الإثنين - الموافق 08 مارس 2021م

فى طريق الهدايه ومع هادم اللذات ” الجزء الرابع ” بقلم / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع هادم اللذات، ومن تأمل أحوال الماضين وكلامهم حين منازعة الروح في حال الاحتضار، كان ذلك أعظم واعظ له، فقد بلغوا الوصية بأصدق لهجة ووصفوا حالهم بأتم بيان وأجزله، لمّا عاينوا الحقيقة، وقيل أنه لما حضرت معاوية بن أبى سفيان الوفاة، قال أقعدوني، فأقعدوه، فجعل يسبح الله تعالى ويذكره، ثم بكى وقال تذكر ربك يا معاوية بعد الهرم والانحطاط؟ ألا كان هذا وغض الشباب نضر ريان؟ وبكى حتى علا بكاؤه وقال يا رب ارحم الشيخ العاصي، ذا القلب القاسي، اللهم أَقِل العثرة، واغفر الزلة، وجد بحلمك على من لا يرجو غيرك، ولا يثق بأحد سواك، وقال عبد الملك بن مروان في مرض موته ” ارفعوني فرفعوه حتى شم الهواء وقال يا دنيا ما أطيبك إن طويلك لقصير وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بك لفي غرور، فقيل له كيف تجدك؟ قال أجدني كما قال الله تعالى ” ولقد جئتمونا فُرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم” وقال بعضهم دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له كيف ترى حالك؟ فقال” الموت في عنقي والقبر بين يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي ثم بكى بكاء شديدا حتى غُشى عليه، فلما أفاق قال اللهم ارحمني، وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين” فإن كان هذا هو حال الأتقياء البررة.
فكيف بحال المسرفين على أنفسهم أمثالنا وقد كثرت ذنوبنا وقل زادنا مع بعد السفر، فهل أعددنا لأنفسنا زادا يبلغنا الغاية؟ أم لا نزال بالتسويف والأمنيات حتى يبغتنا الأجل؟ فإن الكيس الفطن من أعد لسفره عدته وجهز لرحيله مؤنته ثم بعد ذلك يرجو رحمة الله وعفوه ومغفرته، فكلنا سنرحل عن هذه الدنيا ولكن هل عملنا لما بعد الموت؟ فكل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها فقال تعالى ” كلا إذا بلغت التراقي، وقيل من راق، وظن أنه الفراق، والتفّت الساق بالساق إلى ربك يومئذٍ المساق” فما ظنك بحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان قريبا من القبور، قريبا من منازل الآخرة، وكيف لا يكون مهيبا كذلك، وهو يتعلق فيما سيجري على كل أحد بعد إقباله على الآخرة، وانقطاعه من الدنيا، والآخرة يدخل فيها كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون على الإنسان بعد الموت، فقد ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم حديثه مع أصحابه بعد أن نظر إلى السماء ثم إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا، تعظيما للحديث ابتدأه، فقال صلى الله عليه وسلم استعيذوا بالله من عذاب القبر، كررها مرتين، أو ثلاثا” ثم قال صلى الله عليه وسلم” إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر.
ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، فينتهون به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له، قال صلى الله عليه وسلم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل “اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتكم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى” قال صلى الله عليه وسلم فتعاد روحه في جسده، وإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين ثم يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له ما عملك؟ فيقول قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة.
قال صلى الله عليه وسلم فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك، فأنا عملك الصالح، فو الله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصيته، ثم يفتح له باب من الجنة، فيقال هذا منزلك من الجنة، فإذا رأى ما فيها قال رب عجل قيام الساعة، وأما العبد الكافر، فإذا كان في إقبال من الآخرة، وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم ثياب من النار، فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله، وغضب فتتفرق روحه في جسده فينتزعها من جسده انتزاعا، ويخرج معها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، ثم تعاد إلى الأرض فيأتيه الملكان فيسألانه من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ كل هذه يقول فيها هاه، هاه، لا أدري ؟ فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، الجن والأنس، ثم يفتح له باب من النار، ويفرش له من فرش النار، فيقول رب لا تقم الساعة” فإن شأن الموت شأن عظيم، فقد مرت جنازة يهودي بين يدي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فقام لها.
فقال الصحابة يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن للموت فزعا” ولقد سمى الله تعالى الموت مصيبة في قوله سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة المائدة ” فأصابتكم مصيبة الموت ” ومع عظم الموت، وخطر شأنه، فالمؤمن ينظر إليه بنور الله على وفق شرع الله، فالموت عند المؤمن لا يعني الإحباط عن العمل، والضيق في الصدر، وتعطيل المصالح، والتحسر على الحياة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال يا نبي الله، من أكيس الناس وأحزم الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم ” أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة” رواه الطبراني، وإن في الإكثار من ذكر الموت فوائد كثيرة ومنها أنه يحث على الاستعداد للموت قبل نزوله، والتأهب له قبل حلوله، حتى لا يكون من الذين قال الله فيهم ” حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ” وأن ذكر الموت يقصر الأمل في طول البقاء، وطول الأمل من أعظم أسباب الغفلة، وأنه يزهد في الدنيا ويرضي بالقليل منها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس وهم يضحكون، فقال “أكثروا ذكر هادم اللذات”
أحسبه قال “فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه” وأنه يرغّب في الآخرة ويدعو إلى الطاعة، وأنه يهوّن على العبد مصائب الدنيا، فلا جزع من مرض، ولا أسف على فقد مال أو حظ من حظوظ الدنيا، وأنه يمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا، والتكثر من زهرتها الفانية، نظر إلى الدنيا فمقتها، فكيف سيفرح بها أو يركن إليها؟ وأنه يحث على التوبة واستدراك ما فات، فيرقق القلب وتدمع العين، وأنه يدعو إلى التواضع وترك الكبر، والتخلص من المظالم، فقلب ذاكر الموت سليم على إخوانه، يقبل من محسنهم، ويعرض عن مسيئهم، فقال بعض السلف “من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة” فيجب علينا أن نتفكر في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فكيف بك إذا دس بدنك في جوف الأرض، وتسابق أبناؤك ومحبوك بحثيي التراب عليك، ثم يفارقونك بلا أنيس، ولا صاحب جليس، لم يبق معك إلا عملك فأنت الرابح وأنت الخاسر، فإننا نحتاج حاجة عظيمة إلى التمعن والتفكر في هذه المسألة لأنها أساس التقوى، ولب العمل الصالح، وهي دافع مهم من الدوافع على القدوم على الله عز وجل بأعمال صالحة، إذا فكر الإنسان في الميت.
يفكر كيف قد سالت العيون، وتفرقت الخدود، مساكين أهل القبور، عن يمينهم التراب، وعن يسارهم التراب، ومن أمامهم التراب، ومن خلفهم التراب، كانوا أهل الدور والقصور فصاروا أهل التراب والقبور، كانوا أهل النعمة فصاروا أهل الوحشة والمحنة، قد سالت العيون، وصدأة الجفون، وتقطعت الأوصال، وبطلت الآمال، وصار الضحك بكاء، والصحة داء، والبقاء فناء، والشهوة حشرات، والتبعات زفرات، فما بيدهم إلا البكاء والحسرات، نفدت الأعمار وبقيت الأوزار، لسان حالهم يقول حسرتنا أن ندرك وقتا نصلي فيه ركعتين، وأنتم تقدرون وهم لا يقدرون، ما حال أزواجهم؟ ما حال أيتامهم؟ ما عاقبة أموالهم؟ الأعمال قد انقطعت، والحسرات قد بقيت، والأموال قد فنيت، والأزواج قد نكحت، والدور قد خربت، فقال أحد السلف كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعدا، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملا، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفا، فعلى ما تفرحون؟ وما عسيتم تنتظرون؟ وإن من العلامات التي تشير إلى موت الإنسان وتجب له الأحكام الخاصة بالأموات، ميل الأنف، وتمدد جلدة الوجه، وشخوص البصر، وانفراج الشفتين، وتقلص الخصيتين وتدلي جلدتيهما، وانخساف الصدغين، وانقطاع النفس، وانفصال الزندين، وسقوط القدمين، أما علامات اقتراب الموت ضيق الصدر والحشرجة للمريض، والغرغرة التي وردت في قول النبي صلى الله عليه وسلم ” إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر”

التعليقات


Fatal error: Allowed memory size of 41943040 bytes exhausted (tried to allocate 20480 bytes) in /home/alfaraen/public_html/wp-includes/wp-db.php on line 1889