الأربعاء - الموافق 21 فبراير 2024م

مجمع عُمان الثقافي نافذة عصرية لإثراء الحياة الفكرية ووجهة للباحثين من داخل السلطنة وخارجها

محمد زكى

أكد عددٌ من المُثقفين أنَّ مجمع عُمان الثقافي سيقوم بدور فعّال في إثراء الحياة الثقافية والفكرية في السلطنة، وسيكون محورًا للأنشطة الثقافية المُتنوعة، ومكانًا يحتضن الباحثين والمُفكرين من داخل وخارج السلطنة، كما أنه يمثل نقطة تلاقٍ للفن والثقافة، وسيُعزز التبادل الثقافي والتواصل بين مختلف أطياف المجتمع، وسيعمل على إيجاد مجتمع يفتخر بتراثه ويتبنى التجديد الفني والثقافي، كما أنه سيُتيح للجمهور فرصة الاستمتاع بمجموعة واسعة من التجارب الثقافية والفنية.
ويقول الدكتور سليّم بن محمد الهنائي أستاذ مساعد بجامعة نزوى: “تتميز عُمان بعمقها الثقافي والفكري، فقد ظهر بها وعبر عصور التاريخ الكثير من العلماء والمفكرين في شتى العلوم، وقد كان لهؤلاء إرث حضاري وثقافي كبير، ساهم في تطور العلوم الإنسانية للحضارة الإسلامية”، مضيفاً أن الحضارة الحديثة استفادت من هذا الإرث الثقافي.
ويشير إلى أن التميز المعرفي والفكري لعُمان بحاجة إلى أن يتم ترسيخه في نفوس الأجيال الحالية والقادمة عبر ترسيخ النهضة الثقافية.
ويوضح: “يأتي إنشاء مجمع عُمان الثقافي كأحد الأدوار التي وعتها السلطنة بشأن الاهتمام بالثقافة والفكر والعلوم، ومن المتوقع أن يسهم المركز في جوانب ثقافية متنوعة، كما أنه سيكون حاضنة للكثير من الباحثين والمفكرين من عُمان وخارجها”.
ويؤكد الدكتور محمد بن سعيد الحجري عضو بمجلس الدولة ورئيس اللجنة الاجتماعية والثقافية بالمجلس: “كنَّا في حاجة على الدوام إلى مؤسسة ثقافية جامعة تكون محوراً للعمل الثقافي بكافة فروعه ومفرداته، مؤسسة بروح وهيكل وإمكانات توازي ما لعُمان من عمق ثقافي وإنجاز معرفي وإسهام في الثقافة العربية وأثر ممكن على الثقافة في العالم، والمجمع عبارة عن مؤسسة جامعة، ويحتاج العمل الثقافي إلى مؤسسة تستوعبه، لينطلق نحو آفاق عالمية أرحب، ولذا يصدق على هذه المؤسسة الكبرى أن تكون مجمعًا، فهي مجمع لكل هذه المسارات والمفردات والأشكال الثقافية المتعددة، كنَّا محتاجين لمؤسسة بروح قوية وثابة وموحدة لأطياف العمل الثقافي، وهو ما يؤهلنا ويوفر لنا إمكانات هائلة لنهوض ثقافي عظيم، إضافة إلى ما ستوفره مرافق المجمع من بيئة حاضنة لكل مفردات النشاط الثقافي على تعدد صوره وجماهيره”.
دور المسرح الوطني
ويشير الدكتور سليم الهنائي إلى أن عُمان من البلدان التي تشتهر بتنوع الفنون، ويعد المسرح من الفنون الراسخة والتي أخذت دورها منذ عصر النهضة، كما أن الفرق المسرحية العُمانية كان لها حضور ثابت ومتميز على المستوى المحلي والإقليمي، وقد حصدت العديد من الجوائز في المهرجانات التي أقيمت على مستوى الوطن العربي، وبالتالي فإنَّ إنشاء المسرح الوطني هو تتويج لذلك الجهد الكبير الذي بذل في مجال المسرح، وخطوة كبيرة في مجال الارتقاء بالعمل المسرحي والسعي به، لأن يكون منافسا بارزا على المستوى الإقليمي والعالمي، كما يتوقع أن المسرح الوطني سوف يكون حاضنة للفرق المسرحية العُمانية والذي من خلاله يتم تنظيم العمل المسرحي والسير به نحو خطى واضحة ومنظمة.
ويبين الهنائي: “عُمان تتميز بنهضة معمارية فريدة من نوعها، ولنا في الحصون والقلاع الدليل البارز، وقد وعت سلطنة عُمان أهمية نهضتها المعمارية فأقامت الندوات والمؤتمرات التي تتناول الجوانب المعمارية في السلطنة ودورها العسكري والاجتماعي، وقد حصلت عُمان على إشادات كبيرة في ما يتعلق بتميزها المعماري الفريد الذي يعكس الثقافة العُمانية التي تجلت في تلك الهندسة الجميلة التي نلاحظها، كما سعت عُمان منذ السبعين في أن تكون مرتبطة بماضيها المعماري؛ لذلك فلا غرو أن نجد النهضة المعمارية تعكس التميز المعماري العماني منذ القدم، فنجد أن العمران الحالي يعكس جوانب عديدة من ثقافة وتميز هذه الأمة، وبالتالي فإن المجمع الذي يمثل صرحا معماريا شامخا سوف ينطلق في تكوينه من الإرث المعماري العُماني المتميز بأصالته ومعاصرته في نفس الوقت”.
وفي السياق، يقول الحجري: “السلطنة قدمت في مبانيها خاصة الثقافية منها والدينية والرسمية نماذج معمارية مُبهرة وبطوابع مُختلفة، منها ما استلهم من التراث المعماري العماني ومنها ما مزجه بخطوط معمارية دولية، وكثيراً ما رأينا في تصاميم المراكز الثقافية جمعاً بين الإبهار والفرادة التي تصدر عن الحقيقة الثقافية لكل أمة، وتصميم مبنى مجمع عُمان الثقافي مبهر ويمثل حالة معمارية فريدة نسبة لاحتوائه على ثلاثة مؤسسات ثقافية رئيسية، لكل منها رسالة وشكل في الخطاب الثقافي، مع روح جامعة، وبلا شك في أنه سيكون واحداً من أهم المباني الثقافية في العالم، والمباني الثقافية لا تلبي الاحتياجات الوظيفية العلمية فحسب وهو أمر مهم جداً”.
ويتابع قائلاً: “لا بد أن تحمل رسالة عن هويتها ومهمتها، ربما لن يكون من السهل أن تجمع احتياجات ثلاث مؤسسات رئيسية في حالة معمارية واحدة، ولعل هذا ما أريد لها، أن تصدر كما قلت عن روح جامعة شكلاً ومحتوى وجوهراً، إضافة إلى البعد الجمالي للتصميم الذي فارق به الأشكال المألوفة للمعمار المتعامد الخطوط إلى الخطوط الانسيابية المتصلة بالأرض، وهو تصميم يشعرك بأنك أمام صورة بصرية فريدة ومريحة”.
المكتبة الوطنية

ويقول موسى بن ناصر المفرجي المشرف على مشروع المكتبة الوطنية بالمكتب الفني لمجمع عُمان الثقافي: “تشكل المكتبة الوطنية أهمية كُبرى لكونها المكتبة الرسمية التي تنشئها الدولة والتي تعد رمز حضارتها وموروثها التاريخي والفكري ونافذة على العالم لمعرفة ثقافات الأمم”.ويوضح المفرجي أن المكتبة تهدف إلى جمع وإدارة النِتاج الفكري بمختلف أشكاله، وكل ما يتعلق بثقافة سلطنة عُمان وشؤونها، سواء صدر داخل السلطنة أو خارجها، والعمل على التعريف به وإتاحة الوصول اليه، لافتا إلى أن هذا الهدف العام تندرج معه العديد من الاختصاصات الهامة التي تتحقق من خلالها أهداف مكتبة عُمان الوطنية؛ حيث يعد نظام إيداع المصنفات العُمانية إحدى الأهداف الرئيسية التي تختص بها المكتبة الوطنية للمحافظة على الإرث الفكري والحضاري لعُمان.
ويشير إلى أن الفصل السادس من نظام المكتبة على وجه الخصوص حدد ثلاثة أنواع من المصنفات العُمانية التي يجب إيداعها للمكتبة؛ فالنوع الأول يشمل الكتب والمخطوطات والرسائل العلمية والمطبوعات الحكومية والكتيبات والنشرات والحوليات والقواميس والمعاجم ودوائر المعارف والكشافات والمستخلصات والدوريات والجريدة الرسمية ووقائع المؤتمرات والأطالس والمصورات والخرائط والكتب المدرسية.
وعن النوع الثاني فيبين المفرجي: “يشمل أوعية المعلومات السمعية والبصرية والرقمية مثل الأفلام والأشرطة والشرائح والأقراص والمصغرات الفلمية ومطبوعات المكفوفين وبرامج الحاسبات الإلكترونية، والنوع الثالث يتضمن الأعمال الفنية والمسرحية والسينمائية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والمجسمات واللوحات والمقطوعات الموسيقية والغنائية والإنشادية”.
ويلفت المفرجي إلى أن الاختصاصات المهمة التي تسعى إليها مكتبة عُمان الوطنية إقامة التعاون وتبادل المعلومات بينها وبين المكتبات الرديفة الأخرى على المستوى الإقليمي والعالمي، وتمثيل سلطنة عُمان في المحافل الداخلية والخارجية ذات العلاقة باختصاصات المكتبة، موضحًا أن المواصفات الخاصة بالمكتبة روعي في تصميمها من خلال رسالتها ووظائفها واختصاصتها لاسيما تلك المتعلقة بتقديم الخدمة المعلوماتية لأفراد المجتمع من أجل الاستفادة القصوى من تلك الخدمات المُقدمة والابتعاد كل البعد عن المفاهيم التقليدية، ومن جهة أخرى فهي أيضًا تؤدي وظيفة مكتبة الطفل باعتبارها مؤسسة تعنى بتكوين شخصية الطفل وصقل مواهبه وقدراته على القراءة والتعلم وذلك من خلال توفير مصادر المعلومات التي تناسب حاجاتهم ورغباتهم وميولهم القرائية.
ويضيف موسى المفرجي أن الجانب الخاص بتقنيات المعلومات والنظم الآلية للمكتبات تم إعطائها اهتماما كبيرا؛ نظرًا لأهميتها لمشروع مكتبة عُمان الوطنية، وأحدثت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ثورة في مجال المكتبات ومنها المكتبات الوطنية، فقد ساهمت بشكل كبير في تطوير وتحسين مختلف خدمات المكتبة، لاسيما تلك الخدمات المعلوماتية المقدمة والأساليب التي تقدم من خلالها للمستفيدين والباحثين، مبينًا: “لتقنية الذكاء الاصطناعي بصفة عامة والروبوتات الذكية بصفة خاصة دور بارز في خدمة المكتبات ومنها خدمة الاستقبال والتوجيه والبحث الببليوجرافي ومساعدة الأطفال”.
ويعتبر الدكتور سليم الهنائي أن المكتبات تُمثل حياة الشعوب والرئة التي تتنفس بها المجتمعات، وبقدر انتشار المكتبات تنتشر المعرفة، إذ إن المعرفة لا تقدر بثمن ولا يمكن شراؤها ولكن يمكن الحصول عليها بأدوات خاصة، وأهم تلك الأدوات يتمثل في المكتبات التي تبني العقول والشعوب، مضيفا: “انتشرت في عُمان منذ قرون عديدة العديد من المكتبات، كما أن المكتبات الخاصة كانت منتشرة، كل ذلك كدليل على وعي أبناء البلد بأهمية نشر المعرفة، والمكتبة الوطنية أتت لتجسد ذلك الدور التاريخي ولتكون حاضنة للباحثين والمفكرين من داخل عُمان وخارجها، كما يتوقع أن تكون بمثابة مركز فكري حضاري يعكس الإرث الثقافي العُماني عبر العصور”.
أما الدكتور محمد، يرى أن المكتبة الوطنية ستكون محفلاً لتجميع التراث العُماني من خلال المخطوطات والمطبوعات التي تم جمعها عبر العصور، سواءً من قبل المؤسسات المعنية بتراث عُمان أو بفضل جهود الباحثين والمهتمين، يشمل ذلك أيضًا الإنتاج الحديث من مؤلفات مطبوعة ومنشورة في العصر الحديث، والتي تحتاج إلى سياق جامع يتيح الوصول السهل إليها بشكل ورقي أو رقمي، فالمكتبة الوطنية هي الوسيلة التي تحتضن وتُعرض كل هذا الإنتاج المعرفي، وتعيد تقديمه للعالم أو لأبناء الوطن بشكل حديث ومتاح للجميع.
هيئة الوثائق والمحفوظات
ويبيّن الهنائي أن هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية ومنذ إنشائها سعت بجهود حثيثة في أن تكون المرجع الأساس للوثائق في سلطنة عُمان، كما أن الهيئة تلعب دوراً محورياً في العديد من الأنشطة في داخل عُمان وخارجها، من خلال الندوات والمؤتمرات التي تعقدها، والتي سعت إلى تعميق الأهمية التاريخية والحضارية لهذا البلد.
ويتابع: “يأتي تأسيس المبنى الجديد تتويجاً لجهود سنوات مضت من العمل الدؤوب للهيئة وكادرها الفني والإداري، فنحن نفتخر بوجود هيئة الوثائق التي تعني بالوثائق والتي تعتبر كنز حضاري لما تحتويه من قيمة معرفية”، متوقعا أن تأسيس المبنى سوف يعمل على تعزيز أدوار الهيئة والعمل على تحقيق رؤيتها وتطلعاتها المستقبلية.
من جهته، يقول محمد بن سعيد الحجري: “هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية هي ذاكرة الأمة العُمانية، ومنذ تأسيسها تسعى لصيانة هذه الذاكرة وحمايتها، سواء داخل عُمان أو خارجها؛ حيث كان لعُمان الأثر والوجود السياسي أو الثقافي أو التجاري، وسواء كانت تلك الوثيقة عُمانية أو غير عُمانية وتعنى بالشأن العُماني تاريخاً وحضارة وحراكاً وأثراً، لكن هذه الذاكرة كانت محتاجة إلى مقر جامع جديد يوفر لها كل أسباب الحفظ والرعاية سواء كانت مادية بحفظ هذه المادة الوثائقية الضخمة، أو رعاية بحثية متصلة بجوانب الفهرسة ودراسة المحتوى وتنظيمه وإتاحته للباحثين وللمؤسسات البحثية، وأن تكون هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية مجاورة للمكتبة الوطنية فهما يمثلان عمودين لتراث عُمان الثقافي ولذاكرتها التاريخية، ما سيوفر حالة من التكامل خاصة في مجالات الدراسات التاريخية العامة والمتخصصة، ودراسات التاريخ الثقافي والأدبي”.
ويؤكد: “لابد أن المرافق المشتركة التي تخدم هاتين المؤسستين مع المسرح الوطني ستقدم خدمة هائلة لهذه المؤسسات في عالم يتجه بحكم تطور التقنية إلى الدراسات والتخصصات والعلوم البينية التي تربط بين المعارف والعلوم، وبين العلوم ذاتها في تخصصات جديدة”.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك