الأربعاء - الموافق 25 نوفمبر 2020م

فى طريق الهدايه ومع النبى إرميا ( الجزء الثالث ) إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث ومع نبى الله إرميا وقد وقفنا عند البابليين عندما قرروا تعيين شألتيل ملكا على الذين أبقوهم البابليين في أورشليم خلفا لصدقيا، وبعد أن مكث في السجن عشر سنين أرسل الله عليهم نبوخذ نصر وجحافل عساكره، فنزل في أراضيهم، وبطش بهم، وقتل منهم جمعا غفيرا، وخرب ديارهم، وسبى الآلاف منهم، ثم أمر بهدم بيت المقدس، وأسر صدقيا الملك، وأصدر أمرا بإلقاء القاذورات والجيف في معابدهم، ولما علم نبوخذ نصر من المترجم له أن أرميا في أحد سجون بني إسرائيل، وكونه من الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم ليرشدهم ويهديهم طريق الحق والصواب، ولكنهم كذبوه وعذبوه ثم حبسوه، فأمر بإطلاق سراحه من السجن، وأحضره لديه وقال له: أكنت تحذر قومك ما أصابهم؟ فقال أرميا عليه السلام: نعم، فان الله أرسلني إليهم فكذبوني، قال نبوخذ نصر: كذبوك وضربوك وسجنوك؟
قال عليه السلام نعم، قال نبوخذ نصر، بئس القوم قوم كذبوا نبيهم، وكذبوا رسالة ربهم، ثم خيره بين المجيء معه أو البقاء في فلسطين، ففضل أرميا عليه السلام البقاء في بلاده، فتركه بعد أن أحسن إليه، وبعد رحيل نبوخذ نصر عن بيت المقدس اجتمع إلى المترجم له من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا نحن قد أسانا وظلمنا، ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا، فدعا أرميا عليه السلام ربه، فأوحى الله تعالى اليه انه غير قابل توبتهم، فان كانوا صادقين في أقوالهم فليقيموا معك في بيت المقدس، فأخبر قومه بما أمره الله به، فقالوا لانقم بهذه البلدة المخربة التي غضب الله على أهلها، وقد أمر الله المترجم له بأن يأتي إلى مكة ويخرج منها معد بن عدنان لكيلا تصيبه النقمة، فأخرجه وهو شاب، وأتى به إلى حران، فلما انصرف نبوخذ نصر عن العرب رده إلى مكة المكرمة.
وكان قد تنبأ لبني إسرائيل بسقوط أورشليم وخرابها وتدمير هيكل سليمان عليه السلام، فدعاهم للخضوع والإذعان لنبوخذ نصر فكذبوه واضطهدوه، ويقال انه خاف في أول الأمر من نبوخذ نصر عندما هجم على بيت المقدس، فاخذ تابوت السكينة وخبأه في مغارة، خوفا من أن يقضي عليه نبوخذ نصر وجنوده، وهو يسمى تابوت العهد عند اليهود والمسيحيين وتابوت السكينة عند المسلمين، ويسمى أيضا تابوت الرب أو تابوت الشهادة، وهو التابوت الذي حُفظت به ألواح العهد، وفقا للتراث اليهودي، وهذا التابوت وُضع داخل قدس الأقداس بالهيكل، وهو مطلي بالذهب ومزين بإطار من الذهب، ويُطلق على التابوت عدة أسماء منها تابوت الشهادة، وهذا فى سفر الخروج، وتابوت عهد الرب، وهذا كما في سفري التثنية ويشوع، وتابوت الرب، وتابوت الإله، وهذا كما في الأنبياء الأوائل.
وقد وصف شكل هذا التابوت كما هو موجود في سفر الخروج ، حيث أنه كان مصنوعا من خشب السنط، ومطلي بالذهب من طرفيه الخارجي والداخلي، ويوصف حجمه بأن طوله ذراعين ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف، وكان التابوت محمولا على مساند من خشب السنط المذهبة، المعشقة في حلقات ذهبية مصبوبة بجانب التابوت، ومكان التابوت كان المكان الأكثر قداسة في الهيكل، ألا وهو قدس الأقداس، “وتجعل الحجاب تحت الأشظة وتدخل إلى هناك داخل الحجاب تابوت الشهادة، فيفضل لكم الحجاب بين القدس وقدس الأقداس، وتجعل الغطاء على تابوت الشهادة في قدس الأقداس” وهذا فى سفر الخروج، وقبل أن يوضع تابوت العهد في الهيكل، كان في خيمة الاجتماع المقدسة المتحركة التي كان يحملها بنو إسرائيل في الصحراء، في طريقهم إلى أرض كنعان.
وبعد ذلك وضع في خيمة الاجتماع في مدينة شيلوه، وفي سفر صموئيل الأول تم التحدث عن سقوط التابوت في السبي على يد الفلسطينيين، فكما هو متبع في الشرق القديم، فإن تابوت العهد، شأنه في ذلك شأن الأغراض الدينية الأخرى، وكان يؤخذ إلى ميدان القتال أملا في جلب دعم الرب للمقاتلين، وبسبب هزيمة بني إسرائيل سقط تابوت العهد في السبي وأخذ إلى أشدود، إلى معبد الإله داجون، ووفقا لما هو مروي، كان تمثال داجون موضوع على الأرض ويداه مقطوعتان وموضوعتان على عتبة الباب أمام تابوت العهد، وانتقل تابوت العهد إلى عقرون وسبب هناك لعنة الطاعون، وبعد ما يقرب من سبعة أشهر قرر رؤساء الفلسطينيين وهم زعماء المدن الفلسطينية، إعادة التابوت لبني إسرائيل، فتم إعادة التابوت مرة أخرى لبيت شيمش وجلب هناك أيضا الطاعون في أوساط كل من رأى التابوت.
حيث أصيب به العديد من الأشخاص، وتم أخذ التابوت إلى بيت افينديف في جفعا وتم الحفاظ عليه هناك إلى أن نقله داوود عليه السلام إلى اورشليم، والملك داوود عليه السلام، جلب في أيامه التابوت إلى اورشليم وسط احتفالية ضخمة، ونقله أبنه نبى الله سليمان عليه السلام، بعد ذلك إلى قدس الأقداس، في الهيكل الذي بناه، وهناك على حجر الأساس، وهو الحجر الذي عليه، وفقا للمعتقد اليهودي، وتم تقديم إسحاق قرابا على يد والده إبراهيم، ومنها أسس العالم، وتم وضع التابوت، تحت تمثالين مصنوعان من الذهب يظللانه، وهذا ولا يسمح بدخول قدس الأقداس سوى لكبير الكهنة، وهو أيضا لا يسمح له بالدخول سوى مرة واحدة في العام في يوم الغفران، وبالإضافة إلى التابوت كان يوجد في قدس الأقداس أيضا عصا أهرون الكاهن، أول كاهن أكبر، ولا يعرف مصير تابوت العهد بعد نقله إلى الهيكل.
فلم يتم ذكره في قوائم الغنائم التي أخذها نوبخذنصر، ولا في الأدوات التي أعادها كورش ملك فارس إلى مبنى الهيكل الثاني، ولا يمكن أن يكون هذا الشيء، الذي يعد الأقدس والأثمن بين بيت كنوز الهيكل واليهودية، وقد أُخذ بدون أن يُذكر في التناخ، وفقا لسفر الخروج في الوصف المفصل لمحتوى التابوت، فإن الألواح التي أعطيت لموسى عليه السلام، كان يجب أن تكون في التابوت “وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك” كما فى سفر الخروج، وفقا للوصف الحرفي فإن الشهادة هي ألواح العهد وهكذا يفسرها الرابي موسى بن ميمون، وصحيح أنه وفقا للرابي شلومو يتسحاقي فإن التوراة هي الشهادة وهي وضعت في التابوت بالإضافة إلى الألواح، وفقا لما هو مكتوب في سفر التثنية فإن لوحين فقط وضعا في التابوت، ” فـأكتب على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما وتضعهما في التابوت.

التعليقات