السبت - الموافق 16 فبراير 2019م

قرابين ليست للرب .. بقلم :- عبد الرازق أحمد الشاعر

أصاب القحط وادي المكسيك في القرن الثاني بعد الميلاد، وشقق الجفاف حلوق خمسسنوات عجاف، قضتها قبائل الأزتيك في هم وكرب ودعاء. واعتقد أهل الوادي الجديبأن الإله غاضب عليهم، وأنه يحتاج لاسترضاء من نوع ما. فأشار الجنرال تلاكال علىأخيه الملك مونتيزوما بفكرة لا تخطر لشيطان على بال. 

اقترح تلاكال أن يسترضى الملك الرب بدماء بشرية، ولا أدري إن كان الرجل أول منشرع هذا الفساد في الأرض، أم أنه كان يتبع سنة غبية توارثها أبناء هابيل (ورثة الدموالخطيئة) عبر الأجيال. الغريب أن الملك السفيه لم بجد غضاضة في الإنصات إلىترهات أخيه، واتفق معه على شن حرب استعراضية على قبيلة مجاورة يعاني أهلها مثلالذي يعانون.

وبعد اجتماع قصير، اتفق زعيما الأزتيك وتلاكسكالا على إشعال حرب مقدسة لا تسفكفيها الدماء في الميادين، بل تحفظ في قواريرها الآدمية حتى تهراق بين يدي إله دموي لايرضي إلا بنخب حار من دماء عبيده. وفي حربهم ضروس اختلطت الأنفاس ورائحةالعرق، وتدافع المتقاتلون باسم الحمق ليأسر بعضهم بعضا. وبعد كر وفر، تكومتالقرابين على الجانبين، وشحذ عرابو القتل سيوفهم، ليجزوا بها الرؤوس التي ارتفعتعاليا قبل السقوط الأخير في مشهد مخجل في محراب نتن.

وكعادة الرواة، الذين يكتبون التاريخ ليسبحوا باسم ملوكهم وينالوا الرضا والعطايا، نسيرواة الأزتيك أن يخبرونا بنتيجة فعلة كبرائهم المنكرة، وإن كان ربهم قد من عليهم منبعد الذبح بالعطاء، أم جزاهم بما يستحقون من ويل وثبور. لم يذكر لنا رواة الأزتيك كيفتحول الأحمر القاني في أرض الرب إلى سنابل خضراء وماء فرات.

ومات رواة الأزتيك، ولم يتركوا لنا شاهدا واحدا ممن بقي من الجند، أو رسالة خطها أحدالمأسوف على دمائهم وهو يتقدم حثيثا نحو محرابه الدموي ليروي عطش الإله. لم يطفئغلاة المؤرخين نهمنا برواية المشهد الأخير من حكاية كتب علينا أن نشهد دوما فصولهاالأولى. ليتركوا لنا سنة غبية تكرس لدورنا الهمجي فوق أرض لا تكاد تجف من الدماء.

يذكرني ما فعله الأزتيك ذات حمق، بما يفعله الغلاة من المتدينين في كل عصر، والذينيجمعون القرابين البشرية في صفوف منكسرة، لتقدمها عقولهم المريضة وأفكارهمالمغلوطة، عن آلة جهنمية تسمى الإله لا تدور إلا بزيت آدمي فائر.

ولو عدنا بالذاكرة للوراء قليلا أو كثيرا، وأدرنا عدسة الحقيقة فوق زوايا التاريخ المهملة،لوجدنا أن أكثر من سعر للحروب الدينية أناس لم يريدوا وجه الإله، وإنما حاولوا توطيدعروشهم وإشغال شعوبهم بأفكار لا ناقة للرب فيها ولا جمل. لم تكن حرب الأزتيك دينيةأيها السادة، ولا الحروب الصليبية ولا الحرب الضروس التي استمرت عقودا بينالكاثوليك والبروتستانت ولا حروبنا المذهبية المقدسة بين السنة والشيعة. فالإله الذييتحدث باسمه الجميع ويتقاتل باسمه الكل، إله رحيم ودود لطيف بالعباد في كل الشرائعوالملل والأديان.

مات تلاكال منذ تسعة عشر قرنا أو يزيد، لكنه لا زال حيا بيننا، يؤلب الجند ويشحذالسكاكين ويكتب تاريخا مؤسفا عن أقوام تركوا حرث الأرض واستنباتها، وتفرغوا لقتالبئيس يهلك الحرث والنسل، بحجة الدفاع عن إله لا يشرب نخبه إلا في أوان عظميةفارغة.

التعليقات