الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

مستشار دكتور محمد جبريل إبراهيم يكتب :- السطو العلمي الطريف

عندما كنا صغار وكنا في بداية المرحلة الإعدادية ، جاءني صديقي الذي هو معي في نفس السنة الدراسية عندما علم بأن معي كتاب مهم في قواعد اللغة الإنجليزية كان أخي الأكبر قد اشتراه لنفسه من سوهاج ، ثم تركه لي ، المهم أن صديقي جاء ليستعير هذا الكتاب بعضاً من الوقت ، وكان نهماً لتحصيل العلم والدراسة ، والتنافس بيننا علي أشده لتبوأ المركز الأول علي المدرسة ، وبعد أن أخذ الكتاب عجبه جداً ، وكلما طالبته برده يتعلل أنه لم ينتهي منه ، وعندما ضيقت عليه الخناق أختلق قصة طريفة مفادها أن معزتهم الصغيرة أكلت الكتاب .

فطلبت منه أن يعطيني باقي الكتاب ، فقد تكون المعزة قد أكلت ربعه أو نصفه أو أكثر من ذلك أو أقل ، إلا أنه أقسم بأغلظ الإيمان بأن المعزة قد أتت علي كل صفحات الكتاب ولم تبقٍ منه صفحة واحدة ، وطبعاً عرض علي ثمنه أو تعويضي بكتاب آخر ، ونظراً لصلة القربى والصداقة بيننا رفضت أي تعويض .

وما زالت العلاقة بيننا مستمرة حتي وصلنا لثالثة ثانوي ، وأحس بوخز الضمير والخوف من غضب الله في هذه السنة المرعبة ، جاء ليتطهر وفي يده كتاب ملفوف علي شكل ماسورة ، وكأني ائلف هذا الكتاب ، أو هو ليس غريباً علي ، ويطلب مني أن أسامحه علي فعلته التي فعلها باحتفاظه بهذا الكتاب وعدم رده إلي منذ حينها ، واعترف ببراءة المعزة ، التي كانت بريئة من الجريمة كبراءة الذئب من دم بن يعقوب.

نهايته ضحكنا وأخذنا نتندر علي المعزة التي أكلت الكتاب ومع ذلك لم تفقه منه شيئاً بالرغم من إنها أتت عليه كله ولم تبق منه شيئاً . المهم أن صديقي المذكور أصبح طبيباً لامعاً ، ولن يغضب بذكر قصته معي التي كانت مجرد مناوشة من مناوشات الصغر .

وما زلت أذكر المعيدة في أحدي الكليات التي جاءت من الصعيد لمكتبة جامعة القاهرة للبحث في موضوع معين ، فيظهر علي وجهها الفرح والسرور لأنها عثرت علي المرجع الذي يتضمن جزء من بحثها ، فتأكدت أن المرجع يتشمل علي موضوعها في الصفحات – من صفحة خمسين لصفحة تسعين من الفهرس .

وعندما توجهت لتصوير هذا الجزء وجدته قد سرق ، وكنت حاضراً للموقف وحاولت الاستفهام عن الأمر فقالت أن الجزء الذي ترغب في تصويره قد سرق ، فذهب خيالي حينها أن أحد الباحثين قد اقتبس هذا الجزء ووضعه في رسالته .

فقلت لها للأسف أن ذلك شيئا معتاد في البحث العلمي في هذه الأيام ، بأن يسطو الباحث علي أبحاث غيره ويسرقها ، إلا أنها ردت بصوت مخنوق : بقولك الصفحات كلها منزوعه من الكتاب ، يعني قطعها وأخذها !!!

فهمت فهمت : يعني سطو مادي ، وليس معنوي ، فقد قام أحدهم بانتزاع الأوراق من الكتاب في أبشع صورة من صور السرقة العلمية التي تحدث في المكتبات العامة ، ولم يراع أن غيره قد يحتاج أن يرجع لهذا المرجع بعد ذلك .

إذا تسرب السطو العلمي إلي جسد البحث العلمي ، فأصاب الأمانة العلمية والنزاهة الأكاديمية في المجتمع العلمي الذي يجب أن يتحلي بالصدق والأمانة والتوثيق ، فإن ذلك يكون له عواقب وخيمة ، يؤدي إلي أن يكون قطار العلم وكأنه يسير للخلف بدلاً من التقدم للأمام .

ويكون سارق العلم الذي يسطو علي أفكار غيره ويستولي علي مجهودهم ، كمن يدخل بدون استئذان إلي بيت ذوي رحمه فينهبها بدون وجه حق ، ونفرق بين الاقتباس المباح من الفكر الإنساني وبين السطو المحظور علي حقوق الغير بالنقل الكلي ، فهذا الأخير مجرم قانوناً .

وفي الحقيقة أنه ما من سارق علم إلا وقد كشفت جريمته ، فقد يفلت سارق المال أو المتاع بسرقته ، ولكن أبداً ما فلت سارق فكرة أو بحث بجريمته ، فتكون فضيحته بجلاجل في الأوساط العلمية ، فضلاً عن تعرضه للمسائلة القانونية .

ولقد عالج المشرع المصري هذا الأمر في قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 وقرر عقوبتي الحبس والغرامة المالية علي كل من اعتدي علي حق الآخرين في إنتاجهم العلمي والفكري ، وقد نصت المادة 181 من هذا القانون علي أنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد في قانون آخر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه أو بأحدي هاتين العقوبتين كل من ارتكب فعل من أفعال التعدي علي أنتاج غيره العلمي .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك