الخميس - الموافق 25 فبراير 2021م

فى طريق الهدايه ومع هادم اللذات ” الجزء الثالث ” بقلم / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع هادم اللذات، فجدير بمن الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، أن لا يكون له فكر إلا الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى ويراها من أصحاب القبور فإن كل ما هو آت قريب ، فإن مشهد الموت هو المشهد الذي ينتهي إليه كل حي والذي لا يدفعه عن نفسه ولا عن غيره حي، وإن الموت الذي يفرق بين الأحبة ويمضي في طريقه ولا يتوقف، فلا يستجيب لصرخة ملهوف ولا لحسرة مفارق ولا لرغبة راغب ولا لخوف خائف فقال تعالى ” وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد” فإن الموت الذي به يصرع الجبابرة، ويقهر به المتسلطون كما يقهر به المستضعفون، فإنه الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع ذلك لا يتدبرون القوة التي تجريه، وحين تبلغ الروح التراقي، يكون النـزع الأخير وتكون السكرات المذهلة ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار، ويتلفت الحاضرون حول المحتضر، يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ روح المكروب “وقيل من راق ” لعل رقية تفيده من السكرات والنزع الأخير وقال تعالى ” والتفت الساق بالساق” وبطلت كل حيلة وعجزت كل وسيلة وتبين الطريق الواحد الذي يسابق إليه كل حي، وفي نهاية المطاف ” إلى ربك يومئذٍ المساق”
فتأمل حالك وتمثل نفسك وقد رحلت عن الدنيا إلى ظلمة القبور وأهوالها وبقيت رهينا لعملك، فأي عمل يصاحبك في هذه الحفرة الضيقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلك ” إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة،أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله” فإذا زرت المقبرة فقف أمام قبر مفتوح، وتأمل هذا اللحد الضيق، وتخيل أنك بداخله، وقد أغلق عليك الباب، وانهال عليك التراب، وفارقك الأهل والأولاد، وقد أحاطك القبر بظلمته ووحشته، فلا ترى إلا عملك، فماذا تتمنى يا ترى في هذه اللحظة؟ ألا تتمنى الرجوع إلى الدنيا لتعمل صالحا، لتركع ركعة، أو لتسبّح تسبيحة، أو لتذكر الله تعالى ولو مرة؟ فها أنت على ظهر الأرض حيّا معافى فاعمل صالحا قبل أن تعضّ على أصابع الندم وتصبح في عداد الموتى، فإذا هممت بمعصية، فتذكر أماني الموتى، تذكر أنهم يتمنون لو عاشوا ليطيعوا الله، فكيف تعصي الله؟ وإذا فترت عن الطاعة، تذكر أماني الموتى، واجتهد في الطاعة، وبادر إلى التوبة قبل أن يأتيك الموت بغتة، فتقول يا ليتني قدمت لحياتي، واعلم أن ملايين الموتى يتمنون مثل الدقيقة التي تمر من حياتك ليستثمروها في طاعة الله تعالى، وذكره، والتوبة إليه، فلا تضيّع دقائق عمرك، لئلا تتحسر في آخرتك، ولنعلم جميعا أن هناك ليلتان اثنتان يجعلهما كل مسلم في ذاكرته، وهما ليلة في بيته، مع أهله وأطفاله.
منعما سعيدا، في عيش رغيد، وفي صحة وعافية، ويضاحك أولاده ويضاحكونه، والليلة التي تليها، بينما الإنسان يجر ثياب صحته منتفعا بنعمة العافية، فرحا بقوته وشبابه، إذ هجم عليه المرض، وجاءه الضعف بعد القوة، وحل الهم من نفسه محل الفرج، فبدأ يفكر في عمر أفناه، وشباب أضاعه، ويتذكر أموالا جمعها، ودورا بناها، ويتألم لدنيا يفارقها، وذرية ضعاف يخشى عليهم الضياع من بعده، وقد استفحل الداء، وفشل الدواء، وحار الطبيب، ويئس الحبيب، ونزلت به السكرات، وصار بين أهله وأصدقائه ينظر ولا يفعل، ويسمع ولا ينطق، يقلب بصره فيمن حوله، من أهله وأولاده، وأحبابه وجيرانه، ينظرون إليه وهم عن إنقاذه عاجزون، ولا يزال يعالج سكرات الموت، ويشتد به النزع، حتى إذا جاء الأجل، ونزل القضاء، فاضت روحه إلى السماء، فأصبح جثة هامدة بين أهله، وعند موت الإنسان تظهر عليه علامات تدل على موته، وهذه العلامات تبين وتوضح خاتمة الإنسان المتوفى، فمنها ما تكون خيرا ترتاح لها النفس وتستبشر بها، ومنها ما هو سيئ والعياذ بالله، وهناك، ينقسم الناس عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، ينقسمون إلى فريقين أما الفريق الأول فحالهم، ألا تخافوا مما أمامكم من أهوال الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفكم في الدنيا من الأهل والولد والمال، نحن أولياؤكم في الآخرة، نؤنسكم من الوحشة في القبور.
وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، وأما الفريق الثاني من الكفار والفجار، وعلى الإنسان أن يستعد للموت دائما، فهو لا يعلم متى سينتهي أجله، ومتى يحين وقت مغادرته لهذه الحياة الدنيا، لذلك عليه أن يكون حذرا، ومُكثرا من الأعمال الصالحة التي تؤدي لحسن خاتمته، والتي يكون جزاؤها النجاة من النار، ودخول جنات النعيم، وعليه أن يكون مبتعدا عن الأعمال السيئة، ويستعد الإنسان للخاتمة باستعدادين، حتى تكون خاتمته حسنة عند موته بإذن الله تعالى، فيجب أن يستعد في اجتهاده لإصلاح قلبه ونقائه، وجعله قلبا سليما، مؤمنا بالله تعالى ويكون ذلك بتحصيله للعلوم الشرعية المفيدة، والتي من شأنها إكسابه معرفتة بالله تعالى، وبأسمائه الحسنى وصفاته، وأن يستعد في اجتهاده بعمله، ليكون عمله متقنا، موافيا للشروط، كما أراده الله تعالى، ويكون ذلك باتباع ما أمر الله تعالى به، والحذر من فعل ما نهى عنه الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلم، وهكذا فإن ذكر الموت يجعل النفس تصب عن لذائذ الحياة الدنيا، وهذا من الأمور المطلوبة، تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب، فقال أحد السلف إن فارقني ذكر الموت ساعة فسد قلبي، ولذلك لا بد أن نعمل حتى يكون موت كل واحد منا على عمل صالح، لأن الموت على عمل صالح هو من علامات حسن الخاتمة.
وإن من حسن الخاتمة عند الموت هو تيسير الله تعالى للإنسان بالقيام بأداء العبادات والأعمال الصالحة، والتوبة إليه سبحانه، والاستغفار عمّا ارتكب من الذنوب والمعاصي في حياته قبل أن يموت، ويكون ذلك كله بتوفيق من الله تعالى، فإذا مات الإنسان على هذا الحال كانت خاتمته حسنة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ” إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله، قالوا يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال، يوفقه لعمل صالح قبل موته ” وأن يكون ما يعمله الإنسان فيه إخلاص لله تعالى، وبعد عن الرّياء، ويكون وفق ما حدده الشرع من المبادئ الإسلامية والمنهج الربانين فيجب علينا المسارعة في التوبة الصادقة من الذنوب والمعاصي، والعزيمة الصادقة في ذلك، فليحرص الإنسان دائما على تعجيل التوبة ومحاسبة النفس، والمداومة على ذلك اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال “يا أيها الناس، توبوا إلى اللهِ، فإني أتوب، في اليوم، إليه مائةَ مرة ” وقيل إن ملك الموت دخل على نبى الله داود عليه السلام فقال له من أنت؟ فقال أنا من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرشا، قال داود عليه السلام، إذن أنت ملك الموت، قال نعم، فقال نبى الله داود عليه السلام أتيتني ولم أستعد بعد؟ فقال ملك الموت يا داود أين فلان قريبك، أين فلان جارك؟ قال نبى الله داود عليه السلام مات، فقال ملك الموت أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد؟
ومر رجل بغلام فقال له يا غلام أين العمران؟ قال اصعد الرابية تشرف عليهم، فصعد فأشرف على مقبرة، فقال إن الغلام جاهل أو حكيم، فرجع فقال سألتك عن العمران فدللتني على مقبرة، فقال الغلام له لأني رأيت أهل الدنيا ينتقلون إليها ولا يرجعون، ومرالإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه على القبور، فقال السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وإن شاء الله بكم عما قليل لاحقون، يا أهل القبور أما الأموال فقد قسمت، وأما الديار فقد سُكنت، وأما الأزواج فقد نُكحت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه وقال أما إنهم لو تكلموا لقالوا، وجدنا أن خير الزاد التقوى، وما وعظ المرء نفسه بأعظم من ذكر الموت، فقال الحسن البصري “فضح الموت الدنيا لم يترك لذي لب فرحا ” وقال مطرف بن عبد الله ” إن الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه” فيجب علينا أن نتفكر في القبر وساكنه، فإنك لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاث لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام، ويجري فيه الصديد، وتخترقه الديدان، مع تغير الريح وتقطع الأكفان، وكان ذلك بعد حسن الهيئة، وطيب الريح، ونقاء الثوب، والقبر ينادي ألا تسألني ما صنعت بالأحبة؟ خرقت الأكفان ومزقت الأبدان ومصصت الدم وأكلت اللحم، ألا تسألني ما صنعت بالأوصال ؟
نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، والعضدين من الكتفين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والساقين من القدمين، وقد بكى عمر بن عبد العزيز، ذات يوم وقال ” ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، شبابها يهرم، وحيها يموت فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها ” وقال الحسن ” ابن آدم إنك تموت وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك، يا ابن آدم لو أن الناس كلهم أطاعوا الله وعصيت أنت لم تنفعك طاعتهم ولو عصوا الله وأطعت أنت لم تضرك معصيتهم، يا ابن آدم ذنبك، ذنبك، فإنما هو لحمك ودمك، فإن سلمت من ذنبك، سلم لك لحمك ودمك، وإن تكن الأخرى؛ فإنما هي نار لا تطفأ وجسم لا يبلى ونفس لا تموت ” فحري بالعبد حين يوقن أنه راحل عن هذه الدنيا أن يستعد لرحيله ويتزود من الزاد الذي يبلغه إلى حيث النجاة والسلامة، وقد نصحنا نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأخلص في النصيحة، لمعرفته بما ينتظرنا من أهوال، وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال ” كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول” إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك” ومن تأمل أحوال الماضين وكلامهم حين منازعة الروح في حال الاحتضار، كان ذلك أعظم واعظ له.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك