الأربعاء - الموافق 16 يونيو 2021م

متى تنتهي الجائحة .. بقلم : الدكتور عادل عامر

أن بلدان العالم تشهد زيادة في الإصابات بـ “كوفيد-19″، بما فيها البلدان الأوروبية، بالإضافة إلى هذا لا تزال الحالة في بلدان إفريقيا وبعض بلدان آسيا غير واضحة.

أن العالم سيواجه خلال القرن الجاري أزمة كبرى ناجمة عن تغير المناخ، وعلي الجميع التكاتف لمواجهة ذلك من خلال خفض الانبعاثات المتسببة بالاحتباس الحراري، وأنه يجب اتخاذ خطوات عاجلة تجاه ذلك.

ولذلك لا تبحث الحكومات، وهذا منطقي وطبيعي جدًا، عن النهاية الاجتماعية لهذا الوباء بالتحديد، وإنما تريد له نهاية طبية أو نهاية طبيعية تنبع من تحور في الفيروس يضعفه تمامًا حتى يتلاشى، والنهاية الطبية، الممكنة الآن، لا تتحقق إلا باللقاح: تلقيح ما لا يقل عن 60% من المجتمع حتى تتحقق المناعة المجتمعية ويتحول الوباء من جائحة إلى مرض عادي لا يشكل خوفًا حقيقيًا ويسهل احتواؤه.

وحققت البشرية نجاحات كبيرة باكتشاف أكثر من لقاح يوفر مناعة ولو متوسطة المدى تحمي الإنسان من العدوى وتوقف أرقام الوفيات في العالم التي تجاوزت 2.2 مليون خلال عام واحد فقط، وعدد الإصابات التي تجاوزت 100 مليون حالة عدوى.

ومع المعركة العالمية للحصول على اللقاحات فإنه من غير المعقول تصديق الإشاعات التي تشكك في اللقاحات وتعلي من فكرة المؤامرة دون سياق علمي واضح، فعلماء الأوبئة والفيروسات والأطباء المتخصصون وحدهم من يستطيع التعليق على مأمونية اللقاح من عدمه وهذا ليس متاحًا لغيرهم من عامة الناس. ولذلك ليس منطقيًا وليس علميًا الانسياق وراء مثل هذه الإشاعات والحركات العالمية المناهضة للقاحات أيًا كان مصدرها.

وتبذل الدولة جهودًا كبيرة جدًا من أجل توفير لقاحات كافية تحصن بها المجتمع لتعود الحياة إلى طبيعتها أو ما يمكن أن نقول عنه «حياة طبيعية» على اعتبار أن الكثير من العلماء والمتخصصين لا يرون أن العالم يمكن أن يعود كما كان بالضبط وستبقى بعض القيود موجودة حتى بعد انتهاء الجائحة.

وتبذل الدولة في سبيل ذلك مبالغ كبيرة جدًا، في ظل ظروف اقتصادية صعبة جدًا ليس على المستوى المحلي فقط ولكن على المستوى الدولي لكن يقينها بأن النهاية الأنجح للوباء هي النهاية الطبية لذلك لا ترى بأسًا من الإنفاق على ذلك ليكون المواطن والمقيم على هذه الأرض الطيبة في أحسن حال.

عرف تاريخ البشرية عدداً من الأوبئة التي قضت على ملايين الأشخاص. لكن كيف انتهت هذه الأوبئة؟ وهل يمكن القياس على انتهائها لمعرفة كيف سينتهي وباء كورونا؟

إن الطبيعة هي أحد العوامل الأبرز في انتهاء الأوبئة، فأغلبها انتهى بعد تغيرات في طبيعية الفيروس أدت إلى اندثاره. كما أن الإرادة البشرية هي عامل آخر في انتهاء الجائحة، فعندما تقرر الشعوب التعايش مع الوباء ونسيانه، ينتهي. لكن بعض الأوبئة لا تنتهي إلا بإيجاد لقاح أو علاج للمرض الناتج عنها.

شهد التاريخ الإنساني منذ العصور القديمة أوبئة فتاكة كالطاعون الأسود في العصور الوسطى والإنفلونزا الإسبانية في القرن العشرين. فإن للأوبئة بحسب المؤرخين، نوعين من النهايات: النهاية الطبية، والتي تحدث عندما تنخفض معدلات الإصابة والوفيات، والنهاية الاجتماعية، أي عندما يتلاشى الخوف من المرض.

عندما يسأل الناس: متى سينتهي هذا الوباء، فإنهم يسألون عن النهاية الاجتماعية”. ومعنى ذلك أنه يمكن أن تحدث النهاية ليس نتيجة قهر المرض ولكن لأن الناس يتعبون من حالة الذعر ويتعلمون العيش مع المرض.

إن شيئاً مشابهاً يحدث مع فيروس “كوفيد-19″ المعروف بفيروس كورونا، فكما رأينا في الجدل حول فتح الاقتصاد، فإن العديد من الأسئلة حول ما يسمى النهاية لا يتم تحديدها من خلال البيانات الطبية وبيانات الصحة العامة ولكن من خلال المسار الاجتماعي السياسي”.

إن نهايات الأوبئة “فوضوية للغاية، فبالعودة إلى التاريخ، لدينا رواية ضعيفة حول كيف ينتهي الوباء ومن يقرر أنه انتهى”.

ضرب الطاعون الدبلي أو الطاعون الأسود مرات عديدة خلال الألفي عام الماضية، مما أسفر عن مقتل الملايين من الناس وتغيير مسار التاريخ. ينجم هذا المرض المخيف عن سلالة من البكتيريا، تسمى “يرسينيا بيستيس” تعيش على البراغيث التي تتغذى من القوارض والجرذان. الطاعون الدبلي، الذي أصبح يعرف باسم الموت الأسود، يمكن أن ينتقل من شخص مصاب إلى شخص آخر من خلال قطرات الجهاز التنفسي، لذلك لا يمكن القضاء عليه ببساطة عن طريق قتل الجرذان.

بدأت جائحة العصور الوسطى في عام 1331 في الصين، وأدت، إلى جانب حرب أهلية كانت مستعرة في ذلك الوقت، إلى مقتل نصف سكان الصين. ومن هناك، انتقل الطاعون على طول الطرق التجارية إلى أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، وقد قتل هذا المرض في السنوات بين عامي 1347 و1351، ما لا يقل عن ثلث سكان أوروبا. وتوفي نصف سكان مقاطعة سيينا في إيطاليا.

“من المستحيل أن يروي لسان الإنسان هذه الحقيقة المروعة .. من لم يرَ مثل هذه الفظاعة يمكن أن يكون مباركاً. وقد تم دفن الموتى في حفر وأكوام”.

لم يكن هناك احترام للقتلى أكثر مما كان سيُمنح اليوم للماعز الميت. اختبأ البعض في منازلهم. رفض آخرون قبول التهديد. كانت طريقتهم في التأقلم شرب الكثير من الكحول، والاستمتاع بالحياة إلى أقصى حد، والغناء وصناعة المرح، وإشباع كل رغبات المرء عندما أتيحت الفرصة، وتجاهل الأمر برمته كمزحة هائلة”.

انتهى هذا الوباء، ولكن الطاعون تكرر. بدأ واحد من أسوأ تفشيه في الصين في عام 1855 وانتشر في جميع أنحاء العالم، مما أسفر عن مقتل أكثر من 12 مليون في الهند وحدها. وقد أحرقت السلطات الصحية في بومباي أحياء بأكملها محاولة تخليصها من الطاعون.

ولا يعرف العلماء والمؤرخون ما الذي جعل الطاعون الدبلي يموت. وجادل بعض العلماء في أن الطقس البارد قتل البراغيث الناقلة للأمراض، لكن ذلك لم يكن ليعوق انتشاره عن طريق التنفس، أو لعله كان تغيير في الجرذان.

هناك فرضية أخرى هي أن البكتيريا تطورت لتصبح أقل فتكاً، أو ربما تصرفات البشر، مثل حرق القرى، ساعدت في القضاء على الوباء. بحلول القرن التاسع عشر، لم يكن الطاعون تحمله الجرذان السوداء ولكن الجرذان البنية، التي هي أقوى وأكثر شراً وقدرة للعيش بعيداً عن البشر.

إلا أن مرض الطاعون لم يرحل بشكل نهائي. فلا تزال تنتشر العدوى بين كلاب البراري في الجنوب الغربي في الولايات المتحدة، ويمكن أن تنتقل إلى الناس. حديثاً أصيب شخص بالعدوى بعد إقامته في فندق في نيو مكسيكو، إذ كان المقيم السابق في غرفته لديه كلب يحمل براغيث تحمل ميكروب الطاعون. لكن مثل هذه الحالات نادرة، ويمكن الآن علاجها بنجاح بالمضادات الحيوية، ولكن أي تقرير عن حالة طاعون يثير الخوف بين الناس.

ومن بين الأمراض التي تم تحقيق نهاية طبية لها هي مرض الجدري لأسباب عدة: هناك لقاح فعال يوفر حماية مدى الحياة، وفيروس “فاريولا” طفيف، ليس لديه مضيف حيواني، لذا فإن القضاء على المرض في البشر يعني القضاء التام عليه. وأعراضه واضحة، مما يسمح بالحجر الصحي الفعال وتتبع الاتصال.

لكن بينما كان هذا الوباء مستعراً، كان الجدري مروعاً لمدة 3000 سنة على الأقل. أصيب الأفراد المصابون بالفيروس بالحمى، ثم تحول الطفح الجلدي إلى بقع مليئة بالصديد، تاركة ندوباً، وقتل المرض ثلاثة من كل عشرة من ضحاياه، في كثير من الأحيان.

قتلت إنفلونزا عام 1918، قبل أن تنتهي، 50 مليون إلى 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، من الكبار والصغار والجنود في خضم الحرب العالمية الأولى. بعد اجتياحه العالم، تلاشى فيروس الإنفلونزا الإسبانية، وتطور إلى شكل مختلف من الأنفلونزا الأكثر اعتدالاً التي تحدث كل عام. كان الأمر بمثابة حريق، فبعد أن أحرق الخشب المتاح والذي أمكنه الوصول إليه، احترق هو نفسه، كما عبّر أحد العلماء. هذا الوباء انتهى اجتماعياً أيضاً. فبعدما انتهت الحرب العالمية الأولى، كان الناس مستعدين لبداية جديدة، وعصر جديد، وحريصين على وضع كابوس المرض والحرب وراءهم.

وتلت ذلك أوبئة إنفلونزا أخرى. في إنفلونزا هونغ كونغ عام 1968، توفي مليون شخص في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك 100000 في الولايات المتحدة، معظمهم من كبار السن الذين تجاوزوا 65 عاماً. لا يزال هذا الفيروس ينتشر كأنفلونزا موسمية.

إن أحد الاحتمالات هو أن وباء كورونا يمكن أن ينتهي اجتماعياً قبل أن ينتهي طبياً. إذ قد يتعب الناس من القيود إلى درجة أنهم يعلنون انتهاء الوباء، حتى مع استمرار انتشار الفيروس في السكان وقبل العثور على لقاح أو علاج فعال له. قد نصل إلى لحظة يقول فيها الناس: “هذا يكفي. نستحق أن نعود إلى حياتنا الطبيعية”.

إن ذلك يحدث بالفعل في كل أنحاء العالم، حيث تخفف الحكومات القيود وتفتح الاقتصاد مع محافظتها على إجراءات الوقاية بالحد الأدنى من تباعد اجتماعي وارتداء الكمامات واستعمال المطهرات والتعقيم المستمر، وكذلك تكثيف الاختبارات لكشف المصابين وعزلهم وعلاجهم وتتبع اتصالاتهم لاحتواء تفشي الوباء.

فمع تزايد الكارثة الاقتصادية التي سببتها عمليات الإغلاق، قد يكون المزيد من الناس مستعدين للقول: “كفى. لقد طفح الكيل”.

هناك هذا النوع من الصراع الآن بين احتواء الوباء وفتح الاقتصاد، بين تقليص عدد المرضى والوفيات من مرض كورونا، وبين عدم تدمير الاقتصاد والأعمال والوظائف والتسبب في فقر وجوع ومعاناة ووفاة الملايين نتيجة الإغلاق.

وعلى الرغم من أن لدى مسؤولي الصحة العامة نهاية طبية للوباء في الأفق، لكن بعض أفراد الجمهور يرون نهاية اجتماعية له.

يجمع الخبراء على أنه لن يكون هناك انتصار مفاجئ على الوباء، ومحاولة تحديد نهاية الوباء “ستكون عملية طويلة وصعبة”، ترتبط بتوافر اللقاح وتأكد أمانه وفعاليته وإتاحته لمعظم سكان العالم من جهة، أو بالتعايش مع الفيروس وإصابته لعشرات ملايين البشر قبل أن يؤدي إلى مناعة القطيع أو خموده نتيجة الطقس أو سبب آخر.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك