الخميس - الموافق 24 سبتمبر 2020م

قِصَّة الجَرِيمَة “العدسات اللاصقة” بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

تَكَحَّلت السَّمَاء بِالسَّوَاد القاتم إلَّا مِنْ تِلْك الخَيَالَات التي كَانَت بِسِمَات الْخُفُوت تَرْمَز إِشادَةٌ الرَّهْبة وعميق الرُّؤية يَرَاهَا حَقًّا مُعْضِلة .
زَادَه الْأَمْر غَرَابَة ، قَطْعًا أَنَّهُ قَاتَل الأَخِير .
دَفَع الْمُحَقق ذَلِك الْمَشْهَد نَحْو ثَورَة ، حَتَّي هَاج وَمَاج زاعقا :
قِف أَنَا أَرَاك فَلْتَثْبت عِنْد الحَافَة .
جَذَبَه الطَّبِيبُ الَّذِي كَانَ يُلَازِمُه دَائمًا عِنْدَ الْعَوْدَة لمسكنة بِجِوَار بُرْجُ الْمُراقَبَةِ بمحازة المرْسِيّ ، حَتي قَال منفعلا :
تَمَسَّك أَعْصَابك أَنَّهَا خَيَالَاتٌ اللَّيْل الرَّهِيبَة .
خَرَج المُحَقّق عَن شُعُورُه قَائِلًا :
أَنَّهُمَا يتلاحقان ، اُنْظر وَاحِدٍا مِنْهُمْا قَتْلَ الْآخَرَ ، قِف عِنْدَك وَإِلَّا أُطْلِقَت الرَّصَاص .
نَظَر الطَّبِيب الشَّرْعِي قَائِلًا بِعَيْن التَّعَجُّب :
انْتَظَر لَا تُحَاوِلْ إطْلَاق النَّار .
إنَّمَا فَاتَت اللّحْظَةِ الّتِي قَطَعَ السَّيْف الْعَزْل وَأَطْلَق المُحَقِّق طَلْقَة نَارِيَّةٌ ضارية ، مَاتَ الرَّجُلُ عَنْ بُعْدٍ أمْتَار عَالِيَة ، سَقَط ، مِمَّا آزَاد أَفْزَاع الطَّبِيب وَالمُحَقِّق ، صدما يمتطون الْجَرْي شَقّ الظَّلَام .
عِندَ الوُصُول كَانَت المُفَاجَأَة ، الّتِي تَوقَّفَ لَهَا نَبْض الشَّرَايِين .
خَرَج الطَّبِيبُ عَنْ وَعْيِه متلفظلا :
تالهي هَذَا الجُنُونُ عَيْنِه .
اتسَعَت عَيْن المُحَقِّق متسائلا :
أَيْن الجُثَّة ؟ ! التِي وَقَعَتْ مِنْ أَعَلَيّ بُرْجُ المُراقَبَةِ .
قَالَ الطَّبِيبُ فِي بَلاَهَةٌ :
لَا جُثَّة وَلَا شُخُوص .
أَعْلَن المُحَقِّق شَتَاتٌ هلعت مِنْ أَجْله ظُنُونَه ، حَتَّي ارتجفت أَوْصَالُه صَارِخا :
أَنَا قَاتَل ، حَامِي الحَمْي قَاتَل ، مَنْ يَأْخذ حَقّ المَقْتُول مِنِّي ؟ !
لَازِمَةٌ الطَّبِيب الشَّرْعِي قَائِلًا بتعاطف :
لَا تالهي ، أَنْتَ قَتَلْت الظِّلّ الْأَسْوَد .
نَهْر الْمُحَقِّق الطَّبِيب بِقُوَّة قَائِلًا بهوس :
مَنْ كَانَ يتشاجرا باعلي الْبُرْج ؟ ! مِنْ الَّذِي سَقَطَ ؟ ! بَعْدَ أَنْ لَقَّنْتَه برصاصة ضارية ، لَا تنْكَر
الْحَدَث .
صمْت الطَّبِيب الشَّرْعِي يُنَكِّسُ رَأْسَهُ ، متمتم :
لَن أَنْكَرَ هَذِهِ اللَّيْلَة الْغَرِيبَة .
قَالَتْ الْمَرأَةُ بِتَوَسُّل عِنْدَ بَابِ المخفر ، أنقذوني أَنَا الْمَرأَة الضَّعِيفَة ، مَات زَوْجِي مَقْتُولًا و هَرَب الْقَاتِل .
أَجْلَسَهَا الْمُحَقِّق يَتَمَالَك بِنَفْسِه الْبَاقِيَة ، حَتَّي قَال مُرْتَبِكا :
عَلَيك بِسَرْد حكايتك وأنا اسْتَمَع .
كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ اضنت بِهَا الْمَرأَةُ لَهَيْب قَلْبُهَا ، تَحَدّثَت عَنْ قَضِيَّةِ لقبت بِهَا بِـ ” ناشز ” وَمَشَاكِل زَوْجِيَّة سَابِقَة ، وَتَخَلُّفَهُ عَنْ المجيئ لعائلتها لتفاهم ، حَتَّي جَاءَهَا خَبَر قَتَلَه .
تَسَاءل الْمُحَقِّق بِلَا مُبَالَاة منهكا :
كَيْفَ عَلِمْت الْأَمْر ؟ !
قَالَتْ الْمَرأَةُ :
تَنَاوَل الْآخَرِين الأَخْبَار ، قَائِلِين عَن جثةملقاة أَسْفَل بُرْجُ الْمُراقَبَة .
جَزِع الْمُحَقِّق متأبط الطَّبِيب الشَّرْعِي ، حَتَّي أَن رَأْي الْجُثَّة تُغْرَق فِي بَحِيرَة دِمَائِهَا ، لجت النَّظَرَات تجحط مِن عُيُونَه المفزعة قَائِلًا :
لاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جانِي .
قَرَّرَ الْمُحَقِّقُ الِاعْتِرَاف قَائِلًا لِطَبِيب الشَّرْعِيّ :
أدْرَكْتُ أنَّ الأَمْرَ كَانَ بِلَا مَزْحَة ، هُنَاك قَتْلِي وضحايا ، وَأَنَا مُشَارِكٌ بِهَذِه الجَرِيمَة .
جَلَس الطَّبِيب الشَّرْعِي مُتَأَسِّفًا نَحْوِ الْأَمْرِ ، قَائما يُفَوَّض أَمَرَه لِلْقَدْر :
عَلَيْنَا أَنْ نؤيد الْقَضِيَّة ضدد مَجْهُولٌ .
ثَار الْمُحَقِّق صَارِخًا :
كَيْفَ ذَلِكَ ؟ ! وَالْقَاتِل حُرٌّ طَلِيق بِلَا حُسْبَان .
نَهَض الطَّبِيب قَائِلًا :
مَسْرَح الجَرِيمَة بِهِ مِنْ الْفَوَارِغ طَلْقَتَان ، طَلْقَة فَارِغَة تَخُصّ سِلَاحَك وَطَلْقَةٌ بِدَاخِل جُثَّة الْمَجْنِي عَلَيْهِ .
اسْتَكْمَل الطَّبِيب قَائِلًا :
نَشِب الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَجْنِي عَلَيْهِ وَزَوْجَتِه ، بَعْدَمَا اِكْتَشَف أَنَّهَا تَرُوج للخديعة ، حَيْثُ لَهَا الْيَدِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ الْجَرَائِم ، التِي تَنْطَوِي تَحْت الْحَدَاثَة والتكنولوجيا .
اِنْبَهَر الْمُحَقِّق قَائِلًا :
ياللهي ، لَقَد رَأَيْتُهُمَا يتقاتلان بِأُمّ عَيْنِي .
اسْتَكْمَل الطَّبِيب الشَّرْعِيّ :
تَعْمَل هَذِهِ الْمَرأَةِ فِي تِجَارَةٍ العدسات اللَّاصِقَة ، التِي تَجْعَلُك تُرِي الْأَحْدَاث الْمَاضِيَة وَكَأَنَّهَا حَدِيثِه اللَّحْظَة ، وَهَذَا السَّبَبُ الَّذِي دَفَعَ الزَّوْجُ ، إلَيّ احتجازها بِبَيْت الطَّاعَة لَكِنَّهَا لَمْ تَنْفُذْ ، لِذَلِك أَصْبَحْت ناشز .
صمْت الْمُحَقِّق مِن رَوْعِه مَا اِسْتَمَعَ إِلَيْهِ ، متمتما :
لَكِن ، كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ !
قَالَ الطَّبِيبُ :
أَجْهِزَة حَسَّاسَةٌ تتحكم بِهَا الْمَرأَةُ فِي عدساتك اللَّاصِقَة ، حَتَّي تُرِي مَا تريدك هِيَ أَنْ تَرَاهُ .
قَالَ الْمُحَقِّقُ مُتَغَيِّبا :
اِخْتَفَت العدسات اللَّاصِقَة مِنْ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوَاقِعَة ، هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ ، لَكِنْ مَا الدَّافِع ؟! لَزِجٌ بِي فِي قَضِيَّةٍ مَقْتَل الزَّوْج .
قَالَ الطَّبِيبُ متحمسا :
حَتَّي تَفَقَّد الثّقَةُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، تَجْعَلُك مُدَّان وَتُؤيد الْوَاقِعَة ضدد مَجْهُول ، تُرِيد الْمَرأَةِ أَنْ تَتَخَلَّص مِنْ زَوْجِهَا لِأَجْل زِيجَة أَخِّرِي وَتَوَدُّ أَنْ لَا تُدَان .
تَرَنَّح الْمُحَقِّق كَأَنَّه اِسْتَفاقَ مِنْ وَهْمِ :
لَكِنْ مِنْ الْقَاتِل ؟ ! متي تَمّ الْقَتْل ؟ ! فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ .
قَالَ الطَّبِيبُ الشَّرْعِيّ :
أَثْبَتَت التَّحْلِيل أَن الْجُثَّة سَقَطَتْ مِنْ أَعَلَي الْبُرْج ، بَعْدَ تَمَامِ الْعَاشِرَة أَيْ بَعْدَ رُؤْيَتِك الْخَيَالَات بِنِصْف سَاعَة ، وَكَان مَقْتُولًا بِهَذِه الرَّصَّاصَة .
أَشَارَ الْمُحَقِّقُ بِسَبَّابَتِه :
إذَا الْأَمْرُ بِهِ خُدْعَة ، حَتَّي اؤيد الْقَضِيَّة ضدد مَجْهُولٌ .
اِبْتَسَم الطَّبِيب الشَّرْعِيّ قَائِلًا :
هَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ إثْبَاتِه .
نَهَض الْمُحَقِّق وَكَأَنَّه عَادَ مِنْ حَلِمَ مُرِيع مُسْرِعا باقولة :
بَلْ الْمَطْلُوب إثْبَاتِه وَإِحْضَارِه هَذِه المجرمة .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك