الخميس - الموافق 24 سبتمبر 2020م

قِصَّة الجَرِيمَة .. أقام علية الحجر ..بِقَلَم الأديبة : عَبِير صَفْوَت

نَظَرِ الرَّجُلِ الْحَاذِق ذُو الشَّارِب الْعَرِيض وَالْجَسَد الممشوق يَأَرْجَح رَأْسَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا نَافِيًا :
أَنَّا لَا افهمك .
الْحَجّ “رضا” قَائِلًا بِكُلّ قَلِق وَاهْتِمَام :
أَنَا رَجُلٌ بَسِيطُ يابية ، رُبَّمَا لَا أَفْهَمُ بَعْضِ مَا يَدُور حَوْلِي ، إنَّمَا هِيَ الْحَيَّة عَيْنِهَا الَّتِي دَفَعْت أَخِي إلَيّ الْجُنُون .
أَدَار الْمُحَقِّق “قسم” كُرْسِيِّه الْأَنِيق صَوْب نَافِذَةٌ ، كَانَت تضوي بِهَا الشَّمْس ، وَتَسَاءَل بَيْنَ نَفْسِهِ :
أَيْ حَيَّةً ؟ ! تَأْخُذ أَخِيه الْحَجّ “كمال” إلَيّ الْجُنُون ، وَاسْتَنْبَط بَيْن الْحُرُوف :
لاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ مِيرَاث العَائِلَة هُوَ الْجُنُون .
زَعَق الْحَجّ “رضا” :
أَنْقَذ أَخِي يابية .
جَلَس ” وحيد” يتباكي مكبلا بِالْحُزْن ، يَسْرُد وَاقِعَةٌ مَرَّ عَلَيْهَا التَّوْقِيت بِعُسْرِه :
مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ، كُنْت أُرِي وَلَا أَفْهَم ، تَطَوَّرَت حَالَة أَبِي ، هَذَيَانٌ ، شَتَاتٌ ، صُرَاخ بِلَا سَبَبٍ ، كَم تَخَوَّفْنَا ؟ ! وَكَم كَان مُرْعِبا ؟ ! بعيونة الجاحظة وَكَم تَحَمَّلَت ؟ ! أُمِّي الْمِسْكِينَة .
ثُمّ . . خَرَج ” وحيد” عَن وَقَارُه ، قَائِلًا بحجبان ضيقان :
رَأَيْت مَا لَا يَحْمَدُ عُقْبَاه وَأَنَا العشريني الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُرَافِق الْمُسْتَقْبَل حَيَاتِه ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَافِظَة كَبِيرَة ، أَوْرَاق تَثْبُت جُنُون الْأَب وترددة عَلِيّ أَمَاكِن لِتَلَقِّي الْعِلَاج النَّفْسِيّ وَالْعَقْلِيّ ، ثُمَّ قَالَ بَئِيس :
مِحْنَةٌ مِنْ الْعَذَابِ ، وَأَخِيرًا . يَقُولُون أَنَّنَا نَفْعَل الْجِرْم .
تَهَدَّلَت أَخَادِيد الْمَرْأَة تَنَكَّس رَأْسِهَا لمأساة كُبْرِي ، تَنْظُر بِثَبَات الْعُيُون ، وَهَيْئَتُهَا تَقُولُ الْحَقْ :
ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ مِن المشاكسات ، كَم تشاكت الْجِيرَان وَهَذِه بَعْض الْمَحَاضِر الَّتِي كَانَتْ تَقَدَّم كَا بَلاغٌ لِمَا يَصْدُرُ عَنْ زَوْجِي ، أَشَار الْجَمِيع بِجُنُونِه ، الْجِيرَان ، الْأَصْدِقَاء ، إلَّا أَخِيه هَذَا الْحَجُّ ” كمال” الَّذِي يُؤَكِّد اِتِّزَان الْعَقْل بزوجي .
جَلَسَ رَجُلٌ الْإِثْبَات وَالْأَدِلَّة يَتَحَدَّث بالسرد :
“رضا عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ” مِنْ صَاحِبِ الْأَمْلَاك وَالْأَمْوَال البنكية ، يَمْلِكُ وَلَا يَمْلِكُ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ ، رَجُلًا طَالَمَا أَشاد الْجَمِيع بِعَقْلِه ، إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ سَنَوَاتٍ ، بَدَأ الْجَمِيع يُرِي جُنُونِه ، بَعْدَمَا دَبّ الْخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْوَحِيد ، الْحَجّ “كمال”
الْتَقَط الْمُحَقِّق ” قسم” أَنْفَاسَه الْقَصِيرَة ، ملوحا بِقَبْضِه الْقَوِيَّة :
مَاذَا قَالَت الفحوصات .
قَالَ الطَّبِيبُ الشَّرْعِيّ :
جَسَدًا نَظِيف وَعَقْلًا غَيْر مُتَّزِن ، إلَّا مِنْ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي تَخُصّ مَرَض الْجُنُون ، وَقَد بُدِئ الْأَمْر يتفاقم فِي الثَّلَاثَةِ أَعْوَام الْأَخِيرَة ، فَضْلًا عَنْ تَلَقِّي جرعات تُخْفِض مِن كَهْرَباء الْمُخ .
تُخَاطَب الْمُحَقِّق بانْفِعال :
هَذَا هُوَ الْجِرْم عَيْنِه ، كَيْف يَعِيش مَجْنُون ؟ ! بَيْنَ الْعُقَلَاءِ .
بَكَت امْرَأَة الْمَجْنُون حِينَ قَالَتْ :
أَنَا امْرَأَةٌ أَبَدًا لَن تُفَرِّط بِزَوْجِهَا وَإِنْ كَانَتْ بَوَادِرُه الْجُنُون وَخَيْمَةٌ ، تَحَمَّلَت وَتَحَمَّلَت وساتحمل ، حَتَّي يَأْتِيه الْمَمَات ، إِنَّمَا يُذْهِب لمشفي الْجُنُون أَبَدًا ، طَالَمَا قَدَمَاي تطئ بِهَذِه الدُّنْيَا .
أَشَارَ الْمُحَقِّقُ صَوْب الطَّبِيب الشَّرْعِيّ ، يتواسي بِأَمْر الْمَرْأَة :
امْرَأَة حَقًّا زَادَهَا الحُبِّ وَالإِخْلاَصِ وَالْوَفَاء ، تَمَسَّكَت بِشَرِيك عُمْرِهَا رَغِم الْجُنُون .
الطَّبِيب الشَّرْعِيّ بَلَّغَهُ مِنْ التَّهَكُّم :
امْرَأَة حَقًّا زَادَهَا الحُبِّ وَالإِخْلاَصِ ، تلفحت بسطو الْمَال .
صُمْت الْمُحَقِّق يَعْكُف زرعاة قَائِلًا بارتياب :
لَن اراودك بِالْأَلْغَاز ، وَاعْلَم ذَلِك .
قَالَ الطَّبِيبُ :
مُنْذ شَهْرًا وَاحِدًا ، تَمّ رَفَع قَضِيَّة ضدد الْأَب المخول بِالْجُنُون وَتَمّ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَأَصْبَح الِابْن الْوَحِيد مُتَحَكِّما بِكُلّ أَمْوَالِه وَأَمْلاكَه .
قَالَ الْمُحَقِّقُ يُعْتَرَض :
رَجُلًا أَصَابَهُ الْجُنُون ، نَتْرُكُه حَتَّي يستقطبة الْمُجْرِمِين ، إنَّمَا مَأْتَم فَعَلَهُ مِنْ الِابْنِ هُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ .
قَدِم الطَّبِيب الشَّرْعِيّ بِضْع وُرَيْقَاتٌ ، حَتَّي قراءها الْمُحَقِّق ، هَاج وَمَاج ملوحا بِالتَّوَعُّد .
جَلَسَت امْرَأَة الْمَجْنُون تَقْطُر دُمُوعُهَا النَّدَم بشفاه مرتعشة ، عِنْدَمَا قَدِم الْمُحَقِّق لَهَا الْأَوْرَاق :
رُتِّبَت الْحِكَايَة عَلِيّ أَسَاس فَاسِدٌ ، مُنْذ التَّوَحُّش والشرسة الَّتِي بَات عَلَيْهَا زَوْجِي ، تَزَايَدَت مَعَه الْأَمْوَال ، زَاد جُحُودِه ، تُنْكِرُ مِنْ الْجَمِيعِ .
حَصُنَت بِدَايَةِ الأمْرِ مِنْ الِارْتِيَاب ، أَعْلَنْت بَيْن الجيرة بَوَادِر جُنُونِه وَفِي أَيَّامِ قَلِيلَةٍ ، بَلَغ امتلاكي لِبَعْض الْأَمْلَاك ، مِنْهَا المشفي وَبَعْض الْعَقَارَات .
استوقفها الْمُحَقِّق قَائِلًا :
بَعْضًا مِنْ الْأَوْرَاقِ تُؤَوَّل لتنازل الرَّجُل لَك عَنْ المشفي وَغَيْرِ ذَلِكَ .
اسْتَكْمَلَت الْمَرْأَة :
لَمْ يَشُكَّ الْجَمِيعِ فِي الْأَمْرِ ، تَمّ تَارِيخ التَّنازُل المزعوم قَبْل أَصَابَتْه بِالْجُنُون .
شَعْر الْمُحَقِّق بالضجر قَائِلًا :
تقصدين ، بَعْد التَّحَايُلَ عَلَيْهِ ، قَبْلَ وَضْعِهِ بالمشفي واعطاءة دَوَاء يفقم مِنْ الْجُنُونِ .
تفصدت الْمَرْأَة وارتاعت بعيونها السَّحْب السَّوْدَاء ، تَقُول :
خَرَجَ بَعْضُ فَتْرَةً طَويلَةً ، بَعْدَمَا قَالَت المشفي تَوَكَّد جُنُونِه ، وَأَعْلَنْت الْمُتَابَعَة لِحَالَتِه بِالْبَيْت .
رُمْح الْمُحَقِّق رَأْسَهُ قَائِلًا مُشِيرًا بِيَدَيْه :
حَتَّي لَا يَسْتَفِيقُ زَوّجَك مِنْ جُنُونِهِ أَبَدًا ، وَيُقِيم ابْنَك الْمَصُون قَضِيَّة الْحَجَر .
صُمْت الْمُحَقِّق لَحْظَة ثُمَّ قَالَ :
لِمَاذَا دَفَعْت زَوْجُك إلَيّ الْجُنُون وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قُمْتَ بِالْحِيلَة الَّتِي اِسْتَوْلَيْت بِفَضْلِهَا عَلِيّ أَمْوَالِه .
قَالَتْ الْمَرْأَةُ بِحَذَر :
لِأَنّ زَوْجِي لَيْس مَجْنُون ، وَحَتْمًا سَيَعُود لرشدة .
نَظَرٌ الْحَجّ ” كَمَال ” نَحْوَ السَّمَاءِ مُكَلَّلًا بِالدُّعَاء : إِنَّك اللهي الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ .
رَبَت الْمُحَقِّق بِمَنْكِب الرَّجُل الْهَزِيل قَائِلًا ببسمة عَطْفٌ :
لَك الْفَضْل ياحج ” كمال” لِمَا مَا قَدَّمْته مِنْ أَوْرَاقِ ، تَثْبُت اسْتِيلَاء الْمَرْأَة عَلِيّ أَمْلَاك زَوْجِهَا بِتَارِيخ قَدِيمٌ وَطَبِيعَةٌ تَفَاقُم مُشْكِلَةٌ الْجُنُون ، مَا كَانَ لَنَا الْعِلْمَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الرهيب .
رَفَع الْحَجّ ” كَمَال ” يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ قَائِلًا :
قَادِرٌ عَلِيّ كَشْف سَتْر الجبرين يَارَبّ .
نَظَرِ الطَّبِيبِ الشَّرْعِيّ بِعَيْن الْمُحَقَّقَ الَّذِي كَانَ يُقَاسِمَه تِلْكَ اللَّحَظَاتِ ، قَائِلًا بِعَيْن صَافِيَة :
حَيَاة الْخِدَاع قَصِيرَة .
حَتَّي قَالَ الْمُحَقِّقُ :
وَإِنْ طَالَتْ وَتَعَدَّدَت الْأَزْمَان .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك