الخميس - الموافق 22 أكتوبر 2020م

قِصَّة اللغز ..الجَرِيمَة جَنِين ضَعِيفٌ ..بِقَلَم الأديبة : عَبِير صَفْوَت

كَانَتْ عِنْدَ مَطْلَع عُيُون الْجَمِيع ، فَوْق مَسْرَح حافَة الْجِسْر الْعُلْوِيّ الْمَهْجُور ، جُثَّة لِفَتَاه فِي الْهَوَاءِ الطَّلْق تترنح ، خَمِيلَة عِشْرِينِيَّة دَقِيقَةٌ الْمَلاَمِح طَيِّبَة وبضة الْمَلْمَس ، شَعْرِهَا منسدل مِثْل جَدَائِل الشَّمْس ، وَعَوْدِهَا رَشِيق الإدّ .
نَظَرٌ الْمُحَقِّق يراودة الْعَثَرَات بِالْأَمْر ، حِين تَحَقَّقَ مِنْ أَنَّهَا جُثَّة فَارِغَةً مِنْ الدَّاخِلِ ، مِمَّا زَادَ الْأَمْرُ حَيَّرَه .
جَلَسَت مثيلة الرَّاحِلَةِ فِي الشَّكْلِ وَأُم القتيلة ، إنَّمَا فِي مَهَابَة تَذَكَّر بِالِاخْتِلَاف قَلِيلًا ، حَتَّي كظمت الْهَوْل والصدمة ، و اِنْفَجَرَتْ باكِيَةً ، تَلُوح بِالدُّعَاء :
سامحك اللَّه يَابْن صديقتي الْعَزِيزَة .
نَظَرُهَا الْمُحَقِّق كَا مَنْ يَنْتَظِرُ التَّوْضِيح ، حَتَّي قَالَت :
لَا غَيْرُهُ ، نَعَمْ أَنَّهُ ” أمير” ابْن صديقتي الوَحِيدَة .
تَفَكَّر الْمُحَقِّق قَائِلًا بِكَلِمَات مِنْ الْعُجْبِ :
إلَيْك الْقِصَّة التَّالِيَة ، شاطِر ” أمير” الأَحْزَان ، عِنْدَمَا تَقَدَّم لِخُطْبَة ابْنَتَك الرَّاحِلَة وَقَد قُمْتُم بِالرَّفْض .
اِلْتَحَفَت الْمَرْأَة بِكَلِمَات لَا تَفِي بِالْغَرَض ، وَتَحَدَّثَت مُطَوَّلًا بِكَثِيرٍ مِنْ الْجَمَلِ ، لَا يَسْلَمُ بِهَا نَحْوُ طَرِيق .
نَظَرٌ الْمُحَقِّق مُطَوَّلًا للبراح قَاتِمٌ الْوَجْه متريس فِي فِعْلِهِ الصَّمْت ، مِمَّا آزَاد القَلَق وَالرِّيبَة بِصَدْر الْمَرْأَة ، حَتَّي قَالَت بِإِيضَاح :
كَان ” أَمِير ” غَيْرِ كُفْءٍ لابنتي الرَّاحِلَة .
صَرّ الْمُحَقِّق الظُّنُونُ فِي مِنْدِيلٍ أَبْيَض وَضَعَهُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْمَرْأَة متسائلا فَجْأَة :
مِنْ الْقَاتِلِ سيدتي الحزينة .
اعْتَرَضَت الْمَرْأَة بِأَقْوَال وَإِشَارَات وَبَعْض الِانْفِعَالَات ، تَقُول بِأَسْنَان تَصْطَكّ :
أَلَّا تَعْتَقِدَ سيدى الْمُحَقِّق ؟ ! إنَّنِي لَسْت حَزِينَةٌ ، بَلْ أَنَا مَكْسُورَة ووحيدة واعارك النِّسْيَان .
جَلَس الطَّبِيب الشَّرْعِيّ يَقُوم بِبِنَاء حَالَة الرَّاحِلَة الَّتِي تَمَّت عَلَيْهَا الْمُعَايَنَة :
جُثَّة فَتَاة عِشْرِينِيَّة ، قَتَلْت مُذ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَتَمّ تَفْرِيغ أحْشَائِهَا مِنْ الدَّاخِلِ كُلًّا مِنْ ( الْكَبِد وَالْقَلْب والكليتان وَالرِّئَة ) وَبَقِيَت الْأَمْعَاء بحالتها مَع الْجَسَد ، تَمّ الْفِعْل وَأُلْقِي بِهَا الْقَاتِل فَوْق الْجِسْر الْمَهْجُور ، رَآهَا احدي الجائلين صَدَفَة .
وَجَسّ أَطَال بِرُؤْيَة الْمُحَقِّق متسائلا :
لِمَاذَا تَرَك الْقَاتِل ؟ ! الْجُثَّة وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ ، إذْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ تُجَّارِ الْأَعْضَاء .
أَشَار الطَّبِيب الشَّرْعِيّ :
بَصْمَة خَيْل آلِيا بِهَا .
قَالَ الْمُحَقِّقُ بِشَغَف :
لِمَنْ هَذِهِ البَصْمَة ؟!
قَالَ الطَّبِيبُ يَقْلِب بَعْض الْأَوْرَاق بَيْن يَدَاه :
” سُمَيْر الطَّحَّان ”
جَلَس ” سُمَيْر الطَّحَّان ” يُحَاوِلْ أنْ يَتَجَنَّبَ مُلَامَسَة الْأَشْيَاء حِينَ قَدِمَ لَهُ الْمُحَقِّقُ ، كُوبا مِن الليموندا ، متحججا بِالْقَوْل :
لَدَى دَاءٌ عُضال بامعائي .
نَدّ الْمُحَقِّق وَأَضَاف بِطَرِيقِه أَخِّرِي :
هَلْ أَنْتُما حبيبان ؟ !
” سُمَيْر ”
مُنْذ أَعْوَام وَوَالِدِة الرَّاحِلَة حبيبتي .
تَجَهَّم وَجْه الْمُحَقِّق مستعوضا خِلَاف الثَّبَات :
مَا الَّذِي دفعك لِقَتْلِهَا بِطَرِيقِه بَشِعَة .
ثَار ” سُمَيْر ” بِالِاعْتِرَاض وَالتَّأْكِيد :
أَنَّا لَمْ أَقْتُلْ الفَتَاة .
الْمُحَقِّق يَخْرُج شَرِيحَة مِنْ جِلْدٍ الفَتَاة قَائِلًا :
هَا هِيَ بصمتك .
يَتَنَكَّر “سمير”
لَم أَرَاهَا مُنْذُ سِتَّةِ أَيَّامٍ .
قَالَ الْمُحَقِّقُ لَا يناهض فَكَرِه الْمُتَّهَم :
قَالَت حبيبتك أَنَّك لَمْ تُرِي القتيلة إلّا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .
قَال الْمُتَّهَم :
نَعَم تَذَكَّرْت ، مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .
الطَّبِيب الشَّرْعِيّ باهْتِمام :
تَعَارُضٌ فِي الْأَقْوَالِ ، الْمَرْأَةِ تَقُولُ :
أَن حبيبها قَد رَأْي الفَتَاة مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَالْمُتَّهَم يَقُول :
رَأْي الْفَتَاةُ مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ ، وَالفَتَاة قَتَلْت مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ .
قَالَ الْمُحَقِّقُ مُؤَيِّدًا فِكْرَتُه باقتناع :
إذَا هَؤُلَاءِ هُمْ القتلي .
قَالَ الطَّبِيبُ :
لَكِن . . ) لِمَنْ تَكُونُ ؟ ! بَصْمَة الْحَذَّاء الْكَبِير .
دَخَل ” يَسْرِي ” بِهَيْئَتِه الضَّخْمَة يَجْلِس بكواء وَبَاطِنُه الْمَلَامَة بِنَفْسِه ، بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَ مِنْ تَّحَالُفة بِالجَرِيمَة . وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَوَّهَ الْمُحَقِّق بِكَلِمَة ، قَال الْمُتَّهَم :
لَيْسَ لِي يَداً بِذَلِك ، كُنْت عَبْدًا لنقود وَالْمَأْمُور .
تَسَاءل الْمُحَقِّق :
مَنْ هُوَ الْمَأْمُورُ ؟ !
” يسري” مُتَلَهِّفًا لِنَجَاة مِنْ حَبْلِ المشنقة :
“سمير الطَّحَّان ”
عَاد ” سُمَيْر الطَّحَّان ” يُمَثِّل الْمَشْهَد گ كلاكِيت تَأَنِّي مَرَّة . . مُتَذَكِّرًا هَذَا الْمَوْقِفُ إيَّاه ، عِنْدَمَا قَالَت وَالِدِه الرَّاحِلَة :
هَل تُدْرَك إنَّنِي فَقِيرَة ؟ ! وأمس الْحَاجَة لِلْمَال .
لَمْ يَفْقِدْ ” سُمَيْر ” اتزانة إمَام حبيبتة وَقَال بِعَيْن الْحَبّ :
أُحِبُّك بِكُلّ الْحَالَات .
إِنَّمَا الشَّرُّ كَانَ حليفها حَتَّي قَالَت بحذاقة :
هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ “ايتن” لَيْسَت ابْنَتِي ، وَهِي متبناه مُنْذ الْعَهْد .
قَال ” سُمَيْر ” مُتَعَجِّبًا :
لَا أَفْهَمُ .
قَالَت الحبيبة :
يُرِيد الْأَبِ إنْ يَثْبُتَ أُبُوَّتِه ل ” ايتن” ، وسيقوم بِذَلِك .
تَابِعٌ ” سُمَيْر ” :
ثُمّ ؟
الحبيبة بتكهن :
إنْ أَثْبَتَ الْأَبُ ذَلِكَ ، بِبَعْض الْأَوْرَاقِ الَّتِي تَنَازَل بِهَا لِي عَنْ الفَتَاة مُنْذُ عِشْرِينَ عَام ، وَقَام بِتَحْلِيل DNA سَيُثَبِّت أَنَّهَا ابْنَتَه .
قَال “سمير” بِرِفْق :
حبيبتي اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ هَيِّنٌ ، أَن الْفِرَاق لِفَتَاه كَانَت ابْنَتَك وَحَكَمَ لَهَا الرَّحِيل صَعُبَ عَلَيَّ قَلْبِك الرَّقِيق بِالْفِعْل .
ضَحِكْت الْمَرْأَة بخبث تتلوك :
كَم أَنْت سَاذَج ؟ ! أَيُّهَا الْحَبِيب ، أَنَّا لَا أَهْتَمُّ بِتِلْك الْأَشْيَاء ، وَقَدْ أُثْبِتَ بِالْفِعْل بَنُوه الْبِنْتِ لِأَبِيهَا ، فَقَدْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ زَمَنِ ، وَتَرَكَهَا لِي فِي الْمَهْدِ وَكَتَبْت ابْنَتِي وَكنت الْأُمّ ، بتنازل مِنْ أَبِيهَا الْفَقِير ، صَارَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَرَحَل ، وَقَد وَرِثَت الفَتَاة مَال أَبَاهَا من الملايين .
اِحْتَضَن ” سُمَيْر ” حبيبتة :
مَا دَخَلْنَا بِذَلِك ؟ !
قَالَتْ الْمَرْأَةُ :
الْمِيرَاث أَيُّهَا الْحَبِيب .
تَنَهُّدٌ الْمُحَقِّق قَائِلًا :
كَيْف تَرِثُ الْمَرْأَةُ الفَتَاة ؟ ! بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ الْأَب أَنَّهَا ابْنَتَه .
قَال ” سُمَيْر ” مُتَذَكِّرًا :
قَامَتْ الْمَرْأَةُ بالعوبة ، عَنْهَا تنازلت الفَتَاة لِأُمِّهَا الْمُزَيَّفَة بِكُلّ الْأَمْوَال .
زُفَر الْمُحَقِّق زَفْرَة مُودَعٌ لصعاب الْأُمُور :
مَنْ قَامَ بِتَفْرِيغ الْجُثَّة ؟ !
اِرْتَجَف “سمير” كَالْفَارّ بالمصيدة :
كَانَ الْمَطْلُوبُ تَخْدِيرِهَا وَالذَّهَاب بِهَا لِشَخْصٍ مَا ، حِين انْفَضّ مِنْ الْأَمْرِ ، طَلَبَ مِنَّا أَنْ نلقي بِهَا فَوْق الْجِسْر .
جَلَس الطَّبِيب الْمَدَان بِجِرْم ، متباكي الِاعْتِرَاف :
زَادَنِي الجَشِع جَشَعٌ ، عِنْدَمَا أَمَرْتَنِي الْمَرْأَة بِقَتْل الفَتَاة ، رَأَيْت أَهْلِي وعشيرتي الْفُقَرَاء ، مِنْهُمْ ذَاتَ الْفَشِل الكلوي وَالْقَلْب الْهَالِك وَالْكَبِد التَّالِف ، قُلْت . . لِمَاذَا لَا أَفْيَد ؟ ! رُفْقَتِي بِتِلْك الْأَعْضَاء فَضْلًا أَنْ يَأْكُلَهَا التُّرَاب .
جَلَس الطَّبِيب الشَّرْعِيّ مُنْهِك الْحَال متفوها بِتَعَب ولمحة مِن السُّخْرِيَة بِكَلِمَاتِه :
سُحْقًا لِلْفِعْل الْبَشَرِيّ الْإِنْسَانِيّ الَّذِي يَتَحَوَّل لجريمة ، الْأَطِبَّاء ينزعون الْأَعْضَاء لِلْبَحْثِ عَنْ فَاعِلِ الجَرِيمَة ، وَالْقَاتِل يَنْزِع الْأَعْضَاء للمتاجرة بِهَا .
الْمُحَقِّق باستهانة :
لِذَلِك رَفَضَت الْمَرْأَةِ أَنْ تَزَوَّجَ ابْنَتِهَا مِنْ ابْنِ صديقتها .
الطَّبِيب :
وَقَامَت بِالْإِتْهَام الْمُوَجَّه ل “امير” بِالْقَتْل .
الْمُحَقِّق :
قِصَّة عَلَيْهَا إنْ تُؤَرِّخ فِي صِنَاعَةِ التَّمَرُّد وحبكة الْجَرَائِم .
الطَّبِيب يُضِيف :
لَا تتناسي أَن الجَرِيمَة جَنِين ضَعِيفٌ ، مِنْ وَصْمَةِ عَار الْحَبّ بَيْنَ الْمُلَّاكِ والافعي .
الْمُحَقِّق :
حَتَّي الْمَلَائِكَة طَالَت بِهِم الْعَدْوَى .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك