الإثنين - الموافق 30 نوفمبر 2020م

قصة عجيبة عن الصبر

قال الأوزاعي عن عبد الله بن محمد قال:
خرجت إلى ساحل البحر مرابطاً وكان رابطُنا يومئذ عريش مصر قال: فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا ببَطِيحَة وفى البَطِيحَة خيمةٌ فيها رجل قد ذهبت يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره و ما له من جارحة تنفعه إلا لسانه وهو يقول:
[ اللهم أوزعنى أن أحمدك حمداً أكافىء به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وفضلتنى على كثير ممن خلقت تفضيلاً ]

قال الأوزاعي: قال عبد الله: قلت: والله لآتين هذا الرجل ولأسألنه أنى له هذا الكلام؟ فِهمٌ أم عِلم؟ أم إلهام ألهمه؟
فأتيت الرجل فسلمت عليه فقلت سمعتك وأنت تقول:
[ اللهم أوزعنى أن أحمدك حمداً أكافىء به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وفضلتنى على كثير ممن خلقت تفضيلاً ]،

فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها؟ وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها؟
قال: وما ترى ما صنع ربي، والله لو أرسل السماء عليَّ ناراً فأحرقتنى، وأمر الجبال فدمَّرتنى، وأمر البحار فغرَّقتنى، وأمر الأرض فبلعتنى، ما ازددت لربى إلا شكراً؛ لما أنعم عليَّ من لساني هذا،
ولكن يا عبد الله إذ أتيتني لي إليك حاجة قد تراني على أي حالة أنا: أنا لست أقدر لنفسى على ضر ولا نفع ولقد كان معي بُنَيٌّ لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضيني وإذا جعت أطعمني وإذا عطشت سقاني ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام فَتَحَسَّسْهُ لي رحمك الله.
فقلت: والله ما مشى خلق في حاجة خلق كان أعظم عند الله أجراً ممن يمشي في حاجة مثلك،

فمضيت في طلب الغلام فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبُع وأكل لحمه فاسترجعت وقلت: أنى لي وجهٌ رقيقٌ آتى به الرجل فبينما أنا مقبل نحوه إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم،

فلما أتيته سلمت عليه فرد عليَّ السلام
فقال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى
قال: ما فعلت في حاجتي؟
فقلت: أنت أكرم على الله أم أيوب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل أيوب النبي،
قلت: هل علمت ما صنع به ربه؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟
قال: بلى،
قلت فكيف وجده؟
قال: وجده صابراً شاكراً حامداً
قلت: لم يرض منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبائه؟
قال: نعم،
قلت: فكيف وجده ربه؟
قال: وجده صابراً شاكراً حامداً
قلت: فلم يرض منه بذلك حتى صيَّره غَرَضاً لمارِّ الطريق هل علمت؟
قال: نعم،
قلت: فكيف وجده ربه؟
قال: وجده صابراً شاكراً حامداً أوجز رحمك الله،
قلت له: إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل وقد افترسه سبُع فأكل لحمه فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر،
فقال المبتَلَى: الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقاً يعصيه فيعذبه بالنار ثم استرجع وشهق شهقة فمات،

فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون عظمت مصيبتي رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع وإن قعدت لم أقدر على ضر ولا نفع فسجَّيته بشَمْلَةٍ كانت عليه وقعدت عند رأسه باكياً فبينما أنا قاعد إذ تهجَّم عليَّ أربعة رجال فقالوا:
يا عبد الله ما حالك؟ وما قصتك؟ فقصصت عليهم قصتي وقصته
فقالوا لي: اكشف لنا عن وجهه فعسى أن نعرفه،
فكشفت عن وجهه فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مرةً ويديه أخرى،
ويقولون: بأبي عينٌ طالما غضَّت عن محارم الله، وبأبي وجسمه طالما كنت ساجداً والناس نيام
فقلت:
من هذا يرحمكم الله؟
فقالوا: هذا أبو قِلابة الجِرْمي صاحب ابن عباس لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم فغسلناه وكفناه بأثواب كانت معنا وصلينا عليه ودفناه فانصرف القوم وانصرفت إلى رباطي،

فلما أن جن عليَّ الليل وضعت رأسي فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة وعليه حلتان من حلل الجنة وهو يتلو الوحي:
{سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }
فقلت: ألست بصاحبي؟
قال: بلى،
قلت: أنى لك هذا؟
قال: إن لله درجات لا تُنال إلا بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء مع خشية الله عز وجل في السر والعلانية.

📚 المصادر لهذه القصة:
◀️ رواها الإمام ابن حِبان في كتاب الثقات جـ 5 ص3 (3561)
◀️ ورواها الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب: الصبر والثواب عليه (99)
◀️ ورواها الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق جـ51 ص 114
◀️ وأشار إليها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء جـ4 ص474
◀️ وفي تذكرة الحفاظ جـ1 ص94.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك