الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

مستشار دكتور محمد جبريل إبراهيم يكتب : الخيانة الثقافية

من الواجب علينا أن نعترف أننا نعيش اليوم في أزمة ثقافة ، فصار البعض يتباهى بالألقاب كالمفكر والمثقف والكاتب والشاعر والأديب والمذيع ، فيفرح بالتنميقات التي وضعها على وجه صفحة الفيس بوك الخاصة به ، دون أن يكون له أي منتج ثقافي أو فكري يمكن أن يحدث أثراً فيمن حوله ، وإن كان هناك أثر فقد كان في انتشار التباهي الفارغ والتظاهر الكاذب .

وإذا كان يمكن التسامح مع نصف المثقف في تباهيه بالتفكير ، وتظاهره بالإبداع ، فتترك له المنصات ، وأغلفة المجلات ، وتنويه الإعلانات ، وإنما الذي لا يمكن التسامح فيه هو الخيانة الثقافية التي يرتكبها نصف المثقف عندما يخالف القواعد العلمية والفكرية في منهج البحث والتفكير ، فينحرف في فكرته ، ويتسلط في رأيه ، ويؤسس مقالته علي أكاذيب ومغالطات ، مقتاداً في ذلك لهواه غير السوي .

فما أكبرها من خيانة أن ينساق نصف المثقف وراء رأيه الشخصي بدون سند علمي أو واقعي ، ويبني عليه رأي عام ينشره علي المجتمع ، ويؤثر به علي الجمهور ، مستغلاً ما أتيح له من وسائل انتشار واسعة ، فيمارس نوع من الخيانة الثقافية التى تفوق في ضررها على المجتمع ضرر الخيانات الأخرى ، فالخيانة المعنوية أشد من الخيانة الحسية .

فليس معني أن هذا المثقف لا يتفق مع رأي الآخر أن يشوه صورته ، أو ينال من سمعته ، ويلسن علي مقامه ، فالفكر والرأي لا يبني علي أهواء أو أذواق أو مآرب شخصية ، فيري في الثقافة أنها مجرد توجيه النقد إلي كل من يخالفهم دون تمحيص بين الحق والباطل، أو تفريق بين الإصلاح والإفساد، فإن النقد لمجرد النقد ليست ثقافة، والتجريح الشخصي كذلك لا ينتمي للثقافة، بل الثقافة الحقيقة هي التي تؤسس علي علم وعلي فهم للواقع ،وعلي منهج علمي محايد ، يقود إلي النقد الموضوعي المبني على قدرة الشخص على التحليل، وقوة حجته ودليله، وما عداها هو ادعاء للثقافة ومحاولة لتسليط الأضواء وكسب الشهرة والصيت .

ومع كامل الأسف فقد برزت اليوم ظاهرة مقيتة يقودها أشباه المثقفين ، فأصبحنا نرتكب الخيانة الثقافية كل يوم بكل أريحية وتساهل ، حيث نغلب الأهواء في إطلاق الآراء بدون وعي كالببغاوات التي تردد الأقوال بدون وعي أو إدراك ، فأصبحت هذه الأقوال غير الصحيحة تشكل العامود الفقري لآراء المفكرين وقادة الرأي وأهل الحل والعقد .

ففي هذا الزمن تطلق الفكرة الرديئة ممن يّدعون الثقافة ، ولا يأبهون بأدني قواعد المسئولية الفكرية أو الأمانة العلمية ، فيتلقف الفكرة بعض السذج من الجماهير ويرددونها بدون أدنى جهد ، حتي انتهينا إلي هذه النتيجة غير المُرضية ، من ثقافة السب والقذف والشتم ، والإفشال والهدم .

ولاشك أن الثقافة الحقيقية بريئة من هذه النتائج المتردية التي وصل إليها الحال علي يد المثقفون الجدد الذين قد تكون نيتهم نية تسويقية تشويقية ، وليست نية فكرية علمية تثقيفية ، فمن المتفق عليه أن الثقافة الحقيقية هي التي تلجم اللسان عن السب والقذف ، وتحجم الفكر عن الإفشال والهدم ، كما أن هذه الثقافة الحقيقية هي التي تجعلك متعطشا وباحثا عن المزيد من المعرفة والثقافة .

أما التعطش للمصلحة والنفعية التي تقود للترويج لآراء باطلة فهي الخيانة الثقافية بعينها ، وغالباً ما يكون نصف المثقف منحازاً لمنفعته ومصلحته ، فتحكمه المنفعة الفردية ، حتى لو حاول تغطية هذا العيب بكثير من الأساليب التي قد تخدع الكثير من الناس عبر انتهاجه للتخفّي والتلون وفقاً للمستجدات في كل العصور .

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك