الثلاثاء - الموافق 19 يناير 2021م

قِصَّة الجَرِيمَة ..الْقِلَادَة .. بِقَلَم الْأَدِيب عبيرصفوت

الثَّالِثَة صباحاً ، غُمُوضٌ يَلفّ الْمَدِينَة ، أَقْوَامٌ تَتَسَارَع بِالْخَبَر ، وَعُيُون تقراء بفضولية ، فِي جَرِيدَةٍ الصَّبَّاح .
لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ مريباَ قَطّ ، كَان محبوباَ بَيْنَ الْجَمِيعِ ، لَم نتوقع ذَلِك ابداَ ، صدمنا صدمنا بِاَللَّه صدمنا .
نَظَرٌ الْمُحَقِّق مِن نَافِذَةٌ صَغِيرَة ، كَانَت تَطُل عَلِيّ ساَحة خَضْرَاءَ فِي مَدِينَةٍ جَدِيدَة تَطُل عَلِيّ الْبَحْر ، ثُمَّ جَمَعَ بَصَرِه نَحْو الْمُتَحَدِّث يُتَابِع متنهدا :
الأجْوَاء مُتَقَلَّبَه دائماَ ، هَل تَعْتَقِدَ أَنَّ الرِّيَاحَ ستستقر ؟ ! وَنَحْن بِشَهْر تِشْرِينَ الْأَوَّلِ .
انْدَهَش “فَريد” الْقَاطِن بواجهة الْمُحَقِّق ، يرثوا لِحَال نفسه متسائلاً بَيْنَ نَفْسِهِ :
تُري هل هِي مُداعَبَة ؟ ! أَم التَّنَكُّر لبرائتي .
تَابِعٌ الْمُحَقِّق أَقْوَالِه يَكْشِفَ عَنْ غِطَاء الْحَقِيقَة مُفَادُهَا :
أَنْت غَيْر مُدَّان بِهَذِه الجَرِيمَة .
جَهَر الطَّبِيب الشَّرْعِيّ بِعُنْف :
كَيْفَ ذَلِكَ ؟ ! أَنَّه الْجُنُون ، أَرْبَعَةٌ مِنْ الذُّكُورِ لَيْسَ لَهُمْ ادني عِلاقَة بِالجَرِيمَة .
تَابِعٌ الْمُحَقِّقُ فِي خُمُولٍ وَهُو يَفْرَك أَنَامِلِه :
مَات الرَّاحِل نَتِيجَة هُبُوطٌ فِي الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّة .
الطَّبِيب الشَّرْعِيّ يُؤَكِّد :
مَات نَتِيجَة الذُّعْر وَالْخَوْف .
أَخْرَج الْمُحَقِّق مِن الْحَافِظَة ، عِدَّة أَوْرَاق نثرها بعفوية :
أَقْرَاء ذَلِك .
تَجَنَّب الطَّبِيب الْحَافِظَة وَوَضَعَهَا جَانِبًا متأففا :
أَعْلَمُ عَنْ كُلِّ تِلْكَ الْأُمُورِ .
الْمُحَقِّق :
إذَا الْمَوْت طَبِيعِيٌّ والانجال ابرياء .
يَبْرُز الطَّبِيب الشَّرْعِيّ وَرَقَة خَاصَّة يصوبها نَحْو الْمُحَقِّق :
انْظُرْ عَنْ ذَلِكَ .
جَهَر الْمُحَقِّق بِصَوْت عَالِي :
بَلاغٌ مِنْ ابْنِهِ الرَّاحِل ، أَلَمْ تَكُنْ بِخَارِج الْبِلَاد .
الطَّبِيب الشَّرْعِيّ :
نَعَمْ كَذَلِكَ .
وَاسْتَنْكَر الْمُحَقِّقُ هَذَا الاتِّهَام .
يَجْلِس “سمير” نَجْل الرَّاحِل وَهُو يَرْتَجِف :
لَيْسَ مِنْ السَّهْلِ هَذَا الْأَمْرِ ، كُنْتُ أُحِبُّ أَبِي أَنَا واخواتي الثَّلَاثَة ، حُبًّا جَامًا .
تَتَلأْلأ الدُّمُوعُ فِي عَيْنِ ابْنِه الرَّاحِل ، تُرِي بِعَيْن الْيَأس وَعَيَّن الاتِّهَام لِأَخَوَاتِهَا :
كَانَ يَضَعُ قَيَّد الْهُمُومُ فِي مِنْوَال ضِيق صَدْرِه ، يَكْظِم التَّخَوُّف بِكِبْرِياء وَقُوَّة ، لَم أُرِي رجلاَ يَرْتَاب مِن انجالة مِثْلَمَا رَأَيْت ياربي .
تَنَبَّه الْمُحَقِّق لِمَا عَلَيْهِ مِنْ أَقْوَالِ السَّيِّدَة وَتَابَع باهْتِمام :
مَا الدَّافِع وَرَاء أَقْوَالِك ؟!
قَالَت ابْنِه الرَّاحِل بِبُكَاء حَارّ :
السَّاعَة وَالْقِلَادَة ، هَذَا كُلُّ مِراثي مِنْ أَبِي الرَّاحِل .
تَسَاءل الْمُحَقِّق :
أَلَمْ يَكُنْ اباكِ مِن الأثرياء .
جُفِّفَت السَّيِّدَة دُمُوعُهَا وناحت بِبِضْع كَلِمَات :
قَالُوا إخْوَتِي ، إِنَّ أَبِي قَام بِإِخْرَاجِي مِنْ الْمِيرَاثِ .
الْمُحَقِّق يَتَفَكَّر قَائِلًا :
أَلَم تَقُولِين ، أَن دَافِعٌ الزُّجّ بِك بِالْخَارِج ، سَبَبٌ خَوْف اباكِ عليكِي .
أَكْدَت السَّيِّدَة :
نَعَمْ كَذَلِكَ ، لِذَلِك بَعَثْت إلَيَّ الْخَارِج .
يَنْظُر الْمُحَقِّق صَوْب قِلَادَةٌ كَانَت ترتديها السَّيِّدَة ، حَتَّى قَالَ :
لِمَاذَا اعطاكِ أَيُّهَا ؟ !
قَالَت ابْنِه الرَّاحِل :
الْقِلَادَة بِهَا صُورَةَ أَبِي وَأُمِّي .
يُشْعِر بِالْقَلَق والتوتر ، حَتَّي أَخْرَج الطَّبِيب الشَّرْعِيّ عَن شُعُورُه :
لَا تَفْسِيرًا لِلْأَمْر ، كُلّ التَّحَرِّيَات تَقُولُ إنْ أَبْنَاءَ الرَّاحِل لَهُم عِلاقَة برجلُ خَطِير ، مِنْ اتِّبَاعِ السَّوَابِق والتخطيط .
الْمُحَقِّق يُؤَكِّد :
مَاتَ الرَّجُلُ جَرَّاء أَزْمَةٌ قَلْبِيَّةٌ .
قَاطِعَةٌ الطَّبِيب :
هُنَاك خَطَب مَا عَلَيْنَا كَشْفُه .
جَلَس الطَّبِيب الشَّرْعِيّ يَسْرُد مِمَّا رَأَت عَيْنَيْه قَائِلًا :
صَاحِبُ الْحَانُوتِ ، هَذَا الرَّجُلُ الْخَطِير الَّذِي يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ أَبْنَاء الرَّاحِل ، يَمْلِكُ كُلُّ ذَلِكَ .
يَنْظُر الْمُحَقِّقُ فِي بَعْضًا مِنْ الصُّوَرِ الفوتوغرافية مُتَابِعًا :
أَنَّهَا قَلَائِد وساعات مِنْ نَفْسِ الَّتِي مَعَ ابْنِهِ الرَّاحِل .
قَالَ الطَّبِيبُ ضَاحِكًا :
هُنَاك إحْدَاث وَحِكَايَات وَرَاءَ ذَلِكَ .
تَسَاءل الْمُحَقِّق :
مَاذَا تُقْصَد .
قَدِم الطَّبِيب لِلْمُحَقِّق الْقِلَادَة وَالسَّاعَة لِبِنْت الرَّاحِل .
قَالَ الْمُحَقِّقُ وَهُو يَتَمَعَّن النَّظَرِ بِمَا قَدَّمُوه الطَّبِيب ، يَنْفُض يَدَاه وَفِكْرُه :
لَا أَفْهَمُ .
الطَّبِيب بتمكن :
هُنَاكَ مَا يَدِينُ الانجال بِمَقْتَل أَبِيهِم .
كَانَت مَزْحَة وتقاسمنا الْأَمْرِ بِهَا ، أَشاد إلَيْنَا أَخُونَا فِي ذَلِكَ ، قُمْنَا بمراودة أَبِينَا بِالْخَوْف وَالتَّرْهِيب ، لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مَرِيضٌ الْقَلْبِ ، هَذَا مَا اعْتَرَفَ بِهِ ابْنُ الرَّاحِل .
اِبْتَسَم الْمُحَقِّق قَائِلًا :
أَلَم تتساءل كَيْفَ عَلِمْت التَّحَرِّيَات عَنْكُم ذَلِك ؟ !
نَكَّس ابْن الرَّاحِل رَأْسَهُ قَائِلًا :
كُنْت اعْتَقَدَ أَنَّ اخواتي قَامَا بطمس الْأَدِلَّة .
أَشَارَ الْمُحَقِّقُ باهتزازة مِنْ رَأْسِهِ :
نَعَم لَيْسَت هُنَاك أَدِلَّة ، إلَّا شَيّ وَاحِدٍ لَمْ تتوقعة .
لَوْح الطَّبِيب الشَّرْعِيّ بكلاتا يَدَيْه :
لَم أَتَوَقَّع أَبَدًا إنْ الْأَدِلَّةَ فِي قِلَادَةٌ صَغِيرَة .
الْمُحَقِّق :
الميكرو فَلَم الَّذِي وَضَعَهُ الرَّاحِل فِي الْقِلَادَةِ ، كَفِيلٌ بِكَشْف الْحَقَائِق بِمَا بِهِ مِنْ فِيدْيُو مُصَوَّرٌ وَمَن يَقُوم بارهابة .
الطَّبِيب : لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَبَدًا إلَّا بِاعْتِرَاف الِابْن وَالرَّجُل الْخَطِير .
الْمُحَقِّق يُؤَكِّد :
اعْتَقَدَ أَنَّ الرَّجُلَ الْخَطِير ، هُوَ صَاحِبُ الفِكْرَة ، بَعْدَمَا ابْتَاع الْأَبِ مِنْهُ السَّاعَةُ وَالْقِلَادَة .
الطَّبِيب الشَّرْعِيّ :
لَا تُنْسِي أَنّ الْأَبْنَاءَ كَانُوا متعاونين مَعَ الرَّجُلِ الْخَطِير ، بَعْدَمَا تَمَكَّنَ مِنْ إقناعهم لتخويف الرَّاحِل بِلَا بَصَماتٌ أَو أَدِلَّة .
الْمُحَقِّق :
دَائِمًا هُنَاك أَدِلَّة مَهْمَا كَانَتْ الجَرِيمَة مكتملة .
الطَّبِيب : حَقًّا لَا فوق عَدْل السَّمَاء .
الْمُحَقِّق :
حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمًا تتبصر فِيه الْعُيُون .

التعليقات