الأربعاء - الموافق 22 سبتمبر 2021م

فى طريق الهدايه ومع الملك رحبعام بن سليمان (الجزء الثالث) إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع الملك رحبعام بن سليمان، وكان بعد أن توفي نبى الله سليمان عليه السلام وكان ذلك عام تسعمائة وخمسة وثلاثون قبل الميلاد، فقد حدث أن تمرّد عشرة أسبأط، ونصبوا يربعام بن نابط ملكا على إسرائيل في الشمال، ولم يبق تحت حكم رحبعام بن سليمان سوى سبط وهو يهوذا، وهكذا نشأت منطقة إسرائيل، في الشمال، ومملكة يهوذا في الجنوب، وقد ذكره بناياهو بن يهوياداع لداود في قوله “كما كان الرب مع سيدي الملك كذلك ليكن مع سليمان، ويجعل كرسيه أعظم من كرسي سيدي الملك داود” وأغلب الظن أن عيني داود في تلك اللحظة ومضتا بنور لامع، وقد ارتسمت الابتسامة على شفتيه، ولعله رفع صوته إلى الله، ليقول آمين يا رب ليكن هكذا، وجاء سليمان ووسع، وفعل، وعمل، الكثير، وولد له الولد الذي على الأغلب كان جميلا كجمال أمه، وأبيه، وأطلق عليه الاسم رحبعام، وهو يحلم له بالرحب والسعة.
من كل جانب من جوانب حياته ونفسه، وقد كان من الممكن أن يكون الشاب هكذا، وقد كانت معه الإمكانيات الكثيرة التي تساعده على ذلك، إذ كان له السهم الذهبي، الذي وضعوه شعار لأمير ياباني قيل أنه كان سيتغرب عن بلده فترة من الوقت، وكان هذا السهم يذكره أينما يتجه ويذهب بالأصل الذي ينتمي إليه، والأسرة التي ينحدر منها، وسواء صحت القصة بالنسبة للياباني أم لم تصح، فإن رحبعام بن سليمان كان يمكن أن يعود إلى آبائه وأجداده ليرفع رأسه، كأعلى ما يكون الارتفاع، وأسمى ما يكون العلو والمجد، ولعله سمع عن جده داود من القصص والأحاديث ما يمكن أن يصنع منه بطلا لو ترسم خطى هذا الجد أو سار في سبيله، أو سلك سلوكه، وكان يمكنه أن يتوفر على الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد التي خرج بها سليمان إلى العالم، لينهل منها البشر أروع الحكم وأمجد الأمثال، وكان من المتصور أن النبع.
وقد بدأ من بيته ليجري في تيار الإنسانية كلها، أن يكون هو أول من يرتاده وينهل منه، وأعظم من هذا كله، كان هيكل الله على قيد خطوات منه، وكان يمكنه أن يجد سبيله إلى هذا الهيكل وهو يغنى “كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله” وما أحلى مساكنك يارب الجنود تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي، العصفور أيضا وجد بيتا والسنونة عشا لنفسها حيث تضع أفراخها مذابحك يا رب الجنود ملكي وإلهي، طوبى للساكنين في بيتك أبدا يسبحونك، لأن يوما واحدا في ديارك خير من ألف، اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار”على أن رحبعام رغم هذه الامتيازات كلها، لم يحتج سليمان إلى أن يموت ويضحك عليه في قبره، إن صح أن الموتى يضحكون في قبورهم.
فإن سليمان الحكيم بكى في حياته، وهو يرى ابنه يأخذ سبيله إلى الشباب والرجولة،ولقد خضع الشاب لعوامل أعتى وأقسى وأقدر على الهدم والتحطيم، وكان لسليمان اليد الطولى في كل هذه العوامل، ولقد تزوج سليمان نعمة العمونية، وهي أميرة عمونية يقطن أهلها الصحراء الواقعة شرقي الأردن، ويبدو أنها كانت ذات جاذبية وتأثير عميق على الملك، حتى أنه بنى مرتفعة لمولك رجس العمونيين من أجلها، وقد قيل أنه عجز الشاب رحبعام عن أن يعرف السبيل إلى إله إسرائيل، لأن أمه أرضعته الوثنية على مرتفعة ملكوم رجس العمونيين، وقيل أنه كان سليمان يحلم لابنه بالأحلام العظيمة الوردية، وكان يمكنه أن يحول هذه الأحلام إلى الواقع، حتى ولو كان مشغولا، بأن يفعل ما فعله أبوه فيه، عندما سلمه للنبي ناثان، ليتولى إرشاده ورعايته وتهذيبه وتعليمه، وقيل أنه لقد تزوج سليمان ألف امرأة، وكان له ابن.
وقد أورد التاريخ التوراتي أن ابني إبراهيم عليه السلام إسحاق وإسماعيل قد ولدا في فلسطين، ويعقوب عليه السلام وكذلك المسمى إسرائيل، وهو ابن إسحاق عليه السلام، وقد أنجب يعقوب اثنى عشر ولدا عُرفوا ببني إسرائيل، وكان من بينهم نبى الله يوسف عليه السلام، ويوسف هو ابن يعقوب من راحيل وأحب أولاده إليه، ويُطلَق اسـمه على إحدى القبائل العبرانية، وقد حسده إخوته بسبب حب أبيه له أكثر منهم، فتآمروا عليه وألقوه في جُبّ، وحمله بعض أهل مدين إلى مصر وباعوه بيع الرقيق، فاشتراه رئيس شرطة الملك ووكله على بيته، وقد اتهمته زوجته ظلماً فأُلقي في السجن سنوات، وهناك اكتسب ثقة السجان، فولاه على جميع المسجونين، وذاعت شهرة يوسف عليه السلام مفسرا للأحلام، وقد استوزره ملك مصر بعد أن أوَّل له حلما رآه عن سبع سنين شبع وسبع سنين جوع واقترح عليه تخزين الحبوب في سنين الشبع لتحاشي المجاعة.
فعينه رئيسا لمخازنه وهو منصب يماثل منصب وزير التموين في العهد الحاضر، ثم حضر أبوه وكل إخوته من فلسطين هربا من المجاعة فأكرم وفادتهم ووطنهم أرض جاسان أثناء حكم الهكسوس، وقد هاجر موسى بقومه تخليصا لهم من فرعون، وقد حصلت في هذه الأثناء حادثة التيه أربعين سنة بعد العناد والكفر الذي حصل منهم، حتى أخرجهم الله على يد فتى نبى الله موسى، يوشع بن نون، إلى الأردن وقد دخل يوشع بن نون بقومه إلى أريحا ودارت معركة بينهم وبين قوم من الكنعانيين انتصر فيها ودخل إلى فلسطين، ولكن هل كان رحبعام في الحادية والعشرين من العمر أم في الحادية والأربعين؟ لقد أورث هذا ارتباكا عند البعض، مع أن هذا الارتباك في حد ذاته يعطينا تمسكا بالكتاب أكثر، إذ الأرقام في اللغة العبرية كانت تكتب عادة بالحروف، والحرف الذي يشير إلى الحادية، هو حرف واحد في الحالين الألف في الأبجدية العبرانية.
أما الحرف الذي يشير إلى العشرين، وهو حرف الكاف، والآخر الذي يشير إلى الأربعين وهو حرف الميم فإنهما في الكتابة العبرانية قريبان جدا من بعضهما، حتى أنه ليصعب مرات كثيرة أمام المخطوطات التي عاشت آلاف السنين أن تتبين في المخطوطة الفرق بين الحرفين، وحتى يكون الكاتب أمينا فإنه يرسم الحرف الذي أمامه دون أدنى تغيير، ويبقى الاحتمال الثاني ويشار إليه في الهامش، ومن المرجح لهذا أن رحبعام كان في الحادية والعشرين من عمره في السن التي يقال عنها في أيامنا سن الرشد، ولكنها في الحقيقة هي السن التي تحتاج أمام المشاكل والمتاعب، إلى أمرين أساسيين يخطيء الإنسان إذا تجاوزهما، ولم يتمسك بهما، تمسكه بالحياة نفسها، وهما الإرشاد الإلهي، وخبرة الذين جازوا الصعاب والمتاعب المشابهة من قبلنا، أو الذين حنكتهم الأيام، وأورثتهم الفطنة والحذر والتأمل وإذا عجز الإنسان عن أن يملك الأمرين.
وإذا قدر له أن يتخلى عن واحد منهما، فعليه أن يطلب بكل إلحاح وإصرار مشورة الله، وعلى وجه الخصوص، عندما يقف على مفترق الطرق، وأمام أقسى المخاطر، وأشد الأزمات، وأصعب السبل، ولو أن رحبعام بن سليمان طلب من الشعب مهلة الثلاثة الأيام ليرجع فيها إلى الرب، ليعطيه التصرف الناجح الحكيم لكانت بكل تأكيد النتيجة تختلف تمام الاختلاف عما وصل إليه، فكان في حاجة قبل أن يتحدث مع أحد، أن يتحدث مع الله، وقبل أن يأخذ رأي إنسان أن يأخذ رأي الله، ولقد ضاعت مملكة الرجل، بضياع الصلة التي تربطه بالله، وفي الحقيقة إنه كان في حاجة لسؤال الله، لسبب أعمق من ذلك كثيرا، لأن مصير المملكة كان يتعلق أساسا بموقفها من الله، وهذا الشرخ الرهيب الذي حدث فيها، لم يكن مرده الشكوى، من معاملة سليمان للشعب
مع أن هذا هو السبب الظاهر، لكن السبب الحقيقي مدون بكل وضوح وجلاء “ولم يسمع الملك للشعب لأن السبب كان من قبل الرب ليقيم كلامه الذي تكلم به الرب عن يد أخيا الشيلوني إلى يربعام بن نباط” إن مصير المملكة يرتبط بتوبتها وعودتها إلى الله، ولو عاد رحبعام إلى الله، بعد أن يحطم المرتفعات ويبدأ بمرتفعة ملوكم التي بناها سليمان خصيصا من أجل نعمة أمه، ولو عاد ليقول ما قاله جده فيما مضى “لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني” ولو عاد ليقول هذا، أو شيئا يشبه هذا لوجد حنان الله ورفقه ورحمته، وجوده وحبه، لكنه للأسف نسى الله أو تناساه، أو جهل الطريق إلى بيته فلم يعرفه إلا شكلا أو طقسا أو لماما، ولم يعرف الأساس الصحيح لأية سياسة ناجحة في حياة الإنسان على هذه الأرض،ولقد كان العبرانيين في فلسطين فى عهد القضاة، وهو بعد وفاة يوشع بن نون عليه السلام.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك