري خيال المجرمين، وتمنحهم الخبرة اللازمة لارتكاب وتنفيذ الجرائم .

فمن الطبيعي أن تتزايد فى كل يوم بشاعة الجريمة ، ويتضاعف قدر العنف و التوحش بسبب الاعتياد علي مشاهد الإجرام ،فيكشف ارتكاب الجريمة اليوم ما آل إليه قدر الخطورة الإجرامية فى نفوس بعض البشر، وساعد علي ذلك توهم الإفلات من العقاب ، وتخيل البطولة الزائفة ، وتناسي الجزاء الأخروي ، مع كثرة الدعوات إلي الحد من العقاب .

 

ويبرز لهذه الظاهرة بُعد اجتماعي ملفت للنظر وهو أن المشاهد يري كل الأشخاص الطبيعيين من حوله هم أبطال هذه الأعمال الدرامية ، فهو يتخيلهم كلهم علي أنهم هم القتلة والسارقين والمجرمين الذين ألفهم في الأفلام ، ويتعامل معهم علي هذا الأساس ، وهو الأمر الذي يفقد الثقة ، ويشيع الخوف وعدم الأمان في المجتمع .

 

أما البعد الأخطر لهذه الظاهرة فهو التباهي بالإجرام ، وارتكاب الجرائم علي الملأ بقسوة ووحشية غير معهودة ، لذلك وكما ارتكبت الجريمة علي الملأ ، يلزم أن يكون العقاب علي الملأ أيضا ، علي أن يتم الاهتمام بالإعلان العقابي، وكسر حدة التباين الشاسع بين نشر أخبار الجريمة، وبين التعتيم علي العقاب ، وهو ما تتضاءل معه أهمية عنصر الردع ، لذلك يلزم سرعة توفير هذا الردع بتوفير العدالة الناجزة و السريعة .

كما يلزم مؤقتاً تناسي الأفكار التي تتغني بتخفيف العقاب ، والكف عن ترديد مصطلحات وحشية العقوبة ، والغلظة ، وغير الآدمية ، فمن أمن العقوبة أساء الأدب ، وتوحش وأجرم واعتاد علي ارتكاب أبشع الجرائم .

 

وقبل كل ما تقدم يلزم تفعيل الرقابة علي الأعمال الفنية ، التي تشرح وتفصل بكل دقة كيفية تنفيذ الجريمة ، ثم عرض مشهد الذبح ، وتدفق الدماء وكأن ذلك مشهد عادي طبيعي ،يجب أن يرتكبه كلا منا مرة في كل أسبوع ، كل هذا يدعونا لأن نناشد كتاب ومؤلفي هذه الأعمال الدرامية بأن يترفقوا بنا قليلاً ، ويقللوا من بسط وشرح الجرائم التي يتناولونها في أعمالهم بالتفصيل ، ويستعيضوا عنها بتناول المثل العليا والقيم الرفيعة والعلاقات الإنسانية السوية، وسيجدون فيها إثارة وتشويقاً يفوقان ما يجدونه في الجريمة .

فالتجارب في الحياة الإنسانية لا تنضب ، وهي ليست فقط في ارتكاب الجرائم ، ولكنها كفاح ونجاح وإخفاقات ومساعدات ومشاركات وإزالة هموم ومغامرات ، ومن ثم فلا ينبغي أن تكون كل أعمال الدراما قصص إجرامية عنيفة .

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك