الخميس - الموافق 11 أغسطس 2022م

متحف الحضارة رسالة الجمهورية الجديدة لتعزيز دور التراث الثقافي غير المادي .. بقلم الدكتور عادل عامر

تتبعثر المعايير المتعلقة بالتراث الثقافي للشعوب الأصلية في عدة أنظمة دولية، خصوصاً صكوك حقوق الإنسان، وصكوك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومعاهدات الملكية الفكرية ومنظومة القوانين والسياسات البيئية الدولية.

يُعَدُّ متحف الحضارة أول متحف فريد من نوعه في مصر والعالم العربي، حيث يقدم المتحف صورة متكاملة عن الحضارة المصرية منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، مع التأكيد على مفاهيم الاستمرارية والثبات والاستقرار في الحضارة المصرية من خلال موروثها الثقافي المادي وغير المادي. يتميز المتحف بعرض مجموعات أثرية فريدة، لعل من أهمها المومياوات الملكية وعرضها التفاعلي الجديد باستخدام أحدث التقنيات التكنولوجية؛ ليكشف لنا عن العديد من أسرار المومياوات الملكية، كما يُلقي الضوء على معتقدات وطقوس التحنيط عند المصري القديم.

تعدّ الثقافة إحدى ركائز إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية. وتتجلى العلاقة الوثيقة بين الحقوق الثقافية للشعوب الأصلية وحقها في تقرير المصير في المادة 3 من الإعلان، الذي ينص على أن لهذه الشعوب أن تنمي تراثها الثقافي بحرية، بموجب حقها في تقرير المصير. ويتطرق الإعلان إلى التراث المادي للشعوب الأصلية وعاداتها وتقاليدها (المادة 11)؛ وإلى العادات والتقاليد والطقوس الدينية والروحية لثقافات الشعوب الأصلية (المادة 12)؛ وإلى تراثها غير المادي (المادة 13)؛ وإلى حقها في التمسك بجلال وتنوع ثقافاتها ولغاتها، فيما يتصل بالتعليم والإعلام (المادتان 14 و15). وفيما يخص التراث الثقافي تحديداً، ينص الإعلان على ما يلي:

للشعوب الأصلية الحق في الحفاظ والسيطرة على تراثها الثقافي ومعارفها التقليدية وتعبيراتها الثقافية التقليدية وحمايتها، وكذلك الأمر بالنسبة لمظاهر علومها وتكنولوجياتها وثقافاتها، بما في ذلك الموارد البشرية والجينية والبذور والأدوية ومعرفة خصائص الحيوانات والنباتات والتقاليد الشفوية والآداب والرسوم والرياضة بأنواعها والألعاب التقليدية والفنون البصرية وفنون العرض المسرحي. ولها الحق أيضاً في الحفاظ والسيطرة على ملكيتها الفكرية لهذا التراث الثقافي والمعارف التقليدية والتعبيرات الثقافية التقليدية وحمايتها وتطويرها (المادة 31).

11- ويؤكد الإعلان حق الشعوب الأصلية في تنمية ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها، وفي استخدام الأشياء الخاصة بطقوسها والتحكم فيها؛ وفي عدم التعرض لتدمير ثقافتها أو للتمييز بسببها؛ وفي آليات للانتصاف من الأفعال التي تحرُمها من قيمها الثقافية.

12- وتتضمن اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الشعوب الأصلية والقبلية (الاتفاقية رقم 169) عدداً من الأحكام المتصلة بالتراث الثقافي للشعوب الأصلية. وتوجّه الاتفاقية الانتباه إلى المساهمات القيّمة للشعوب الأصلية في التنوع الثقافي البشري (الديباجة)، وتطلب إلى الحكومات أن تعزز هذه الثقافات وتصونها عن طريق تدابير خاصة (المادتان 2 و4) وأن تعترف بالقيم والممارسات الثقافية للشعوب الأصلية وتعمل على حمايتها (المادة 5). والحكومات مطالبة باحترام وصون القيم الثقافية والتقليدية للشعوب الأصلية (المادة 13) وأن تعترف كذلك بطرق استخدامها وإدارتها للأراضي والمصادر الطبيعية (المادتان 14 و15)، وأن تضمن توطيد الأنشطة التقليدية للشعوب الأصلية وتعزيزها (المادة 23). ويتعين على الحكومات أن تتشاور مع الشعوب الأصلية وأن تكفل مشاركتها الفعالة على جميع مستويات صنع القرار في الكيانات والإجراءات السياسية والتشريعية والإدارية التي قد تؤثر عليها بشكل مباشر، بما في ذلك التنمية الثقافية، وأن تضمن كذلك إجراء دراسات لتقييم آثار أنشطة التنمية على الشعوب الأصلية، بما يشمل الأثر الثقافي تحديداً (المادتان 6 و7).

13- ويشكل الحق في الوصول إلى التراث الثقافي والتمتع بمختلف أشكاله جزءاً من القانون الدولي لحقوق الإنسان (A/HRC/17/38، الفقرة 78). وينص عدد من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان على الأساس القانوني للحق في الوصول إلى التراث الثقافي والتمتع به، بما يشمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 27)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 15)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 27). وينطوي الالتزام باحترام الحق في المشاركة في الحياة الثقافية على “اتخاذ تدابير محدَّدة القصد منها التوصُّل إلى احترام حق كل إنسان سواء بمفرده أو بالتشارك مع غيره في إطار مجتمع محلي ما أو فئة ما … في الوصول إلى تراثه الثقافي واللغوي وإلى التراث الثقافي واللغوي للآخرين”( ).

14- وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من جهته على حق الأشخاص المنتسبين إلى الأقليات في التمتع بثقافتهم الخاصة وإقامة شعائرهم واستخدام لغتهم (المادة 27)، فيما توسّع اتفاقية حقوق الطفل هذا الحق صراحةً ليشمل الأشخاص الذين ينتمون إلى السكان الأصليين (المادة 30) وتقتضي أن يكون تعليم الطفل موجهاً نحو “تنمية احترام ذوى الطفل وهويته الثقافية ولغته وقيمة الخاصة …” (المادة 29).

15- وعلى الصعيد الإقليمي، يكفل الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق كل فرد في المشاركة بحرية في الحياة الثقافية لمجتمعه (المادة 17) ويؤيد حق الشعوب كافة في تنمية تراثها الثقافي والتمتع بالتراث المشترك للبشرية على قدم المساواة (المادة 22). أما الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجباته فيعلن أن لكل شخص الحق في المشاركة في الحياة الثقافية للمجتمع (المادة 13).

16- وبشكل عام، تكفل صكوك حقوق الإنسان الدولية والإقليمية لكل شخص حق المشاركة في الحياة الثقافية وفي التمتع بثقافته الخاصة وبالحق في صون تراثه الثقافي والسيطرة عليه وحمايته وتنميته.

وعلى مدار تاريخ الإنسانية، نهض نتاج الثقافة والفنون، ليكون بمثابة مظلة حقيقية لسيادة التسامح، وحائط صد متيناً، يحمي المجتمعات المتعايشة من مخاطر الكراهية والتمييز، ودعاوى تهميش الأغيار.

ولم تكن الفنون، والنتاج الثقافي للحضارة العربية والإسلامية، في مختلف عصورها، بمعزل عن هذه المساهمة الإنسانية الأشمل، وهو المشهد الذي تكلل، في النموذج الإماراتي المنفتح في الأساس على الآخر، بإطلاق عام التسامح، ليشهد 2019، العديد من المبادرات والمشاريع المحلية والعالمية، التي عمقت أواصر التسامح بمبادرات، شكلت الثقافة والفنون أبرز أركانها. ولم ينفصل الشباب، ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، عن مشهد دعم سيادة التسامح عبر مظلة الثقافة والفنون، التي اتسع محيطها، مستثمرة تطور وسائل التواصل، والتقنية الحديثة، في مقابل تعاظم الدعاوى المضادة. خلافاً للاكتشافات العلمية التي يسهل إحالتها إلى تواريخ وأسماء بعينها، يبقى الكثير من النتاج الإنساني المرتبط بالآداب والفنون، غير قطعي الإحالة، إلا من أصله البشري، أو طبيعته الشعبية، ليتناقله الحس الجمعي، جيلاً بعد جيل، مانحاً إياه نفحات من روحه، وقبساً من سَمته، وأولوياته، وفي رحلة الشيفرة الإبداعية الطويلة، يبقى دائماً، البقاء للأكثر إبداعاً في استلهام المراد البشري، المتفق مع الفطرة الإنسانية السوية.

وعلى مدار تاريخ الإنسانية، ومن القطب الشمالي إلى نظيره الجنوبي، مروراً بقارات العالم السبع، لم تكن الثقافة والفنون والآداب، أبداً، معول هدم لقيم التسامح والتعايش الإيجابي، أو مزكياً لروح إقصاء أو كراهية الآخر، بل ظلت، حتى في أحلك الحقب، الرسول الذي يؤكد على المشترك الإنساني، وصوت ضمير البشرية، الذي لا تزيده تحديات تطور صناعة الضغائن والفتن، إلا ثباتاً ويقظة، من أجل الوصول بالبشرية إلى بر الأمان والحفاظ على قاسم التسامح والتعايش، وترميم ما قد يصيبه من أعدائه.

وتشكل الثقافة والفنون، على تنوعها، أداة فعالة لتوكيد الإخاء الإنساني والتسامح ، وساحة حوار وتلاقٍ مستدام بين الشرق والغرب، ومدخلاً رئيساً للتعايش والحوار، لما يمثله التبادل الثقافي والمعرفي والفني من تلاحم حقيقي بين الأنا والآخر في السياق الحضاري، ما يجعل الحوار الثقافي السلاح الأكثر فعالية، لإنقاذ البشرية من موجات العنف والكراهية، وهو ما أكده مثقفون ومفكرون وفنانون وشخصيات عامة ورجال دين ينتمون لثقافات عالمية مختلفة.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك