الجمعة - الموافق 27 نوفمبر 2020م

فى طريق الهدايه ومع الملك رحبعام بن سليمان (الجزء الرابع) إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع الملك رحبعام بن سليمان، وقد توقفنا مع العبرانيين في فلسطين فى عهد القضاة، وهو بعد وفاة يوشع بن نون عليه السلام، حيث انقسم بنو إسرائيل إلى قبائل عدة وكان حكامهم يسمون القضاة، وقد انتشرت بينهم الحروب والنزاعات، في هذا العصر حدثت هزائم كبيرة لليهود وسلب منهم التابوت وفيه عصا نبى الله موسى عليه السلام، والألواح الأصلية للتوراة وملابسه وأثار من نبى الله هارون، وينتهي هذا العصر بأخر القضاة وهو النبي صموئيل الذي طلب منه بنو إسرائيل أن يختار لهم ملكا يوحد صفوفهم ويقاتلون خلفه فبعث الله لهم الملك شاؤول وهو أول ملوك القبائل العبرانية، وتستخدم كلمة قاضي بالعبرية هى شوفيط، وفي المؤلفات الدينية اليهودية لتشير إلى معنيين، هو عام وخاص، والمعنى العام هو القاضي الذي يحكم بين الناس، وبهذا المعنى يكون نبى الله موسى عليه السلام، هو أول القضاة.
ثم خلفه في القضاء رؤساء العشائر وشيوخ المدينة، وكان الملك في التاريخ العبراني القديم يُعد من القضاة أيضا، ويحكم معه مجموعـة من القضاة، حيث يكونون مجلسا وعليهم استشارة الأنبياء والكهنة، وقد استمر هذا الوضع حتى التهجير البابلي، ولكن كلمة قاضى لها معنى آخر في تاريخ العبرانيين القدامى، فهي تشير إلى ما يمكن تسميتهم شيوخ القبائل، وهؤلاء أشخاص من الكهنة المحاربين جمعوا بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وسيطروا على أمور القبائل العبرانية بعد وفاة يوشع بن نون، وكان عهد الملوك الأول، وقد أسسها طالوت شاؤول وسميت إسرائيل، ولكن الفضل الحقيقي في تأسيس إسرائيل يعود إلى نبى الله داود عليه السلام، وقتل داوود عليه السلام جالوت وهو شاب فزوجه طالوت ابنته وصار ملكا عليهم وحكم فيهم بشرع الله في توراة نبى الله موسى عليه السلام، وظهرت على يديه المعجزات المتتاليات.
وكان منها تسبيح الجبال والطيور معه عندما كان يقرأ كتب المواعظ التي أنزلت عليه المزامير بأعذب صوت عرفه التاريخ، وقد دعم داوود عليه السلام اتحاد القبائل، وحولها إلى مملكة متحدة عاصمتها القدس، ووسع حدود مملكته، وهزم المؤابيين والعمونيين والأدوميين، وقد خلفه ابنه سليمان في حكمها، وبعد وفاة نبى الله سليمان أعلن ابنه رحبعام نفسه ملكا على بني إسرائيل ففاوضوه لتخفيف الأوامر والأحكام التي جاء بها سليمان وعندما رفض رحبعام ذلك تركه غالبية اليهود وبايعوا يربعام بن نباط ولم يبايعه سوى سبطا يهوذا وبنيامين، الذين كانا يقيمان في منطقة أورشليم وما حولها إلى جنوب فلسطين، هكذا انقسمت إسرائيل إلى جزئين، وهو إسرائيل الشمالية تحت رئاسة قبيلة إفرايم، تأسيس مركز ديني مستقل عن القدس في دان وبيت إيل، وكانت المنطقه الشمالية أكثر ثراء وأكثر تعرضا للغزو الأجنبي من المنطقة الجنوبية.
ولم يكن لملوكها سياسة خارجية واضحة، وكانت غير مستقرة سياسيا، وقد حكمها تسعة عشر ملكا ينتمون إلى تسع أسر خلال ثلاثة مائة وعشرة أعوام، وقد مات منهم عشرة عن طريق العنف، وبقي في الحكم سبعة ملوك حكم كل منهم أقل من سنتين، وكانت المنطقة الجنوبية تحت رئاسة قبيلة يهودا وهى عاصمتها القدس، وكانت أكثر استقرارا من المنطقة الشمالية، وذلك لصغر حجمها وقلة أهميتها وفقرها وبُعدها عن طرق الجيوش الغازية، وقد ظهر فيها معظم الأنبياء، كما دُون فيها معظم نصوص العهد القديم، وفي هذة الفترة ضاعت التوراة ويعتقد اليهود أنهم عثروا عليها في عهد الملك يوشيا، وقد هاجم شيشنق ملك مصر مملكة يهوذا عام تسعمائة وعشرين قبل الميلاد واحتلها لتصبح منذ ذلك الحين تابعة للدولة المصرية، ثم غزا الأشوريون أرض فلسطين لكن حكمهم لم يدم طويلا إذ انقلب عليهم البابليون من داخل العراق.
وحكموا العراق وورثوا عنهم أرض فلسطين وعينوا عليها حاكما يهوديا هو دبيكيا، أو صديقيا كما يذكره المؤرخون العرب، وقد حاول دبيكيا الحاكم اليهودي الانقلاب على حكم البابليين فهاجمه الملك البابلي الشهير نبوخذ نصر الذي اشتهر بلقب بختنصر، وهدم أسوار القدس ومنازل أورشليم وأخذ من بقي من اليهود عبيدا إلى بابل وكانوا قرابة أربعين ألفا وهو ما يعرف بـالسبي البابلي وهدم القدس وما فيها من معابد وسلب منهم التابوت مرة أخرى وبسبب غزوات الآشوريين والكلدانيين اختفت دولة اليهود في فلسطين بعد أن عاشت أربعة قرون وكانت حافلة بالخلافات والحروب والاضطرابات، وقد خلت فلسطين من اليهود بعد سقوط القدس، وقد عاش اليهود في الأسر خمسين سنة في بابل، حيث قلدوا فيها عادات البابليين وأخذوا عنهم الكثير من شعائرهم وآدابهم واشتركوا في وظائف الدولة تحت رقابة البابليين، وبعد احتلال الفرس لبابل
قد سمح ملكهم كورش وهو سيروس كما يطلق عليه مؤرخي اليهود، لليهود بالعودة إلى فلسطين لكن الغالبية منهم فضلت البقاء في بابل، وقد لاقى اليهود على يد الفرس معاملة حسنة لأنهم كانوا أعداء البابليين وغدت يهوذا ولاية من ولايات الفرس حيث انتقلت إلى ملك الاسكندر المقدوني بعد أن هزم الفرس واحتل سورية وفلسطين، وبعد وفاة الاسكندر، اقتسم قوّاده الملك، فحكم سلوقس سورية وأسس فيها دولة السلوقيين، وحكم بطليموس مصر وأسس فيها دولة البطالسة وكانت يهوذا من نصيب البطالسة، وحكم البطالسة اليهود رغم مقاومتهم العنيفة التي أكرهت بطليموس الأول على هدم القدس ودك أسوارها، وإرسال مائة ألف أسير من اليهود إلى مصر سنة ثلاثة مائة وعشون قبل الميلاد، وفي سنة مائة وثمانية وستون قبل الميلاد انتقلت يهوذا إلى حكم السلوقيين حينما احتلها انطوخيوس وهدم أسوارها ونهب هيكلها وقتل من اليهود ثمانين ألفا في ثلاثة أيام.
وقد انقسم اليهود تحت حكم الإغريق إلى قسمين، قسم اتبعوا الإغريق وسموا اليهود الإغريقين وقسم تمسكوا باليهودية وهربوا من السلوقيين وهم المكابيون نسبة إلى قائدهم يهوذا المكابي، الذي استقل بحكم أورشليم حينما دب الخلاف بين السلوقيين والبطالسة، ويعتقد اليهود أن يهوذا المكابي قد قام بإعادة بناء الهيكل مرة أخرى، ولكن حكم المكابيون لم يدم طويلا إذ دب بينهم الخلاف وضعف مركزهم واحتلهم الجيش الروماني بقيادة بومبى سنة ثلاثة وستين قبل الميلاد، وقد خضعت فلسطين لحكم الرومان وكانوا يستعملون عليهم ولاة ممن يختارون من اليهود، إلا أن اليهود كانوا دائمي الثورة، وفي عام سته وستين قبل الميلاد ثار اليهود في القدس على الحكم الروماني فحاصرهم الرومان واستطاع القائد تيتوس دخول القدس، فدمرها بالكامل وأخذ اليهود عبيدا يباعون في روما وهنا بدأ تواجدهم في أوروبا، وفي عهد الإمبراطور تراجان سنة مائة وسته من الميلاد.
عاد اليهود إلى القدس وأخذوا في الإعداد للثورة وأعمال الشغب من جديد، فلما تولى هادريان عرش الرومان سنة حول المدينة مستعمرة رومانية وحظر على اليهود الاختتان وقراءة التوراة واحترام السبت، فثار اليهود بقيادة بار كوخبا سنة مائة وخمسة وثلاثين ميلادية، فأرسلت روما الوالي يوليوس سيفيروس فاحتل المدينة وقهر اليهود وقتل باركوخيا وذبح من اليهود خمسائة وثمانين ألف وتشتت الأحياء من اليهود في بقاع الأرض ويسمى هذا العهد بعصر الشتات، أو الدياسبورا، وأما عن مملكة يهوذا في الجنوب وكان أول ملوكها رحبعام بن سليمان وعاصمتها أورشليم وقد عاشت أكثر من أختها إسرائيل وتعرضت لغزوات من الشمال والجنوب وكان آخرها على يد نبوخذ نصر ملك بابل وقد تغلب عليها ودفعت له الجزية، ثم ثارت مرة أخرى فغزاها فسبى من شعبها عشرة الآف من بينها أعيانها وأشرافها وكنوز الهيكل.
وثارت عليه مرة أخرى فأتاها هذه المرة وهدم أسوارها وأحرق الهيكل وسبى اليهود إلى بابل، وكانت نهاية رحبعام معلومة من البداءة، ولكن الله مع ذلك أعطاه أكثر من فرصة، ولقد أعانه الله في السنوات الثلاث الأولى من حكمه فبنى مدنا وحصنها، وجاءه الكثيرون من الكهنة واللاويين الذين هربوا من يربعام، وما من شك بأن مجيئهم كان يحمل بركات مضاعفة لمملكة يهوذا، وكان للملك أن يبارك الله لأجل تحسن الظروف التي أحاطت به، لكنه للأسف، حدث العكس، إذ يقول الكتاب “ولما تثبتت مملكة رحبعام وتشددت ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل معه” وقد توالت عليه الكوارث فيما بعد، على قول النبي إرميا “أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون، الحائدون عني في التراب يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية” وهل لنا بعد ذلك أن يمتد بنا القول “اشفني يا رب فأشفى، خلصني فأخلص لأنك أنت تسبيحتي؟
ويصف أحد كتاب الغربيين نهاية الدولتين فيقول إنها هي قصة نكبات، وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء نزول النكبة القاضية وهي قصة ملوك همج يحكمون شعبا من الهمج، وقد محت يد الأسر الآشوري مملكة إسرائيل من الوجود، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة خمسمائة وستة وثمانون قبل الميلاد.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك