الثلاثاء - الموافق 13 أبريل 2021م

فى طريق الهدايه ومع طالوت وجالوت ” الجزء الثانى ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع قصة طالوت وجالوت، وقد قام طالوت بتكوين الجيش وجمع الجنود لمحاربة العماليق بزعامة أو إمارة جالوت الجبار الذي كان قائدهم وبطلهم الشجاع الذي يهابه الناس، وتم فعلا اختيار سبعين أو ثمانين ألفا من شباب بني إسرائيل، وخرج معهم لقتال الأعداء، ولكن حكمة القائد طالوت ومعرفته بهم وتشككه في صدقهم وثباتهم دفعته إلى اختبارهم في أثناء الطريق وفي وقت الحر بالشرب من نهر بين فلسطين والأردن، فتبين له عصيان الأكثرين، وطاعة الأقلين، فتابع الطريق وتجاوز النهر مع القلة المؤمنة، ولكن بعضهم قالوا حين شاهدوا جيش جالوت لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فرد عليهم الآخرون بأنه كثيرا ما غلبت الفئة القليلة فئات كثيرة بإذن الله، وكان من حاضري الحرب داود بن يسّى الذي كان شابا صغيرا راعيا للغنم، لا خبرة له بالحرب، أرسله أبوه ليأتيه بأخبار إخوته الثلاثة مع طالوت، فرأى جالوت يطلب المبارزة، والناس يهابونه، فسأل داود عما يكافأ به قاتل هذا، فأجيب بأن الملك يغنيه غنى جزيلا، ويعطيه ابنته، ويجعل بيت أبيه حرا، فذهب داود إلى طالوت يستأذنه بمبارزة جالوت أمير العماليق وكان من أشد الناس وأقواهم، فضن به وحذره، ثم تقدم بعصاه وخمسة أحجار ماس في جعبته، ومعه مقلاعه، وبعد كلام مع جالوت، رماه داود بحجر، فأصاب جبهته فصرع، ثم تقدم منه وأخذ سيفه، وحزّ به رأسه، وانتصروا على جيش جالوت بعد موته، فزوجه الملك ابنته “ميكال” وجعله رئيس الجند، وطبقا للكتاب العبري، كان شاؤول ابنا لكوش.
وهو من عائلة الماتريتيين، وفردا من قبيلة بنيامين، واحدة من القبائل الإسرائيلية الإثني عشر، ويبدو انه جاء من جبعة، وقد تزوج شاؤول من أهينوم، ابنة أهيماز، والتي أنجب منها أربعة أبناء وهما جوناثان وأبيناداب ومالتشيشوا وإش بوشيث، وابنتان وهما ميراب وميتشال، وكان لشاؤول أيضا جارية تدعى ريزباه، وهى ابنة آياه، وأنجبت له طفلين، أرموني وميفيبوشيث وذلك كما جاء فى سفر صموئيل الثاني، ومات شاؤول في معركة جبل جلبوع، وقد دُفن في زيلاه، في منطقة بنيامين ومات ثلاثة من أبناء شاؤول وهما جوناثان ووأبيناداب ومالتشيشوا، معه في جبل جلبوع، وأصبح إش بوشيث ملكا لإسرائيل، في عمر الأربعين، وذلك بناء على طلب داوود، أعاد أبنير ميشال إلى داوود، حكم إش بوشيث لمدة عامين، ولكن بعد وفاة أبنير، قتله اثنان من قادته العسكريين، وقدّم داوود أرموني وميفيبوشيث وهما أبناء شاؤول من جاريته، ريزباه، مع الأبناء الخمسة لميراب وهى ابنة شاؤول إلى الجبعونيين الذين قتلوهم وذلك كما جاء فى سفر صموئيل الثاني وكان ميشال عقورا، وكان ميفيبوشيث، الابن الأعرج لجوناثان، هو السليل الذكر الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، وكان في عمر الخامسة حين قُتل والده وجده، في الوقت نفسه، جاء تحت حماية داوود، وكان لميفيبوشيث ابن صغير واسمه ميكاه، وقد أنجب ميكاه أربعة أبناء وبقي أحفاده حاملين الاسم حتى الجيل التاسع، ويقدم سفر صموئيل الأول ثلاثة تقريرات لصعود شاؤول إلى العرش في ثلاثة أصحاح متتالية وهى أنه أرسل شاؤول مع خادم له.
وذلك للبحث عن حمير والده التائهة، تاركا منزله في جبعة، وقد وصلوا أخيرا إلى منطقة روف، حيث اقترح شاؤول إيقاف البحث، أخبره خادمه بأنهم بالقرب من قرية راماه، حيث يوجد عراف شهير، واقترح أن يستشيروه أولا، عرض العراف وقد عُرّف لاحقا في النص بصموئيل” على شاؤول الإقامة ومسحه لاحقا في السر كما جاء فى سفر صموئيل الأول، وانتفضت حركة شعبية لتأسيس ملكية مركزية مثل باقي الأمم، جمع صموئيل الناس في ميزباه لتعيين الملك، منفذا وعوده السابقة بفعل ذلك، ونظم صموئيل الناس بالقبيلة والعشيرة باستخدام أوريم وتميم، واختار قبيلة بنيامين، واختار عشيرة ماتري من القبيلة، ومن بينهم اختار شاؤول، بعد اختياره ملكا، عاد شاؤول إلى منزله في جبعة، مع عدد من أتباعه، ولكن، كان بعض الناس غير سعداء بشكل صريح باختيار شاؤول، وقد حاصر العمونيون بقيادة ناهاش، جيش جلعاد، تحت شروط الاستسلام، سيُجبر سكان المدينة على العبودية وتنتزع عينهم اليمنى، ولكنهم أرسلوا خبرا بذلك إلى بقية قبائل إسرائيل، وجمعت القبائل الموجودة في غرب الأردن جيشا بقيادة شاؤول، وقاد شاؤول الجيش نحو النصر على العمونيين، واحتشد الناس في جيلجال حيث هتفوا لشاؤول كملك وتوج بالعرش، وأول ما فعله شاؤول هو منع عقاب من طعنوا في صحة ملكيته من قبل، وقد وجد أندريه لومير أن التقرير الثالث في الأغلب هو المعتقد الأكثر موثوقية، وهو يميز منبر تسجيل الأحداث بين عملية الاختيار الخصوصية والعامة.
وهكذا لما طلبوا آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إِلى ذلك ” وقال لهم نبيهم إن آية ملكه” أي علامة ملكه واصطفائه عليكم ” أن يأتيكم التابوت” أي يرد الله إِليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال الزمخشري، صندوق التوراة الذي كان نبى الله موسى عليه السلام إِذا قاتل قدَّمه فكانت تسكن نفوس بني إِسرائيل ولا يفرون فيقول تعالى ” فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة” أى في التابوت السكون والطمأنينة والوقار وفيه أيضا بقية من آثار آل موسى وآل هارون وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراة تحمله الملائكة، وهنا قال ابن عباس رضى الله عنهما، جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون ” إن فى ذلك لآية إن كنتم مؤمنين” أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أن الله تعالى اختاره ليكون ملكا عليكم إِن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر، ” فلما فصل طالوت بالجنود” أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه وكانوا ثمانين ألفا أخذ بهم في أرضٍ قفرة فأصابهم حر وعطش شديد ” قال إن الله مبتليكم بنهر” أي مختبركم بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين الأردن وفلسطين ” فمن شرب منه فليس منى” أي من شرب منه فلا يصحبنى، وأراد بذلك أن يختبر إِرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب ” ومن لم يطعمه فإنه منى” أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإِنه من جندي الذين يقاتلون معي “إلا من أغنرف غرفة بيده” أى لكن من اغترف قليلا من الماء ليبلَّ عطشه.
وينقع غلته فلا بأس بذلك، فأذن لهم برشفة من الماء تذهب بالعطش، “فشربوا منه إلا قليلا منهم” أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش، وهنا قال السدي، شرب منه ستة وسبعون ألفا وتبقى منه أربعة آلاف “فلما جاوزه هو الذين آمنوا معه” أى لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب ورأوا كثرة عدوهم اعتراهم الخوف فقال فريق منهم ” قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده” أى لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة ” قال الذسن يظنون أنهم ملاقوا الله” أي قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ” أى كثيرا ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإِرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإِنما النصر من عند الله تعالى “والله مع الصابرين” أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله عز وجل، “ولما برزوا لجالوت وجنوده” أي ظهروا في الفضاء المتسع وجها لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب “قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا” دعوا الله ضارعين إِليه بثلاث دعوات تفيد إِدراك أسباب النصر فقالوا أولا ربنا أفض علينا صبرا يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك ” وثبت أقدامنا” أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلا إِلى قلوبنا وهي الدعوة الثانية ” وانصرنا على القوم الكافرين” أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده وهي الدعوة الثالثة.
فقال تعالى إِخبارا عن نتيجة هذه المعركة فقال ” فهزموهم بإذن الله ” أي هزموا جيش جالوت بنصر الله وتأييده إِجابة لدعائهم وانكسر عدوهم رغم كثرته ” وقتل داوود جالوت” أي وقتل داود وكان في جيش المؤمنين مع طالوت رأس الطغيان جالوت واندحر جيشه ” وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ” أي أعطى الله داود الملك والنبوة وعلمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، وهنا قال ابن كثير رحمه الله، كان طالوت قد وعده إِن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إِلى داود مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” أي لولا أن يدفع الله شرّ الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة، لأن الشر إِن غلب كان الخراب والدمار ” ولكن الله ذو فضل على العالمين” أي ذو تفضل وإِنعام على البشر حيث لم يمكن للشر من الاستعلاء، فيقول تعالى ” تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ” أي ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة والقصص العجيبة التي وقعت في بني إِسرائيل هي من آيات الله وأخباره المغيبة التي أوحاها إِليك بالحق بواسطة جبريل الأمين ” وإنك لمن المرسلين” أي وإنك يا محمد لمن جملة الرسل الذين أرسلهم الله لتبليغ دعوة الله عز وجل، ثم قال تعالى ” تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق” أي بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور ” وإنك من المرسلين” فهذه شهادة من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم برسالته التي من جملة أدلتها ما قصه الله تعالى عليه.
من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله تعالى إياه لما كان عنده بذلك علم بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدل أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وفي هذه القصة من الآيات والعبر ما يتذكر به أولو الألباب فمنها أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم ويلم متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم، ومنها أيضا أن الحق كلما عورض وأوردت عليه الشبه ازداد وضوحا وتميز وحصل به اليقين التام كما جرى لهؤلاء، لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشبه والريب، ومنها أيضا أن العلم والرأى مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها، ومنها أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله عز وجل والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم “وما لنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا” فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله تعالى” ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله” ومنها أيضا أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك