الخميس - الموافق 19 سبتمبر 2019م

ما الدنيا الا مسرح كبير Life Is A large Theatre بقلم د. طـارق رضــوان

يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو: “أراهن على بقاء المسرح للأبد لأنه يرتبط برغبة إنسانية أساسية ألا وهي التعبير عن المشاعر وتشخيصها وهذا ما يفعله المسرح”..
تحدثت مع حضراتكم عن المسرح ودوره وماهيته، وأوليته الكثير من الاهتمام ولكنى لم ولن أوفيه حقه فهو (أبو الفنون). وللمسرح منهجية وأسس خاصة كما أن المؤلف المسرحى والممثل المسرحى وكل من يتعامل مع الأدب المسرحي لهم سمات خاصة وأدوار هامه يقومون بها لنقل الرسالة الى المتلقى بشكل مقبول اجتماعيا وثقافيا.
وفى مقالى ” مسرحة المناهج ومنهجية المسرح” تحدثت عن أدب وفن المسرح بوقاره وشموخه وأضيف أيضا أننا يمكننا مسرحة المناهج التعليمية والأستفاده من أدب المسرح فى تربية وجذب أبنائنا لانقاذ ما يمكن انقاذه من التعليم فى وطننا الحبيب مـــــــصـــــر أو أى بلد عربى شقيق. وذكرت أن هناك
مبادئ أساسية لمسرحة المناهج. وأوضحت أن مسرحة المناهج تخدم جميع المواد الدراسية ولكن بنسب مختلفة , فهناك مواد يمكن مسرحتها أكثر من غيرها, كما أن استعمالها يختلف باختلاف المراحل الدراسية, لكن مما لاشك فيه أن هذا يتوقف على المعلم الناجح المبدع الملم بالنواحي التربوية.
وفى مقالى “المسرح كما يجب ان يكون وما هو كائن بالفعل” أوضحت بعض من أسباب تأخر المسرح العربى، كما أوضحت خصائص الفن المسرحى ومميزات المسرحية الناجحة. وفى مقالى “طارق وتاريخ المسرح في الأدب العربي” اوضحت كيف بدا المسرح المصرى فى عهد كهنة الفراعنة كما ذكر هيرودوت، وكيف ان الإغريق قد أخذوا فن المسرحية عن الفراعنة ،وتحدثت عن مسرح الشيعة ، وذكرت نوعاً آخر من الظواهر التمثيلية في روايات خيال الظل أيام الأيوبيين والمماليك. ثم تحدثت عن المسرح في الأدب المصري الحديث وكيف أهتم الخديوى اسماعيل به. وذكرت أن أول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية هو مارون نقاش اللبناني الذي اقتبسه من إيطاليا. وبين المقال دور سليم نقاش فى تطوير المسرح المصرى. ومن الذين عنوا بالمسرح والترجمة له محمد عثمان جلال وكان ينقل من الفرنسية ويضفي على مسرحياته روحاً مصرية خالصة.
وفى مقالى ” مسرحة الإرهاب عبر العصور“أوضحت أنه ليس من السهولة بمكان أنْ نكتب عن المسرح والإرهاب ، ذلك أنَّ العلاقة بين الأثنين تبدو بعيدة من حيث الشكل والمضمون. فالأرهاب فرض نفسه على الحياة برمتها ، فما بال المسرح. وبات من الضروري الكتابة في هذا الموضوع. فمنذ الخليقة والإنسان يعيث في الأرض فساداً، وسفكاً للدماء، ولعل ذلك ما دفع الملائكة الى القول.أما الإرهاب بمعناه الحديث فلم يظهر إلا في المجازر التي أعقبت الثورة الفرنسية الممتدة بين الأعوام 1789 إلى 1799 والتي يصفها المؤرخون بـفترة الرعب. فالمسرح باختصار تعبير عن جميع القيم والمعاني والأفعال الإنسانية. ، وبالتالي فأنَّ المسرح يسعى لقديم الأفعال التي تمر بها الإنسانية، وهذه الأفعال بطبيعتها إيجابية وسلبية. والإرهاب بمعانيه المتعددة كان حاضراً في مسيرة المسرح من بدايته إلى يومنا هذا، فالإرهاب بوصفه خوفاً، وفزعاً، وانتهاكاً، تناوله المسرح وأدانه بأشكاله المتعددة، لأنَّ المسرح هو المتصدي والمدافع لإرساء الفضيلة وتحقيق حقوق الفرد. ومن الجدير بالذكر أنَّ أغلب الفرق المسرحية التجريبية الحديثة العالمية جعلت من المواضيع السياسية، ومعاناة الشعوب، والخوف، وعدم الأمان الإجتماعي والسياسي، عنواناً لتجاربهم، أمثال فرقة المسرح الحي لـ(جوديث ملين)).
وفى المقال الثانى من “مســرحة الارهــاب” نوهت الى دور المدرسة وأنها يجب أن تتحمل الدور المناط بها في تدعيم روح المحبة وألألفة والتسامح وحب الناس وأحترام حقوقهم وبالتالي غرس حب الوطن والعمل من أجلة. ولكن هل المدرسة معدة فعلاً لأداء هذا العمل ؟ وأيضا نجد أن الخطاب الأدبى القائم على الحوار الهادىء بعيدا عن سياسة التغييب والمصادرة له دور هام.
هذه الظاهرة الأدبية انتقلت إلى أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي فاجأت الشعب الأميركي الذي كان يعتقد أنه في مأمن من أي ضربة خارجية، فإذا به يشهد عملاً إرهابيًا بهذا الحجم يستهدف أكبر رموز حضارته المتمثلة بمركز التجارة العالمي. ففي فترة وجيزة جدًا هزت فرنسا عدة عمليات إرهابية مريعة، في باريس ونيس، صدعت نظرة الفرنسي العادي السائدة إلى العالم حوله، ومست أحاسيسه ومشاعره: لورانس تارديو في «في النهاية ران الصمت» يتطرق الكاتب إلى كيف انعكست هذه العمليات الإرهابية على حياته شخصيا ونظرته كإنسان عايشها فقلبت مفاهيمه فيقول: «اللامعقول بات جزءًا من حياتنا».
فالمسرح كان ولا يزال من الصق الفنون بالجماهير لانه يمثل مؤسسة ثقافية جماهيرية ، توفر للناس حق المتعة من خلال الفن الحي النابع من القيم الحضارية للجماهير. هذا الاهتمام بالمسارح الشعبية هو الذي دعى إلى ضرورة تأسيس (مسرح الأمم عام 1906 )
في باريس ليتم اللقاء بين الشعوب لتقدم كل أمة افضل ما لديها من فن أصيل خلقته شعوبها ، ومن خلال هذا التبادل في الخبر والتراث لكل أمة يزيد من ثقافة المشاركين ، ويغني تراثهم ، ويفتح لهم ثغرات يستطيعون من خلالها النفاذ إلى الأزمات التي يعاني منها إنساننا المعاصر.
فالمسرح الحقيقي هو الذي يستطيع أن يزدهر في وسط الشعب ، ويصبح جزءا” من حياته الاجتماعية ، وعليه فلابد للمسرح من اجل أن يحقق استمرارية اللقاء بجمهوره وما آلت أليه تلك المسارح من تطور بالاستفادة من مورثاتها الشعبية ، والحكايات ، والأساطير، والقصص ، كمضامين ، كذلك الأشكال الدرامية أو الشبيهة بالمسرح التي توارثوها والتي تديم العلاقة مع فنون الشعوب تلك .كــ ( خيال الظل) و( الاراجوز ) و( المقامات ) و( الحكواتي ) .. وغيرها عند العرب . وقديما” قال بشار بن برد ( لا تجعلوا مجلسا” حديثا ” كله ، ولا شعراً ” كله ولاغناء” كله ، بل اجعلوه من هذا وهذا وذاك). فعلى المسرح العربي أذن أن يتحرر من طوق الغربة في المسرح ، ويعمل على ما يؤكد الهوية الخاصة به والرجوع به إلى المضامين المعاصرة والأشكاله الموروثة . يقول (برخت ) ” يجب أن لا نحتقر مقدرة فهم الجمهور ” الذي يتلقى ومن خلال المشاهدة يتمكن من الارتقاء بمستوى الفنان والمتلقي معا” . فالمواضيع المطروحة مستمدة من حياة الشعب ، من تاريخه ، وتراثه وعاداته وتقاليده ، التي من خلالها سيتعرف على كل ما هو جيد وما هو غير ذلك”
ومن مصر انتقل( خيال الظل ) إلى تركيا، وأزدهر فيها وطغى على كل الفنون ،ومنها انتقل خيال الظل إلى ( اليونان ) ثم انتقل إلى ( إيطاليا ) في أواخر القرن السادس عشر . أما في العراق فقد عرض البغداديون نشاطات تمثيلية أخرى أطلقوا عليها اسم (الأخباري ) * والأخباري نوع من المشاهدة التمثيلية على شكل حوار كوميدي متهكم ممزوج بالسخرية والشتائم بين شخصين أو اكثر . والأخباري نشاط جاء كنتيجة لان ” أهل بغداد سئموا ذلك الرقص الخليع وتلك الأغاني الرخيصة. والأخباري هو تقليد للمشاهد الهزلية التي كانت تقدمها الفرق التركية في أواخر العهد العثماني في العراق.
ولعل أهم المصادر التي أفادت المسرحين العرب وغير العرب وهي حكايات (ألف ليلة وليلة ) التي تعتبر من اشهر الأساطير العربية المدونة ، وكون حكايتها “تقرب إلى حد كبير من قالب المسرحية ، لكثرة مافيها من حركة وحوار وسهولة تحويلها إلى مسرحيات وتمثيلها ” ،والى كونها أداة معرفية وثقافية ، فحكاية ( السندباد البحري ) مثلا” اتسمت بالرحلات التي كانت اكتشافا” لمجاهل ومستعمرات وبلدان جديدة ، وكانت أسلوبا” لنشر الثقافة والمعرفة والعلوم . مثلما كانت تأخذ عن تلك البلدان الجديدة الثقافة والمعرفة والعلوم .
فالممثل والمتفرج هما العنصران الأساسيان للفن المسرحي . فقد يغيب المؤلف وقد تغيب الخشبة ولكن لابد من وجود الشخص الذي يقوم بالعرض ، والشخص الذي يتلقاه. يقول دانجنكو ” يكفي أن يدخل الساحة ثلاثة ممثلين ، ويفرشوا سجادة صغيرة على الأرض ثم يبدءوا بالتمثيل حتى يكون هنالك مسرحا” هذا هو جوهر العرض المسرحي”.
والارث الانساني حق عام للجميع امتلاكه والانطلاق منه لتطويره . ذلك لأن كامل عمر التجربة العربية في المسرح لاتتعدى المائة وعشرون عاما ونيف . وهي غير مجدية لأنها لاتمتلك أحقيتها في البداية ، فبدايتها مقلدة وليست بداية أساسية خالية من التأثيرات . ومن الصعب أن تكون تلك البدايات أساسية لأنها ليست أكثر من فعاليات دينية حبيسة الكنائس أو الأديرة أو مدرسية سجينة الأسيجة المدرسية ليس الا . وبالتالي جميعها معتمد على الاقتباس أو الترجمة . ولم نتعرف على المسرح الا لكونه أداة للتسلية . ومن الدونية أن نكون مكملين لتجارب الأخرين لا أساسين فيها ولا يجب أن ننساق خلف الأشكال الجاهزة المغرية البعيدة عن المضامين التي كانت هزيلة لاتمثل مجتمعاتها ، مما أبعد المتفرج عن المسرح وخلق لديه شعور بالغربة في المضامين ورطانة في ما يقال وما يدور على المسرح .ان فقدان المتعة بل انعدامها عطل عجلة تطور المسرح ومواكبته لما يجري في العالم وكأن الهم فقط في ان يكون لدى العرب مسرحا اسوة بغيرهم. فمن الضروري معرفة الجمهور الذي يرتاد المسرح وما هي المواضيع التي تهمه والتي يحتاجها الان
وهناك اراء متعددة للنقاد والفنانين المصريين حول ما يسمى بأزمة المسرح. فالبعض يرى الصورة وردية والبعض يرى المسرح فى أزمة. فيصف الفنان “محمد صبحي” حال المسرح منذ التسعينات بأنه “في ردة مرعبة”و “أن معالم انهياره تتمثل في هدم 28 دار عرض مسرحي في القاهرة والإسكندرية دون محاولة استعادتها، رغم إلزام القانون المصري بإعادة بناء أي مسرح بعد هدمه”.بينما تقول الدكتورة أسماء يحيي الطاهر الأكاديمية في مجال المسرح إنه: “عقب الثورات يحدث ارتباك في أي حركة مسرحية فلدينا الآن تيار يريد الإبقاء على ما قبل الثورة وتيار آخر يعكسه الشباب الذي يبحث له عن مكان بأفكاره الخاصة.” وفي نظرها فإن الثماني سنوات التي أعقبت الثورة شهدت محاولات لإحياء المسرح حتى وصلنا إلى 2019 الذي تراه بأنه مميز مسرحيا.
ويرى رئيس البيت الفني للمسرح إسماعيل مختار أن المسرح القومي ليس في “أزمة”، مضيفا أنه يكفي أن مسرح الدولة لم يتعرض لأي انتكاسة.
ومن بين ملامح الأمل التي بدت في أفق مسرح الدولة، هكذا وصفها عادل حسان مدير عام المسرح بهيئة قصور الثقافة، مسرحية “قواعد العشق الأربعون” التي حققت خطوات لم تكن معهودة على المسرح الحكومي فهي أولا مكتوبة بأسلوب “ورشة الكتابة الجماعية” حيث كتبها ثلاثة من الشباب . ووفقا لحسان فإنها عرضت لثلاث سنوات وحققت إيرادات بلغت مليون ونصف مليون جنيه مصري على مدار 146 ليلة عرض حتى هذا العام في حين أن ميزانيتها الأصلية كانت 200 ألف جنيه مصري فقط. وأمل آخر يكشف عنه عام 2019 فيقول حسان:” إن عدد عروض مسرح الأقاليم زادت من مجرد 90 عرضا سنويا فقط إلى 310.”
وتتفق كل من الدكتورة أسماء ورشا عبد المنعم في رؤيتهما حول الرقابة والتمويل” حيث أن هناك تشديدا على الثقافة والفنون عموما في السنوات الأخيرة مما أثر بالطبع على حركة المسرح المستقل.” وتوضح الدكتورة أسماء أن “التمويل الذاتي” للفرق المستقلة دون الاعتماد على دولة أو مؤسسات تنموية هو الحل إلى حين. بينما ترى الكاتبة رشا عبد المنعم أنه إذا آمنت الحكومة المصرية حاليا بـ “مدنية الدولة” فستسمح بالتالي بسقف مختلف للحريات والتمويل.
ويقول المنسق الفني لمدرسة “ناس” مصطفى وافي:” نستهدف مهمشي مصر لأنهم يبلغون 80 في المئة وليس في إمكانهم الذهاب للمسرح فكان علينا أن نذهب إليهم”. وقد تمنى وافي أن تسير الحكومة المصرية على درب بعض الدول الأوروبية التي تدعم المسرحيين المستقلين مثل إسبانيا لأنه ورغم أن مسرح “ناس” قليل التكلفة فإنه سيبقى في احتياج للتمويل والتسهيلات الأمنية للوجود في الساحات العامة.

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك