الجمعة - الموافق 14 مايو 2021م

فى طريق الهدايه ومع شهر المجد والإنتصارات ” الجزء الثانى”

إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثانى مع رمضان شهر المجد والإنتصارات، وقد توقفنا مع طليحة بن خويلد الذى كان قد ادَّعى النبوة ثم تاب وأناب، فى معركة القادسية، وقبيل المعركة تم الاتصال بين المسلمين والفرس بهدف الوصول إلى اتفاق يمنع الحرب، ولكن هذا الاتصال لم يسفر عن نتيجة فقامت المعركة، وهى من المعارك الهامة في تاريخ الصراع بين المسلمين والفرس إذ فرَّ فيها رستم وعشرات الآلاف من جنوده إلى المدائن عاصمة الساسانيين، وغنم فيها المسلمون مغانم كثيرة، وكانت موقعة القادسية المعركة الحربية الحاسمة التي ساعدت الأمة الإسلامية الفتية على أن تنعطف انعطافة جديدة في مسيرتها التاريخية وكان ذلك انعكاس طبيعى لانتصارها الظافر على الفرس، الذين كانوا يهيمنون هيمنة كاملة على الجناح الشرقى للوجود البشرى آنذاك، ومن ثم تسنى للأمة الإسلامية في هذه الموقعة الحاسمة تغيير ملامح التاريخ البشرى وذلك بعد أن استطاع المسلمون أن ينهوا الوجود الفارسى وسيطرته على تلك المناطق الهامة من العالم حينئذ.
وفي موقعة القادسية تبلور أيضا مدى الإعجاز الفريد للجانب العقدى الذى فجَّر ينابيعه الإيثار الفياض والإيمان الصادق فى نفسيات المسلمين وذلك عبر الحوار الذى دار بين واحد من أبناء الحضارة الإسلامية البازغة، وبين ممثل لتلك الحضارة الفارسية الغاربة، وهذان المتحاوران هما الصحابي ربعى بن عامر رضي الله عنه ورستم قائد الفرس، وذلك عندما دخل ربعى بن عامر على رستم، فقال رستم له ما الذى جاء بكم إلى هنا؟ قال جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، وفى رمضان من العام الثامن من الهجرة كانت محطة فارقة ونقطة فاصلة فى حياة الأمة، عندما فتحت جيوش الصحابة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، وأعلنوا سقوط عاصمة الشرك والاستكبار الجاهلى، التى طالما استغل المشركون منزلتها وفضلها في التحريض ضد الإسلام والمسلمين، وأعلنوا تحرير بلد الله الحرام من أدران الشرك والأوثان.
لتبدأ مرحلة جديدة في حياة الأمة اتحدت فيها بلاد الحرمين، الأصل والمهجر، وأعلن عن قيام الدولة الإسلامية على حدود جديدة، وعندما قاد المعتصم العباسي جيشا جرارا أوله من منابت الزيتون وآخره على أبواب عمورية، وذلك في رمضان سنة مائتان وثلاثه وعشرون من الهجرة بعد أن تجبر طاغية الروم توفيل بن ميخائيل، واستغل انشغال المسلمون بقتال بابك الخرمى في فارس، وهجم بمائة ألف صليبي على حدود الدولة الإسلامية، وأوقع بأهل زبطرة في الأناضول مذبحة مروعة، فقتل الكبير والصغير، فجدع الأنوف وسمل العيون، واستاق الحرائر، حتى إن امرأة هاشمية صاحت بعد أن لطمها كلب رومي فقالت “وامعتصماه” وطارت الأخبار للخليفة المعتصم وهو في إيوان قصره، فلما طرقت الصرخة الحزينة مسامع الأسد الهصور “المعتصم العباسى” أسرع مهرولا فى قصره وهو يقول مثل الإعصار “النفير النفير” وقد خرج بكل ما لديه من جيوش، وأقسم ليهدمن أعز مدينة عند الرومان، وقد كتب وصيته ولبس كفنه وتحنط.
وقسّم ماله ثلثا لأهله، وثلثا للمجاهدين، وثلثا لمنافع المسلمين، ولم يهدأ له بال ولم يستقر له حال حتى أناخ بساحة عمورية بأكثر من مائة ألف مجاهد من ثلاث جهات، ودخل عمورية وهي أشرف مدن النصارى، وهي العاصمة الدينية لهم في السادس من رمضان فهدمها بالكلية، وتركها قاعا صفصفا، وأدّب أعداء الأمة تأديبا هائلا، ارتدعوا به فترة طويلة، واستعادت الأمة كرامتها، فإن هذه انتصارات رفعت من قدر الأمة الإسلامية على بقية الشعوب ومكن الله لها في الأرض وما ذلك إلا لتوحدهم وجلوسهم تحت مظلة واحدة وخلافة واحدة، فامتدت تلك الانتصارات منذ بزوغ نور النبوة بإنزال الله تعالى على رسوله القرآن الكريم في غار حراء فى اليوم السابع عشر من رمضان، عندما بلغ النبى صلى الله عليه وسلم أربعين عاما، مرورا بعهد الدعوة السرية والهجرة، ثم الخلافة الراشدة إلى نهاية خلافة الدولة العثمانية التى انهارت بسبب اتحاد القوى الأوروبية ضدها، وإن من ينظر إلى هذه الانتصارات سينتابه العجب.
وكيف استطاع هؤلاء القيام بمثل هذه الانتصارات في وقت الصيام، وقد تكون في أيام صيف حار، فإن ذلك ليس بعجيب ولاغريب من أناس جعلوا الإسلام همَّهم وقدموا إعلاء رايته على كل شيء، فهو شهر عظيم جعله الله شهر انتصارات وعزة للإسلام والمسلمين، وعندما يذكر الإنتصار فى رمضان ، يصرف الذهن مباشرة إلى الإنتصارات العسكرية التى حققها المسلمون على أعدائهم فى هذا الشهر، من بدر إلى فتح مكة إلى عين جالوت إلى حرب العاشر من رمضان وغيرها من الملاحم الإيمانية التي كتب الله فيها النصر المؤزر لعباده المؤمنين وهذا حق ، ولكن مجالات الإنتصار في رمضان بالنسبة للمؤمن غير مقتصرة على هذا الجانب فقط، بل إن الإنتصارات التي تحققت وتتحقق على أعداء الأمة والمتآمرين عليها خلال شهر رمضان منذ بدء الرسالة إلى يوم الناس هذا، بقدر ماكانت نتيجة للأجواء الروحانية التي يصنعها رمضان بفيوضاته ورحماته وجوائزه ومآثره التي يغدقها المولى عز وجل فيه على عباده المؤمنين الصائمين.
مما يهيء لهم أسباب النصر لينتصروا، فإنها محصلة كذلك لكم الإنتصارات التي يحدثها وينجزها العبد المؤمن على مستواه الفردي والجماعى في شهر الصيام كما قال سبحانه وتعالى فى سورة محمد ” يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم” ثم كانت المعركة التي أنقذت الإسلام والمسلمين، تلك المعركة التي قامت أمة الإسلام بعدها من غفلتها واختلافها، وقامت تحت قيادة واحدة، هذه المعركة هي معركة عين جالوت فى الخامس والعشرين رمضان سنة ستمائة وثمانيه وخمسين من الهجرة وهى واحدة من أكثر المعارك حسما في التاريخ، فقد أنقذت العالم الإسلامى من خطر داهم لم يواجه بمثله من قبل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم الأوروبى أيضا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذ أن يدفعه، فقد ظهر جنكيز خان فى شمال الصين ومن ورائه جاء هولاكو يقود جيوشا جرارة من المغول تلك التى تقدمت فى البلاد تقتل وتخرب وتدمر كل شيء، فدمرت الحضارة ودور العبادة.
وأصبحت خطرا على البشرية جمعاء، واندفعت هذه الجيوش الهمجية عبر إيران إلى العراق وجاءت بغداد فهدمت القصور وسفكت الدماء وأحرقت الكتب ودمرت كل شيء، وبدأت مدن الشام تتساقط في أيديهم حتى وصلوا إلى غزة، وازداد غرور المغول وتوحشهم ولكن الله جند من يتصدى لهم، وهو القائد سيف الدين قطز، فزحف جيش المسلمين إلى عين جالوت في المنطقة التي تقع بين بيسان ونابلس بفلسطين، وقاد المظفر قطز المسلمين، وكان المغول بقيادة كتبغا، ووجه الجيش الإسلامي هجوما قويا شديدا على جموع التتار، وكسر شوكتهم، وعلت راية الإسلام، وانتهى اليوم الخالد بانتصار المسلمين نصرا هائلا أوقف زحف المغول، بعدما لم يكن يظن أحد فى تلك الأيام أنه ستقوم للإسلام قائمة، فقد رثا الشعراء والأدباء والخطباء الإسلام والمسلمين، ولم يدر في خلد أحد منهم أن عبدا مملوكا سيعيد للإسلام والمسلمين هيبتهم ومجدهم الغابر، ويبدو أن الإنتصارات بشتى أنواعها وإختلاف مجالاتها في شهر رمضان.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك