الإثنين - الموافق 14 يونيو 2021م

فى طريق الهدايه ومع ليلة القدر ” الجزء الرابع ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع ليلة القدر، وقد توقفنا عند قول الله عز وجل ” وربك يخلق ما يشاء ويختار” فهو عز وجل يتصرف في هذا الكون ويدبر شؤونه كما شاء عن حكمة بالغة، ونعمة سابغة، وهو عز وجل يصطفى من خلقه ما شاء من الأمكنة والأشخاص والأزمنة فيختصها بمزيد فضله، وواسع إنعامه، وجزيل منه، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وإن مما خص الله عز وجل بوافر الفضل، وجزيل الإكرام، وعظيم البركة، ليلة واحدة تمر مرة في العام، وهي في شهر رمضان المبارك، ليلة واحدة عظم الله أمرها، وأعلى شأنها، ورفع مكانتها، وخصها بعظيم فضله، وجزيل بركته، إنها ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟ إنها ليلة عظيمة خُصّت بخصائص عظيمة، وميزات كريمة، لم تكن لغيرها من الليالى، فإن ليلة القدر لها شأن عظيم عند الله، ولها مكانة كبيرة في نفوس المسلمين، ومن فضائل هذه الليلة المباركة أن الله عز وجل اختصها بأن جعلها وقت نزول كلامه العظيم، وذكره الحكيم، فأنزل الله عز وجل كتابه العزيز فى ليلة القدر.
ومن عظيم مكانة هذه الليلة أن الله عز وجل جعلها ليلة مباركة، وبركة هذه الليلة بركة في الوقت، وبركة في العمل، وبركة في الثواب والجزاء عند الله عز وجل، ومن بركة هذه الليلة وعظيم مكانتها عند الله أن جعلها خيرا من ألف شهر، أى خيرا من أكثر من ثلاث وثمانين سنة ليلة واحدة العمل فيها يفضل العمل على أكثر من ثلاث وثمانين عاما، فما أعظم بركتها وما أوفر مكانتها وما أعظم ثواب الله عز وجل فيها، ليلة واحدة خير من ألف شهر، أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فما أعظم هذه الليلة، ومن فضائلها أن الملائكة تتنزل فيها، وفيهم جبريل، يتنزلون بالخير والرحمة والبركة، فهم ملائكة رحمة يتنزلون بالخير والبركة ومن شأن هذه الليلة وبركتها أنها سلام حتى مطلع الفجر، فهي ليلة سالمة لا شر فيها بل كلها خير ونعمة وفضل وبركة، ومن شأن هذه الليلة أنه يفرق فيها كل أمر حكيم، أي يكتب فيها ما هو كائن من أعمال العباد إلى ليلة القدر الأخرى، والمراد بالكتابة هنا الكتابة السنوية.
أما الكتابة العامة التي كانت في اللوح المحفوظ فهي إنما كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما صح بذلك الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ومن فضائل هذه الليلة ما ثبت عن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” فهى ليلة عظيم شأنها، رفيعة مكانتها، عال قدرها، كثيرة خيراتها وبركاتها، والواجب علينا أن نقدر لهذه الليلة قدرها، وأن نعرف لها مكانتها وفضلها وبركتها، وأن نجتهد في تحري خيرها وبركتها بالجد والاجتهاد في العبادة، والإقبال على العبادة والطاعة، ولقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يستحث أمته، ويستنهض عزائمهم لتحرى بركة هذه الليلة وخيراتها الموفورة، وبركاتها العظيمة فالواجب علينا أن نتحرى هذه الليلة المباركة بالجد والاجتهاد في الطاعة، والإقبال على العبادة، والنصح لأنفسنا بالتقرب إلى الله عز وجل، فما أعظمها خسارة أن تمر هذه الليلة مضيّعة مهملة مفرّطا في ما فيها من خير أو بركة.
وما أعظمها من خسارة أن تمر هذه الليلة على المسلم ولا شأن لها عنده ولا مكانة لها في قلبه فيُحرم من خيرها وبركتها، وما أعظمها من خسارة أن تمر هذه الليلة والمرء مستمر في غيّه، سادر فى لهوه، مداوم على تفريطه وإضاعته، فإذا لم تتحرك القلوب إقبالا على الله عز وجل في مثل هذا الوقت المبارك، والموسم العظيم، فمتى عساها تتحرك؟ إذا لم تنب إلى الله وتتب إليه في مثل هذه الأيام فمتى تكون الإنابة ومتى تكون التوبة؟ فإن الواجب علينا أن نقبل على الله عز وجل إقبالا صادقا، تائبين إليه من ذنوبنا، سائليه سبحانه العافية، راجين رحمته، طامعين في فضله وعظيم ثوابه، وإن مما ينبغى أن نهتم به في هذه الليلة ليلة القدر الإكثار من الدعاء، ولا سيما ذلكم الدعاء العظيم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ففى الترمذي أن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله، أرأيت إن علمت ليلة القدر أى ليلة هي، فماذا أقول؟ قال “قولى اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”
فما أعظمها من دعوة مباركة وما أجملها في ليلة القدر المباركة، وهذه الدعوة مناسبة لليلة القدر غاية المناسبة لأن ليلة القدر كما تقدم معنا ” فيها يفرق كل أمر حكيم” أى يكتب فيها ما هو كائن إلى ليلة القدر الأخرى، فما أجمل أن يُقبل العبد في ليلة الكتابة على الله عز وجل يسأله العافية ومن أعطي العافية في هذه الليلة فقد أعطي الخير كله، ثم اعلموا أننا نعيش هذه الليالي والأيام أزمنة فاضلة، وأوقاتا شريفة مباركة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه العشر في الطاعة والعبادة والتقرب إلى الله بأنواع القربات ما لا يجتهده في غيرها، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد فى غيرها” فهى أوقات جد واجتهاد، وبذل وعطاء، وإقبال على عبادة الله، تلاوة لكتابه، وذكرا له عز وجل وقياما له بالصلاة، وتقربا إليه بأنواع القربات، وصنوف الطاعات، فإنه موسم جليل، ووقت فاضل، وسرعان ما يذهب، فينبغي علينا أن نستغل أوقاته الشريفة وساعاته المباركة.
بالجد والاجتهاد والإقبال على طاعة الله، ومما ينبغي أن نتنبه له فى هذه الأوقات الفاضلة أن يحرص أولياء الأمور على العناية بأهلهم وأولادهم، فقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام من شأنه في هذه الليالي إيقاظ الأهل، فهذا ملحظ مهم، وجانب لا ينبغي التفريط فيه، بل الواجب على أولياء الأمور العناية بأهاليهم وأولادهم إيقاظا لهم، وحثا لهم، واهتماما بهم لئلا تضيع عليهم هذه الأيام الفاضلة والليالي الشريفة سُدى، فيستحثهم ويبين لهم مكانة هذه الليالى وعظيم شأنها عند الله تعالى، ولا ينبغى للمسلمين نساء ورجالا أن تضيع عليهم هذه الليالى في الأسواق وغيرها مفرطين في خيرها وبركاتها، فإنها ليالى عظيمة سرعان ما تنقضي وتذهب، ومما يجب التنبيه عليه أن بعض المسلمين قد يجتهد في رمضان ويتوب إلى الله سبحانه مما سلف من ذنوبه، ثم بعد خروج رمضان يعود إلى أعماله السيئة، وفي ذلك خطر عظيم، فالواجب على المسلم أن يحذر ذلك، وأن يعزم عزما صادقا على الاستمرار في طاعة الله، وترك المعاصى.
كما قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ” واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” وقال تعالى كما جاء فى سورة آل عمران ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون” وقال تعالى ” إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون” ومعنى الآية أن الذين اعترفوا بأن ربهم الله وآمنوا به وأخلصوا له العبادة واستقاموا على ذلك تبشرهم الملائكة عند الموت بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن مصيرهم الجنة من أجل إيمانهم به سبحانه وتعالى، واستقامتهم على طاعته، وترك معصيته، وإخلاص العبادة له سبحانه، والآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تدل على وجوب الثبات على الحق، والاستقامة عليه، والحذر من الإصرار على معاصي الله، فإن ليلة القدر ليلة مباركة عظيمة وهي من منح الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم والذي أمرنا أن نلتمسها في العشر الأواخر من رمضان وفي الأوتار منها بالذات، أى ليالى إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك