ماهية الفساد وأسبابه وأثاره وآليات مكافحته .. بقلم الدكتور عادل عامر

ـ تعريف الفساد :

يعرف الفساد بأنه إساءة استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة واستخدام المصلحة العامة والخاصة للجهة الإدارية لتحقيق مصلحة خاصة للفرد القائم بالعمل أو تخصيص الموارد وتوزيع العائدات الاقتصادية وفقا لاعتبارات المصلحة الخاصة وليس المصلحة العامة أو بالتعارض معه أمثلة ذلك دفع رشوة أو عمولة إلى الموظفين أو المسئولين لتسهيل مهمة رجال الأعمال والشركات الأجنبية وغيرها فالفساد له صورتان الأولى الفساد الصغير وهو محدود الأثر ونتائجه ليست على درجة عالية من الجسامة مثل الرشوة والعمولة والمحسوبية وغيرها والثانية الفساد الكبير وهو على درجة كبيرة من الجسامة وغالبا ما يرتبط بالصفقات الكبرى في المقاولات وتجارة السلاح والحصول على توكيلات تجارية وغيرها.

فالفساد اصبح ظاهرة عصرية ساعدت آليات العولمة الاقتصادية على سرعة انتشارها ومن هذه الأليات تقدم تكنولوجيا الأعلام والاتصالات وحرية انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود المفتوحة وغيرهــا فأصبح الفساد حالة ذهنية لدى الأفراد تبرره وتخلق له الأعذار وتقبل التفريط التدريجي في أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابي.

– أسباب انتشار الفساد :

أسباب انتشار ظاهرة الفساد هناك أسباب داخلية منها أسباب سياسية مثل ضعف الأحزاب وانعدام الديمقراطية داخل هياكل الدولة وتفشى البيروقراطية الحكومية والمغالاة في المركزية وغيرها ومنها أسباب اقتصادية مثل ارتفاع معدلات البطالة والأزمات الاقتصادية والفقر والعوز كحافز لتقاضى الرشوة وتفشى الوساطة والمحسوبية وغيرها وأسباب اجتماعية وثقافية مثل الولاءات الأسرية الانتماءات القبلية والطائفية وهناك أسباب خارجية ساعدت على انتشار الفساد مثل تقدم نظم المعلومات وظهور الاقتصاد الحر مما أدى إلى ذوبان الحدود بين الدول في مواجهة المنظومات العصابية والدولية والجرائم متعددة القوميات وتأثر الدول ببعضها في جميع المجالات مما أدى إلى اتساع نطاق ارتكاب جرائم الفساد وخاصة مع غياب التعاون الدولي بين الدول والرقابة الدولية وخاصة في الآونة الأخيرة .

– أثار انتشار ثقافة الفساد:

ترتب على ثقافة الفساد وانتشارها بصورة كبيرة أن أصبحت الرشوة والعمولة والسمسرة والمحسوبية مع الوقت عناصر لنظام حوافز بديلة عن الحوافز الرسمية المشروعة وأصبحت الدخول الخفية الناجمة عن الفساد هي الأصل وتفوق قيمتها الدخول الرسمية وفقد الفرد الثقة في قيمة عمله الأصلي وجدواه طالما لا يوفر له العيش الكريم مما أدى إلى التفريط التدريجي في معايير أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابة بالإضافة إلى فقد القانون هيبته وقيام المفسدين بتعطيل القرارات التنظيمية وأحكام القانون قبل أن تطالهم مما اصبح معه مخالفة القانون هي الأصل واحترامه هو الاستثناء وانهيار التوازنات الاجتماعية والأخلاقية وتأكل القيم والمثل العليا بالإضافة إلى التكاليف الاقتصادية والاجتماعية للفساد التي لها أكبر الأثر في تراجع اقتصاديات الدول وخاصة النامية والفقيرة منها مثل زيادة عجز الموازنة العامة بسبب التهرب الضريبي وتراجع إيرادات الرسوم الجمركية وارتفاع تكلفة الخدمة العامة بسبب ممارسة الفساد وارتفاع تكلفة التكوين الرأسمالي نتيجة للعمولات مثل المباني والمعدات وغيرها من الأثار الضارة والتي لا حصر لها والتي كان السبب فيها انتشار ثقافة الفساد .

– آليات مكافحة الفساد :

أليات مكافحة الفساد المقصود بها الطرق والأساليب التي يمكن للدول اللجوء اليها لتحجيم الفساد والقضاء عليه على المستوى الداخلي والدولي وبذلك تنقسم هذه الأليات الى نوعين نعرض لكلا منهما فيما يلى :

1- أليات مكافحة الفساد على الصعيد الوطني :

وهى التي تساعد على مكافحة الفساد داخل الدولة ومن هذه الأليات توسيع رقعة الديمقراطية والشفافية والمساءلة والتنافسية مثل الحكم الصالح وتوسيع دائرة الرقابة والمساءلة من جانب المجالس التشريعية والنيابية والأجهزة الرقابية وتحقيق درجة اكبر من الشفافية في العقود الدولية والعطاءات واتفاقات المعونة للقضاء على الفساد الكبير ووضع ضوابط للتمويل السياسي وخصوصا للانتخابات والأحزاب مثل قرار المحكمة الدستورية فى كوستاريكا 2003 الذى يلزم الأحزاب السياسية بالإفصاح عن مصادر تمويلها وأيضا من صور مكافحة الفساد داخل الدولة أيضا الإصلاح الإداري والمالي مثل منع التداخل بين الوظيفة العامة وممارسة النشاط التجاري وخدمات الحكومة الإلكترونية

وكذلك من صور المكافحة إصلاح هياكل الأجور والمرتبات لتقليل التفاوت في هياكل الأجور وكفالة قدر مناسب من الدخول يوفر للموظفين حياة كريمة ومن الأليات أيضا اليات المكافحة القضائية كتعزيز حق المواطن في محاكمة عادلة ونزيهة وربط التعيينات في الهياكل القضائية بهيئة عليا مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وضرورة التأهيل والتدريب المستمرين للقدرات البشرية

وتبسيط واختصار إجراءات التقاضي وكذلك من الأليات اليات السلطة وتشمل كل أدوات التعبير عن الرأي مثل منظمات المجتمع المدني كالأحزاب والاتحادات والنقابات ووسائل الأعلام ألا انه أحيانا يصبح الأعلام جزء من الفساد بسبب القيود على تدفق المعلومات وعدم وجود استقلالية تامة وسيطرة احتكارات الأعلام على بعض وسائل الأعلام ومن أهم شروط تحقيق الإصلاحات الإعلامية تحرير وسائل الأعلام من القيود التي تؤثر على استقلاليتها وحيدتها وحريتها واطلاق حرية تداول المعلومات وحق المواطنين في الوصول اليها وإلغاء جميع القوانين المقيدة لحرية التعبير واطلاق حرية الصحف دون تمييز وحماية الأعلام من مركز التأثير السياسي والتجاري والديني .

2 – أليات مكافحة الفساد على الصعيد الدولي :

صادف الفساد العابر للحدود اهتماما دوليا كبيرا فصدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 أول قرار عالمي يدين الفساد ومبادرة الرئيس جيمى كارتر 1977 بإصدار قانون يعاقب بموجبه أى فرد أو شركة أمريكية تقوم برشوة مسئول رسمي خارج الولايات المتحدة (قانون ممارسة الفساد خارج الدولة ) وكذلك نشاط عالمي واسع ضد الفساد منذ التسعينيات يضم منظمات دولية وإقليمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقية وكذلك تبنى البنك الدولي خطة لمكافحة الفساد من أهدافها منع الاحتيال والفساد في المشاريع التي يمولها البنك وكذلك مساعدة الدول الأعضاء بالخبرات في مجال الحرب ضد الفساد وقيام البنك بأجراء تعديلات بشأن المناقصات العامة والعروض واتخاذ إجراءات رادعة بحق الشركات المتهمة بالفساد .

وتظهر الأهمية القصوى لدور السلطة التنفيذية في معركة الفساد في انها القابض الفعلي على تفعيل وسيلة السلطة التشريعية البالغ الأهمية في مكافحة الفساد وهي التشريع لانها هي المعنية بتنفيذ القوانين التي تصدرها تلك السلطة فلا قيمة لقانون تقره السلطة التشريعية اذا لم تنفذه السلطة التنفيذية او اذا ما نفذته بطريقة بائسة او غير ناجعة او شكلية لا تحقق مضمونه وأهدافه .

كما ان قبض السلطة التنفيذية على صلاحيات التصرف بمعظم المال العام يجعلها اللاعب الأساسي في الفساد وفي مكافحته .

لذا فان القاء العبء بكامله على الجهات المتخصصة في مكافحة الفساد كهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية في مسألة الفشل في السيطرة على عمليات الفساد والافساد فانه تملص من المسؤولية والقاء بها على عاتق الغير ، لان الفشل في مكافحة الفساد هو فشل للسلطة التنفيذية اولا وللسلطة التشريعية ثانيا ، ثم للجهات المتخصصة في مكافحة الفساد ثالثا ،

لذا يتوجب من اجل ضمان انجاز – ولو بسيط – في المعركة ضد الفساد ان تبادر جميع الجهات المعنية بمكافحة الفساد وفي مقدمتها السلطتين التشريعية والتنفيذية باداء دور فاعل لها كل حسب وظيفته وفي حدود وسائل مكافحة الفساد التي يمسك بها . لذا فان مسؤولية مكافحة الفساد هي مسؤولية مشتركة بين جميع سلطات ومفاصل الدولة والمجتمع .

واخيرا فأن من الوهم الظن ان الفساد يمكن القضاء عليه في سنة او سنتين او حتى عشر سنوات لان مكافحة الفساد هو معركة طويلة المدى ينبغي اعتماد استراتيجية لها قد لا تقبل ان تقل مدتها عن مائة عام ، فانكلترا احتاجت ( 99 ) سنة للتخفيف من الفساد فيها . وقد اشار امر تفويض السلطة لانشاء هيئة النزاهة الصادر من سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة رقم ( 55 ) لسنة 2004 وقانون هيئة النزاهة الملحق به الصادر عن مجلس الحكم المنحل الى هذه الحقيقية بقولهما في الديباجه كل منهما :- ( واعترافا بان المعركة ضد الفساد هي نضال طويل الامد يتطلب تعهدا دائما بتغيير السلوك على جميع اصعدة الحكومة ) . لذا فان اعتماد الحلول قصيرة المدى وقصيرة الاثر لن يجدي نفعا ولن يكافح فسادا بل سيكون فساد اخر يضاف الى الفساد القائم ونفقات واموال تنفق تحت ستار المعركة ضد الفساد في حين انها ليست الا فساد جديد

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك